الأوضاع السياسية والاقتصادية في ظل الحكم العثماني
التحرير - 22 / 3 / 2011م - 7:15 م - العدد (14)

كانت واحتا الأحساء والقطيف، أو ما عرف بسنجق "نجد" تشبهان الفتاة المدللة للأب العثماني!.. وإذا كان الحكم التركي المعروف بسوئه وطغيانه في ديار العراق والشام واليمن، يبدو واضحاً لكل الباحثين، فإن الأحساء لم يصبها من ذلك إلا النزر القليل التافه.

ومهما كان تقييم الباحثين لحكم الأتراك في المناطق العربية الأخرى.. فقد كان للأحساء وضعها الخاص في الإدارة والحكم، وذلك يرجع لأسباب متعلقة بموقع الأحساء الجغرافي، وخصوصياتها الثقافية والتاريخية، وتركيبتها السكانية، إضافة إلى وجود الصراع الإنجليزي - التركي، حولها وعليها. حيث كان العثمانيون يحاولون وبشتى الأسباب والوسائل إرضاء الأهالي، وتخفيف الضغوط عنهم، وكان يكفي أن ترسل عريضة من الأهالي إلى السلطان، أو إلى والي البصرة، أو إلى والي بغداد، حتى يلبي الطلب، حتى ولو كان عزل المتصرف. كل ذلك كان من أجل راحة السكان، وعدم إعطاء الفرصة للبريطانيين بالتدخل وقلب الأوضاع، ليس في الأحساء وحدها فحسب، وإنما في العراق العثماني أيضاً.

لقد كانت حملة مدحت باشا لاحتلال الأحساء جزءاً من سياسة الإصلاح العامة التي اتبعها العثمانيون في بلاد العرب، وكانوا جادين في تطبيقها، في المناطق التي استولوا عليها حديثاً في الخليج العربي، على الأقل[1] .

كانت هناك حساسية لدى العثمانيين تجاه تزايد النفوذ البريطاني في الخليج، ولم يغب عن بالهم أنهم ليسوا وحدهم في هذا المنطقة المتصارع عليها، وبالتالي كانوا حريصين على انتهاج سياسة تفوت على العدو المتربص بهم ما كان يخطط لهم. ولهذا نجت الأحساء والقطيف من سياسة القمع والاستبداد التي استخدمت بطغيان بشع في المناطق العربية الأخرى.

من هنا كانت سياسة العثمانيين في المنطقة مرضي عنها، بل كان الشطر الأول منها في الحقيقة يعد الفترة الذهبية التي مرت بالمنطقة.

ويمكننا مناقشة وتقييم العهد التركي، ضمن محورين أساسيين، هما، المحور السياسي، والمحور الاقتصادي.

الوضع السياسي

أثناء زيارته للأحساء، وضع مدحت باشا تشكيلاً إدارياً، جعل الأحساء بموجبه متصرفية سماها، سنجق نجد، يتبع ولاية بغداد، وقسم السنجق إلى ثلاثة أقضية هي[2] :

الأول: قضاء الهفوف، وهو مركز السنجق، ومحل إقامة المتصرف.

الثاني: قضاء القطيف، ويشمل إضافة إلى القرى المحيطة، جزر تاروت وجنة والمسلمية والعماير وغيرها. واعتبر قضاء القطيف مركز تمويل الأقضية الثلاثة، وتتواجد به الإدارة المدنية، ويحكمه قائمقام، له السلطة العسكرية والمدنية رسمياً، ويعاونه أحد الرؤساء المحليين "كان الزعيم أحمد مهدي بن نصر اللَّه، ثم المرحوم منصور بن جمعة يشغل هذا المنصب".

الثالث: قضاء قطر، ويحكمه القائمقام قاسم آل ثاني، يساعده ضابط عثماني يشرف على الحامية العسكرية، ويمده بالجنود، وقد أجرى مدحت راتباً سنوياً للقائمقام[3] .

