محطات في تاريخ البحرين
هيثم الحسين - 22 / 3 / 2011م - 5:50 م - العدد (13)

البحرين جغرافياً:

اختلف المؤرخون والجغرافيون على حد سواء حول موقع البحرين في التاريخ القديم، والمساحة التي يغطيها هذا الموقع، ولعل ثمة تداخلاً كبيراً بين ما يعرف بمنطقة الخط أو خط عبد القيس وهي المناطق الواقعة بين البصرة وعمان، وربما اقتصر إطلاق الخط على شاطئ هذه المنطقة (أي القطيف)، وبين ما يعرف بالبحرين التاريخية التي يحددها الحموي في البلاد الواقعة ما بين البصرة وعمان[1] ، وأمضى ذلك الخليل بن أحمد الفراهيدي[2] .

ولكن بمرور الوقت أخذت تسمية الخط تقتصر على كونها قرية على ساحل البحرين، بعد أن كانت كما جاء في شعر المقرب من صفوى إلى الظهران. والخط كانت موطناً لعبد القيس فيها الرماح والجياد قال عمرو بن شاس:

بأيديهم سمر شداد متونها

من الخط أو هندية أحدثت صقلا

وقال الخليل، فإذا نسبت الرماح إليها: قلت رماح خطية.

وقال ابن الانباري: يقال لسيف البحرين خط، ولا ينبت بالخط القنا ولكنه مرسى سفن القنا، كما قيل مسك دارين وليس بدارين مسك، ولكنه مرسى سفن الهند[3] .

وأما البحرين، فإن التاريخ من خلال جميع معطياته والمعلومات المتاحة التي تجمعت منه حول المنطقة، تشير بدرجة أساسية إلى أن البحرين في التاريخ العربي والإسلامي كانت محصورة في الأحساء والقطيف، وإلى هذه الحقيقة أشير في تحديد الهوية الجغرافية للقطيف، حيث قالوا عنها بأنها إحدى مدينتي البحرين والأخرى هجر[4] ، وإليها لجأ الجارود بعبد القيس حين ارتدت بنو بكر التي ضربت حصاراً شديداً حول القطيف وجواثى[5] ، وقيل بأن القطيف كانت عاصمة البحرين في بعض أدوار التاريخ العربي والإسلامي[6] ، وأن العلاء الحضرمي كان يقيم فيها أبان ولايته على البحرين مما يؤكد حقيقة كون القطيف عاصمة البحرين، كما قيل في التعريف الجغرافي بمدينة هجر بأنها: مدينة معروفة وهي قاعدة البحرين[7]  وقيل ناحية البحرين كلها هجر[8] ، وفي نهاية الأرب: أن هجر خربها القرامطة عند استيلائهم على البحرين وكان يسكنها طوائف من العرب والعجم فمن العرب: قبائل تميم وعبد القيس وبكر بن وائل.

وقد اشتهرت هجر بسوقها، حيث كانت للعرب سوق يقيمونها في شهور السنة ويتنقلون من بعضها إلى بعض، ويحضرها سائر قبائل العرب من بعد منهم ومن قرب، فكانوا ينزلون دومة الجندل، أول يوم من ربيع الأول فيعشرهم رؤساء آل بدر في دومة الجندل، ثم ينتقلون إلى سوق هجر وهو المشهور في ربيع الآخر، وكان يعشرهم المنذر بن ساوى ثم يرتحلون إلى عمان، ثم قرى شحر، ثم عدن، فالرابية من حضرموت ثم عكاظ في الأشهر الحرم[9] .

وكان عبد القيس قد غلبوا البحرين واقتسموها بينهم، فنزلت جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس الخط وأعناءها، ونزلت شن بن أفصى بن عبد القيس طرفها وأدناها إلى العراق، ونزلت نكرة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس وسط القطيف وما حوله[10] .

مملكة فارس والبحرين:

ولما مات هرمز دان فارس في أطراف الأرضين شاع أنه ليس لأرض فارس ملك، وأن أهلها يلوذون بصبي في مهد -بعد موت مؤسس السلالة الساسانية في فارس أردشير عام 241م-وهو القائل: إني قد استحوذت على الأرض، ودان لي جميع الملوك، وليس لي ولد، يرث ملكي الذي أنصبت فيه نفسي.

أثارت مملكة فارس طمع المناطق المجاورة، وكانت بلاد العرب أدنى البلاد إلى فارس، فورد جمع عظيم من الأعراب من ناحية البحرين وكاظمة إلى أبر شهر وسواحل أردشير خره، وكان أهل هذه المناطق من أحوج الأمم إلى تناول شيء من معايشهم وبلادهم، لسوء حالهم وشظف عيشهم فسار جمع عظيم منهم من ناحية بلاد عبدالقيس والبحرين وكاظمة، حتى أناخوا على أبوشهر وسواحل أردشير خره وأسياف فارس، وغلبوا أهلها على مواشيهم وحروثهم ومعايشهم، وأكثروا الفساد في تلك البلاد فشنوا بها الغارة، وأتى بعض ملوك غسان على الجزيرة في جموع عظيمة حتى أغار على السواد، فمكثت مملكة فارس حيناً لا تتمنع من عدو لوهي أمر الملك.

فمكثوا على ذلك من أمرهم حيناً، لا يغزوهم أحد من الفرس، لعقدهم تاج الملك على طفل من الأطفال وقلة هيبة الناس له حتى تحرك سابور وترعرع[11]  ثم جمع عدة من المقاتلين بلغت ألف رجل، وسار فيها بعد أن أصدر أوامره ونهاهم عن الإبقاء على من لقوا من العرب.. ثم سار بهم فأوقع بمن انتجع بلاد فارس من العرب وهم غارون، وقتل منهم، أبرح القتل، وأسر أعنف الأسر وهرب بقيتهم.

ثم قطع البحر في أصحابه، فورد الخط، واستقرى بلاد البحرين، يقتل أهلها ولا يقبل فداء، ولا يعرج على غنيمة، ومضى على وجهه فورد هجر، وبها أناس من أعراب تميم وبكر بن وائل وعبد القيس، فأفشى فيهم القتل، وسفك منهم الدماء سفكاً سالت كسيل المطر، حتى كان الهارب منهم يرى أنه لن ينجيه منه غار في جبل، ولا جزيرة في بحر، ثم عطف على بلاد عبد القيس، فأباد أهلها إلا من هرب منهم، فلحق بالرمال، ثم أتى اليمامة فقتل بها مثل تلك المقتلة، ولم يمر بماء من مياه العرب إلا عوره، ولا جب من جبابهم إلا طمه[12] .

وقام بعملية تنظيم سكاني مخطط، فقد اسكن من بني تغلب من البحرين دارين، واسمها هيج والخط، ومن كان من عبد القيس وطوائفه بني تميم وهجر، ومن كان من بكر بن وائل كرمان، وهم الذين يدعون بكر أبان، ومن كان منهم من بني حنظلة بالرملية من بلاد الأهواز[13] ، وهكذا وفر لنفسه ضمانات أمنية مستقبلية بعد أن عبث بالمعادلات السكانية القائمة التي تكونت على مدار مئات بل آلاف السنين.

ثم خرج من هذا البيت كسرى (531-579م) الذي كان آثر أبناء أبيه عنده لاجتماع الشرف فيه، غير أنه كان سيئ الظن، مما أساء ذلك أباه، ووعده ابنه كسرى بان يتخلص من هذه العادة، وقرر إصلاح نفسه، فملكه أبوه قباد بعد 43 سنة من الحكم، وسلمه حين وفاته مقاليد السلطة في مملكة فارس.

وقسم كسرى أنوشروان المملكة أربعة أرباع وولى كل ربع رجلاً من ثقاته، فأحد الأرباع: خراسان وسجستان وكرمان، والثاني: أصبهان، وقم، والجبل، وأذربيجان، وأرمينية، والثالث: فارس والأهواز إلى البحرين، والرابع: العراق إلى حد مملكة الروم[14] .

البحرين ودعوة الرسول:

بقيت البحرين خاضعة لمملكة فارس، التي نقلت إليها عاداتها وثقافتها وتقاليدها، ولكن تلك التدابير الفارسية لم تحجب نور الإسلام القادم من الغرب، فقد كانت البحرين تترقب بشارة المصطفى بانبلاج فجر الإسلام، وترصد الحدث العظيم بظهور النبي الكريم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد أقام أمية بن أبي الصلت في البحرين ثمان سنوات وكان يقول:

ألا رسول لنا من يخبرنا

ما بعد غايتنا من رأس مجرانا

ثم خرج من البحرين وقدم الطائف وجاء إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في جماعة، وأطلعهم الرسول على دعوته ودعاهم إلى الإسلام فقبلوا منه[15] .

وتروي قصة أخرى، عن الراهب النصراني بحيرا[16] ، من نصارى البحرين وكان حدق في بعض الظواهر الطبيعية، وقيل أنه رأى النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان غلاماً في قافلة قريش التي مرت بالبحرين -وإلى ذلك تشير بعض الأحاديث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه مر بالبحرين وفسح له فيها- حيث نصح الراهب بحيرا عمه أبا طالب بالعودة بابن أخيه إلى مكة وقطع سفره إلى الشام كما بشر بحيرا رئيس عبد القيس المنذر بن عائد الملقب بالأشج، وكانا يلتقيان كل عام في مدينة دارين الواقعة على ساحل القطيف والمعروفة في التاريخ بأنها كانت فرضة للسفن القادمة من الهند، بشره بظهور نبي الإسلام في مكة.

وفي الواقع لم يتطلب قرار أهل البحرين قبول الدخول في الإسلام زمناً طويلاً، بل كانت الأجواء مهيأة تماماً لإنبثاث الدعوة الإسلامية، وللانخراط في سلك المؤمنين، فقد أسلمت عبد القيس كلها طوعاً.

وفي العام الخامس للهجرة، انتظم أول وفد لأهل البحرين بقيادة المنذر بن عائذ العبدي، وجاءوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبايعوه على الإسلام، وفي سنة تسع (وهي سنة الوفود) (أو العشر حسب أسد الغابة) ومقدمهم الجارود العبدي، وكان فيهم الأشج الذي قال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة، وكان فيهم الجارود بن حنش سيد عبد القيس، الذي وقف شاعراً بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

يا نبي الهدى أتتك رجال

قطعت فدفداً وآلأ فآلا

تتقي وقع شر يوم عبوس

أوجل القلب ذكره ثم هالا

وكان الجارود نصرانياً فأسلم على يد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما أسلم أصحابه، وكانوا أربعين رجلاً، ولم تزل رياسة عبد القيس بعد ذلك في بيته.

ولما قدم الوفد قال (صلى الله عليه وآله وسلم): مرحباً بالقوم غير خزايا ولا الندامى. فقال رئيسهم يا رسول الله إن بيننا وبينك المشركون من مضر وإنا لا نصل إليك إلا في الأشهر الحرم، حدثنا بجمل من الأمر أن عملنا به دخلنا الجنة وندعو به من ورائنا، قال: آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله هل تدرون ما الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا من المغانم الخمس. وأنهاكم عن أربع ما انتبذ في الدباء والنقير والحنتم والمزفت.

