حملة مدحت باشا (1871 - 1872)
التحرير - 22 / 3 / 2011م - 7:10 م - العدد (14)

لما رأى عبداللَّه الفيصل أن ليس باستطاعته صد أخيه، لم يكن إمامه سوى الالتجاء إلى دولة الخلافة للاستعانة بها، ولاشك أنه فكر في عواقب إقدامه على هذا الأمر، وما قد يثيره من غضب واستياء لدى أتباعه وزعمائهم الدينيين في نجد. ولابد أنه قد احتمل أن يصطفي الأتراك المنطقة لأنفسهم، خاصة وأن هذا الموضوع قد طرق في عهد نامق باشا في بداية حكم عبداللَّه. إذ إن العثمانيين حاولوا مراراً إقناع الحكام السعوديين بأنهم طالما غير قادرين على حماية الأحساء التي تخضع اسمياً للسلطان العثماني، فليفسحوا إذن المجال لهم لمواجهة الطامعين.

وقد أحدث استنصار عبداللَّه بدولة الخلافة بلبلة في صفوف النجديين -كما رأينا- وأثارهم ضد حاكمهم، رغم محاولاته إسباغ الشرعية الدينية على تحركه، حينما طلب من بعض المشايخ -من الدرجة الثانية- إجازته بفتوى تخوله طلب المعونة من الأتراك، وقد فعلوا.

وكتب عبداللَّه الفيصل ثلاث رسائل إلى العراق بيد رسوله عبدالعزيز بابطين، وأرفقها بالهدايا، أحدها إلى مدحت باشا والي بغداد الجديد "ابتدأت ولايته سنة 1869"، والثانية إلى خليل بك والي البصرة، والثالثة إلى محمد الرفاعي نقيب أشراف البصرة، استحثهم فيها على نصرته، وأعلن فيها ولاءه للدولة العلية، وأنه رهن إشارتها.

في تلك الأثناء كانت الدولة العثمانية بصدد انتهاج سياسة جديدة تحدوها الرغبة في وقف تسلل النفوذ البريطاني المتزايد في الخليج فها هي عمان ومشيخات الخليج تسقط تباعاً، وها هي البحرين تغدو مستعمرة متقدمة للنفوذ الأجنبي في شبه الجزيرة العربية، وها هي الكويت لم يبق فيها للدولة العثمانية سوى العلم العثماني الذي يرفع على سفن صيد الأسماك واللؤلؤ.

وهكذا رأى السلطان العثماني عبدالعزيز أن ينتهج سياسة حازمة تجاه كل ذلك، فعمل على تقوية الحاميات العثمانية في العديد من الولايات، وعين مدحت باشا والياً على العراق، فكان الرجل المناسب في المكان المناسب، من أجل إعادة النفوذ والوجود العثماني إلى الخليج.. وأصبح الاستيلاء على الأحساء والقطيف بنداً أساسياً في استراتيجية الدولة العثمانية.

على أن أوضاع الدولة العثمانية الداخلية كانت مساعداً لتجهيز حملة تسيطر على الأحساء، فالجيش العثماني أصبح جيشاً نظامياً مجهزاً بالأسلحة الحديثة، ولما عين مدحت باشا والياً على العراق تهيأ لها أكثر من أي وقت أن نضع خططها موضع التنفيذ.. فمدحت يؤمن ببسط نفوذ الأستانة على المناطق التابعة لها اسمياً تعويضاً عن الخسائر التي تعرضت لها البلقان، وكان يرى أن تحقيق الانتعاش الداخلي للدولة لا يتم إلا بضم ممتلكات جديدة إليها.

وفوق هذا كانت لدى مدحت رغبة شديدة في مناوأة مركز الإنجليز في الخليج، وقد دأبت صحيفته التي أسسها "الزوراء" على تأكيد سيادة العثمانيين على الساحل العماني، وكل الخليج وإماراته.. والواقع أن مدحت باشا ومنذ توليه بغداد دؤوباً في وضع الخطط للاستيلاء على الكويت والبحرين وقطر والأحساء والقطيف ونجد[1] .

من الطبيعي والحال هذه، أن يتخذ العثمانيون موقف متشدداً ضد سعود الفيصل، حيث رأى مدحت أن توليه أمر نجد مضيعة لها وإلقاء بها في يد الأجانب، وأن من الواجب عليه شخصياً أن ينقذ هذه البلاد مما ستتردى فيه، خاصة مع إدراك مدى الخطورة التي تهدد العراق من التواجد الكثيف للبريطانيين[2] .

مسألة مهمة أخرى تطرح في هذه الصدد، هي أن الأجواء العامة في الأحساء والقطيف كانت مهيأة لقبول الحملة العثمانية، بل ودعوتها والتعاون معها فقد عانى الأهالي في هاتين الواحتين مرارة اختلال الأمن على يد البوادي التي مالت مع سعود، وكانت شرسة في مهاجمة المدن والقرى الأحسائية والقطيفية من أجل نهبها.. الأمر الذي هيأ الأهالي من الناحية النفسية والعملية لطلب العون العثماني، وقد دفع ذلك بالزعيم أحمد مهدي بن نصر اللَّه لتشجيع الأتراك من أجل الاستيلاء على المنطقة، وتخليص الأهالي من محنتهم، حيث منعتهم حميتهم الدينية من التعامل مع الإنجليز باعتبارهم "كفاراً" وما كانوا بأنفسهم قادرين على حل المشاكل بأنفسهم، خاصة بعد أن طالت سني الحرب الأهلية، وشردت الآلاف من السكان قاذفة بهم إلى الإمارات المجاورة وقضت على سبل الاختلال الأمني.

وحتى نجد نفسها أنهكتها الحرب الأهلية، عدا المناطق الشمالية "حائل"، في وقت بدأ فيه نجم الشمريين بالبزوغ واللمعان، مما سهل فيما بعد تمددهم جنوباً بمباركة الأهالي أنفسهم.

هنا انتهز مدحت باشا دعوة عبداللَّه الفيصل للاستنصار، وراح يعد العدة لاحتلال الأحساء ثم الانطلاق منها نحو نجد، وبادر لأخذ الأذن من استانبول، فباركت الأخيرة تجريد الحملة من بغداد التأييد، إلا أن مدحت لم يشأ إرسال جنده إلى بلاد مجهولة، فأسرع بإرسال بعض الموظفين في مهمة استطلاعية واشترى لهم سلعاً وأرسلهم إلى القطيف والأحساء في زي التجار، فأقاموا هناك مدة شهرين، وقفوا خلالها على قوة سعود الفيصل الحربية، وقلاعه ورجاله، وحالة الأهالي وآرائهم، وعرف هؤلاء التجار الأماكن التي يمكن للسفن أن تقترب، حيث قرروا أن أفضل موقع هو "رأس تنورة" الذي يبعد عن القطيف حوالي عشرين كيلومترا[3] .

واصل مدحت إعداد حملته، وأجرى التحالفات مع بني خالد حكام الأحساء السابقين ورتب اتفاقاً للاستعانة بناصر باشا السعدون، رئيس قبائل المنتفق، وقد رافق منصور باشا "أخ ناصر" الحملة فيما بعد.. كما طلب مدحت من حكام الكويت الدعم والمعونة، فتجمعت قوات الحملة بضعة أيام في الكويت، وأمر حاكمها أخاه مبارك بقيادة بعض القوات ضمن الحملة البرية، فيما شاركت حوالي ثمانين سفينة صغيرة في نقل المؤن إلى ساحل القطيف.

اكتمل الإعداد للحملة التي أريد لها أن تكون حملة برية/ بحرية في آن واحد تحت قيادة الفريق محمد نافذ باشا، وهي تتشكل من:

* ثلاثة آلاف جندي نظامي، وبين 1500  -   3000 مقاتل من قبائل المنتفق وبني خالد وبدو آخرين.

* جهزت الحملة بتسعة مدافع ميدان، وحوالي ثمانين سفينة صغيرة تحمل المؤن، وزودت أيضاً بسفينتين حربيتين هما "نينوى، وبروسة" إضافة إلى سفينة الحراسة خوجة بك، فيما أسرعت الباخرتان العثمانيتان "لبنان، الإسكندرية" إلى عبور قناة السويس باتجاه الخليج لتعزيز وجود الأسطول العثماني فيه، وقد حملت هذه السفن العديد من المقاتلين والرؤساء، ومن بينهم زعيم القطيف أحمد مهدي بن نصر اللَّه[4] .

تحركت الحملة من بغداد في الحادي والعشرين من إبريل 1871، الموافق للتاسع والعشرين من محرم 1288هـ، وزودت مدحت قائدها نافذ باشا بيان مطول مؤرخ في يوم انطلاق الحملة، من أجل توزيعه على أهالي القطيف.

وكان الاتفاق أن تلتقي الجيوش البحرية والبرية عند رأس تنورة، فكان الالتقاء في السادس والعشرين من شهر مايو 1871، حيث عسكرت هناك مدة أسبوع، ثم انطلقت باتجاه الهدف الأول، وهو الاستيلاء على القطيف.. وذلك بعد أن دارت المكاتبات والوساطات بين الأهالي من أجل التسليم، فتقدمت القوات البرية باتجاه صفوى واستولت عليها دون مقاومة، وكذلك العوامية، أخذت سلماً وبترحيب من الأهالي، ووصلت القوة إلى القطيف من المحل المسمى "الخنزية" فسلم زعماؤها، بعد أن سبق القدوم إليها أحمد مهدي بن نصر اللَّه، ولم يبق من القطيف سوى القلعة التي تحصن فيها السديري، أمير سعود الفيصل عليها، إلا أنه استسلم بعد ثلاث ساعات من القصف البحري وولّى هارباً.. وهكذا سقطت القرى الأخرى تباعاً.. إلا أن تاروت -كما ينقل عبدالعزيز الرشيد- ذهب إليها قسم من الجند العربان وبادروا بنهبها، ولكنهم منعوا عن ذلك[5] .