من جهة أخرى، عينت السلطة العثمانية -كما يؤكد لوريمر- عمدة في كل قرية ليكون همزة الوصل بين السكان والسلطة، وقد أفسح هذا التنظيم للزعامات الحضرية، -بالبروز والنمو، والتعاطي بالشأن السياسي. في نفس الوقت لم يهمل العثمانيون، الذين يمثلهم المتصرف، مشاورة القبائل كالعجمان وآل مرة في شؤون البلاد -كما أكد ذلك زويمر أثناء زيارته للأحساء عام 1900[4] .

كما أقام العثمانيون عدة حاميات ومفارز عسكرية للحفاظ على الأمن "ولكنهم لم يحاولوا التدخل في شؤون الناس الاجتماعية والاقتصادية.. وكان وجود الحاميات في الإقليم لمجرد حفظ الأمن"[5] ، حتى أنه لم يكن في العقير -أهم الموانئ- سوى ضابط واحد مع بضعة أفراد من الشرطة.

ويلاحظ أن عدد الجنود الأتراك كان قليلاً على الدوام، وإن كان يختلف من سنة لأخرى، فعقب نهاية حكم مدحت باشا في العراق، لم يكن في كل قضاء -حسب التقارير البريطانية- سوى ثلاثين جندياً "أي أن المجموع 90 جندياً فقط". وفي عام 1888 بلغ عدد الجنود 750 جندياً.. أما في عام 1900، أي بعد حوالي عشرين عاماً من الاستيلاء التركي على المنطقة، فكان عدد الجنود في كامل السنجق "900 جندي فقط"، ستمائة منهم في الهفوف، وثلاثمائة في كل من قطر والقطيف، كما أوضح ذلك زويمر، حينما كان في الأحساء في ذلك العام[6] .

ويوم سقطت الأحساء سنة 1913 لم يكن في كل السنجق سوى أقل من أربعمائة جندي، منهم 90 في القطيف.

واتبع العثمانيون في بداية عهدهم سياسة الاعتماد على الولاة المحليين، فعينوا بزيغ بن محمد العريعر والياً وسحبوا جنودهم، لكن وكما رأينا، لم يستطع هذا الوالي الخالدي، أن يسيطر على الوضع، حينما تعاون العجمان وآل مرة مع الأمير عبدالرحمن الفيصل في مهاجمة الهفوف سنة 1291هـ، الأمر الذي أدى إلى عزله، فاعتمد العثمانيون فيما بعد على تعيين ولاة أقوياء من العرب الآخرين، سواء من العراق أو غيرها، بالتعاون مع الواجهات المحلية، والسبب يعود إلى التالي:

أولاً: أن قبيلة بني خالد ضعفت كثيراً، ولم تكن قادرة على النهوض بإدارة الأحساء، ومكافحة غوائل البدو والقبائل الناهبة التي تعتدي على المدن والقرى الأحسائية، وكان مراد الدولة العثمانية أن تسيطر هذه القبيلة بقواها العسكرية الذاتية على الحكم، مع الإشراف الاسمي لها. لكن الخوالد أصابهم الضعف الشديد، بل إنهم كانوا ضعفاء منذ أن قوض السعوديون سلطانهم في المنطقة في أوائل القرن التاسع عشر.. وفي نفس الوقت وفدت إلى الأحساء قبائل أقوى وأكثر عدداً وأشد شراسة كالعجمان، فتضاءلت أهمية الخوالد، واضمحلت قوتهم، خاصة وأن الضربات المتلاحقة التي وجهت إليهم أجبرت العديد منهم على الفرار، أما إلى جنوب العراق، أو الكويت أو الاستيطان في المناطق الحضرية.

وفي هذه الفترة -فترة الحكم التركي- كانت الأكثرية من أفرع بني خالد قد تحضرت واندمجت مع السكان. ولربما يقال -وهو صحيح- أن الدولة العثمانية قد أرادت إعادة القوة لبني خالد، ولم يكن أمامها سواهم، حيث تجربتهم في الحكم -والتي استمرت مدة قرنين-، وحيث علاقتهم الوطيدة بالأهالي.. بينما لم تكن الدولة، ولا الأهالي يأمنون القبائل العجمانية وغيرها، المنتشرة في البادية لتسوسهم وتديرهم، وهي قبائل غلب عليها طبع الجفاء ومعاداة الحضر.