وتسلم الوفد كتاباً من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الهلال صاحب البحرين: سلم أنت، فإني أحمد إليك الله، الذي لا إله إلا هو، لا شريك له، وأدعوك إلى الله وحده، تؤمن بالله وتطيع، وتدخل في الجماعة فإنه خير لك والسلام على من اتبع الهدى[17]  ويقول الأحمدي صاحب (مكاتتيب الرسول): "لم أجد لهلال هذا ذكراً فيما تصفحت من كتب المعاجم والتاريخ0 إلا ما ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى" ثم يعقب "ولربما كان هلالاً مستسلماً غير محارب، ولم يكن مسلماً إلا ترى إلى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتدخل في الجماعة، فكأنه انفرد عن أهل البحرين في بقائه على الكفر بعد إسلام أهل البحرين.."[18] .

كما كتب (صلى الله عليه وآله وسلم) برسالة أخرى إلى عبد القيس بعد عودة وفدهم من المدينة البحرين، يبين فيها التشريعات الدينية المفروضة عليهم، ونص الكتاب:

بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد رسول الله لعبد القيس وحاشيتها من البحرين وما حولها، إنكم أتيتموني مسلمين مؤمنين بالله ورسوله، وعاهدتم على دينه، فقبلت على أن تطيعوا الله ورسوله فيما أحببتم وكرهتم وتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتحجوا البيت وتصوموا رمضان وتكونوا قائمين لله بالقسط ولو على أنفسكم وعلى أن تؤخذ من حواشي أموال أغنيائكم، فترد على فقرائكم، على فريضة الله ورسوله في أموال المسلمين"[19] .

وكتب (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى رئيس من رؤساء عبد القيس من محمد رسول الله إلى الأكبر من عبد القيس: إنهم آمنون بأمان الله وأمان رسوله، على ما أحدثوا الجاهلية من القحم[20] ، وعليهم الوفاء بما عاهدوا ولهم أن لا يحبسوا عن طريق الميرة[21] ، ولا يمنعوا صوب القطر، ولا يحرموا حريم الثمار عند بلوغه. والعلاء بن الحضرمي أمن رسول الله على برها وبحرها وسراياها وما أخرج منها، وأهل البحرين خفراؤه من الضيم[22]  وأعوانه على الظالم وأنصاره في الملاحم، عليهم بذلك عهد اللَّه وميثاقه، لا يبدلوا قولاً ولا يريدوا فرقة، ولهم على جند المسلمين الشركة في الفيء والعدل في الحكم، والقصد في السيرة، حكم لا تبديل له في الفريقين كليهما، والله ورسوله يشهد عليهم[23] .

لقد كتب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مكاتيب كثيرة إلى البحرين، وصلت ما يربو على االإثني عشرة رسالة، وتوصل الباحث محمد أمين أبو المكارم إلى أن 10بالمئة من إجمالي رسائل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت للمنذر بن ساوى حاكم البحرين[24] ، ويعلق صاحب (مكاتيب الرسول) على كثرة مكاتيب الرسول إلى البحرين ما نصه: "فمن ذلك يعرف كثرة روابطهم واهتمام الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بهم وعظم الاختلافات الباعثة على تشديده (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم، ولعل في ذلك كله للأيادي السياسية العامة فيها من الامبراطوريات الإيرانية"[25] .

وفي الواقع، أن الإسلام في البحرين كان له تميز غير عادي، وهذا ما تخبر به الروايات التاريخية والأحاديث النبوية، ففي البحرين: عن ابن عباس قال: أول جمعة جمعت في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في مسجد عبد القيس بجواثا من البحرين[26] ، بل كانت البحرين من الخيارات المطروحة لهجرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حسب بعض الروايات، فقد روى ابن كثير الدمشقي في (البداية والنهاية) بمسنده عن جرير: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "إن الله أوحى إلي أي هؤلاء البلاد الثلاث نزلت فهي دار هجرتك: المدينة، أو البحرين، ، أو قنسرين" يقول ابن كثير: قال أهل العلم: ثم عزم له على المدينة فأمر أصحابه بالهجرة إليها[27]  وفي رواية أخرى عن ابن كثير نفسه، قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) "أريت دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرتين، فأما أن تكون هجر أو تكون يثرب"[28] ، وقد ذكر هذا الحديث بألفاظ مختلفة ومضامين متحدة كل من الحاكم في مستدركه والترمذي في سننه وغيرهم.

ولا عجب إذاً، أن يظهر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) اهتماماً خاصاً بالبحرين وأهلها وأن يخصهم بالإطراء والمدح والرسائل، بل وخصهم بمبعوثين دينيين وسياسيين رفيعي المستوى، أي الموفدين من قبله (صلى الله عليه وآله وسلم) للتبشير بالإسلام أولمزاولة بعض الوظائف المدنية كجبي الزكاة ، حيث بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود أخا بني عامر بن لؤي إلى هوذة بن علي، صاحب اليمامة، وبعث مالك بن نويرة على صدقات بني حنظلة، وفرق صدقة بني سعد على رجلين منهم، وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى أخي بني عبد القيس صاحب البحرين، وعمرو بن العاص إلى جيفر بن جلندي وعباد بن جلندي الأزديين صاحبي عمان، وبعث حاطب بن أبي بلتعه إلى المقوقس صاحب الإسكندرية[29] .

عمال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الأوائل:

فرق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، في جميع البلاد التي دخلها الإسلام، عمالاً على الصدقات، على كل ما أوطأ الإسلام من البلدان، فبعث المهاجر بن أمية بن المغيرة إلى صنعاء، فخرج عليه العنسي وهو بها، وبعث زياد بن لبيد أخا بني بياضة الأنصاري إلى حضرموت على صدقتها، وبعث عدي بن حاتم على الصدقة، صدقة طئ وأسد، وبعث العلاء الحضرمي على البحرين وبعث الإمام علي ابن أبي طالب إلى نجران ليجمع صدقاتهم ويقدم عليهم بجزيتهم[30] .

يقول اليعقوبي: "وكان عمال رسول الله، لما قبضه الله، على مكة: عتاب بن أسيد بن العاص، وعلى البحرين: العلاء الحضرمي، والمنذر بن ساوى التميمي" وبعضهم قال مكان العلاء: أبان بن سعيد[31] .

وقد أردت في هذا المقام رفع اللبس الذي وقع فيه الكاتب محمد أمين أبو المكارم حين رصد الأدلة تلو الأدلة كيما يثبت استمرار المنذر بن ساوى في حكومته على البحرين مستخدماً لغة جازمة صارمة في عناوينه الفرعية (المنذر بن ساوى حاكم البحرين حتى الموت) أو (ولا يزال المنذر حاكماً) ولم أجد فيما نظرت إليه من أدلته إلا الإطالة من غير طائل وتشديداً في غير وارد، وقلت في أول وهلة لعله خلط بين المناصب والمهام، فكون المنذر حاكماً لا ينفي كون العلاء كان موجوداً لمهمة أخرى في البحرين على زمن الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم)، والعلاء لم يبعث حاكماً حتى يصار إلى تلك الاستعراضية الاستدلالية، فالثابت تاريخياً أن النبي بعث العلاء الحضرمي إلى البحرين للدعوة إلى الإسلام، ثم بعثه عاملاً لجباية صدقات البحرين، أي بتعبير آخر مسؤول الضرائب.

فضلاً عن هذا وذاك، أن تاريخ الإسلام علمنا أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في رسائله إلى رؤساء الأقوام والأقاليم بدعوتهم إلى الإسلام كان يبقى على ما تحت أيديهم إذا ماهم قبلوا بالدعوة، فكيف يبعث العلاء حاكماً وهناك المنذر بن ساوى الذي قبل الإسلام وكان حاكماً على المنطقة، وقد ثبته رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على منصبه في رسالته إليه: "فإني أدعوك إلى الإسلام فأسلم تسلم يجعل الله لك ما تحت يديك"[32] . وفي رسالة أخرى ذكرها أبو المكارم في بحثه عن علاء الدين الأعلمي في (وهج الفصاحة ص67) "أما بعد إن رسلي قد حمدوك، وإنك مهما تصلح أصلح إليك، وأثبتك على عملك وتنصح لله ورسوله والسلام عليكم"[33] .

ومما يجدر الالتفات إليه، أن العبارات التي استخدمت في كتب التاريخ كقول اليعقوبي في تاريخه: أمر صلى الله عليه وسلم العلاء حليف بن سعيد بن العاص على القطيف بالبحرين[34] ، لا يصح نسبة الأمر إلى الآمرة والحكم، وإلا وقعنا في مغالطة تاريخية، ولكن إنما هو أمر الدين، أي الإضطلاع بالشؤون الدينية من صدقات وإبلاغ أحكام الدين فحسب.

وأياً كان غرض أبي المكارم في تشديده على حقيقة كون المنذر حاكماً حتى الموت، يدفعه هو نفسه في جدول الولاة، حيث وضع العلاء في خانة العمال ووضع المنذر في خانة الولاة، وهو الصحيح، ويظل الغموض قائماً في سر ذلك التشديد، رغم أنه لا يشير من قريب أو بعيد إلى القائل بأن العلاء كان والياً على البحرين.

شذرات من تاريخ البحرين في عصر الخلفاء:

خرج العلاء بن الحضرمي نحو البحرين، في خلافة أبي بكر الصديق(رضي الله عنه) في مهمة جديدة، لتولي منصب الوالي عليها، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمنذر بن ساوى مرضا في شهر واحد، ومات المنذر بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقليل، ثم وقعت حادثة الردة في منطقة البحرين، في زمن الخليفة أبي بكر الصديق (رضي الله عنه)، عام 11 للهجرة ووجه العلاء الحضرمي في جيش، فدخل الزارة وناحيتها من أرض البحرين، فأما عبد القيس ففاءت، وأما بكر فتمت على ردتها، وكان الذي ثنى عبد القيس الجارود العبدي، وقد وقف في قومه خطيباً ودعاهم للعودة إلى الإسلام ففاءوا.

وبعث العلاء في نفس العام، إلى أبي بكر بالمال، فكان أول ما قسمه أبو بكر في الناس بين الأحمر والأسود والحر والعبد ديناراً لكل إنسان[35] .

وروى أنس بن مالك أن أبا بكر لما استخلف بعثه إلى البحرين عاملاً عليها وكتب إليه هذا الكتاب وهو: بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على المسلمين والتي أمر الله بها رسوله فمن سألها من المسلمين على وجهها فليعطها ومن سئل فوقها فلا يعط.." ثم ساق تفاصيل زكاة الأنعام[36] .

وكان عمال أبي بكر لما توفي: عتاب بن أسيد على مكة وعثمان بن أبي العاص على الطائف ورجلاً من الأنصار على اليمامة، وحذيفة بن محصن على عمان والعلاء بن الحضرمي على البحرين، وخالد بن الوليد على جيش الشام والمثنى بن حارثة الشيباني على الكوفة وسويد بن قطبة على البصرة[37]  وعلى خولان يعلى بن أمية، وعلى زبيد ورمع أبو موسى الأشعري، وعلى الجند معاذ بن جبل، وعلى حضرموت زياد لبيد، وصنعاء: المهاجر بن أبي أمية[38] .