وفور سقوط القطيف ونواحيها وزع نافذ باشا بياناً على السكان، كان قد أعده مدحت، يتضمن شرحاً لأهداف الحملة، ومطمئناً للأهالي على أنفسهم وأموالهم، كما تضمن إنذاراً شديد اللهجة لسعود الفيصل والمتعاونين معه، من القبائل المتمردة الخارجة عن الضبط والقانون، ومما جاء في البيان المطول:

"أيها الناس والعشاير الساكنون في الأحساء والقطيف وجهات نجد كافة.. تحيطون علماً هو أنه كما هو معلوم لدى جميعكم أن قطعة النجد وملحقاتها وكافة المحال الداخلة فيها، هي من الممالك المقدسة الراجعة للدولة العلية مثل ساير الممالك المقدسة، كالعراق واليمن ومصر وتونس وطرابلس.. وأن حماية هذه الممالك والأراضي وصيانة الناس الساكنين فيها، داخلة تحت دولة حامي ذوي الإسلام".

وأشار الإعلان إلى تدهور الحالة في نجد وسيطرة العربان وتعديهم على الأهالي، مهدداً إياهم بالضرب بقوة، موضحاً: "إن سعود الفيصل قد أغرى بعض الجهال وأغفلهم وخرج باغياً على أخيه المنصوب قائمقاما على بقعة نجد من جانب الدولة العلية، وجاء إلى أطراف الأحساء والقطيف، وجاس خلال الديار وأخذ الأهالي الموجودين هناك.

فهو في هذه الحال قد حصل على ذنبين كبيرين، وجرمين خطيرين، فأما الذنب الأول، فهو التجاوز على حقوق حكومة أخيه عبدالله الفيصل المودعة بعهدته من طرف ذي الشرف الجليل السلطان. وأما الذنب الثاني، فهو تشجيع الملة الإسلامية والتبعية العثمانية على محاربة بعضهم بعضاً، بحيث إن ذلك التشجيع يكون سبباً في تفريق القوة الإسلامية. ولما كانت حقوق الحكومة المخولة لعهدة عبداللَّه الفيصل لازمة، وأن جميع البلاد والعباد هي وديعة اللَّه تعالى تحت الظل السلطاني الظليل، وأن ترصيص هذه الحالات وإبقائها لازم بتأسيس أساس مأمورية محكمة الأساس، بهذه قد عينت الدولة فرق عسكرية كافية في بغداد تحت إدارة صاحب السعادة الفريق نافذ باشا، ركن من أركان الأرودي السادس، وها هي قد خرجت إلى ساحل القطيف مع ذلك المقدار من السفاين النارية.. فالآن يلزم لكل منكم أن يعلم أن حكومة قطعة نجد بأطرافها وأكنانها، لما كانت مخولة من طرف حضرة مولانا السلطان أدامه الرحمن، إلى عهدة عبداللَّه الفيصل، فإنها اليوم أيضاً قد أبقيت بعهدته وتقررت. وأن المومأ إليه الآن هو قائمقام نجد وراجع إلى ولاية بغداد. وأما المقصد من تعيين العساكر السلطانية، إنما هو محافظة حقوق الحكومة".

"إن سعود الفيصل هو متهم، فإذا أظهر الندامة وأبدى التوبة من أفعاله، وجاء إلى الفرقة العسكرية، وطلب الدخالة لأجل تحصيل عفو الحضرة السلطانية ومرحمتها السنية، يقتضي أن يرسل إلى بغداد.. وإذا أظهر المخالفة، فإن المعاملة السديدة تجري بحقه مع التأسف، تطبيقاً للآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ إلى آخر الآية الشريفة.. وكما قال عز من قائل: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ وقد صار مفهوماً من منطوق هذه الآية الكريمة أن مال الباغين مثل سعود وطائفة المتفقين معه على هذا البغي، إذا لم يرجعوا عن بغيهم من الأمور الواجبة شرعاً، وإذا وجد أحد من الناس معه، فإنما ذنوبهم في رقابهم، كما قال اللَّه تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ. وإذا كافة الناس الموجودين في الأحساء والقطيف، والواقفين على ساق الخدمة للفرقة العسكرية والأهالي والعشاير والقبائل، فإنهم مهما كانوا متى ما لم يقفوا بصدر العسكر ولا بوجه الحكومة، فإنهم تحت راية الرأي والأمان، وكافة أرواحهم وأموالهم وأعراضهم محفوظة، بموجب أحكام الشريعة المطهرة، ومضمونة من كافة التجاوز والمداخلات فيها[6] .

أثار الإعلان ارتياح السكان، وانعكس ذلك على سكان الأحساء، الذين بادروا إلى التعاون مع الحملة العثمانية، مما سهل عليها التقدم بسرعة بعد أن رتب نافذ باشا حامية الحملة العثمانية، مما سهل عليها التقدم بسرعة بعد أن رتب نافذ باشا حامية للأتراك في القطيف.. فقد تحركت الحملة جنوباً لمهاجمة مرفأ الدمام الذي يقطن بالقرب منه أعداد من البدو في الخيام أشهر الصيف، وفي الطريق سيطرت القوات على قلعة عنك ووصلت بعد برهة إلى المرفأ، فاستولت عليه دون أية مقاومة في الخامس من يونيو حزيران 1871،وهرب من حامية المرفأ المسؤول عنها، وهو عبدالعزيز بن سعود، وغنمت القوات العثمانية أحد عشر مدفعاً وكميات كبيرة من الذخيرة.

حتى هذا الوقت لم تصطدم الحملة بقوات سعود الفيصل، الذي كانت خطته تعتمد على أبعاد القوات التركية عن الشاطئ حتى تطول خطوط اتصالاتها، وحينها يهاجمها البدو ويفنوها قتلاً أو تموت عطشاً.. أما الحصون فستستسلم بعد حصار من فيها وتجويعهم بقطع خطوطهم عن البصرة براً، وقد عرض سعود هذه الخطة على بيلي طالباً منه أن يتكفل بمنع الأتراك من استخدام البحر، ولكن بيلي لم يجبه، لأن مواجهة العثمانيين من أجل تحقيق هدف سعودي مستحيلاً[7] .

على أن خطة سعود تحمل عناوين عديدة للضعف، الذي كان أحد مصاديقه عدم الاصطدام بالقوة الكبيرة التركية، التي كانت تعتمد على خطة بسيطة هي السيطرة على الشاطئ والمدن والقرى الواقعة بجانبه، ثم التمدد نحو الأحساء، ثم التوغل براً لاحتلال الرياض.. نعم لربما كان بإمكان خطة سعود النجاح لو أن الأحساء، ثم التوغل براً لاحتلال الرياض.. نعم لربما كان بإمكان خطة سعود النجاح لو أن الأحساء والقطيف لا تشرفان على الساحل، أو لو أن الإنجليز جازفوا بإعلان حرب بحرية ضد الأتراك، أو لو كان الأخيرون تقدموا نحو الرياض، فحينها يسهل ضرب خطوط الإمدادات.

لكننا نعلم أن الأحساء والقطيف قريبتان من الساحل، وحينما سمح سعود للقوات العثمانية بالتقدم، كان ذلك يعني ضياعهما من يديه.. ثم إن الأتراك لم يغامروا بالتقدم نحو الرياض -وإن كانوا قد خططوا لذلك-، فخلفاء مدحت على ولاية بغداد لم يواصلوا مشروعاته، وربما لأن حليفهم ابن الرشيد حاكم حائل، بدأ بالتمدد جنوباً، لإنهاء السيطرة السعودية على كامل التراب النجدي.

تابعت قوات نافذ باشا مسيرها نحو الأحساء مخلفة وراءها السفن الحربية في القطيف، واستمرت في تقدمها رغم ما أصابها من ضعف بسبب هلاك حوالي 400 جندي في الطريق، في وقت أنهك المرض وسوء الطقس حامية القطيف والسريتين اللتين وضعتا في الدمام[8] .. وصلت الحملة إلى القطار شمال بلدة العيون، وحينها كتب نافذ باشا لوالي الأحساء من قبل سعود الفيصل "المملوك" فرحان بن خير اللَّه، أن يستسلم، وإلا فإن الهلاك سيكون مصيره، كما وزع نافذ منشوراً آخر على الأهالي يخبرهم بمقدمه غدا "المنشور مؤرخ 18/ 4/ 1288هـ[9]  ويدعوهم إلى استقباله بالطاعة، ويؤمنهم فيه على أنفسهم وأملاكهم ويذكرهم، بما بلغهم من حسن المعاملة لأهالي القطيف.. جاء في البيان:

"الباعث لتحرير الكتاب، هو أنه قبل هذا أرسلنا لطرفكم مكاتيب مخصوصة، وملفوفة بطيها إعلانات مطبوعة، متضمنة أسباب كيفية مأموريتنا، وخلاصة أفكار صاحب الدولة العلية، وزبدة ما في ضمير حضرة السلطنة السنية، إنها مجرد إرجاع أمن البلاد ليستريح الناس، ويصرفوا أوقاتهم في مكاسبهم، وازدياد ثروتهم، واستجلاب دعواتهم الخيرية، لدوام أيام الدولة، وقد فهمتموه مفصلاً، ولأجل لذلك صرفنا النظر في هذه الدفعة عن الإطناب والإسهاب في بيان ذلك، واقتصرنا على أخباركم بمجيئنا هذا اليوم، ووصولنا القطار، وغدا إن شاء اللَّه نرحل، ونتوجه إلى الأحساء.

فمن استقبلنا بالطاعة، نقابله بعهد اللَّه وأمانه على نفسه وماله، ونبذل دونه الرعاية والحماية، ومن يستقبلنا بالعصيان وعدم الطاعة فسنسحقه بحول اللَّه وقوته بسنابك الخيل، ونجعل داره تدعو عليه بالثبور والويل، وبناء على ما بلغنا أنكم اليوم في أسوأ حال، من جراء ما لقيمتوه من شدائد الظلم والوبال، وتمنيكم سرعة مجيئنا لأجل استخلاصكم من ذلك، سارعنا للمجيء، فإذا أحاط علمكم بذلك، فتوكلوا على اللَّه واستقبلونا بالمواجهة، ولكم عهد اللَّه وأمانه، على الأنفس والأموال، وسوف ترون إن شاء اللَّه ما يسركم، ويكفيكم شاهداً على هذا ما بلغكم من حسن معاملتنا لأهل القطيف وملحقاتها من أهل القرى والعشائر.

ليكون معلومكم، ولأجل ذلك بادرنا بتحريره، ثمانية عشر ربيع الآخر، سنة ثمان وثمانين ومائتين وألف[10] .