ثانياً: حينما أراد العثمانيون تسليم السلطة للقوى المحلية في الأحساء، لم تكن تلك القوى المحلية مهيأة لذلك -عدا القطيف-، فمنطقة الأحساء تعرضت إلى تصفية في قواها المحلية - بأكثر مما حدث في القطيف-، كما أن تعيين رؤساء وأمراء وإداريين من خارج الأحساء، والتهميش المتعمد طوال القرن التاسع عشر، أدى إلى حدوث أمرين خطيرين: أحدهما، عدم بروز قوى محلية تستطيع القيام بإدارة الحكم، وثانيهما: ولد التهميش حالة من العزلة عن مجريات السياسة المحلية، وهو أمر بلغ من الوضوح حدا صارخاً في الأحساء.

لم يكن يوم قدم الأتراك للأحساء، قوى فاعلة من الشخصيات يمكن الاعتماد عليها، أو لديها مجرد الرغبة والطموح السياسي.. كما لا يبدو أن جو الانفتاح الذي خلقه الحكم التركي، أثر على الواجهات التقليدية، وإن كان من الصحيح أنه في أواخر الحكم التركي، بدأت القوى المحلية الأحسائية بالانتعاش، ولكن هذا الانتعاش كان محوراً مؤقتاً.

لاشك أن حضر الأحساء لم يستفيدوا كثيراً من الفرص التي أتيحت لديهم في فترة الحكم التركي بالشكل المطلوب، في بناء قواهم الذاتية، والتغلب على مشاكل التهميش السابقة وإبراز واجهاتهم السياسية والاجتماعية.. ورغم أنه حدث أن ظهرت واجهات العلم والأدب والفقه وسائر العلوم، وتطورت الحركة الدينية والثقافية تطوراً ملحوظاً، إلا أنها لم تتعد ذلك كثيراً إلى الخوض في المجالات السياسية والإدارية.

أما النجديون المقيمون في الأحساء فلم يكونوا مرغوبين كفئة لدى الأتراك، أولًا، لارتباطاتها الفكرية والمذهبية كانت تصطدم مع الحكم التركي نفسه.

ثالثاً: بقيت فئة أخرى في مجتمع الأحساء، وهي الفئة السنية الثانية التي تتبع المذهب الحنفي أو الشافعي أو المالكي، وهذه الفئة انتعشت بقوة نظراً لقربها المذهبي من مذهب الدولة العثمانية، فكانت تستشار وتقدر وتحترم في رأيها، إلا أن قوتها لم تصل إلى حد توليتها شؤون الإمارة.. وإن كانت تابعة للحاكم في حقيقة الأمر.

رابعاً: أما القطيف، فهي تختلف إلى حد كبير عن الأحساء، ورغم أن كل سكان القطيف من الشيعة، وهو أمر يجعل من تركيبتها السكانية شبه مقارب لما هو موجود في الأحساء.. إلا أن الاختلاف واضح بين المنطقتين.

فشيعة القطيف، استجابوا -بقدر لا بأس به- للتحدي والحفاظ على هويتهم وقد مارسوا التحالفات مع القوى المحلية فترة من الزمن، وكانت المنطقة تولد بين الحين والآخر الزعامات الدينية والسياسية.

وحين دخل الأتراك القطيف، كان معهم أحمد مهدي بن نصر الله، وكانت هناك زعامات سياسية في كل مدينة وقرية تقريباً، فتعامل العثمانيون معها على أساس الأمر الواقع، وهكذا أصبح نصر اللَّه زعيماً لواحة القطيف، ولما توفي خلفه الحاج منصور بن جمعة، ثم أخوه عبدالحسين بن جمعة، وكانت لهؤلاء صلاحيات الرؤساء والمتصرفين، وكانت السلطات العثمانية تقدر موقعهم.. ولا تصدر أمراً إلا بالرجوع إليهم، وكان هؤلاء الزعماء يتشاورون مع الشخصيات الدينية -وهي كثيرة- وكذلك مع عمد القرى والأرياف.