وفي خلافة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) (تولى سنة 13 للهجرة)، حيث دونت الدواوين وفرض العطاء سنة 20هـ وقد كثرت الأموال في عهده فأشير عليه أن يجعل ديواناً، فدعى  عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل، وجبير بن مطعم بن نوفل بن عبد مناف، وقال: اكتبوا الناس على منازلهم، وأبدأوا ببني عبد مناف[39] ، وقد اعتبر هذا القرار سابقة في السياسة المالية الإسلامية. وكان أول مال وصل الخليفة من البحرين، نقله أبو هريرة، مبلغه سبعمائة ألف درهم[40] .

وكان عمال عمر حين وفاته : سعد بن أبي وقاص على الكوفة، وقيل المغيرة، وأبو موسى الأشعري على البصرة، وعمير بن سعد على حمص، ومعاوية بن أبي سفيان على بعض الشام، وعمرو بن العاص على مصر، وزياد بن لبيد البياض على بعض اليمن، وأبو هريرة على عمان، ونافع بن الحارث على مكة، ويعلى بن منته التميمي على صنعاء والحارث بن أبي العاص الثقفي على البحرين، وعبد الله بن أبي ربيعة على الجند[41]  وعلى فرج الكوفة وما فتح من أراضيها المثنى بن حارثة[42] .

وكان العلاء الحضرمي على البحرين في خلافة أبي بكر، وشطراً من خلافة عمر، وقد عزله الأخير، وجعل قدامة بن مظعون مكانه، ثم عزل قدامة بسبب شربه للخمر ورد العلاء، وكان العلاء دخل في رهانات خطيرة لإثبات كفاءته العسكرية وجدارته في تولي المناصب العليا، ويبدو أن العلاء شعر بالانكسار النفسي بعد عزله عن منصبه، فخاض مغامرات مع سعد بن أبي وقاص، لاستعادة مكانته، فكان كلما عمل سعد عملاً أراد العلاء أن يعمل ما هو أعظم منه، فبينما أحرز العلاء تقدماً على سعد في تسوية ملف الردة، كانت القادسية إنجازاً عظيماً طار بصيت سعد في الآفاق، فقد أزاح الأكاسرة عن حريم بلاد المسلمين، وأخذ حدود ما يلي السواد، وهذا في الحسابات السياسية مكسباً ضخماً يفوق ما حققه العلاء في حروب الردة، الأمر الذي أثار حفيظة العلاء وحفز فيه روح المغامرة، وقرر الدخول في مقامرة عابثة، فأراد أن يصنع انتصاراً مماثلاً على الفرس كالذي حققه سعد، ورغم رفض الخليفة عمر القاطع في شن أي حرب على الجبهة الشرقية، ناهراً العلاء بعدم الإقدام على خوض الحرب عن طريق البحر، إلا أنه، ومن أجل إطفاء تلك النزعة الثائرة بداخله، أعلن التعبئة العامة، وندب أهل البحرين إلى فارس، وفرقهم أجناداً، على أحدهم الجارود بن المعلى، وعى الأخر السوار بن همام، وعلى الأخر خليد بن المنذر بن ساوى، وخليد على جماعة من الناس، فحملهم إلى البحر إلى فارس بغير إذن الخليفة عمر، فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس، فخرجوا في إصطخر وبإزائهم أهل فارس، الهربذ، اجتمعوا عليه، فحالوا بين المسلمين وبين سفنهم.

فقام اخليد في الناس، وقال: أما بعد، فإن الله إذا قضى أمراً جرت به المقادير حتى تصيبه، وإن هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على أن دعوكم إلى حربهم، وإنما جئتم لمحاربتهم، والسفن والأرض لمن غلب، فاستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين.

فأجابوا إلى ذلك فصلوا الظهر، ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالاً شديداً فسي موضع يدعى طاوس، وجعل السوار يرتجز ويذكر قومه، ويقول:

يا آل عبد القيس للقراع

قد حفل الإمداد بالجراع

ولكلهم في سنن المصاع

يحسن ضرب القوم بالقطاع

حتى قتل.

وجعل الجارود يرتجز ويقول:

لو كان شيئاً أمما أكلته

أو كان ماء سادماً جهرته

لكن بحراً جاءنا أنكرته

حتى قتل.

ويومئذٍ ولي عبد الله بن السوار والمنذر بن الجارودج حياتهما إلى أن ماتا.

وجعل خليد يومئذ يرتجز ويقول:

يا آل تميم اجمعوا النزول

وكاد جيش عمر يزول

وكلكم يعلم ما أقول

ولكن بعد وصول الإمدادات من المسلمين، فتح الله عليهم وأصاب المسلمون من المشركين -من فارس- ما شاء الله وأوهى الغزاة التي شرفت فيها نابتة البصرة، وكانوا أفضل نوابت الأمصار فكانوا أفضل المصرين نابتة ثم انكفئوا بما أصابوا، وقد عهد إليهم عتبة، وكتب إليهم بالحث وقلة العرجة، فانضموا إليه بالبصرة، فخرج أهلها إلى منازلهم، وتفرق الذين تنقذوا من أهل هجر لى قبائلهم والذين تنقذوا من عبد القيس في موضع سوق البحرين[43] .

وهناك ثمة وجع آخر للمعركة خاف بعض الشيء، فبعد أن قتل جيش المسلمين مقتلة عظيمة في جيش فارس خرج يريد البصرة فغرقت بهم سفنهم، ولم يجدوا إلى الرجوع في البحر سبيلا، ووجدوا شهرك في أهل اصطخر قد أخذوا على المسلمين بالطرق، فعسكروا وامتنعوا من العدو. ولما بلغ عمر ما صنع العلاء بن الحضرمي اشتد غضبه عليه، وبعث إليه فعزله وتوعده، وأمر بأثقل الأشياء عليه، وأبغض الوجوه إليه فقال: الحق بسعد بن أبي وقاص (فيمج بمن معه نحو سعد) ثم كتب عمر إلى عتبة بن غزوان يأمره بقيادة الناس وإعلان التعبئة لإنقاذ جيش المسلمين المحاصر في طاوس بقياد خليد بن المنذر بن ساوى، ونصب عمر قادة للجيش منهم هاشم بن أي وقاص، وعاصم بن عمرو، والأحنف بن قيس، وعرفجة بن هرثمة وحذيفة بن محصن في 12 ألف وعلى الجميع أبو سبره بن أبي رهم ففكوا الحصار عن جيش المسلمين وهزموا جيش فارس[44] .

في سة 12هـ خلف عمر، في حجته زيد بن ثابت على المدينة وكان هو عامله على مكة والطائف واليمن واليمامة والبحرين والشام ومصر والبصرة، أما الكوفة فإن عامله عليها كان عمار بن ياسر وكان إليه الأحداث وإلى عبد الله بن مسعود بيت المال، وإلى عثمان بن حنيف الخراج، وإلى شريح فيما قيل القضاء[45] .

في عام 13هـ ولى عثمان بن أبي العاص أرض البحرين، فلما بلغه فتح الأهواز سار بمن كان معه حتى أوغل في أرض فارس، فنزل مكاناً يسمى توج فصيره دار هجرة، وبنى مسجداً جامعاً، فكان يحارب أهل اردشير، حتى غلب على طائفة من أرضهم[46] .

وفي نفس العام تولى عثمان بن عفان الخلافة، وقام بجمع القرآن وألفه، وصير الطوال مع الطوال والقصار مع القصار من السور، وكتب في جمع المصاحف من الآفاق حتى جمعت ثم سلقها بالماء الحار والخل، وقيل أحرقها، فلم يبق مصحف إلا فعل به ذلك خلا مصحف ابن مسعود.

وكان ابن مسعود بالكوفة، فامتنع أن يدفع مصحفه إلى عبد الله بن عامر، وكتب إليه عثمان: أن أشخصه، إنه لم يكن هذا الدين خبالاً وهذه الأمة فساداً.

فدخل -ابن مسعود- المسجد وعثمان يخطب، فقال عثمان: إنه قد قدمت عليكم دابة سوء، فكلمه ابن مسعود بكالم غليظ فأمر به عثمان. فحز برجله حتى كسر له ضلعان، فتكلمت عائشة وقالت قولاً كثيراً، وبعث بها إلى الأمصار، وخص الخليفة منطقة البحرين بنسخة من المصحف وأمر الناس -في المناطق التي وصلت إليها نسخ القرآن الذي جمعه عثمان- أن يقرؤوا على نسخة واحدة.

وكان سبب ذلك أنه بلغه أن الناس يقولون قرآن آل فلان، فأراد أن يكون نسخة واحدة، وقيل: إن ابن مسعود كان كتب بذلك إليه، فلما بلغه أنه يحرق المصاحف، قال: لم أرد هذا[47] .

عمال عثمان على البحرين: في سنة 16هـ استعمل عثمان بن النعمان بن عجلان الزرقي، ومن ولاته عليها مروان بن الحكم.

وبعد أن تولى الإمام علي سنة 35هـ الخلافة، جاءه طلحة والزبير فقالا: أنه قد نالتنا بعد رسول الله جفوة، فأشركنا في أمرك؟ فقال: أنتما شريكاي في القوة والاستقامة، وعوناً في العجز والأود[48] .

روى بعضهم أنه ولى طلحة اليمن والزبير اليمامة والبحرين، فلما دفع إليهما عهديهما قالا له: وصلتك رحم! قال: وإنما وصلتكم بولاية أمر المسلمين. واسترد العهد منهما فعتبا من ذلك وقالا: آثرت علينا! فقال: لولا ما ظهر من حرصكما لقد كان لي فيكما رأي[49] .

وكتب الإمام علي (عليه السلام)  إلى عمر بن أبي سلمة المخزومي، وهو ابن أم سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان عمر عامله على البحرين:أما بعد، فإني قد وليت النعمان بن العجلان البحرين بلا ذم لك، فأقبل غير ظنيين، وأخرج إليه من عمل ما وليت، فقد أردت الشخوص إلى ظلمة أهل الشام وبقية الأحزاب، فأحببت أن تشهد معي لقاؤهم فإنك ممن أستظهر به على إقامة الدين ونصر الهدى، جعلنا الله وإياك من الذين يعملون بالحق وبه يعدلون[50] .

فأقبل عمر وشهد مع الإمام علي الحرب، ثم انصرف وتبع علياً إلى الكوفة، فمكث معه ما يربو على السنة.

وهذه الرسالة بما تحتوي من تعبيرات وقرار إداري، يعكس أهمية عمر بن أبي سلمة ومكانته كما يعكس أهمية البحرين التي يجعل الإمام علي عليها شخصاً مهماً مثل هذا الرجل الذي يستظهر الإمام به في إقامة الدين.

عمال الإمام علي: وكان من عماله أيضاً قدامة بن العجلان وفي سنة 40هـ كان عامله على البحرين وما يليها واليمن ومخالفيها عبيد الله بن العباس[51] .