بين سقوط الدمام في 5 يونيو 1871، ودخول الأحساء في 7 يوليو 1871، شهر كامل أمضته القوة التركية في مقاطعة القطيف، وفي هذه المدة تمت مراسلة أهالي الأحساء وزعمائها من الشيعة والسنة، للوقوف على رأيهم، فوجدت التشجيع الكافي من الأهالي والآمال المعلقة على القوة العثمانية في إقرار الأمن. وقد ركز منشور نافذ باشا الموجه لأهالي الأحساء على قضية الأمن، لأن المشاكل الأخرى تهون دونها، وأوضح أن هدف الحملة هو بسطه وإقراره، وهذا ما كان يريده الأهالي. وقد لعبت هذه المراسلات والمنشورات دوراً بالغ الأثر في الضغط على والي الأحساء للفرار، والتسليم بعدم المقاومة، بعد أن رأى الأهالي غير متحمسين للقتال معه.

وحين دخل نافذ باشا ورئيس أركانه البكباشي رجب بيك الهفوف، استقبلهما الأعيان والأهالي بالترحاب البالغ، وفر من ساعتهم الأنصار القليلون الموالون للحكم السابق.. وهكذا تحقق الانتصار السهل والسريع للقوات التركية وتكللت أهداف الحملة بالنجاح غير المتوقع.

ويرجع سبب الانتصار السهل والحاسم لقوات الحملة العثمانية إلى سوء أفعال أتباع الأمير سعود الفيصل للأهالي، وما قامت به قواته من أفعال مشينة بحقهم، وكما أشار تقرير بريطاني في يوليو 1871، أنه ما كادت القوات العثمانية تتقدم قرب مقاطعات الأحساء، حتى انتفض السكان ضد قوات سعود ورغبوا إلى العثمانيين[11] .

وفي العموم كانت أحوال المواطنين من السوء لدرجة الترحيب بالقوات التركية. وقد أشار الدكتور محمد عرابي نخلة، إلى أن سبب عدم المقاومة هو: أن أتباع سعود من العجمان أساؤوا معاملة سكان المدينة "الهفوف" كما أن قسماً كبيراً من سكان الواحة هم من بني خالد الذين أعلنوا انضمامهم للسلطات العثمانية، فقد لاحت لهم بارقة أمل من جديد بعودة الحكم إليهم، هذا إضافة إلى أن العداء المذهبي ين الوهابيين والشيعة قد ساهم في هزيمة السعوديين[12] .

موقف المشايخ من احتلال الأحساء

استاء مشايخ نجد من استيلاء الأتراك السهل على الأحساء، وممازاد ذلك هو قبول الأهالي السنة بالحكم التركي.. وكان تشديدهم على أتباع المذاهب السنية أكبر، خاصة بعد أن عاد الجميع لممارسة معتقداته المذهبية بحرية وبعد احتلال الأحساء اعتبرت من قبل المشايخ بلد كفر وزندقة، يجب مغادرتها طالما يسيطر عليها الكفرة المشركون.

وصور المشايخ الأحساء بمجرد أن استولى عليها الأتراك، بأنها مرتع للمفاسد والكفر والزنى وكل المحرمات والموبقات الأخرى، وغير ذلك من المبالغات. قال أحدهم يصف الحالة عن بعد!![13] :

.. ويبدو بها التعطيل والكفر والزنى

ويعلو من التأذين صوت المزامر

أناخ لدينا للضلالة شيعة

أباحوا حمى التوحيد من كل فاجر

ثم يتعرض للذين قبلوا الحكم التركي:

وقابلهم بالسهل والرحب عصبة

على أمة التوحيد أخبث ثائر

يقولون لكنا رضينا تقية

تعود على أموالنا والذخائر

أما زعيم نجد الديني حينها، الشيخ عبداللطيف آل الشيخ، فقد أذاه خضوع الأهالي للحكم العثماني، فراح يقرع ويبدي تألمه الشديد، لأنه أصبح للشيعة كلمة:

وصار لأهل الرفض والشرك صولة

وقام بهم سوق الردى والمناكر

وأذن بالناقوس والطبل أهلها

ولم يرض بالتوحيد حزب المزامر

ويعود مقرعاً للسنة، كيف قبلوا حكم "الصليب العثماني"، ويصمهم بالضلال:

فيا أمة ضلت سبيل نبيها

وآثاره يوم اقتحام الكبائر

يعز بكم دين الصليب وآله

وأنتم بهم ما بين راضٍ وآمر

ويصل الأمر إلى الدعاء عليهم وتهديدهم بالنار لأنهم لم يدعموا أهل الحق، ولأنهم كفروا بدين اللَّه، ولأنهم نسوا عهودهم:

هوت بكم نحو الجحيم هوادة

ولذات عيش ناعم غير شاكر

سيبدو لكم من مالك الملك غير ما

تظنون أن لاقى مزير المقابر

يقول لكم ماذا فعلتم بأمة

على ناهج مثل النجوم الزواهر

سللتم سيوف البغي منهم وعطلت

مساجدهم من كل داع وذاكر

وواليتموا أهل الجحيم سفاهة

وكنتم بدين اللَّه أول كافر

نسيتم لنا عهداً أتاكم رسولنا

به صارخاً فوق الذرى والمنابر

فسل ساكن الأحساء هل أنت مؤمن

بهذا وما يحوي صحيح الدفاتر؟

.. فقال الشقي المفتري كنت كارهاً

ضعيفاً مضاعاً بين تلك العساكر[14] 

وهذا الشيخ ابن سمحان[15] ، يحض الأهالي على الثورة ضد الأتراك، ويطعن مشايخ المذاهب بأنهم جبناء، وعليهم أن يغادروا الأحساء بلد الشرك والكفر.. قال موجهاً حديثه للشيخ عبداللطيف بن عمير[16] .

إذا لم تبادرهم بعيب لدينهم

وتكفيرهم جهراً فقد كنت أوجرا

ففرض عليكم واجب أن تهاجروا

كما قد أتى نصاً به اللَّه أخبرا

ثم يوضح أنه من غير المفيد التقرب من الأتراك، ولا يكفي الانزواء عنهم بخيرهم وشرهم:

ولكن بتكفير لهم وبشتمهم

جهاراً وتصريحاً وغيباً ومحضرا!

ولا يطيب لابن سمحان الاكتفاء بهذا القدر من الدعوة للثورة والتكفير الذي استخدمه بشكل واسع، حتى أدخل -بحسب قول الدكتور عبداللَّه الحامد- بشراً كثيراً في الكفر والزندقة، منهم المعاصرون والمتقدمون، والمحسنون والمسيئون، مما جعل الدكتور يلتمس له العذر، قائلاً بأن ابن سمحان يعبر عن حالة نفسية، وليس عن الدعوة السلفية، وأن قضية تكفير الدولة العثمانية قضية ذات طابع سياسي، ليس لها من الدين مستند، ومن شعر ابن سمحان في التكفير، ما يتحدث به ضد أحد خصومه السنة من علماء الأحساء، معدداً منكرات ليس لها أصل من الصحة والواقع، ثم ينثني على الشيعة بصورة تهكمية صارخة، قائلاً بأن إظهار التشيع شائع لا أحد ينكره:

واعلم بأن الظلم والظلم التي

قد شادها الإصرار والآصار

في هذه البلد التي أنتم بها

والحكم بالقانون والأوزار

وبها اللواط لدى العساكر والزنى

والخمر والتنباك والمزمار

والرفض عندكم رخيص سعره

إظهاره ما إن له إنكار

والله حرم مكث من هو مسلم

في كل ارض حلها الكفار

ولهم بها حكم الولاية قاهراً

فاربأ بنفسك فالمقام شنار[17] 

وقد تصدى علماء السنة لابن سمحان وأضرابه، وكان شعر هجائهم قوياً شديداً أنّ منه ابن سمحان وتوجع، حتى ثارت ثائرته واستعدى عليهم قاسم بن ثاني، حاكم قطر ليكبتهم. قال عبداللَّه بن عبدالقادر مهاجماً ابن سمحان[18] :

يا قبح اللَّه بدعياً يحاول من

إثبات بدعته ما كان ينهار

أخو هوى مولع بالحق يدفعه

له على أهله رد وإثار

يقول هذي فروع ضل آخذها

وإنما هي قرآن وآثار

وضلل الناس في تقليدهم سلفاً

هم الهداة الألى للدين أنصار

يقول قد عبدوا الأحبار واتخذوا

لله ندا فحسب الأبعد النار

ويمكننا تلخيص سبب موقف مشايخ نجد العدائي للحكم العثماني في الأحساء، في النقاط التالية:

أولاً: جعلت فكرة التكفير التي اعتمدوها وطبقوها على جميع من خالفهم في الرأي، جعلتهم في موقف مضاد للعثمانيين، باعتبارهم هم والشيعة والسنة في الأحساء كفرة وزنادقة، سيما وأن للوهابيين ثارات ضد العثمانيين الذين أسقطوا دولتهم الأولى، وهدموا الدرعية في حملة محمد علي باشا المعروفة.

ثانياً: اعتبر المشايخ الأحساء إحدى مقاطعاتهم، كما اعتبروا سيطرتهم عليها انتصاراً مذهبياً كبيراً لهم، إضافة إلى المكسب السياسي والاقتصادي والاستراتيجي.. وبالطبع لا يمكن لهم تحمل ضياعها.

ثالثاً: المسألة المهمة الأخرى، هي كون المشايخ مندفعين بأقصى قوة ضد الشيعة، الذين هم أكثر كفراً من الأتراك -بنظرهم- وكان الشيعة يشكلون تحدياً مذهبياً حاولوا تطويعه بشتى الوسائل.. ولشد ما آلمهم رؤية هؤلاء يعودون لممارسة حرياتهم الدينية.

موقف الإنجليز من الحملة العثمانية

قبل أن تنطلق حملة مدحت باشا من بغداد،وحينما كان يجري الأخير استعداداته لها، حاول قدر الإمكان أن لا يتسرب خبرها إلى الإنجليز، وشدد على موظفيه بأن لا يلتقوا بأي بريطاني، ولما قرب اكتمال الحملة، عرف البريطانيون عن طريق جواسيسهم بأمرها، فأرسلوا للباب العالي مستفسرين عن أهدافها، فأجاب وزير الخارجية التركي مطمئناً بأن نجداً وتوابعها من أملاك الدولة، أما الإمارات الأخرى فليس لحكومة الأستانة أطماع فيها[19] .