وباختصار كانت سلطة العثمانيين في واحة القطيف ضئيلة جداً، وكانوا أنفسهم راغبين في ذلك، بل إنهم فكروا في تعيين الباشا منصور بن جمعة ليكون والياً على الواحتين. وأكثر من ذلك، ونظراً لثقل القطيف السياسي، أراد الإنجليز من منصور أن يتمرد على الإدارة العثمانية ليخلق له دولة أو إمارة في مقاطعة القطيف والأحساء معاً، ولكنه رفض العرض.

خامساً: وأخيراً، فإن الدولة العثمانية التي كانت سلطتها في منطقة شرق الجزيرة العربية متمركزة في واحة الأحساء، والتي كانت مستهدفة من قبائل البادية، ولما لم تجد من تعهد إليه بإدارتها، قامت بتعيين المتصرفين بنفسها، وكان المتصرفون في غالبيتهم من عرب العراق، وكانوا في الجملة على علاقة جيدة مع الأهالي.. بل وكان من بين المتصرفين الشعراء والأدباء، وكانت لهم مساجلات شعرية مع أدباء الأحساء، على نحو ما عدده آل عبدالقادر في كتابه[7] .

وتأسيساً على ذلك، فإن الاعتماد العثماني على القوى المحلية، وإسناد العديد من الصلاحيات الإدارية لعمد القرى والأرياف، وفر العثمانيين الكثير من الجهد، وأطال مدة حكمهم، ولم يكونوا بحاجة إلى قوات كبيرة للسيطرة على مقاليد الأمور بالقوة والعنف، فبادروا إلى سحب قواتهم، ورافق تلك الفترة سيطرة ابن الرشيد الموالي للأتراك على نجد، فأصبحت القبائل بين فكي كماشة، ورضخت.

من هنا يجب الالتفات إلى المبالغات التي يطلقها بعض المؤرخين، والذين يقولون بأن حكم الأتراك كان قائماً على القوة العسكرية.. في حين لم يكن من الجنود يوم سقوط الأحساء سوى أقل من 400 جندي.. ولا توجد شواهد تدعم هذه الادعاءات، إذ حتى القبائل البدوية كانت تأخذ مرتباتها من متصرفية الأحساء، لأن البديل عن ذلك هو زيادة القوة العسكرية، وهو أمر ما كانت الحكومة العثمانية تريده.

وليس هناك من أدلة تؤكد مزاعم "الاستبداد السياسي التركي"، وليس صحيحاً "أن الاستراتيجية العثمانية كانت تعتمد على القوة العسكرية" وأن "بقاء استراتيجيتها مرهون ببقاء قوة عسكرية قوية لها.. لا عن طريق بناء القوة الاجتماعية المحلية"[8] .

كما أن القول بأن "طبيعة الحكم الاستبدادي تكون دائماً من أهم العوامل التي تجلب نقمة الأهالي ضد الحكم، وهذا ما حدث في منطقة الأحساء، عندما عمت المنطقة موجة من السخط ضد الاستراتيجية العثمانية، وصارت أدنى أو أقل حادثة تحدث في المنطقة، تثير غضب السكان ضد العثمانيين، وأصبحت لدى الناس حساسية شديدة من أسلوب الحكم العثماني"[9] .

وقد تنبه المؤرخ القدير، الدكتور جمال زكريا قاسم، إلى المبالغات التي تطلقها المصادر المعارضة للحكم التركي في الأحساء، فقال في تقييمه للوضع السياسي والإداري: "لا نريد تجسيم الاستبداد -العثماني- كما تصوره المصادر البريطانية أو المعارضة.. وأن من الإنصاف أن نذكر أن الدولة العثمانية حاولت في مرات كثيرة معالجة إدارتها في الأحساء، إلا أنها لم توفق في بغيتها، وينبغي أن نتيح للدولة العثمانية شيئاً من العذر، فإن انشغالها في حروبها، وخصوصاً ضد روسيا عام 1877، عاقها ولاشك عن تشديد قبضتها أو إصلاح إدارتها". وأشار إلى أن ضعف الحاميات العثمانية ترك فرصاً كثيرة للقبائل للتمرد[10] .