وقد عرفت البحرين بولائها الشديد للإمام علي (عليه السلام)، فقد دانت بالطاعة له منذ تسلمه الخلافة، ومما يروى في كتب السيرة أن الإمام علي (عليه السلام) بعث موفداً من قبله إلى معاوية يقنعه ليدخل في طاعة إمامه، ونبذ الشقاق والانشقاق والانصياع لحكم بني عمه، فانطلق الموفد وهو جرير بن حمدان وجاء الشام ونزل بمعاوية فدخل عليه فحمد الله وأثنى عليه: "أما بعد: يا معاوية، فإنه قد اجتمع لابن عمك أهل الحرمين، وأهل المصرين، وأهل الحجاز، وأهل اليمن ، وأهل مصر، وأهل العروض، وعمان، وأهل البحرين واليمامة، فلم يبق إلا أهل هذه الحصون التي أنت فيها[52] .

بقي أهل البحرين من عبد القيس أولياء لأهل البيت النبوي وللإمام علي (عليه السلام) كما ظهر ذلك في نصرتهم له في وقائعه، ومن رؤسائهم من شارك في قيادة جيوشه مثل أبناء صوحان العبدي: صعصعة وزيد وسيحان.

ونذكر هنا رشيد الهجري الذي كان يطلق عليه الإمام علي رشيد البلايا، عده اليعقوبي في جملة الذي كانوا يحملون عن الإمام علي العلم، وذكر اليعقوبي أنه: كان أحصاب علي الذين يحملون عنه العلم: الحارث الأعور، أبو الطفيل، عامر بن وائلة، حبة العرني، رشيد الهجري، حويزة بن مسهر، الأصبغ بن نباتة، الحس بن علي[53] .

وقد ابتلي رشيد الهجري في ولايته لإمامه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وتحكي ابنته قنواء قصة شهادته المأساوية، تقول سمعت أبي يقول: أخبرني أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا رشيد كيف أصبرك إذا أرسل إليك دعي بني أمية فقطع يديك ورجليك ولسانك. قلت: يا أمير المؤمنين آخر ذلك الجنة؟ فقال: يا رشيد أنت معي في الدنيا والآخرة. قالت: فو الله ما ذهبت الأيام حتى أرسل الله عبيد الله بن زياد الدعي، فدعاه إلى البراءة من أمير المؤمنين (عليه السلام) فأبى أن يبرأ منه، فقال له الدعي: فبأي ميتة قال لك تموت؟ قال له: أخبرني خليلي أنك تدعوني إلى البراءة منه فلا أبرأ فتقدمني فتقطع يدي ورجلي ولساني، فقال والله لأكذبن قوله فيك. قال: فقدموه فقطعوا يديه ورجليه وتركوا لسانه، فحملت أطراف يديه ورجليه فقلت: يا أبت هل تجد ألماً لما أصابك؟ فقال: لا يا بنية إلا كالزحام بين الناس فلما احتملناه وأخرجناه من القصر اجتمع الناس حوله، فلم يزل يحدث الناس بفضائل أهل البيت وغيرهم فلما سمع عبيد الله بذلك أرسل الحجام فقطع لسانه، وما لبث أن مات رحمة الله عليه في ليلته[54] .

لقد ناصرت عبد القيس علي بن أبي طالب (عليه السلام) في حوادث سنة 36هـ، وكان أبناء صوحان مبرزين في هذه الحوادث، فقد برز صعصعة وأخوه زيد بن صوحان ويدعى زيد الخير، قال عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن من بعدي رجل يسبقه عضو من الجنة ثم يتبعه سائر جسده فقطعت يوم جلولاء وخرج مع علي (عليه السلام) يوم الجمل واستشهد. وقتل من عبد القيس في يوم الجمل سليمان بن صوحان وراشد بن سمرة وعبد الله بن رقبة[55] .

لقد كتبت الأحداث التي اندلعت في عهد الإمام علي (عليه السلام) وحمل عبد القيس ألوية الحروب ضد خصوم الإمام، تاريخاً جديداً للبحرين، حيث اكتست طابعاً شيعياً واضحاً، يقول ياقوت الحموي في (معجم البلدان) عن عمان: وأكثر أهلها في أيامنا خوارج أباضية ليس بها من غير هذا المذهب إلا طارئ غريب وهم لا يخفون ذلك.

ثم قال: "وأهل البحرين بالقرب منهم بضدهم كلهم روافض.. وليس عندهم من يخالف هذا المذهب إلا أن يكون غريباً[56] .

وجاء في (معجم القبائل 728): "وأهل البحرين كلهم شيعي إمامي"، وكان من عظمائهم وشيوخ القبائل مسمع بن عبد الملك الذي روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) كثيراً وهو من المحدثين الإمامية، ومنهم أيضاً خيثمة بن عدي الهجري الكوفي[57]  ومحمد بن المشمل الهجري الكوفي[58]  والوليد بن عروة الهجري[59] .

واستمر ولاء عبد القيس لأهل البيت (عليهم السلام)، ومما يروى أن علباء بن دراع الأسدي تولى البحرين أيام بني أمية، ولكنه كان شيعياً وقد أفاد سبعين ألف دينار ودواب ورقيقاً، وحمل ذلك ووضعه بين يدي الإمام جعفر الصادق أبي عبد الله (عليه السلام) وقال: إني وليت البحرين لبني أمية، وأفدت كذا وكذا، وقد حملته كله إليك، وعلمت أن الله عز وجل لم يجعل لهم من ذلك شيئاً.." فأخذه أبو عبد الله (عليه السلام) ثم وهبه إياه مرة أخرى[60] .

وفي العهد العباسي، حيث كان للبحرين موقف صلب ضد الخلافة العباسية التي نظروا إليها بوصفها مشروع قرصنة ومصادرة لحق أهل البيت برفعهم شعار (الرضا من آل محمد)، ولذلك ناهضوا العباسيين، وتعاطفوا مع العلويين، وهذا ما كان سبباً للجوء بعضهم إلى البحرين.

البحرين: والانفراج الاقتصادي للمسلمين

اشتهرت البحرين بثرائها الفاحش، ورفاهها المعيشي، حتى اعتبر ذلك من سمات البحرين ومميزاتها، وكان امرؤ القيس يصف مدينة جواثا في بيت من الشعر يقول فيه:

ورحنا كأنا من جواثى عشية       نعالى النعاج بين عدل ومشنق

يعني كأنا من تجار جواثى لكثرة ما معهم من الصيد، وأراد كثرة أمتعة تجار جواثى بين عدل: أي معدول في اعدال، ومشنق: أي معلق[61] .

ونفهم من كلام معاوية لصعصعة بن صوحان العبدي وجماعته (فلا يبطركم الأنعام)، كإشارة مفيدة إلى الحال المعيشية التي كان عليها أهل البحرين من أفراد عبدالقيس، وهي بلاشك إشارة ذات مغزى، فالأحوال المعيشية لم تكن في مستوى معتدل فحسب، بل بلغت مستويات عليا إلى حد كان معاوية عاجزاً عن استمالتهم نحو الخليفة أي كسب ولاءهم السياسي، هذه صورة.

وهناك صورة أخرى عن مجتمع آخر -مجتمع المسلمين الأوائل في مكة المكرمة، ينقلها الإمام علي (عليه السلام) في خطبة له أمام جمع من المهاجرين والأنصار في أول يوم من البيعة لعثمان بن عفان حيث قال علي: ".. ونحن معاشر العرب، أضيق العرب معاشا، وأخشنهم رياشاً، جل طعامنا الهبيد، وجل لباسنا الوبر والجلود.."[62] .

وجاء في خطبة لسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) أمام جمع من الصحابة في المسجد بعد رحيل أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ما نصه: ".. وكنتم على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب نهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام، تشربون الطرق وتقتاتون القد (والورق) أذلة خاسئين تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد صلى الله عليه وآله.."[63] .

في هذا المقطع من الخطبة تكشف الزهراء (عليها السلام) عن حقيقة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للمجتمع العربي في مكة قبل بعثة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث تصف واقعهم البائس، بأنهم أصبحوا موطئ الأقدام تعبيراً عن الاستضعاف والمغلوبية والمذلة، وليس من مشرب لهم سوى الطرق وهو الماء المتجمع من ماء المطر فتبول فيه الإبل وتبعر، وهو يشبه مياه المستنقعات الآسنة. وليس من مأكل لهم سوى القد والورق، والقد بكسر القاف وتشديد الدال، هو الجلد غير المدبوغ، بمعنى أن طعامهم كان من الجلد واللحم اليابس المقدد إضافة إلى أوراق الشجر.

لقد كان أفراد هذا المجتمع يعانون النبذ والخسة والاحتقار بسبب وضاعة المعيشة وضنك الحياة، وفوق هذا يعيشون الرعب المتصل وانعدام الأمن، فكانوا يتوقعون الغيلة والعدوان في كل لحظة، تبعاً لعادة الغزو المتبعة في الحياة الجاهلية وما تثيره الصراعات القبلية، وطبيعي أن يؤول الغزو إلى كل أنواع القتل والسلب والنهب والاعتداء، وهم سادرون في تخلفهم، متقعرون في فقرهم وفاقتهم.

فلما انطلقت دعوة الإسلام، وبعث نبي الهدى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وصدع بتبليغ رسالته، وبعث بالرسائل والمكاتيب إلى الملوك ورؤساء الأقاليم والشعوب الأخرى يدعوها للدخول في الإسلام، ولبى كثير منها الدعوة، بدأت الأوضاع المعيشية للمسلمين في الحجاز تشهد تغيراً جوهرياً، لجهة انفراج اقتصادي ومعيشي ملحوظ، وقد لعبت أموال البحرين دوراً مركزياً في تحسن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لمسلمي الحجاز، لقد باتوا يترقبون قدوم مال البحرين، لتسوية مشكلاتهم المادية، الفردية والجماعية سواء بسواء.

فلما دخل أهل البحرين الإسلام، وجعل عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) العلاء بعث أبا عبيدة يأتي بصدقاتها، فقدم بمال البحرين فسمعت الأنصار بقدومه فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما انصرف تعرضوا له، فتبسم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء،قالوا: أجل يا رسول الله، قال: فابشروا وأملوا ما يسركم فو الذي نفسي بيده ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم"[64] .

وكان قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بمال البحرين، وهو ثمانون ألف درهم، وجه به العلاء بن عبد الله بن ضماد الحضرمي "وهو أول مال حمل إلى المدينة" حسب المسعودي[65] ، ففرقة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على الناس.

وكان من ضخامة مال البحرين، ما أحدث اختلالاً نفسياً وأثار مطامع القوم، وكأنهم أمام كنز لم يحلموا به، ومما يروى أنه أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمال من البحرين فقال: "انثروه في المسجد" فكان أكثر مال أتى به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ جاءه العباس فقال: يا رسول الله أعطني فاديت نفسي وفاديت عقيلاً فقال: "خذ" فحثا في ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال مر بعضهم يرفعه إلي. قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "لا" قال فارفعه أنت علي، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "لا" فنثر منه ثم ذب يقله فلم يستطع وأعاد الطلب مرة أخرى، ثم نثر منه واحتمله على كاهله، فانطلق.. فما قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من مكانه وثم منها درهماً[66] .