لم يكن للبريطانيين من حجة للاعتراض، فهم يعلمون أن نجداً والأحساء خاضعتان اسمياً لدولة الخلافة،وكثيراً ما كان الأمير فيصل بن تركي، وأبناء فيصل يتحدثون مع الإنجليز بوصفهم ولاة للعثمانيين، ولكن بريطانيا خشيت من أن يجازف العثمانيون بإقلاق مصالحهم في المناطق الأخرى، أو على الأقل أن يهب الخاضعون تحت نفوذهم لمعاونة الأتراك المندفعين بقوة.. أي أنهم كانوا خائفين من فقدان هيبتهم لدى المشايخ الخاضعين لهم، كما حدث فعلاً في الكويت، والتي آزرت الحملة البحرية والبرية.. كما كانوا قلقين من انتقاص سيادتهم الكاملة في مياه الخليج[20] .

عاد مدحت باشا فأزعج الإنجليز بتصريحاته، فقال مؤكداً في صحافته بأن نجداً تعني بالنسبة إليه كل المناطق التي كانت خاضعة لها في يوم من الأيام، كالبحرين وعمان وعموم الساحل المتصالح وقطر، فبادر البريطانيون بفزع إلى الباب العالي عارضين عليه الاتفاقيات المعقودة بينهم وبين شيوخ الإمارات المحلية.. فمثلاً، حدث في مارس 1870 أن صرح مدحت باشا بأن البحرين تابعة لنجد، وأن الأخيرة تابعة بدورها للسلطة العثمانية، فأبرق القنصل البريطاني في بغداد إلى السفير البريطاني في القسطنطينية قائلاً: "يقال إنه لو نجحت حملة نجد، فإنها ستسير لاحتلال البحرين ومسقط وساحل الجزيرة العربية".. ولما عرضت هذه المخاوف على الباب العالي، أكد من جانبه أنه لا يعتزم التعرض لتلك البلدان، رغم أن البحرين إمارة لا تزال تابعة لدولة الخلافة.

على أن القلق استمر مسيطراً على عقول صناع السياسة البريطانية، من أن تجدد الدولة العثمانية نشاطها وتمد يدها إلى الأطراف البعيدة من إمبراطوريتها، فحاولوا مراراً أن يوقفوا الحملة بالاحتجاج حيناً، وبالإنذار والتهديد حيناً آخر، من أن حملة مدحت "تعكر صفو السلام في المنطقة".

زاد امتعاض البريطانيين من الانتصارات السهلة التي حققها الأتراك في القطيف والأحساء، وكانوا يتمنون لو أن الحملة تتوقف عند الأحساء، إلا أن تحول قاسم آل ثاني -ابن حاكم قطر- إلى محالفة العثمانيين أفسد حسابات الإنجليز.. فقد أشار قاسم على نافذ باشا بعد استقراره في الهفوف، أن يجعل قطر تحت الحماية التركية تخلصاً من عبء الضريبة التي يصر البريطانيون عليه أن يؤديها لحاكم البحرين، فخرجت قوة من الأحساء واستقرت في الدوحة وفرضت الحماية عليها، ويومها لم ير الشيخ قاسم، الذي كان قبل ثلاث سنوات "1868" قد وقع معاهدات مع بريطانيا، في وجود الحماية العثمانية تعارضاً مع مركزه واستقلاله كزعيم لقبائل قطر[21] .

صعق الإنجليز لجرأة مدحت باشا وثقته بقدرته على تصفية النفوذ البريطاني من كل شاطئ الخليج الغربي، فحين وصل خبر رفع العلم العثماني عن الدوحة إلى المقيم في بوشهر، بادر بإرسال السفينة الحربية "HUGH ROSE" إلى قطر في منتصف 1871، للتأكد من الخبر الصاعق.. فجاء التأكيد بأن العلم العثماني يرفرف على الدوحة وأن سفناً كويتية وعثمانية قد زارتها، فعاد المقيم وأرسل نائبه الميجور سميث إلى الدوحة، ليتأكد من الأمر ثانية، فاجتمع الميجور بحاكم قطر محمد آل ثاني، وعلم منه أنه لم يرد الحماية العثمانية، لكن ولده قاسم أجبره على قبولها وهو الذي رفع العلم التركي.

أبرق المقيم في بوشهر، الكولونيل بيلي، إلى القنصل البريطاني ببغداد يأمره بالاجتماع مع مدحت باشا ويستفسر منه عما يجري في قطر.. وقد قابل مدحت الدهاء البريطاني بالمثل، فقال إنه لا يعلم بأن العلم التركي يرفرف على قطر، فضلاً عن أن التأكيدات العثمانية لم تشملها.. ثم طعن السلطات البريطانية في الصميم بقوله: إن البحرين تابعة لنجد، ملمحاً إلى احتمال ضمها[22] .

بل ها هو مدحت -بجرأته المعهودة- يحاول إقناع شيخ البحرين، بأن يسمح للعثمانيين بإقامة قاعدة لعملياتهم العسكرية لضرب سعود الفيصل على الأراضي البحرينية، فأوعز البريطانيون لحاكم البحرين أن يرفض الطلب، بل ورفض التعاون من الأساس.. مع أن طلب مدحت حمل في طياته تهديداً وإحراجاً للشيخ عيسى، الذي استمر في دعم سعود الفيصل في مهاجمة القوات التركية، ملمحاً إلى أنها طرف في النزاع.. ورغم أن مدحت لم يريد أن يحصل على قاعدة عسكرية في البحرين، وبنظرنا فإنه لم يتوقع ذلكن فإنه أجبر الإنجليز وشيخ البحرين على الانكماش، وجعلهم يفكرون فيما قد يؤديه تماديهم في دعم الأمير السعودي.

لقد كانت عين الإنجليز مفتوحة على الأحساء باعتبارها الحلقة المفقودة في سلسلة المقاطعات المتناثرة على الخليج، فحاولوا إعاقة تجريد الحملة من الأساس، فإذا بمدحت يأخذ قطر ويطرق أبواب البحرين، ويقضي على التواءات شيوخ الكويت المعهودة.

شعر الإنجليز أن مدحت باشا يريد استغلال الدعم البريطاني لسعود الفيصل، وتورط البحرين ومسقط في ذلك لتوسيع نفوذ العثمانيين، وكان مدحت حريصاً حينما قال بأن نجد تشمل البحرين وقطر ومسقط وكل الإمارات الأخرى.. ولهذا أبدى البريطانيون الحياد الظاهري في الصراع العثماني السعودي، وتركوا سعود الفيصل وحيداً حينما رأوا أن القوة التركية عازمة على إنهاء نفوذه. ومن جهته شعر الشيخ عيسى بن علي حاكم البحرين بأن دعمه وصداقته لسعود هي السبب في تهديد العثمانيين له، وخشي من أن تودي به تلك العلاقة إلى خطر انتقام العثمانيين منه.. ومن الملاحظ أن عيسى كان على استعداد لمعاونة سعود، طالما لم يخرج ذلك عن النطاق المحلي، أي في علاقته مع غيره من الشيوخ، ولكن عندما أدرك ما يجره عليه ذلك من تهديد الأتراك بدأ يتراجع عن تأييده، وكان هذا عين الموقف البريطاني.

فقد أعرب عيسى للميجور سيدني سميث في الأول من نوفمبر 1871، بأنه يرغب في الوقوف على الحياد في الصراع العثماني - السعودي، وأنه لن يستطيع تقديم المساعدات لسعود الفيصل بعد اليوم، لأن ذلك يعرض بلاده للخطر، ولم يلبث أن أكد عيسى حياده بفرض ضريبة مقررة على حمولة من القمح كانت مصدرة من الهند لحساب سعود.. وعاد فكتب مرة أخرى للمقيم بيلي بأنه يخشى أن يلتجئ سعود مرة أخرى للبحرين في محاولة لتنظيم صفوفه والبدء بجولة جديدة من المعارك ضد الأتراك، فاقتنع بيلي أنه ليس من الصالح الوقوف مع سعود في معركة خاسرة إلى الحد الذي يهيج الأتراك بالسماح له بالالتجاء للبحرين، ونصح بيلي عيسى بأن يكتب لسعود محذراً إياه من اللجوء إليه.

أكثر من هذا.. لما رأى الإنجليز الاندفاع التركي للسيطرة على سواحل الخليج كلها وإحكام السيطرة على مياه الجزيرة العربية من جهاتها المتعددة، قدموا احتجاجات متكررة إلى الباب العالي ضد زيادة الأسطول العثماني في الخليج، مستفيداً من فتح قناة السويس، وقدوم سفينتين حربيتين لتنضما إليه.. في الوقت الذي اعترفوا فيه بأن نجداً جزء من الإمبراطورية العثمانية، وطلبوا عدم التدخل في شؤون الإمارات الأخرى، وهددوا بزيادة السفن البريطانية لإعادة التوازن[23] ، ولم تتراجع تركيا عن طموحاتها إلا بعد إبعاد مدحت باشا عن حكم العراق الذي حاول -أثناء زيارته إلى الأحساء وتفقد قواته فيها- زعزعة الوجود الأجنبي في البحرين، فاعترضته السفن البريطانية فأدى إلى تراجعه عن مخططه -إلى حين-.

بقي أن نوضح موقف بريطانية من سعود الفيصل أثناء تقدم القوات العثمانية واحتلالها المنطقة.

أول ما يلاحظ الباحث، هو أن الإنجليز كانوا ضد الحملة، وهذا أمر طبيعي بالنسبة لدولة استعمارية تطمح إلى مد نفوذها إلى أي مكان تستطيعه، ولا يحتاج الأمر إلى إيضاح بأن وجود الأتراك في الأحساء يعيق بشكل كبير تنفيذ هذه الطموحات، خاصة وأن تركيا دولة عظمى منافسة، بحساب ذلك الزمان.

أما سبب عدم الاصطدام بالقوة التركية فراجع من وجهة نظرنا إلى الأمور التالية:

أولاً: أن الحرب الكبيرة تكون في الغالب من أجل هدف كبير، وأن المجازفة بحرب مع الأتراك من أجل الأحساء هي بالحساب البريطاني حرب غير معلومة النتائج، وستكون الحرب شاملة قد تنتهي بنهاية أحد الطرفين، ولم تكن بريطانيا يومها متأكدة من النصر.. وكانت سياستها تقوم على اقتطاع أجزاء من الإمبراطورية العثمانية بالتعاون مع الدول الأخرى، كما حدث في حرب البلقان، فضلاً عن أن سياسة بريطانيا كانت قبل مدة وجيزة من الحملة تعتمد على تقوية الإمبراطورية العثمانية ضد الإمبراطورية القيصرية الروسية.