لم يكن الأتراك مع استخدام القوة، وإلا جاؤوا بآلاف الجنود، بل إن مشكلة إدارتهم أنهم لم يستخدموا القوة، خاصة في المراحل الأخيرة من حكمهم، حينما كانت القبائل تعتدي وتنهب.. ومن ناحية أخرى لم يكن الأتراك يريدون تكرار تجربة أسلافهم السياسية والاقتصادية والمذهبية، وإلا كانوا سيخسرون الأحساء، المنطقة الوحيدة التي بين أيديهم.. وهذا ما حتم عليهم قدر جهدهم معاملة السكان معاملة كريمة بمقاييس ذلك الزمان.

هناك من يعتقد بأن الدولة العثمانية رأت أن تحدد المنظم وأن "هذه السياسة الجديدة، جرت الدولة العثمانية إلى سياسة محلية أخرى، وهي تعيين زعماء المنطقة المحليين حكاماً عليها، بدلاً من العثمانيين، فعينت بزيغ بن عريعر، ثم من بعده ابنه مزيداً، وكانت الدولة ترى من هذا الإجراء أنها ستجني مجموعة فوائد منها: إقناع الأهالي بأن حكامهم منهم، وكذلك فإن الدولة تكون قد أرضت الزعماء المحليين المتنفذين في المنطقة، وتكون أيضاً قد ضمنت ولاءهم وسيطرتهم على القبائل البدوية المنطقة"[11] . أليست هذه السياسة حكيمة ترضي جميع الأطراف، الحكومة العثمانية والزعماء المحليين والأهالي؟!. أليس ذلك اعترافاً بأن القوى الاجتماعية المحلية أتيحت لها الفرصة في ممارسة الحكم ونالت حظها منه، خلافاً للمزاعم القائلة بأن الأتراك لم يكونوا يعتمدون على القوى الاجتماعية المحلية؟!. ورغم حسن هذه السياسة، إلا أن الكاتب عاد من جديد وقال عنها: "إلا أن هذا الأسلوب، كان يمكن أن يكون أكثر فائدة ونفعاً لو كان في وقت غير هذا".

لقد مارس الأتراك هذه السياسة منذ عام1873 على الأقل، أي بعد عامين من استيلائهم على الأحساء، وهي سياسة معتدلة، وأقرب إلى روح التسامح والإنسانية.

نعم.. ربما كان الكاتب يشير إلى أن هذه السياسة "عدم استخدام الجند والقوة"، لم تكن صالحة بين عامي 1902 - 1913، إذ إن المعارضين استفادوا من ضعف القوات في هز هيبة الدولة بدفع القبائل البدوية لمهاجمة الأحساء والقطيف وقراهما، وان ينبغي زيادة الجند، ومواجهة تحركات البدو المدعومين بالسلاح الإنكليزي الذي كان يوفره المعتمد السياسي البريطاني في البحرين.

من هنا يمكننا التأكيد على أن السياسة المحلية في عهد الأتراك كانت تجري على يد الزعماء المحليين في الغالب، وكان لدى الأتراك الاستعداد للقبول بالولاية الاسمية لا عن ضعف، فالأحساء لم تكن بمثل العراق، ولا اليمن، حيث أخذ فيها الاستبداد مأخذه.. ولم تكن الأحساء لتعجز الأتراك لو أردوا استخدام القوة.

ووصل الاستعداد التركي، لأن يقبلوا عزل واليهم أو متصرفهم بمجرد أن يشكوه السكان، كما حدث عام 1322هـ حينما عزل طالب باشا النقيب، وبمجرد أن يصطدم المتصرف بالسكان المحليين وبالواجهات المحلية فإنهم يعزلونه.. وما أن يقرروا أمراً ويرفضه الأهالي، إلا وبادروا بالتراجع عنه بأمر من السلطان العثماني نفسه، الذي كان متأثراً من أن الولاة متعودون على الغطرسة، وهو أمر ما كان يريده للأحساء.