ومما يروى أيضاً: يقول محمد بن المنكدر أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "لو قد جاء مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا" ثلاثاً فلم يقم مال البحرين حتى قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)[67] .

وتخبرنا مصادر تاريخية عدة، أن البحرين بثرائها ورفاها كانت مصدر إثراء وإغراء، بل استعملت خيراتها وثرواتها كعامل احتواء واستقطاب، لحديثي العهد بالإسلام، فقد كان فرات بن حبان بن ثعلبة الربعي البكري ثم العجلي حليف بني سهم، دليل عير قريش، فأسرته سرية زيد بن حارثة حين أصابوا العير، فلم يقتله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأسلم وحسن إسلامه. وفي الإصابة: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قطع له أرضً بالبحرين[68] ، واعتبرت هذه الأرض مكافأة له على إسلامه، وطمعاً في استقامته.

بل استخدمت البحرين للمساومة، وقد خرج الزبرقان والأقرع من زعماء بني تميم، وقد أسلما في عام الفتح إلى أبي بكر، في حوادث الردة وقالا: اجعل لنا خراج البحرين ونضمن لك إلا ما يرجع من قومنا أحد ففعل وكتب الكتاب[69] .

إن التغير المعيشي الذي أحدثه مال البحرين في أحوال المسلمين، أغرى بعضهم حتى زعم بأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أقطعه له من خراج البحري ومالياتها وإقطاعاتها، فهذا العباس بن عبد المطلب يدعي عند الخليفة عمر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اقطع له البحرين، وشهد بذلك المغيرة فلم يقبل منه عمر[70] .

وروي بعضهم: أن المغيرة بن شعبة قال للإمام علي: يا أمير المؤمنين انفذ طلحة إلى اليمن والزبير إلى البحرين، واكتب بعهد معاوية لى الشام، فإذا استقامت الأمور فشأنك وما تريده فيهم! فأجابه في ذلك جواباً فقال المغيرة: والله ما نصحت له قبلها، ولا أنصح له بعدها[71] .

وبالرغم من التغييرات الجوهرية التي حصلت في الخارطة الجيوبوليتيكية الإسلامية مع انتقال ثقل الدولة ومركزها من الحجاز (الخلفاء الثلاثة) ثم إلى العراق -الكوفة (الإمام علي) ثم إلى الشام (الدولة الأموية) وأخيراً إلى العراق (الدولة العباسية) وما رافق ذلك من ظهور مصادر مالية جديدة لدول المسلمين إلا أن ذلك لم يكن يلغي تماماً أهمية البحرين الاقتصادية، فقد ظلت تحتفظ بكونها محل إغراء وترغيب بالنسبة للكثيرين حتى في أزمنة متأخرة، ففي سنة 247هـ، وهي السنة التي قتل فيها المتوكل، ذكر مروان بن أبي الجنوب أبي السمط، أنه قال: أنشدت أمير المؤمنين فيه شعراً، وذكرت الرافضة فيه، فعقد لي على البحرين واليمامة، وخلع علي أربع خلع في دار العمامة، وخلع على المنتصر وأمر لي بثلاثة آلاف دينار، فنثرت على رأسي، وأمر ابنه المنتصر سعداً الايتاخي يلقطانها لي، ولا أمس منها شيئاً فجمعناها، فانصرفت بها[72] .

البحرين: امتحان معنوي للصحابة

اعتاد الصحابة وجيل المسلمين الأول خوض التحدي العسكري، كما ألفوا المعارك والحروب مع اعتى القوم السائد حينذاك، ولكن لم يعتد الصحابة وهذا الجيل خوض التحدي مع الذات، ومنازلة النفس في ميولها ونزوعها نحو الأثرة والشر والسوء هذا من جهة.

من جهة ثانية، لم يكن المسلمون وهم حديثو عهد بالإسلام قادرين على الانتقال الفوري من حياة الضنك ومحنة العيش وضيقها إلى حالة الاسترخاء المعيشي والرفاه المفرط، والذي ربما لم يعرفه حتى أثرياء قريش، ولذلك كانت البحرين برخائها المادي وبسطة الرفاه المعيشي في مستوياته العليا، بمثابة صدمة معنوية لكل من عاش في البحرين من ولاة وعمال الدولة الإسلامية، الأمر الذي أدى إلى ارتكاب كثير منهم لمحظورات شرعية، وفيهم من فيهم من أهل الثقة والصحابة وممن شهد بدر ومن نال شرف الرواية والصحبة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

ورغم أن العلاء الحضرمي كان حسن السيرة في ولايته أيام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والخليفة الأول أبي بكر ولم يصدر منه ما يخدش سيرته، إلا أن التاريخ سجل عليه أبان ولايته على البحرين في عهد الخليفة عمر، ما يقدح في سياسته، والتي كلفت البحرين المال والأرواح بصورة طائلة، بفعل تلك المجازفة الانفرادية غير المدروسة، حين استقل بقرار الحرب ضد فارس دون إذن من الخليفة، وبخلاف رغبته وإرادته، وكاد أن يهلك المسلمون في هذه الحرب لولا أن تداركته الإمدادات القادمة من البصرة.

وسيذهل المرء حين يماط اللثام عن خلفية القرار الانفرادي الذي اتخذه العلاء، وهو كسب الرهان قبالة سعد بن أبي وقاص الذي طار صيته في الآفاق بفعل انتصاره في معركة القادسية، فأراد العلاء أن يحقق انتصاراً آخر يكسب من ورائه نقاط جديدة في مراهنته مع سعد.

ورغم أن لا دلائل تشير إلى أن العلاء في تجريده الجيوش وركوبه البحر لمحاربة فارس كان للاحتفاظ بالبحرين تحت ولايته أم لا، ولكن المؤكد أن ما جرى كان قراراً عسكرياً خاطئاً دفع أهالي البحرين ثمنه الباهض، من خيراتهم وأرواحهم.

وعزل الخليفة عمر العلاء من منصبه، وجعل مكانه قدامة بن مظعون، وكان ممن شهد بدراً، وكانت البحرين بالنسبة له امتحاناً قاسياً، فقد هيأ له المنصب والمكان -النائي عم موقع السلطة المركزية والخليفة وعيون الأصحاب والمعارف ظرفاً إغوائياً ضاغطاً، امتحنت فيه إرادة بن مظعون، واختبر فيه إيمانه بمعزل عن الجو الديني الذي كان يحيط به في المدينة وبين ظهراني الصحابة.

يقول الخليفة عمر (رضي الله عنه): ما حابيت أحداً من أهلي إلا النعمان بن عدي وقدامة بن مظعون فما بورك لي فيهما، وكان ولي قدامة البحرين، فأتاه الجارود العبدي فقال: يا أمير المؤمنين استعملت علينا رجلاً يشرب الخمر؟ فقال الخليفة: تقول هذا في رجل من أهل بدر؟ من يشهد معك؟ قال أبو هريرة. قال الخليفة: لقد هممت أن اضرب أبا هريرة. فقال الجارود: اللهم غفراً. يشرب ختنك وتضرب ختني وكان أبو هريرة ختن الجارود، وقدامة خال عبد الله وحفصة ابني عمر، وصمم الجارود وأصحابه في الشهادة، فجلد عمر قدامة ثمانين، بسوط تام[73] .

وانتهت سيرة قدامة وولايته في البحرين بهذه الحادثة، حيث قرر الخليفة عزله عن منصبه، وفي هذه السنة أيضاً استعمل الخليفة عمر أبا هريرة على البحرين واليمامة[74] ، فخاض أبو هريرة تحدياً مماثلاً فقد تحولت البحرين، فقد تحولت البحرين بالنسبة له وفي ظل هذا المنصب وسيلة للثراء والاكتناز، ففي ولاية أبي هريرة على البحرين، قدم على الخليفة عمر فقال الخليفة له: يا عدو الله وعدو رسوله سرقت مال الله؟ فقال: لست بعدو الله وعدو رسوله ولكني عدو من عاداهما، ما سرقت ولكنها سهام اجتمعت ونتاج خيل فأخذ منه عشرة آلاف درهماً في بيت المال[75]  وفي رواية ابن كثير: استعمل عمر أبا هريرة على البحرين فقدم بعشرة آلاف، فقال عمر: استأثرت بهذه الأموال، أي عدو الله وعدو كتابه؟ فقال أبو هريرة: لست بعدو الله ولا عدو كتابه، ولكن عدو من عاداهما. فقال من أين هي لك؟ قال: خيل نتجت، وغلة، ورقيق لي، وأعطيه تتابعت علي[76] .

ولعل من المفارقات المثيرة، أن قدامة بن مظعون وأبا هريرة قدما إلى البحرين في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في مهمة رسمية إلى المنذر بن ساوى حملاً فيها رسالة تطلب منه تسليمها جزية أرضه إليهما، في وقت كان العلاء على البحرين -مسئولاً عن الشؤون الدينية.

ولم يذكر التاريخ شيئاً عن مخالفات وقعت في عهد الخليفة عثمان رغم صعوبة الوثوق في ولاتها وبخاصة مروان بن الحكم، إلا أن المرجح هو إهمال السلطة المركزية للبحرين في هذه الفترة، وهناك إشارات إلى أن البحرين كانت غير راضية عن سياسة الخليفة عثمان (رضي الله عنه)، كما يشير إلى ذلك حديث معاوية مع وفد عبد القيس برئاسة صعصعة بن صوحان إلى الشام في ولاية معوية، حيث جاء في حديثه ما نصه:

"أن الشيطان عنكم غير غافل، قد عرفكم بالشر من بين أمتكم، فأغرى بكم الناس وهو صارعكم.

لقد علم أنه لا يستطيع أن يرد بكم قضاء قضاه الله، ولا أمراً أراده الله ولا تدركون بالشر أمراً أبداً إلا فتح الله عليكم شراً منه وأخزى".

أعرب صعصعة وصحابته عن استنكارهم الصارخ لما جاء في كلام معاوية، وختم الأخير خطابه وقال: "إني قد أذنت لكم فاذهبوا حيث شئتم، لا والله لا ينفع الله بكم أحد ولا نصره، ولا أنتم رجال منفعة ولا مضرة، ولكنكم رجال نكير.

وبعد، فإن أردتم النجاة فألزموا جماعتكم، وليسعكم ما وسع الدهماء، ولا يبطرنكم الأنعام فإن البطر لا يعتري الخيار، إذهبوا حيث شئتم، فإني كاتب إلى أمير المؤمنين قبلكم[77] .

فوصف معاوية لصعصعة وصحابته بأنهم "رجال نكير" إشارة إلى كونهم من المعارضين لحكم الخليفة الثالث، كما يفهم من فحوى خطاب معاوية، وكان يريد التحفظ عليهم للحيلولة دون اتساع رقعة الاحتجاج السياسي ضد الخلافة، ولكنه قرر إطلاق سراحهم لنفس السبب.