ثانياً: ليست هناك مسوغات قانونية في شن الحرب على أراضي الأحساء والقطيف وقطر بل وكامل نجد، وهي أراضٍ سبق لتركيا أن سيطرت عليها لسنوات طويلة، وكانت بريطانيا هي العنصر الدخيل والطارئ في المعادلة.

إن الإنجليز ومنذ البداية حاولوا تحاشي الحرب المباشرة مع الأتراك، بالامتناع عن دعم الأمير سعود الفيصل، وإن كانوا راغبين في ذلك.. ولعلهم رأوا أن صراع الأمراء لن يجعل في مقدورهم -حتى مع الدعم الخارجي- ثني الحملة التركية عن أهدافها، هذا إضافة إلى ما سيسببه الدعم من تحرش تركي بمناطق النفوذ البريطاني في البحرين وساحل عمان المتصالح.

ولهذا رأينا كيف أن بيلي لم يجب على التماسات سعود الفيصل بتنسيق العمل لمواجهة الحملة التركية بحراً، بينما يتصدى لها هو من البر، ورأينا بيلي مرة أخرى يوافق -إن لم يكن يدفع- باتجاه منع سعود من اللجوء إلى البحرين، حماية لها، رغم الإغراءات التي قدمها الأخير.

ومن خلال مطالعتنا للمصادر التاريخية، نجد أن هناك عتاباً للإنجليز، وملخص العتاب هو: لماذا سمحوا وهم سادة البحر للحملة العثمانية البحرية بالقدوم؟.. ولماذا لم يكونوا أكثر جدية في تنفيذ تهديداتهم ضد الأتراك؟

يقول أحد الكتّاب[24] : "إن بريطانيا لم تكن جادة في استخدام القوة عند عدم جدوى الإنذارات"، وهذا أمر طبيعي، فالمصلحة البريطانية لم تكن في شن حرب لم تكن متأكدة من الانتصار فيها، ومن أجل هدف صغير يكون في النهاية ملكاً لغيرهم.

على أن بريطانيا لم تكن بالضرورة، وفي بداية الأمر، تريد الأحساء والقطيف لنفسها، بمقدار ما كانت لا تريد للعثمانيين، بمعنى أنها كانت تريده لسعود الفيصل لتؤمن المرحلة الأولى حمايتها لمحمياتها، ومن ثم لتبسط نفوذها الكامل على الأحساء نفسها.. لكن سياسة بريطانيا لم تزد عن دعم الأمير سعود الفيصل بالسلاح والإمكانات وتهييج القبائل البدوية التي تطوق الأحساء وواحة القطيف، ولذا يقول المؤلف السعودي -آنف الذكر- بعد أن بين أن بريطانيا لم تكن تنوي استخدام القوة "لذا لجأت إلى أهون الطرق وأسهلها"، وهي الحرب بالنيابة "حين أخذت تساعد الأمير سعود بن فيصل عن طريق كل من حاكمي مسقط والبحرين".

ولقد أسمع الملك عبدالعزيز الكابتن شكسبير، المعتمد السياسي في الكويت، أثناء لقائه به في في أبريل 1911 نفس المقالة، فقد كان الملك يومئذٍ يريد من البريطانيين منع الأتراك من القدوم إلى الأحساء بحراً ومهاجمتهم، وهو بإمكانه منازلتهم في البر واحتلال الأحساء والقطيف وتخليصها من أيدي الأتراك.. وضرب الملك عبدالعزيز مثالاً على ذلك من واقع الحرب الأهلية بين أعمامه فقال:

"حين قدم الأتراك إلى الأحساء، كان جميع أفراد عائلة آل سعود في صراع مع بعضهم البعض، مما مكن الأتراك الاستيلاء على الأحساء والقطيف بسهولة كبيرة، إلا أنهم لم يتوغلوا أبعد من ذلك إلى نجد.. ولم يكن بإمكان الأتراك أبداً أن يأتوا عن طريق البر، كما لم تكن الحكومة البريطانية مصيبة بسماحها لهم بالقدوم عن طريق البحر، لأن السفن الحربية البريطانية كانت دائماً تقوم بحراسة الساحل، إلا أن الإنجليز لم يصغوا إليه"[25] .

وغني عن القول إن الحملة التي قادها نافذ باشا كانت برية وبحرية، وإن الكثير من القوات وصلت إلى الأحساء براً كما أوضحنا، أما أن الإنجليز سمحوا للأتراك باستخدام البحر، فذلك أمر ما كان يمكنهم مواجهته بأكثر من الاحتجاج، وقد فعلوا ذلك كما أسلفنا.

مقاومة الحملة التركية

رأينا كيف انتزع الأتراك القطيف والأحساء بسهولة فائقة، دون حدوث أية صدامات أو مقاومة تذكر.. ففي الوقت الذي تمت فيه السيطرة التركية على المنطقة، تشجع أهالي الرياض في الثورة على الأمير سعود الفيصل وأخرجوه، وتولى عمه عبداللَّه بن تركي الحكم، ويومها كان الأمير الفيصل قد قدم للإحساء بناء على طلب نافذ باشا، وهناك التقى بأخيه محمد الفيصل الذي أطلق سراحه من سجن القطيف وأصبح سعود طريد الفيافي والقفار في بادية الأحساء، يلم شمل القبائل من جديد ليهاجم الأحساء والقطيف والرياض أيضاً.

بعد شهرين فقط من استيلاء الترك على المنطقة، بدأ الأمير سعود بتوجيه الإنذارات لهم ويدعوهم للانسحاب، وفي نفس الوقت أرسل للمقيم البريطاني في بوشهر، بيلي، رسالة يذكر فيها أنه قد سيطر على أوضاع نجد تماماً، وأنه يريد أن يحل السلام بين السكان بعد أن سيطر على ما كان في حوزة أخيه الموالي للأتراك.. وأعلن أنه يؤيد بريطانيا في كونها الوحيدة المسؤولة عن حماية منطقة الساحل، وعرض في الرسالة على بيلي أنه يضع نفسه تحت الحماية البريطانية[26] .

وفي آخر جمادى الآخر 1288هـ، أوائل شهر أكتوبر 1871، نزل سعود الفيصل على قبيلة العجمان ووفد آل مرة وحرضهم على مهاجمة الأحساء، واجتمع لديه خلق كثيرا من الطامعين في النهب والسلب، وجعلوا يغيرون على القرى، وينهبون المارة، ويفسدون الزروع والثمار، فخرج إليهم قائد الجيش التركي ومعه الأمير عبداللَّه الفيصل، بجميع ما لديهم من الجيوش والمدافع، ووقع بينهم القتال في الموضع المسمى "الخويراء" جنوب الهفوف، فهزم جند سعود،وأمنت البلاد وشملها الاستقرار[27] .

في هذه الأثناء فر الأمير عبداللَّه الفيصل وأخوه محمد الفيصل من الأحساء إلى نجد، وتشير المصادر السعودية إلى أن السبب كان خوفهما من الاعتقال، إذ رأى الأمير عبداللَّه أن نية الأتراك كانت تميل إلى عدم تسليم الأحساء والقطيف إليه.

ولربما كان العثمانيون -وبالخصوص مدحت- يميلون إلى تسليم المنطقة إلى الأخير بعد القضاء على أخيه، إلا أنهم سرعان ما غيروا رأيهم لسببين:

الأول: إلحاح الأهالي على نافذ باشا، ثم على مدحت باشا بإبقاء الحم العثماني في المنطقة، لأسباب واضحة، هي أنهم للتو قد انتعشوا من الأمن الضارب أطنابه، خاصة وأن الأخوين لا زالا يتصارعان على الحكم.

الثاني: شعور الدولة العثمانية بضعف البيت السعودي وأنه غير قادر على وضع حد للفوضى السياسية والأمنية، وحماية قوافلها التجارية المنطلقة من وإلى العراق عبر شمال نجد، كما لا تستطيع المنطقة في ظل وضع مضطرب إيقاف الانتشار البريطاني، أو على الأقل تأجيله، حفاظاً على ولاياتها في العراق.

ويبدو أن نقاشات ومطالبات عديدة قدمها وجهاء وتجار الأحساء والقطيف إلى نافذ باشا، تدعوه للبقاء في حكم الأحساء، ولاشك أن الأمير عبداللَّه كان على اطلاع بما يجري حوله ولربما كان واضحاً لديه، أن نافذ باشا قد تأخر في تسليم الحكم إليه، ريثما يأتي مدحت للأحساء لتفقد قوات الحملة،وشعر أن النتيجة لن تكون في صالحه، وبالتالي فهو معرض لخطر الاعتقال، فقرر الفرار.

غادر مدحت باشا بغداد متجهاً لساحل الأحساء في 28 أكتوبر 1871، فوصل إلى ميناء العقير في الأول من نوفمبر، ولكنه انطلق مباشرة من هناك إلى القطيف أولاً، حيث قابله زعماؤها، وألحوا عليه بإبقاء قواته وإلا فإن البلاد ستعود إلى سابق عهدها من الفتن، وأقنعوه بأن النتيجة المحتملة هي أن تخسر تركيا نتائج مجهوداتها التي جردت الحملة من أجلها، وقدم وجهاء القطيف، وفي مقدمتهم زعيمها أحمد مهدي بن نصر اللَّه، أشبه ما يكون بعريضة رسمية بهذا الطلب، وقع عليها زعماء المدن والقرى في الواحة.

وحدث ذات الأمر حينما وصل مدحت إلى الأحساء، فقد قدم له شيوخها وعلماؤها وتجارها عريضة يطالبون فيها الباب العالي، بأن يأخذ على عاتقه إدارة المنطقة مباشرة[28] .. وبناء على هذا الإلحاح أصدر مدحت منشوراً وزعه على الأهالي معلناً فيه نهاية الحكم السعودي للأحساء والقطيف، وتعيينه نافذ باشا كأول متصرف لسنجق نجد.. وأكد مدحت في منشوره أسباب اتخاذ هذا القرار بأن الأهالي يريدون الحكم العثماني[29] .

غير أن مدحت لم يتخذ هذا القرار إلا بعد أن طلب من الأمير عبدالله الفيصل أن يأتي لمقابلته في الأحساء، وبعد أن رفض الأخير الطلب خوفاً على نفسه، وقد أشارت "مذكرات مدحت باشا" إلى أن رفض عبداللَّه القدوم وهو الذي أضاع عليه الأحساء!