وتدلنا الحرية المتاحة للسكان، كثرة الشكاوى المقدمة لوالي البصرة، أو للسلطان مباشرة، بل وحتى إغلاق المتاجر -كإضراب- وهو أمر لم تقبله الحكومة العثمانية في أية منطقة عربية أخرى، ولم ترضخ له -على حد علمنا- كما فعلت مع "سنجق نجد المدلل!!".

ويصور المعارضون للحكم التركي، هجوم القبائل البدوية على القرى والمدن الأحسائية بشكل خاص، كثورات مسلحة ضد الحكم التركي، وهذا إسراف في التحليل والتعليل،.. وما وجد المعارضون للأتراك شيئاً يعبر عن امتعاض الأهالي من حكم الأتراك، سوى اعتبار هجمات البدو أعمالاً "ثورية"، تعبر عن رأي الأهالي الحضر، رغم أن الأخيرين هم المكتوون بنارها!، ورغم أن هذه الحوادث تمت بعد أكثر من ثلاثين سنة من الحكم العثماني، ومع ذلك نرى من ضرورة توضيح الموقف السياسي لقبائل البدو في الأحساء.

كانت القبائل البدوية تعيش بالقرب من الأحساء والقطيف، أو تلك البعيدة نسبياً عنها، هي قبائل العجمان والمناصير وآل مرة والهواجر وغيرهم.. ومعلوم أن البدو لا يريدون الخضوع للسلطة المدنية المنظمة التي تحد من غزوهم ونهبهم، وهو أمر جربته السلطات المركزية في الجزيرة العربية قديماً وحديثاً. كانت سياسة الدولة العثمانية تجاه قبائل الأحساء ترتكز على وسائل ثلاث:

الأولى: دعم بني خالد، الذين كانوا يوماً ما سادة الصحراء، وحكام الأحساء، إلا أن شأنهم ضعف وتراخى في الوقت الذي صعد فيه نجم العجمان، الذين علا شأنهم منذ أواخر الدولة السعودية الثانية، أثناء صراع الأميرين سعود وعبدالله أبناء فيصل بن تركي، كما رأينا ذلك في صفحات سابقة.

الثانية: الإبقاء على حامية صغيرة العدد ومجهزة لحماية الأهالي من اعتداء البدو، وكانت هذه القوة رادعة في بداية الأمر -إلى جانب إعطاء المال- حينما تسلم ابن رشيد كامل القوة في نجد. فلم يكن هناك يومها لدى القبائل من خيار سوى الرضوخ.

الثالثة: إعطاء القبائل مخصصات مالية تعوضهم عن النهب، وقد استمر الأتراك في الدفع حتى سقوط الأحساء بيد المغفور له الملك عبدالعزيز، وذلك لكف شر القبائل، وللمحافظة على طريق البر الموصل بين العراق إلى نجد والأحساء.. إلا أن ظهور ابن سعود أربك هذه السياسة، واضطرت الدولة إلى استخدام القوة -دون إلغاء الإعانات- إلا أن ذلك لم يكن يجدي كثيراً.

كان أكبر خطأ للأتراك، هو أنهم لم يدعموا وجودهم السياسي في الأحساء بقوة عسكرية معقولة، تحفظ الأمن وتردع المعتدي، وتعيد الهيبة التي بدأت بالاضمحلال، كلما زادت القبائل في خرق القانون القانون والهجوم على القرى نهباً وحرقاً وتخريباً.. كان بإمكان العثمانيين قطع الطريق على العدو من استغلال القبائل أما بدفع المال أكثر!

أو باستخدام القوة، ولسوء الحظ فإن الأتراك أنفسهم -وفي أواخر حكمهم- امتنعوا عن زيادة الإعانات المالية، ولم تكن القوة البديلة موجودة، وكان المحرضون جاهزين، وكان السلاح متوفراً من قبل الإنجليز في البحرين.. فهوجمت القرى وأحرق بعضها، وعادت الدولة فاتفقت مع زعماء القبائل من جديد على الراتب، ولكن من موقف الضعف.

