المجتمع الإيجابي
التحرير - 22 / 3 / 2011م - 6:21 م - العدد (13)

ليس هناك مجتمع إيجابي وآخر سلبي تكويناً، وإنما تقوم كتلة الوقائع النفسية والاجتماعية والفسيولوجية والأنثروبولوجية والاقتصادية والسياسية بتشكيل نظام التفكير العام، والنظام القيمي والمعياري الذي على أساسه يتشكل السلوك الفردي والاجتماعي العام، وهو الكفيل بتحديد ما إذا كان هذا المجتمع إيجابياً أم سلبياً.

والمجتمع -أياً كان- هو وحده الطرف المسؤول عن تشكيل صورته عن نفسه من خلال طبائعه المعكوسة ومناشطه التقليدية البارزة، وأحاديثه المثارة، فهو أصدق من يعبر عن حقيقته، وهو الحقل النهائي الذي يختزن كل الحقائق عن نفسه.

هذه المقدمة، تفتح لنا نافذة على واحدة من الحقائق المؤسفة في واقعنا الاجتماعي، وهي انبثاث الروح السلبية في الوسط الاجتماعي العام، والتي قد تتمظهر أحياناً في شكل عدواني ووضع نفسي حاد، منعكساً في طبيعة تداول الأنباء والأحاديث في المجالس الخاصة والعامة، والمحلمة بشحنات نفسية عالية التوتر، وهذه واحدة من أخطر الظواهر الاجتماعية، حيث تلحظ السرعة الصاروخية في انبثاث الأخبار السلبية بين الناس، بينما تزحف الأخبار الإيجابية بين صخور عاتية تحت ارض وعرة جدباء في ليل مظلم، بما يفضي إلى موت الكفاءة واغتيال الإبداع وتصفية الطاقات الخلاقة..

وللأسف، أن الأداء السلوكي المسنود بالتسالم الاجتماعي على الامتثال لمقتضى هذه الروح السلبية السائدة، ساهم بشكل كبير في تعزيز هذه الروح، بكل أفعالها التدميرية، ثم توارثه الأبناء باستعمال نسخة مطورة، وغني عن القول أن السلوك البشري -عموماً- يكتسب من خلال ملاحظة النماذج السلوكية السائدة في البيئة الاجتماعية، فترى استيعاب الأفراد لهذه النماذج ثم تقمصها يتم إما عبر: التنبه، بمعنى حضور ذهن الفرد للنماذج السلوكية في المجتمع، ثم استيعابها في الذاكرة، وثالثاً تقليدها بتحفيز من دافع داخلي أو خارجي.

لجوء المجتمع إلى توجيه عداونه ضد ذاته (والأخبار السلبية واحدة من التعبيرات العداونية) نابع من عوامل عديدة: نفسية وثقافية وسياسية واقتصادية، ولأن المجتمع بعضه أو كله يعجز عن توجيه عدوانه ضد الطرف الرئيسي (المتسبب في بؤسه وحرمانه وإحباطه) فيقوم بإفراغ شخنة الانفعال الداخلي ضد أقرب جهة منه وأوهنها، فتأتي عملية الإفراغ هذه في أشكال مختلفة تبعاً لطبيعة المحفزات الدالخية والخارجية، فارة تأخذ شكل الاستخفاف بالمبادرات الخيرية، واستهجان الأعمال التطوعية، وتارة في وأد المبادرات بتهويل العواقب والتخويف من الفشل بوضع قائمة الإخفاقات المنتظرة وترويجها وسط الطموحين للنهوض بالصالح العام، وتارة اعتزال المجتمع برمته.

وعلى الضد، المجتمع الإيجابي الذي تزدهر فيه الكفاءة ويترعرع فيه الإبداع، فهو في شغل عن فلان طلق، وفلان خسر وفلانة ولدت، فقد حدق بطموح عظيم يبدأ بتغيير نفسه وينتهي بتغيير العالم.. بدأ بتقديره لنفسه ثم أطلق كل نواة إبداعية نو بناء ذاته، فأخذت كل المشاريع الكفوءة فرصتها وأصبحت حضارة.

371309