لم يكن عبداللَّه راغباً أو قادراً على مواجهة الأتراك، وكتب لمدحت باشا مبدياً استعداده لدفع ضريبة مقابل اعتراف الباب العالي به حاكماً على الإقليم،وأضاف بأنه "لا يحق للسلطان تجريده من ممتلكات آبائه وأجداده، وأن السلطان والموقعين على العريضة التي قدمت له -من الأهالي-، خدعوا بمحتوياتها وأغراضها، فالسلطان اعتقد أن الموقعين يطالبون بالحكم التركي المباشر، بينما اعتقد موقعو العريضة أنهم كانوا بذلك يطالبون الحماية من الضرائب الزائدة على دخلهم وممتلكاتهم.."، التي كانت في العهد السابق[30] .

تابع الأمير عبداللَّه احتجاجاته لدى الباب العالي ولدى مدحت باشا،ولكن أياً منهما لم يعرها اهتماماً جاداً، لأن عبداللَّه العسكري بالغ الضعف، حيث إنه بعد أن سيطر على الرياض عاد أخوه سعود واحتلها من جديد، ولعل في رسالة الأمير عبداللَّه للخديوي إسماعيل، وإلى مصر، وطلبه الوساطة منه لدى الباب العالي من أجل إرجاع الأحساء، أو الاستفادة بإجراء معاش له منها، ما يدلل على ذلك يقول في الرسالة:

".. سار عسكر تحت رياسة الفريق نافذ باشا وضبطوا الأحساء والقطيف، وخادمكم قد توجهت لخدمة الدولة، وحضرت عند الفريق المومأ إليه بالأحساء وملتقي بالخدمة، وبعد هذا صدر من والي بغداد إعلانات جملة إلى كافة الرعايا بالاعتراض على آل فيصل وعدم استخدامهم، وهذا خلاف ما كنا نأمله من مراحم الدولة وعدالتها، وصرت ميأوس وظهرت من الأحساء، ولا زالت معروضاتي مترادفة على الفريق المومأ إليه وإلى والي بغداد، مستجلباً مراحم وتعطفات دولتي وعدالتها التي هي ملجأ كل مسلم، ولا صدر مني بحق الحكومة، ولا بحق الرعية ما يوجد الصدود والتغافل عن خادمكم، فأما الشقي سعود، فهو لا يزال على فساده، ومرتين يتلاقى مع العساكر الشاهانية التي طاعتها فريضة على كل مسلم، والآن خادمكم جامع حربية من الرعايا والعشاير، وبحول اللَّه ندمره ونقطع عرق فساده، حيث إن اليوم كافة أهل نجد والعسكر الذي بالأحساء والقطيف بغير طمأنينة من حركاته وفساده.. فأما نحن أهل هذا البيت غرس المرحوم المبرور محمد علي باشا طيب اللَّه ثراه، وأنجاله المعظمون. فالذي نلتمس من شفقة مراحمكم أن تنظرون خادمكم وتنقلون بعرض حالي على أعتاب دولتي العلية، وتستجلبون وقوع أنظارها السنية بصدور فرمان يتضمن وقوع أنظارها على عبدها، ومع الأنظار تحسن على عبدها بمعاش من واردات الأحساء والقطيف، وتسجلبونا بذلك الدعوات الخيرية منا ومن كافة الفقراء والرعية، وتخلص رقاب هذه الأمة من جور هذا الشقي وسفاهته، ولأجل الدخالة على مقامكم العالي والالتجاء إلى فضلكم المتوالي، واستجلاب مراحمكم في تسوية الأحوال بما يراه نظركم.. وقد حررنا هذا العرض وشرحنا ما يلزم، ونحن حالاً قريبين من البصرة منتظرين من فضلكم الجواب، وعلى كل حال الأمر لحضرة من له الأمر، أفندم".

ختم عبداللَّه الفيصل[31] 

سعى الأمير سعود من أجل التفاهم مع أخيه عبداللَّه لمهاجمة الأتراك،وكان من مصلحة الإنجليز أن يتم التفاهم والتعاون فتخف قبضة العثمانيين على الأحساء، ويقل تدخلهم في أمور الخليج[32] ، وقد تعاون الأخوان عسكرياً في الإغارة على القطيف والأحساء.. ففي أبريل 1872 وصل سعود الفيصل ومعه العجمان وآل مرة بالقرب من القطيف لمهاجمتها، في الوقت حشد فيه عبداللَّه قوة من الهواجر والدواسر لاحتلال الهفوف، وكان التخطيط هذا بتقاسم الهجوم يهدف إلى تشتيت قوة الأتراك.. ومع أن حالة القوات العثمانية لم تكن جيدة بسبب تفشي الأمراض فيها، رغم استبدال أعداد كبيرة من الجنود أثناء زيارة مدحت للأحساء.. إلا أن القوات استطاعت إنزال الهزيمة بالأخوين، حيث هرب البدو من جيش سعود، وأما جند عبداللَّه فقد كان منهزماً كالعادة[33] .

كان هذا آخر هجوم قوي لسعود الفيصل، فقد أصبح يائساً من النصر، خاصة بعد تخلي الإنجليز والشيخ عيسى عن دعمه رغم إلحاحه المتواصل[34] ، فاتجه نحو حلحلة الخلاف مع الدولة العثمانية بالسلم أكثر من أي وقت مضى..وكان سعود أثناء وجود مدحت في الأحساء قد حاول التفاهم مع الأخير، وقدم عرضاً وقع عليه عدد من مشايخ نجد يطلبون فيه إسناد حكم نجد إلى سعود في إطار التبعية للدولة العثمانية[35] ، ولكن مدحت لم يعره اهتماماً، وعرض سعود مرة أخرى على والي بغداد أن يستعيد الأحساء وتكون تحت إدارته المباشرة، غير أن طلبه لم يلق قبولاً لدى الأتراك، إذ أنهم كانوا مصممين على الاحتفاظ بالأحساء[36] .

مع بداية عام 1873 زحف سعود مرة أخرى لاحتلال الرياض، فهزم أخاه عبداللَّه، وأعاد احتلال المدينة، وفر أخوه إلى بادية الكويت،ومعه جموع من أعراب قحطان.. وبدأ سعود بالاتصال من جديد مع المقيم البريطاني في بوشهر من أجل الحصول على الدعم والمساعدة، ومنوها بالسياسة البريطانية التقليدية التي تمنع استخدام مياه الخليج للأعمال الحربية، ولذلك فهو أهمل ساحل الأحساء لحماية بريطانيا مما أفقده إياه، وراح يكرر طلب المساعدة البريطانية بصراحة.. لكن بيلي، وبناء على أوامر حكومته، أبلغه أنه لم يكن طرفاً في أية معاهدة بحرية مع بريطانيا، وأن الأخيرة لم تتعهد -رسمياً- بحمايته، وبالتالي لا حق له بالعون!، وطلب سعود فيما بعد التدخل من الإنجليز لدى السلطات العثمانية من أجل أخيه "عبدالرحمن" مما كان له أثر فعال في عودته من العراق ليبدأ حربه ضد العثمانيين من جديد[37] .

ورغم إحجام السلطات الإنجليزية من تقديم العون لسعود، خوفاً من أن يستغل الأتراك ذلك كحجة للتمدد نحو مناطق النفوذ البريطانية، فإنها لم تتوقف عن الدسائس، وتشجيع المعارضة،وكانت تتمنى أن يلتقي الأخوان، عبداللَّه وسعود، وأن يعملا معاً على إضعاف الأتراك في قاعدة نفوذهم "الأحساء"، وإشغالهم عن التوجه للمناطق الأخرى[38] .

شجعت بريطانيا المفاوضات بين السعوديين والأتراك حتى تعجل بإنهاء الحكم التركي في الأحساء، بل إنها حاولت التوسط بين الطرفين، إلا أن الأتراك لم يكونوا راغبين في الوساطة البريطانية، وإن كان سعود الفيصل يلح عليها، وقد سبق له أن كتب لبيلي يستشيره في الشروط التي عرضها العثمانيون عليه، ومنها أن يبعث باثنين من أولاده كرهائن إلى بغداد، وأن يدفع نفس المبلغ الذي كان أبوه فيصل يدفعه للسلطان، وقد قدم هذا العرض خليفة مدحت باشا على ولاية بغداد "رؤوف باشا"[39] .

فشلت العروض السابقة، كما فشلت القوات السعودية في تحقيق أي مكسب لها في الأحساء، وكان كل ما يطمح إليه سعود هو البقاء في سلطته داخل نجد.. وفي 1873، 1290هـ، طلب سعود من حاكم بندر عباس، أحمد خان، أن يتوسط لدى رؤوف باشا في الأمر، وكانت السلطات العثمانية تميل إلى الاتفاق معه على أساس أن يدفع الضريبة السنوية مثلما كان الحال في عهد أبيه على أن يقدم رهائن إلى سلطات بغداد لضمان استمرار ولائه.. وقد ذهب أخ سعود، عبدالرحمن الفيصل -والد الملك عبدالعزيز- إلى بغداد عام 1873 كرهينة وبقي مدة عام، وبالتحديد حتى أغسطس 1874[40] .

يقول الملك عبدالعزيز لشكسبير، المعتمد البريطاني في الكويت، حول هذا الاتفاق، إن عمه سعود، وبعد أن فشل في الحصول على دعم القنصل بيلي، حاول "ترتيب اتفاق مع الأتراك، الذين وعدوه بالكثير ولكن لم يفعلوا شيئاً، إذ أرادوا أن يروا سعوداً يحضر شخصياً إلى بغداد لكي يسجنوه ثم يستولوا على نجد بأكملها.

وحين وافقوا على أن يذهب أخوه عبدالرحمن بن فيصل مكانه مع وعد بالأمان، فإنهم في الواقع قاموا بسجنه"[41] .

ويجب الالتفات إلى حقيقة أن الاتفاق الأخير لم يكن يتعلق بتسليم الأحساء لسعود، وإنما بإبقاء حكم الرياض له، حيث صرف العثمانيون النظر عن متابعة الحملة لاحتلال نجد، وتم استدعاء مدحت للأستانة في ربيع 1872.