ومهما يكن من أمر، فبسبب تراخي مركز الخلافة ونشوب الخلافات واضطرابات الأوضاع الداخلية التي آثرت بشكل كبير على سير أمور الدولة، انعكس ذلك على سياستها مع المناطق الأخرى.

أما في عهد الإمام علي، فقد روى أن النعمان بن عجلان بن النعمان بن عامر بن زريق الأنصاري، وكان لسان الأنصار وشاعرهم على البحرين فجعل يعطي كل من جاءه من بني زريق، فقال فيه الشاعر أبو الأسود الدؤلي:

أرى فتنة قد ألهت الناس عنكم

فندلا زريق المال ندل الثعالب

فإن ابن عجلان الذي قد علمتم

يبدد مال الله فعل المناهب[78] 

فقد تكشفت ولاية النعمان بن العجلان عن فساد مالي وإداري، فقد سرق أموال البحرين، وبلغ ذلك الإمام علي فكتب إليه: أما بعد، فإنه استهان بالأمانة ورغب بالخيانة، ولم ينزه نفسه ودينه، أضل بنفسه في الدنيا وما يشفي عليه بعد أمر وأشقى وأطول، فخف الله! إنك من عشيرة ذات صلاح، فكن عند صالح الظن بك، وراجع، إن كان حقاً ما بلغني عنك، ولا تقلبن رأيي فيك، وستنظف خراجك، ثم اكتب إلي ليأتيك رأيي وأمري إن شاء الله.

فلما جاء كتاب علي وعلم أنه قد حمل المال، لحق معاوية[79] .

البحرين.. المنفى:

حين تغيرت عاصمة الدولة الإسلامية وانتقلت من المدينة إلى الكوفة، ثم الشام تغيرت مراكز الاستقطاب خصوصاً في ظل اتساع خارطة الدولة الإسلامية بفعل الفتوحات العسكرية التي حققها المسلمون منذ عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وتدريجياً أصبحت البحرين من المناطق النائية.

ولعلنا نفيد من كلمة عمار بن ياسر في حرب صفين:  "والله إنهم لو هزمونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وإنهم على الباطل"[80]  أن البحرين صارت منطقة نائية، بالنسبة للاستقطاب السياسي والعسكري والبشري الإسلامي، بمعنى أصبحت في أطراف الدولة الإسلامية مما جعل الاهتمام بها قليلاً ولذلك كانت دائماً موئلاً للمعارضة وللمنفيين.

وهناك نقطة أخرى جديرة بالاهتمام، وهي عملية التغيير الديمغرافي والجيوبوليتيكي التي قام بها معاوية بن أبي سفيان من أجل إعادة مركزة السلطة وضبطها ضمن التحولات السياسية الجديدة التي بدأت بقيام الدولة الإسلامية الأموية، والتي لم تعد صورة الخلافة تحتفظ بنقاوتها وعناصرها التقليدية، إيذانا ببداية الملك العضوض الذي شهد بدايته المبكرة على يد معاوية -مؤسس الدولة الوراثية السلالية في الإسلام، وكان من سياسته الديمغرافية بعد أن ملك زمام أهل العراق بعد الإمام علي (عليه السلام) يخرج من الكوفة المستغرب في أمر علي (عليه السلام)، وينزل داره المستغرب في أمر نفسه من أهل الشام وأهل البصرة وأهل الجزيرة، وهم الذين يقال لهم النواقل في الأمصار، فأخرج من الكوفة قعقاع بن عمرو بن مالك إلى إيليا بفلسطين، فطلب إليه أن ينزل منازل أبيه بني عقفان وينقلهم إلى بني تميم، فنقلهم من الجزيرة إلى الكوفة، وأنزلهم منازل القعقاع وبني أبيه، وجاءت معهم وحسن إسلامها.

بكلام أخر. حاول معاوية تغيير ميزان القوى بعد استيلائه على الخلافة وتحديداً بعد انتزاعه الخلافة من الإمام الحسن (عليه السلام) بعد إجراء معاهدة الصلح عام41 هـ، ففي تدبير إداري ومالي أخذ معاوية اصفهان من أهل البصرة ودفعها إلى إلى أهل الكوفة، وأخذ البحرين وعمان من أهل الحجاز فأعطاها أهل البصرة مكان اصبهان[81] .

هذه التدابير في مجملها ساهمت في إزاحة البحرين عن موقعها الإستراتيجي ونقلت الاستقطاب إلى مواقع أخرى تبعاً للتبدلات الجوهرية في مراكز الاستقطاب السياسي. وفي الواقع يخفى لنا التاريخ موقفاً أموياً من البحرين قبل وصول معاوية إلى السلطة، تنبئ عنه مجريات لقاء وفد عبد القيس مع معاوية في عهد الخليفة الثالث، والذي أفضى إلى إقصاء البحرين إلى أطراف الدولة الإسلامية بعد أن كانت مرشحة لأن تحتل موقعاً مركزياً فيها.

فحينما قدم وفد البحرين برئاسة صعصعة بن صوحان على معاوية في عهد الخليفة الثالث، خاطبهم بخطاب شديد اللهجة، مشحوناً بالقسوة والغلظة والمغالظة، وخاطب صعصعة قائلاً:

"فأما أنت يا صعصعة فإن قريتك شر قرى عربية، أنتنها نبتاً، وأعمقها وادياً، وأعرفها بالشر، وألأمها جيراناً لم يسكنها شريف قط، ولا وضيع إلا سب بها، وكانت عليه هجنه، ثم كانوا أقبح العرب ألقاباً، وألأمه أصهاراً، نزاع الأمم، وأنتم جيران الخط ولعله فارس، حتى أصابتكم دعوة النبي، (صلى الله عليه وآله وسلم) ونكبتك دعوته، وأنت نزيغ شطير في عمان، لم تسكن البحرين فتشركهم، في دعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنت شر قومك، حتى إذا أبرزك الإسلام، وخلطك بالناس، وحملك على الأمم التي كانت عليك، أقبلت تبغي دين الله عوجاً، وتنزع إلى اللامة والذلة..".

وبصرف النظر عن الهنات والمغالطات الكبيرة التي تضمنها حديث معاوية بما يخالف ما ورد عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في حق أهل هذه المنطقة، إلا أن ما يهمنا هنا أن البحرين بعد نشوء مراكز استقطاب جديدة توارت البحرين سياسياً حتى تحولت إلى منفى، وقد لعب عاملان رئيسيان دوراً في تثبيت هذه الصفة فيها:

الأول: تنوع مصادر الدخل وانكسار احتكارية البحرين المالية: صار ثابتاً منذ بداية الدولة الأموية، تنوع وتعدد مصادر دخل الدولة، فلم تعد البحرين هي المصدر الرئيسي للدخل بالنسبة لدولة المسلمين، وإنما وجدت مصادر أخرى جديدة أكثر ثراءً، فقد كان الوضع المالي مختلفاً في زمن معاوية، إذ كان خراج العراق بالإضافة إلى ما كان في مملكة فارس في أيام معاوية ستمائة ألف ألف وخمسة وخمسين ألف ألف درهم، وخراج السواد مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف درهم، وخراج فارس سبعين ألف ألف، وخراج الأهواز وما يضاف إليها أربعين ألف ألف، أما خراج اليمامة والبحرين فكان خمسة عشر ألف ألف درهم.. [82] .

الثاني: مشايعة الإمام علي ومناوئه وخصومه: بات ثابتاً أيضاً، أن البحرين أصبحت من المناطق الموالية للإمام علي (عليه السلام) وظهر ذلك بجلاء في حروبه الثلاثة، وقد أثبت أهل البحرين أنهم شديدو الولاء لأهل البيت النبوي وللإمام علي (عليه السلام)، ولهذا كان الاجتهاد في تحصيل ولاء أهلها عملاً عابثاً ومضنياً.

هذان السببان الرئيسيان، في تقديري، جعلا من البحرين منطقة مهملة سياسياً وخارج اهتمام مؤسسة الخلافة،مما أضفى عليها شكلاً من أشكال التعتيم، الأمر الذي انعكس على تاريخها، وتوثيق الأحداث التاريخية والثقافية التي جرت على ساحتها، وخصوصاً أن الإهمال استقام حتى في العصور اللاحقة.

لقد أحيلت البحرين إلى منفى للمعارضين لحكم بني أمية، وإذا صحت نسبة موطن صعصعة إلى الكوفة فإنه يأتي في طليعة المنفيين، وبحسب هذه الرواية فإن صعصعة بن صوحان العبدي -وكان من سادات عبد القيس من أهل الكوفة، واشتهر ببلاغته وملكته الخطابة المتميزة، وله مع معاوية مواقف، شهد صفين مع علي (عليه السلام)، وكان موفداً إلى خصوم الإمام علي، أرسله إلى الخوارج لمخاصمتهم وثنيهم عن القتال، نفاه المغيرة من الكوفة إلى جزيرة أوال في البحرين بأمر معاوية فمات فيها سنة 60هـ[83] .

وهناك حالات مماثلة جرت في زمان الدولة العباسية، منها ما جرى في سنة 244هـ حيث غضب المتوكل العباسي على بختيشوع، طبيب المتوكل[84]  وقبض ماله ونفاه إلى البحرين[85] ، فقال إعرابي:

يا سخطة جاءت على مقدار

ثاتر له الليث على إقتدار

منه وبختيشوع في اغترار

لما سعى بالسادة الأقمار

بالأمراء القادة الأبرار

ولاة عهد السيد المختار

وبالموالي وبني الأحرار

رمى به في موحش القفار

بساحل البحرين للصغار[86] 

البحرين موئل قادة الاحتجاج السياسي

لعب عاملا: الجغرافيا والمذهب في تحويل البحرين لى حاضنة للحركات الاحتجاجية داخل دولتي بني أمية وبني العباس، فبعد البحرين عن مركز الخلافة، ومشايعة أهلها لآل البيت النبوي (عليهم السلام) وهبها فرصة كيما تتحول إلى ملجأ لقادة المعارضة والمناوئين للسلطة المركزية، بل كانت البحرين من المناطق التي ظلت مرشحة لأن تكون جزءاً من مناطق التمرد التي يراد منها أن تتحول إلى المساحة السياسية القابلة لأن تستوعب في مساحة الدولة المراد إقامتها كما جرى في حركة ابن الزبير، فمما يروى أنه لما قوى أمر ابن الزبير، وأعطاه أهل الكوفة الطاعة، وولى عليها عبد الله بن مطيع العدوي، وجه أخاه مصعب بن الزبير إلى البصرة، وأمر عبد الله بن مطيع بمكاتبته، ثم وجه عماله إلى اليمن والبحرين وعمان وسائر الحجاز[87] .

بل قد نجد صراعاً بين قادة المعارضة أنفسهم على الاحتفاظ بالبحرين ضمن مناطق نفوذهم، ففي عام 71هـ تحول أبو فديك عبد الله بن ثور بن قيس بن ثعلبة إلى البحرين، فوجه إليه مصعب بن الزبير عبد الرحمن بن الإسكاف فالتقوا بجواثا، فانهزم عبد الرحمن وأهل البصرة[88] .