محاولة الأمير عبدالرحمن الفيصل

عانت القوات التركية كثيراً من الأمراض أثناء تواجدها في المنطقة، خاصة في القطيف الملتصقة بساحل البحر، مما جعل مدحت يتطلع إلى بناء بلدة جديدة على بعد قليل منها، وحين غادر الأخير القطيف في الثامن والعشرين من ديسمبر 1871، اصطحب معه الجنود المرضى والمتعبين بعد أن جاء ببدل عنهم[42] .

ومن الواضح أن العثمانيين كانوا عازمين على سحب قواتهم من الأحساء والقطيف، مع إبقاء عدد قليل من الجنود في الحاميات، وانتهاج سياسة تتولى من خلالها القوى المحلية دوراً في حكم المنطقة، مع ارتباطها الرسمي بالدولة.. غير أن هجمات السعوديين في العامين اللذين تليا حملة الأحساء، أجل هذا الانسحاب، مع أن العثمانيين لم يتأخروا في سحب قواتهم.. فبمجرد أن لاحت لهم الفرصة عام 1290هـ/ 1873 سحبوها في الوقت الذي رتب فيه اتفاق ضمني مع الأمير سعود الفيصل، سافر بموجبه أخوه عبدالرحمن إلى بغداد كرهينة.

ويعزو العديد من المؤرخين أسباب سحب القوات العثمانية، وانتهاج سياسة محلية إلى ثلاث أمور:

الأول: أن الحكم المباشر يكلف الدولة العلية نفقات طائلة، في الوقت الذي لم تفد تركيا اقتصادياً من الإقليم، لأن الحملة أساساً لم يكن من بين أهدافها الإفادة الاقتصادية تقتضي مضاعفة الضرائب التي تجبى من الأهالي، مع ما في ذلك من محاذير تؤثر على نتائج التنافس البريطاني -التركي في الخليج، وهو أمر حرص الأتراك على تجنبه منذ البداية.

الثاني: ارتفاع نسبة الوفيات في الجنود، وتفشي الأمراض بسبب الطقس الحار والرطب، في حين أن معظم الجنود جاؤوا من المناطق الشمالية الباردة.

الثالث: سياسة الإصلاح التي بدا العثمانيون تطبيقها في البلاد العربية، والقاضية باعتماد رؤساء محليين، يتولون الإدارة والحفاظ على الأمن.

لهذا عهدت دولة الخلافة إلى والي بغداد بسحب القوة التركية، فعهد بدوره إلى ناصر باشا السعدون، زعيم المنتفق، ومتصرف البصرة، بإدخال نظام قليل التكاليف، فزار ناصر الأحساء أواخر سنة 1873، وصدرت الأوامر بسحب أربع كتائب من القوات التركية المعسكرة في الأحساء، وعادت إلى بغداد، ولم يبق إلا كتيبة من الجندرمة أنيط بها مسؤولية الدفاع عن الجبهة بين الأحساء ونجد.. وقد شجع الانسحاب التركي هذا على خلق الاضطرابات والثورات وتهييج القبائل البدوية.. ومن أشهر هذه الثورات تلك التي قادها الأمير عبدالرحمن الفيصل، والأخرى التي نفذها أبناء أخيه سعود الفيصل[43] .

تبع سحب القوات، أن سلم متصرف الأحساء فريق باشا الحكم إلى أكبر شيوخ بني خالد، وهو بزيغ بن عريعر، ابن حاكم الأحساء السابق.. ويستشف من المصادر التاريخية أن لناصر باشا السعدون دوراً في تعيينه، الذي وافق عليه الباب العالي.

فبزيغ هذا هو صهر ناصر باشا من جهة، وهو زعيم قبيلة الخوالد المعروفة بحكمها السابق للمنطقة من جهة ثانية، ومن جهة ثالثة، فإن بزيغ شارك في حملة الأحساء، وكأن إعطاءه الحكم، قد جاء ثمناً لتلك المشاركة.. وبتعيين الخالدي بدأت الخطوة الأولى والهامة بتعديل الإدارة في الأحساء، في حين بدأت القطيف تستعيد شخصيتها ويبرز فيها الزعماء السياسيون الذين أداورها بشكل شبه مستقل بالتعاون مع القائمقام العثماني، وبحراسة عشرات من الجنود[44] .

ويلاحظ أن قوة بني خالد بدأت بالضعف والضمور شيئاً فشيئاً، فأصبح حكمهم للأحساء اسمياً، مع أن تسليمهم السلطة السياسية هو اعتراف بقوتهم، كما فعل المصريون حين انسحبوا من الأحساء عام 1818، ولعلنا لا نعدو الحقيقة إن قلنا، إن بني خالد قد زاد تحضرهم واستيطانهم في واحتي الأحساء والقطيف ببروز قوة العجمان، وقد كان أحد أسباب ضعف بني خالد فيما بعد، هو ذوبانهم في التجمع الحضري، وفقدانهم للحمة العصبية الداخلية التي تجمعهم.

ويبدو أن الإنجليز قد ارتاحوا الرحيل القوات العثمانية، حيث خلا لهم الجو لتعكير صفو الأمن وترتيب أوراق تحالفاتهم للانقضاض على الأحساء، وقد استمروا في دعم المعارضين، وكذلك القبائل التي خسرت امتيازاتها باستقرار السلطة المنظمة في الأحساء. إلا أن هذا الدعم الذي يجري في أغلبة وراء الستار، والذي يهدف إلى تقويض سلطة الأتراك، لم يكن في البداية سوى عامل إقلاق وإشغال للعثمانيين من التفكير في المناطق الأخرى المحتلة من قبل الإنجليز، وكان الأخيرون حريصين -ظاهرياً على الأقل- على عدم تصعيد الاضطرابات إلى الحد الذي يجعل الأتراك يعيدون قواهم وقوتهم العسكرية المنظمة من جديد.

في أغسطس 1874، أي بعد سحب القوات التركية ببضعة أشهر، غادر عبدالرحمن الفيصل بغداد بتساهل من واليها الذي أمن جانبه، بعد أن رتب أوضاع الأحساء، فاتجه عبدالرحمن إلى البحرين -مركز المعارضة البريطاني-، وهناك حصل على دعم من المعتمد السياسي "واستقبله الشيخ عيسى بحفاوة بالغة، وأمضى بضعة أسابيع قضاها في الاتصال بشيوخ القبائل في الأحساء، يحثهم على الوقوف إلى جانبه، فوجد لديهم الاستعداد للمؤازرة، وأخذ يعد العدة للثورة حتى أتم استعداداته، وبادر بالهجوم على الأحساء[45] .

ففي رمضان 1291هـ/ أواخر 1874، توجه الأمير عبدالرحمن إلى الأحساء والتقى بحلفاء أخيه الأمير سعود من العجمان وغيرهم، حيث أسرع شيوخهم إلى الالتفاف حوله وأعلنوا الثورة والحرب "وتناثرت الإشاعات عن أن شيخ البحرين والإنجليز يقدمون المساعدات لعبدالرحمن"[46] .. وفي بادئ الأمر، قام أتباعه بحركات معارضة أدت إلى إخراج المتصرف الخالدي من الهفوف، مما أدى إلى محاصرة القوات النظامية القليلة في الكوت، وراح العجمان وآل مرة -كعادتهم- ينكلون بالحضر وينهبونهم ويقتلون من يعترضهم.

انضم الأهالي الحضر الذين حوصر بعضهم في الكوت إلى القوات القليلة لمنع سقوط الحامية، ريثما يأتي المدد من العراق، وفعلاً استطاعوا الصمود عدة أسابيع، مما أنقذ الوجود العثماني في الأحساء من نهاية محققة.

وفي الحقيقة، فإن القوات العثمانية مدينة بصمودها إلى موقف الأغلبية الشيعية في الهفوف، حيث حمل هؤلاء السلاح تحت قيادة زعيم الشيعة في الأحساء، الشيخ محمد بوخمسين، الذي وضع خططاً عسكرية عديدة أفشل بها محاولات اختراق الكوت، وقد قدر الأتراك للشيخ محمد دوره هذا، فكان محط احترامهم وثقتهم واستشارتهم، ولما توفي سنة 1319هـ شيع تشييعاً رسمياً، وحمل جثمانه إلى مثواه على مدفع.

لم يرسل والي بغداد الجيش السادس في العراق لإنقاذ الأحساء نظراً لضعف ذلك الجيش، فأسند أمر إخضاع البدو لناصر باشا السعدون، فأسرع الأخير في شهر ذي القعدة 1291هـ/ 1874، على رأس قوة من عشرة آلاف مقاتل، ومعهم ألف بعير تحمل المؤونة والذخيرة، والتقى بالعجمان وآل مرة بقيادة الأمير عبدالرحمن الفيصل على مقربة من الهفوف في موقع يقال له "الوزية"، أدت إلى انتصار الباشا الذي دخل في اليوم التالي الهفوف، ونكل بالمتعاونين مع الأمير عبدالرحمن، وفر كثير من المتواطئين إلى البحرين خوفاً من العقاب، غير أن الشيعة لم يتعرضوا لأي أذى، حيث لم تلق الجماعات الشيعية أي أذى، وقد عرفت هذه السنة بـ"سنة ناصر باشا"[47] .

وينقل المؤرخون أن العديد من الأفراد والعوائل التي تعاونت مع الأمير عبدالرحمن، مثل آل ملحم والعمير والنعيم، لجؤوا إلى منزل الشيخ محمد بوخمسين، خوفاً من الانتقام.. فأجارهم وألجأهم، وقد توسط للكثيرين حتى لا تطحنهم آلة الانتقام العثمانية.

أما المغفور له عبدالعزيز، مؤسس الدولة السعودية الحديثة، فيقول لشكسبير عن محاولة أبيه لاحتلال الأحساء، إن العرب -أي البدو- "انضموا لشن هجوم على الأحساء لكي يستعيدوا بالقوة ما عجزوا عن استعادته بالدبلوماسية، إلا أن سعوداً كان يخشى القيام بمثل هذه المغامرة، خوف أن يقتل الأتراك أخاه عبدالرحمن في بغداد، وأيضاً لأن الإنجليز لم يحاولوا منع القوات التركية من الوصول إلى الأحساء عن طريق البحر.. وبعد أن تم إطلاق سراح عبدالرحمن من الاعتقال الذي استمر ثلاثة أو أربعة أعوام قضاها في بغداد، ونزل إلى شاطئ الأحساء، وجد أن العرب -البدو- يكرهون الأتراك، وأبدوا استعدادهم للانضمام إليه ضدهم، ولأن الأتراك كانوا ضعفاء نتيجة المرض والموت الذي نزل بهم، فقد هاجم عبدالرحمن قلعة الأحساء، ولكن قبل أن يتمكن من تدميرها، استدعى الأتراك قوات إضافية، فما كان منه إلا أن غادر الأحساء إلى الرياض"[48] .

وعلى أثر هذه الحادثة تولى ناصر باشا متصرفية الأحساء مدة قليلة من الزمن لضبطها، ثم غادرها عام 1875: 1292هـ، بعد أن سلمها لابن بزيغ الخالدي (مزيد)، وأصبح المتصرف فيما بعد هو الحاكم الفعلي للأحساء، إذ تقوضت وضعفت سلطة بني خالدي إلى أبعد الحدود.. واهتزت الثقة بإمكانيتهم على مواجهة غائلة البادية.

رد متصرف الأحساء على دعم الإنجليز وحكام البحرين لثورة عبدالرحمن، بالتحرش بآل خليفة، وفي شهر سبتمبر 1874 طلب من تاجرين هنديين (بانيان) -من ذوي التبعية البريطانية- وكانا يقيمان في الدوحة، أن يحضرا للهفوف، فرفضا الامتثال، إلى أن أجبرهما قاسم آل ثاني على ذلك، وكان الهدف توجيه إهانة للمقيم البريطاني في بوشهر، وإخراج تجارة قطر من يد رعايا بريطانيا.

وفي أكتوبر 1874 بعث قائمقام القطيف رسالة إلى الشيخ عيسى حاكم البحرين، وجه له فيها اللوم والتهديد لاستقباله ودعمه الأمير عبدالرحمن الفيصل.

وهكذا غادر الأمير عبدالرحمن الفيصل الأحساء إلى الرياض يائساً ليلتحق بأخيه سعود الذي وافته المنية في شهر ذي الحجة 1291هـ، فاستولى عبدالرحمن على الحكم وانشغل بقتال أخيه الأمير عبداللَّه، ثم أبناء أخيه سعود، إلى أن اضطر لترك الرياض.

ورغم الإعياء الشديد الذي أصاب الأمراء السعوديين نتيجة الصراع الداخلي إلا أن الأحساء لم تغب عن بالهم، فقد أصبحت نجد إمارة مغلقة، وليس من الممكن تناسي مفتاحها وقلبها، وأسرع الأمير عبدالله إلى التحالف مع أخوته وأبناء أخيه سعود لتجنيد حملة تهاجم القطيف ثم الأحساء والاستيلاء عليهما.

فقد قام أولاد الأمير سعود الفيصل في عام 1878، 1295هـ، بحملة ضد القطيف بالتعاون مع العجمان وآل مرة، وضربوا حصاراً حول المدينة التي استبسل أهاليها في المقاومة، واستطاعت السلطات العثمانية فك الحصار بمساعدة جاءت من الشمال، فما كان من أولاد سعود الفيصل إلا أن طلبوا اللجوء السياسي من شيخ البحرين.. لكن الأتراك احتجوا وحينها.. ومنعاً للاحتكاك رضخ المعتمد البريطاني ورفض منح حق اللجوء لأبناء سعود بحجة "عدم اللياقة في حماية أشخاص عرفوا مؤخراً باتصالهم بأعمال الاضطرابات في أراضي دولة صديقة مجاورة!!"[49] .

[1]  جمال زكريا قاسم، الجزء الأول، ص174 - 175.

[2]  عبدالعزيز نوار، مصدر سابق، ص413. وانظر العابد، جزء 2، مصدر سابق، ص223.

[3]  مذكرات مدحت باشا، يوسف كمال حتاتة، ص174 - 175. وانظر عبدالعزيز نوار، مصدر سابق، ص417.

[4]  تاريخ الكويت الحديث، أحمد مصطفى أبو حاكمة، ص251. والعابد، مصدر سابق، جزء 2، ص231. وفاسلييف، مصدر سابق، ص194 - 195. ومحمد عرابي نخلة مصدر سابق، ص153 - 156، وكذلك عبدالعزيز الرشيد، تاريخ الكويت، ط 1971، ص133. تجدر الإشارة إلى أن حملة الأحساء تطرق إليها العديد من المؤرخين بالتفصيل، انظر مثلاً: جمال زكريا، الجزء الأول، مصدر سابق، من ص 171 - 204.

[5]  عبدالعزيز الرشيد، مصدر سابق، ص134. وانظر تاريخ الكويت السياسي، جزء 2، حسين خلف الشيخ خزعل، ص137.

[6]  جمال زكريا قاسم، الجزء الأول، ص483 - 486.

[7]  العابد، مصدر سابق، جزء 2، ص231.

[8]  تاريخ الكويت الحديث، ص252. ومحمد عرابي نخلة، مصدر سابق، ص164.

[9]  يوافق السادس من يوليو، ص1871.

[10]  آل عبدالقادر، مصدر سابق، ص171.

[11]  جمال زكريا قاسم، الجزء الأول، ص182.

[12]  د. محمد عرابي نخلة، مصدر سابق، ص165، 187.

[13]  قصيدة لعبد الرحمن بن طوق النجدي، مشاهير علماء نجد، مصدر سابق، ص87.

[14]  عبدالرحمن آل الشيخ، مصدر سابق، ص89.

[15]  هو سليمان بن سمحان، ولد سنة 1267هـ، في قرية (السقا) قرب أبها، عاصمة إقليم عسير هاجر إلى الرياض سنة 1278هـ، إثر استيلاء المصريين عليها، واشتغل معلماً لصغار آل الشيخ، وأثناء الخلاف بين أولاد فيصل غادر إلى الأفلاج، ثم عاد بعد وفاة سعود الفيصل للرياض، فعينه عبداللَّه الفيصل كاتباً عنده، توفي عام 1349هـ.

[16]  الشيخ عبداللطيف آل عمير، له صلات قوية بالأتراك، وكان نديماً للوالي على الأحساء أحمد عزة العمري، وقد كان الأخير شاعراً.. انظر شعراء هجر، من القرن الثاني عشر إلى القرن الرابع عشر، للدكتور عبدالفتاح محمد الحلو، دار العلوم 1981، ص237، 238.

[17]  د. عبداللَّه الحامد العلي، مصدر سابق، ص152، 108.

[18]  المصدر السابق، ص297.

[19]  التيارات السياسية في الخليج والجزيرة العربية، الدكتور صلاح العقاد، ص176.

[20]  تاريخ الكويت الحديث، ص250.

[21]  العقاد، مصدر سابق، ص174، 177. وانظر الدولة السعودية الثانية، ص169.

[22]  د. محمد عرابي نخلة، مصدر سابق، ص167، 168.

[23]  جمال زكريا قاسم، الجزء الأول، ص185، 186. و د. محمد عرابي نخلة، مصدر سابق، ص168 إلى ص170.

[24]  محمد عرابي نخلة، مصدر سابق، ص168، 169.

[25]  دراسات في تاريخ الخليج والجزيرة العربية، ص115.

[26]  الوثيقة البريطانية (E20868)، رسالة من سكسبير إلى المقيم البريطاني الميجور كوكس بتاريخ الثامن من أبريل 1911.

[27]  رسالة من بيلي إلى حكومة الهند في 28 سبتمبر 1871، انظر: الدولة السعودية الثانية، مصدر سابق، ص172.

[28]  آل عبدالقادر، مصدر سابق، ص172. وتاريخ الكويت الحديث، ص252.

[29]  العابد، مصدر سابق، الجزء 2، ص 240.

[30]  تاريخ الكويت الحديث، ص252. والدولة السعودية الثانية، ص169.

[31]  العابد، مصدر سابق، جزء 2، ص241.

[32]  جمال زكريا قاسمن الجزء الأول، ص487، والرسالة غير مؤرخة.

[33]  الدولة السعودية الثانية، ص172، 173.

[34]  محمد عرابي نخلة، مصدر سابق، ص178، 194.

[35]  عبدالعزيز نوار، مصدر سابق، ص432، 433.

[36]  العابد، جزء 2، مصدر سابق، ص244.

[37]  محمد عرابي نخلة، ص194.

[38]  المصدر السابق، ص194، 195. سجل البريطانيون في أغسطس 1871 شائعات ترددت في القطيف بأن القوات العثمانية على وشك الذهاب إلى الساحل العماني، إلا أن الكولونيل روس الذي سجل هذه الشائعة ونقلها إلى المقيم بيلي، عاد ونفاها.

[39]  العابد، جزء 2، مصدر سابق، ص243.

[40]  عبدالعزيز نوار، مصدر سابق، ص434.

[41]  رسالة من شكسبير إلى المقيم البريطاني في بوشهر، السير بيرسي كوكس، مؤرخة في 8/ 4/ 1991.

[42]  العابد، مصدر سابق، جزء 2، ص242.

[43]  تاريخ الكويت الحديث، ص253. وجمال زكريا قاسم، الجزء الأول، ص196، 197. وانظر أيضاً: العابد، مصدر سابق، جزء 2، ص248.

[44]  الدولة السعودية الثانية، ص175. وانظر تاريخ الكويت الحديث، ص253.

[45]  العابد، مصدر سابق، جزء 2، ص248.

[46]  عبدالعزيز نوار، مصدر سابق، ص434.

[47]  الدولة السعودية الثانيةن ص175. وأيضاً: عبدالعزيز، مصدر سابق، ص434. ومحمد عرابي نخلة، مصدر سابق، ص195. وكذلك آل عبدالقادر، مصدر سابق، ص174، 175.

[48]  رسالة شكسبير إلى بيرسي كوكس، في 8/ 4م 1911.

[49]  الدولة السعودية الثانية، ص221. وانظر: محمد عرابي نخلة، مصدر سابق، ص196، 197. وأيضاً: جمال زكريا قاسم، الجزء الأول، ص198، 199.

تجدر الإشارة إلى أن الأخير ذكر بأن سفينة بريطانية "فلتشر" كانت تبحر بالقرب من القطيف لمكافحة القرصنة، لاحقت السعوديين. والحقيقة أن السفينة لم تقم بأي عمل حربي، لأن ذلك ضد السياسة البريطانية.

وقد كان ظهور السفينة بالقرب من الساحل القطيفي، قد أوحى للمهاجمين بأنها سفينة عثمانية - بالنظر لدخولها المياه الإقليمية للقطيف.
239428