أما كون البحرين حاضنة لحركات الاحتجاج السياسي والتمرد الداخلي، فهناك من النماذج ما يؤكد هذه الحقيقة التاريخية الثابتة، فقد خرج نجدة بن عامر الحنفي الحروري في أيام مصعب بن الزبير بناحية اليمامة ثم صار إلى الطائف فوجد ابنة لعمرو بن عثمان بن عقفان قد وقعت في السبي فاشراها من ماله بمائة ألف درهم، وبعث بها إلى عبد الملك ثم سار إلى البحرين ووجه مصعب بن الزبير بخيل بعد خيل وجيش بعد جيش فهزمهم.

وفي سنة 72هـ، خرج أبو فديك الخارجي وهو من بني قيس ابن ثعلبة فغلب على البحرين، وقتل نجدة بن عامر الحنفي وفي سنة 73هـ تقابل جيش عبد الملك بن مروان المؤلف من عشرة آلاف من الكوفة وعشرة آلاف من البصرة والتحموا مع جيش أبي فديك وكاد جيش عبد الملك أن تنزل به هزيمة ماحقة، وبخاصة عقب فرار جيش البصرة، ولكن صمود جيش الكوفة حمسهم فتذمموا بجيش الكوفة وحملوا حملة مشتركة حتى استباحوا عسكر أبي فديك التي كان فيها مقتله، وحصروهم في فنزلوا على الحكم وقتلوا منهم نحواًمن 6 آلاف وأسر ثمانمائة[89] .

كانت للأمويين صولات وجولات ناحية البحرين التي عبروا منها إلى فارس أو عملوا على احتوائها داخل دولتهم، وكان للأموين عليها من الولاة البارزين الأقوياء، إلا أن سلطانهم السياسي لم يتوفر على الاستقرار في البحرين، لتشيع أهلها وولائهم لآل البيت النبوي (عليهم السلام)، ولبعد البحرين عن مركز الخلافة، كما يقرر هذه الحقيقة أيضاً علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر[90] .

وفي سنة 79هـ، ولي الحجاج محمد بن صعصعة الكلابي البحرين، وضم إليه عمان، وعزل زياد بن الربيع الحارثي، فولي محمد بن صعصة عبد الملك بن عبد الله بن أبي رجاء العوذي صاحب قصر أبي رجاء بناحية البصرة، فخرج عليهم الريان التكري بقري يقال لها طاب من الخط بالبحرين، وقدم عله ميمون الحروري من عمان فانهزم عبد الملك، وهرب محمد بن صعصعة، فركب البحر فقدم على الحجاج، وقد كان الحجاج بعث يزيد بن أبي كبشة ممداً لمحمد بن صعصعة فهرب محمد قبل أن يقدم عليه يزيد بن أبي كبيشة[91] .

وفي سنة 80هـ: لقي يزيد بن أبي كبيشة الريان النكري بالبحرين ومع الريان امرأة من الأزد يقال لها جيداء، فالتقوا بميدان الزارة، فقتل الريان، وجيداء وعامة أصحاب الريان، ثم قفل زيد راجعاً[92] . وولي الحجاج قطن بن زياد بن الربيع الحارثي البحرين، فخرج عليه داود بن عامر بن الحارث فقتل داود[93] .

وفي سنة 96: جمع  سليمان بن عبد الملك العراق ليزيد بن المهلب بن أبي صفرة وولي الخراج صالح بن عبد الرحمن. وفيها -أي هذه السنة- ولي يزيد بن المهلب الأشعث بن عبد الله بن الجارود البحرين، فخرج عليه مسعود بن أبي زينب المحاربي فانحاز الأشعث وضبط مسعود البحرين، وهي نفس السنة التي قتل فيها قتيبة بن مسلم بخراسان[94] .

وفي سنة 103هـ: في ولاية أبي هبيرة على العراق، خرج مسعود بن أبي زينب فغلب على البحرين واليمامة، فقتل سفيان بن عمرو العقيلي[95] .

كما خاض العباسيون فيها المعارك ولحق بأهل البحرين الأذى من الخلافة وعمالها.. إضافة إلى الأذى الذي يلحق بالأهالي بفعل تراخي السلطة المركزية وتهافتها، الأمر الذي أعطى للولاة المحليين فرصة ممارسة دور الخليفة والحاكم المستبد والشمولي في المناطق الخاضعة لنفوذه، والتي يقصر فيها ذراع السلطة المركزية.

ففي سنة 151هـ أي في عهد المنصور العباسي، شخص عقبة بن سلم من البصرة واستخلف عليها ابنه نافع بن عقبة إلى البحرين، فقتل سليمان بن حكيم البدي وسبى أهل البحرين، وبعث ببعض من سبى منهم وأسارى منهم لى أبي جعفر المنصور، فقتل منهم عدة، ووهب بقيتهم للمهدي (ابن المنصور)[96] .

ثم عزل المنصور -في نفس العام- عقبة بن سلم عن البصرة، ونقل جارية أسد بن المرزبان: أن المنصور بعث أسد بن المرزبان إلى عقبة بن سلم إلى البحرين حين قتل منهم من قتل، ينظر في أمره، فمايله ولم يستقص عليه، وروى عنه فبلغ ذلك أبا جعفر، وبلغه أنه أخذ منه مالاً، فبعث إليه أبا سويد الخراساني، وكان صديق أسد وأخاه، فلما رآه مقبلاً على البريد فرح، ولكنه قطع أطرافه واحداً تلو الآخر وبدأ باليدين ثم الرجلين، ثم قال له: مد عنقك فمد عنقه فضرب عنقه[97] .

وفي سنة 157هـ بنى المنصور قصره على شاطئ دجلة على شاطئ وأطلق عليه اسم "الخلد"! وفي هذه السنة ولى المنصور جعفر بن سليمان على البحرين، فلم يتم ولايته، ووجه مكانه أميراً عليها سعيد بن دعلج، فبعث سعيد ابنه تميماً عليها[98] .

وفي سنة 160هـ كان على البحرين محمد بن سليمان (وكان على الصلاة في البصرة فيما بعد) واستمر حتى 163هـ. وفي سنة 164 تولى صالح بن داود بن علي. وفي سنة 165هـ كان عليها المعلى مولى المهدي، وفي سنة 169هـ تولى عليها سويد بن أبي سويد القائد الخراساني، وفي سنة 170 تولى عليها محمد بن سليمان بن علي، وفي الواقع لم يسجل التاريخ حوادث تذكر خلال الثلاثة العقود الواقعة بين 160 و 190هـ.

وفي سنة 190هـ تفجرت ثورة سيف بن بكير العبدي، ضد الحكم العباسي، ولكن ما لبث أن أخمدت بعد أن أرسل إليه الرشيد محمد بن يزيد فقتله.

حركة الزندقة

بدأت إرهاصات حركة احتجاجية واسعة ومنظمة وقوية في الفترة الواقعة بين 249 - 270هـ. وكانت بدايتها إبان خلافة المعتز العباسي، والذي عقد لمحمد بن أبي عون لواء البصرة واليمامة والبحرين.

فقد ذكرت كتب السيرة أنه في سنة 255هـ، ظهر رجل في البصرة من البيت العلوي اسمه: علي بن محمد بن أحمد بن علي بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب، وجمع إليه الزنج وغبره بهم دجلة فنزل الديناري.

نسبه في عبد القيس، فجده محمد بن حكيم من أهل الكوفة، أحد الخارجين على هشام بن عبد الملك مع زيد بن علي بن الحسين، وأبوه عبد الرحيم رجل من عبد القيس. وقد شخص علي بن محمد من سامراء سنة 249هـ إلى البحرين، وقدم نفسه إلى أهلها "ودعا الناس بهجر إلى طاعته، واتبعه جماعة كثيرة من أهلها" كما يقول الطبري، ثم جرت معارك بين مؤيدي حركته ومعارضيها، فاضطر للانتقال إلى الأحساء فكان مقامه في حي بني تميم ثم من بني سعد، يقال لهم بنو الشماسي.

وكان أهل البحرين أعربوا عن تعاطفهم ومآزرتهم لحركة هذا الرجل العلوي لقرابته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته، كما عاهدوه على السمع والطاعة وأمدوه بالمال والرجال، ولما انتقل إلى البادية سنة 255هـ صحبه من أهل البحرين بعض الرجال منهم تاجر من أهل هجر يدعى يحي بن محمد بن الأزرق المعروف بالبحراني، وبعض موالي بني حنظلة[99] .

حركة القرامطة

هم فرقة من الشيعة الإسماعيلية المباركية، قالوا بأن الإمام بعد جعفر الصادق (عليه السلام) هو محمد بن إسماعيل بن جعفر وهو الإمام القائم المهدي، وهو رسول حي لم يمت وأنه في بلاد الروم وأنه من أولي العزم، أنشأوا دولتهم في البحرين ثم توسعوا غرباً حتى وصلوا بلاد الشام سنة 288هـ[100]  وما اختيارهم البحرين إلا لكون أهلها من شيعة أهل البيت.

تميزت حركة القرامطة عن حركة الزنج، أنها كانت أكثر تماسكاً وأقوى تنظيماً، وأشد تسليحاً بحيث استطاعت أن تعطل مخططات الدولة العباسية، والتي لم تجد حيلة سوى في استخدام السلاح المعنوي في تشويه صورة القرامطة باعتبارهم خارجين على الخليفة الشرعي والمنتهكين للمقدسات الإسلامية، ولكن التزام قادة القرامطة بضبط لنفس، مستفيدين من الرأي العام الإسلامي المناوئ للدولة العباسية ومشاعر العداء المتنامية في أقاليم مختلفة من العالم الإسلامي، وهبهم قدرة على التوسع والسيطرة على مناطق استراتيجي واسعة وعديدة، بحيث شملت مركز الدولة العباسية العراق والشام لتمتد في الجزيرة العربية بعد أن وصلت إلى البحرين ثم إلى بلاد فارس، حتى كثرت حصون القرامطة، التي ما إن يكشف خصومهم حصناً حتى يبنوا مكانه حصناً غيره.

وقد جرت وقائع ومعارك دامية وحروب عصابات بين جيش القرامطة وخصومهم منها ما جرى في عام 290هـ، حيث أسرف الطرفان المتحاربان في القتل، وسفك الدماء والسبي، وقد ذكر في وقائع المعارك مع القرامطة سنة 290هـ أنه ورد كتاب من البحرين من أميرها ابن بانوا يذكر فيه انه كبس حصناً للقرامطة فظفر بمن فيه ولثلاث عشرة خلت من ذي القعدة منها، ورد كتاب من ابن بانوا من البحرين يذكر فيه أنه واقع قرابة لأبي سعيد الجنابي، وولي عهده من بعده على أهل طاعته، فهزمه.

وكان مقام هذا المهزوم بالقطيف، فوجده بعدما انهزم أصحابه قتيلاً بين القتلى، فاحتز رأسه وأنه دخل القطيف فافتتحها[101] .

وفي سنة 312هـ أقام القرامطة في الكوفة، وأخذوا أكثر ما كان في الأسواق، وقلعوا أبواب حديد كانت بالكوفة، ثم رحلوا إلى البحرين وبطل الحج من العراق في هذه السنة، ويقول الطبري وصح حج أهل مصر والشام[102] ، وكانت مدة إقامة الجنابي مذ بدء دعوته وافتتاحه سائر مدن البحرين وآخرها هجر وحتى مقتله نحو سبع وعشرين سنة[103] .

وفي سنة 325هـ، ضعفت السلطة المركزية في زمن الخلافة العباسية فنشطت سلطة الأطراف حيث بدأت الأوضاع السياسية تنشق عن دويلات صغيرة، عبر عنها بالطوائف، فصارت أواسط البصرة والأهواز في يد البريدي، وفارس في يد علي بن بابويه، وكرمان في يد أبي علي بن الياس، والري وأصبهان والجبل في يد ركن الدولة أبي علي بن بويه، وشمكير والموصل وديار ربيعة وديار بكر في يد بني حمدان، ومصر والشام في يد محمد بن طغج، والمغرب وإفريقية في يد أبي تميم، والأندلس في يد الأموي، وخراسان وما وراء النهر في يد نصر بن أحمد وطبرستان وجرجان في يد الديلم، واليمامة والبحرين في يد أبي طاهر الجنابي[104] .

[1]  ياقوت الحموي، معجم البلدان، الجزء الأول، ص 346.

[2]  لخليل بن أحمد الفراهيدي، العين، الجزء الثالث، ص 220.

[3]  الأندلسي، معجم ما استعجم، مج 2، ص 503.

[4]  الأندلسي، معجم ما استعجم، مج3، ص1084.

[5]  الأندلسي، معجم ما استعجم، مج 3، 1084.

[6]  قدري قلعجي، الخليج العربي، ص 10.

[7]  ابن كثير، الدمشقي، البداية والنهاية، مج 6، ص 207.

[8]  معجم ما استعجم الجزء الخامس.

[9]  الحموي، معجم البلدان.

[10]  أبي عبدالله بن عبد العزيز البكري والأندلسي، معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، عالم الكتب، بيروت الطبعة الثالثة 1403 - 1983، مج 1، ص 82.

[11]  الطبري ، تاريخ الرسل والأمم والملوك، مصدر سابق، ج 2، ص 55.

[12]  الطبري، مصدر سابق، ج 2، ص 57.

[13]  الطبري مصدر سابق، ج 2، ص 57.

[14]  الدينوري، الأخبار الطوال، مصدر سابق، ص 67.

[15]  ابن كثير الدمشقي، السيرة النبوية، دار المعرفة بيروت 1396 - 1971، المجلد الأول، ص 133.

[16]  انظر عن هذا الراهب في: المسعودي، مروج الذهب، الجزء لاثاني، ص 102.

[17]  ابن سعد، الطبقات الكبرى، الجزء الأول ص 275.

[18]  الشيخ علي بن حسين علي الأحمدي، مكاتيب الرسول، ص 105.

[19]  الأحمدي، مكاتيب الرسول، ص 387.

[20]  القحم: جمع قحمة وهي الأمر الشاق والخصومة أي ما وقع فيه الإنسان دونما وعي أو روية، ولعل المقصود الذنوب الكبيرة.

[21]  الميرة: هو الطعام ونحوه يعد للبيع، ولا يحسبوا عن طريق الميرة، أي لا يمنعوا عن جلب الطعام بقطع طريق ميرتهم.

[22]  خفراؤه من الضيم: الخفارة تعني الذمام، ويعني أ عبد القيس في جواره (صلى الله عليه وآله وسلم) من الظلم فلا يظلمون.

[23]  الأحمدي، مكاتيب الرسول، ص 34، عن ابن سعد، الطبقات الكبرى، الجزء الأول، ص 383.

[24]  محمد أمين أبو المكارم، من الزارة إلى العوامية، صفحات من تاريخ البحرين، مجلة الواحة العدد الرابع، شوال 1416هـ ص 108.

[25]  الاحمدي، مكاتيب الرسول، ص 384.

[26]  ابن كثير، البداية والنهاية، مج 5، ص 58.

[27]  ابن كثير الدمشقي، البدراية والنهاية المجلد الثالث، ص 206. وانظر أيضاً لنفس المؤلف، السية النبوية المجلد 2، ص 214.

[28]  ابن كثير، البداية والنهاية، الجزء الثالث، 216.

[29]  الطبري، مصدر سابق، ج 2، ص 645.

[30]  تاريخ الطبري، مصدر سابق، الجزء الثالث، ص 147.

[31]  اليعقوبي، مصدر سابق، الجزء الثاني، ص 122، وانظر خليفة ابن الخياط، تاريخ ابن خياط، تحقيق مصطفى نجيب فواز وحكمت كشلي ط 1415هـ ص48.

[32]  محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، دار النفائس بيروت 1983.

[33]  الواحة عدد 4 مصدر اسبق، ص 109، 128.

[34]  اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، الجزء الثامن، ص 58.

[35]  اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، مصدر سابق، الجزء الثاني، ص 134.

[36]  الأحمدي، مكاتيب الرسول، ص 199.

[37]  اليعقوبي، مصدر سابق، ج 2، ص138.

[38]  الطبري، الجزء الثالث، ص 427.

[39]  اليعقوبي، مصدر سابق، ج 2، ص 153.

[40]  اليعقوبي، مصدر سابق، ج 2، ص 153.

[41]  اليعقوبي، مصدر سابق، ج 2، ص 161.

[42]  الطبري، مصدر سابق، ج 3، ص 479.

[43]  الطبري ج4، ص 82.

[44]  ابن كثير، البداية والنهاية، ج 7، ص 96.

[45]  الطبري، مصدر سابق، ج 4، ص 141.

[46]  الدينوري، الأخبار الطوال، مصدر سابق، ص 133.

[47]  اليعقوبي، مصدر سابق، ج 2، ص 170.

[48]  ابن خياط، مصدر سابق، ص 107.

[49]  اليعقوبي، مصدر سابق، ج 2، ص 170.

[50]  من كلام الإمام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، شرح الأستاذ الإمام محمد عبده، دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت (دت) المجلد الثالث، ص 67.

[51]  الطبري، مصدر سابق، ج 5، ص 155.

[52]  نصر بن مزاحم المنقري، وقعة صفين، ص 28.

[53]  اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، مجلد 2، ص 214.

[54]  الشيخ الطوسي، اختيار معرفة الرجال، مؤسسة آل البيت، قم، ص 290، وانظر أيضاً تقي الدين الحس بن علي بن داود الحلي، رجال ابن داود، المطبعة الحيدرية، النجف - العراق، 1392 - 1972، ص 290، والعلامة الحلي، خلاصة الأقوال، الطبعة الثانية، ص 95.

[55]  التميمي، شرح الأخبار، مج 2، ص 34.

[56]  ياقوت الحموي، معجم البلدان. .

[57]  محمد الأردبيلي، جامع الرواة، مج 1، ص 299.

[58]  الأردبيلي، جامع الرواة، مج 2، ص 201.

[59]  المصدر السابق، مج2، ص 301.

[60]  الكشي، رجال الكشي، ص 200.

[61]  الأندلسي معجم ما استعجم، مج 2، ص 401.

[62]  الموفق الخوارزمي، المناقب، مؤسسة النشر الإسلامي، التابعة لجماعة المدرسين بقم، الطبعة الثانية، ص 299.

[63]  الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي، الاحتجاج، المجلد الأول، ص 136.

[64]  الأندلسي، معجم ما استعجم، مج 1، ص 228.

[65]  أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي، التنبيه والإشراف، ص 239.

[66]  ابن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، مج 3، ص 365.

[67]  ابن كثير، البداية والنهاية، مج 6، ص 290.

[68]  الأحمدي، مكاتيب الرسول، ص 494.

[69]  الطبري، مصدر سابق، ج 3، ص 275.

[70]  كنز العمال، ج 7، ص 66.

[71]  اليعقوبي، ج 2، ص 180.

[72]  الطبري الجزء التاسع، ص230.

[73]  الأندلسي، معجم ما استعجم، مج 4، ص1283.

[74]  الطبري ج4، ص112.

[75]  جبرئيل بن شاذان القمي، الإيضاح، ص537.

[76]  ابن كثير الدمشقي، البداية والنهائية، ج8، ص121.

[77]  الطبري، الجزء الرابع، ص220.

[78]  نصر بن مزاحم المنقري، واقعة صفين، ص38.

[79]  اليعقوبي، مصدر سابق، ج2، ص201.

[80]  تاريخ اليعقوبي، ج2، ص188.

[81]  الإمام الحافظ أبي نعيم: أحمد بن عبدالله الأصبهاني، ذكر أخبار أصبهان، طبع في مدينة ليدن 1934، الجزء الأول، ص29.

[82]  اليعقوبي، مصدر سابق، ج2، ص233.

[83]  القاضي أبي حنيفة النعمان بن محمد التميمي (ت 363)، شرح الأخبار، شرح الأخبار، مؤسسة النشر الإسلامي، التابعة لجماعة المدرسين بقم، الطبعة الأولى 1409هـ، مج 2، ص54.

[84]  كانت بختيشوع أسرة أطباء من السريان، عملت في خدمة الخلفاء العباسيين، وقد تعرضت للتنكيل من قبل الخلفاء فكان جبريل طبيب الرشيد والأمين، وقد سجنه المأمون ثم أعادة إلى خدمته، ثم بختيشوع بن جبريل وكان طبيب المتوكل، ويبدو أنه كان طبيباً بارعاً تخرج على يده أطباء كثر وقد ذكر متطبب بالري يقال له مر عبدا وهو نصراني وقد أتى عليه مائة سنة ونيف وقال: كنت تلميذ بختيشوع طبيب المتوكل.

[85]  انظر: ابن الأثير، الكامل في التاريخ، الجزء 7، ص85. وانظر: قطب الدين الراوندي، الخرائج والجرائح، المطبعة العلمية بقم 1409هـ، المجلد الأول، ص422.

[86]  الطبري، ج8، ص211.

[87]  الدينوري، الأخبار الطوال، مصدر سابق، ص287.

[88]  ابن خياط، مصدر سابق، ص167.

[89]  الطبري، ج6، ص193.

[90]  انظر مقدمة الشيخ حمد الجاسر لكتاب: تحفة المستفيد في تاريخ الأحساء القديم والجديد لآل عبدالقادر.

[91]  ابن خياط مصدر سابق، 174.

[92]  ابن خياط، ص175.

[93]  ابن خياط، ص175.

[94]  ابن خياط، ص200.

[95]  ابن خياط، ص216.

[96]  الطبري، الجزء الثامن، ص39.

[97]  الطبري، الجزء الثامن، ص 40.

[98]  الطبري، الجزء الثامن، ص 52.

[99]  الطبري، الجزء التاسع، ص 410 - 411.

[100]  انظر معجم الفرق الإسلامية، ص 192.

[101]  الطبري الجزء العاشر، ص 104.

[102]  الطبري، ج 11، ص 107.

[103]  المسعودي، الإشراف والتنبيه، ص 342.

[104]  الطبري، ج 11، ص 307.
323531