وازدادت هجمات البدو القبلية على السكان الحضر، أواخر العهد التركي، وكان الأتراك في الأحساء متنبهين لمصدر الإزعاج هذا.. ولكن لم تكن الدولة العثمانية -وهي تلفظ آخر أنفاسها- قادرة على ممارسة سياسة حازمة وفعالة.. وسنعود لمناقشة هذه المسألة في صفحات لاحقة. لكن ما يجب قوله هنا، والتأكيد عليه، وهو أن هجمات البدو كانت راجعة إلى العادات القبلية المكتسبة، ولا يمكن اعتبارها معارضة سياسية.

اصطدمت القبائل الأحسائية بالأهالي فنهبتهم وقتلتهم، وقليلاً ما اصطدمت مع الحامية التركية.. ومع ذلك صور الكتاب المعارضون هذه الأفعال بأنها ثورات كبرى، واعتبروا تذمر الحضر من ضعف مواجهة الأتراك للبدو وغارتهم، تذمراً من أجل العروبة.

وهكذا جمع أحدهم هذه الثورات القبلية، مع تذمر الأهالي من ضعف الأتراك، وعدم توفير الأخيرين الحماية اللازمة، وضرب البدو بيد من حديد.. ليقدم هذا التحليل: "إن حالة تذمر أهالي الأحساء وسخطهم على الحكم العثماني، كان يقابله تمرد بدوي قبلي على السلطة العثمانية هناك. فتظافرت القوتان، فكانتا من أهم العوامل التي أضعفت قواعد الاستراتيجية العثمانية في الأحساء"[12] .

المحور الاقتصادي

لم يكن هدف العثمانيين من استيلائهم على إقليم الأحساء.. الإفادة الاقتصادية من الإقليم.. رغم ما به من خيرات زراعية واقتصادية وتجارية.. وطوال عهدهم الذي استمر نحو 42 عاماً "1871 - 1913" كانت جباية الزكوات وغيرها لا تكاد تفي بالنفقات التي يصرفونها على الحاميات.. هذا ما يؤكده معظم الباحثين لتاريخ هذه المنطقة.. وإذا ما لاحظنا أن حجم القوات الموجودة في الحاميات كان ضئيلاً، فإن النفقات ستكون ضئيلة أيضاً، وبالتالي فإن ما سيؤخذ من الأهالي سيكون قليلاً بصورة تلقائية.

اتخذ العثمانيون خطوات حاسمة لإصلاح الوضع الاقتصادي في سنجق الأحساء:

* فبادروا بسن نظام ضرائبي يعتمد على قوانين الشريعة، وأبطلوا الضرائب الزائدة.

* وأعيدت الأراضي المغتصبة من قبل البادية إلى أصحابها[13] ، إلا إذا كانت مجهولة المالك، أو فر مالكها خوفاً على نفسه ولم يعهد بها إلى أحد.. وهذه الأراضي كثيرة جداً خاصة في قرى ومدن الأحساء، بعضها استولي عليه في فترة قريبة أثناء الحرب الأهلية، لكن في المقابل كانت إحدى وسائل الضغط التركية على الأمير سعود الفيصل، هي مصادرة أملاك عائلته في الأحساء[14] ، بل إن عبداللَّه الفيصل طلب من الخديوي إسماعيل أن يتوسط له لدى الأتراك لإجراء معاش له من الأحساء.

* وهيئت أسباب الأمن بعد سنوات طويلة من الحرب التي أتت على الأخضر واليابس[15] .

ولئن أكد الباحثون على أن الأحساء لم تكن في عهد الأتراك تقدم دخلاً للدولة العثمانية، لأسباب ترجع إلى سياستها التي اعتمدتها في "إرضاء الأهالي"[16] . فإنها حاولت استثمار بعض الأراضي لصالحها، حيث ينقل لوريمر الذي زار الأحساء في مطلع القرن العشرين في معرض حديثه عن "الدائرة السنية" أنها: "تعلب دوراً هاماً في اقتصاديات العراق التركي، ومنذ ظهورها في الأحساء قبل حوالي عشرين سنة تملك في واحة الأحساء زراعات في قرية باب الجفر، وكانت تغل ما يتراوح بين 2000 إلى 2500 نخلة من التمور، وإنتاجها السنوي من التمور في القطيف يبلغ حوالي 16 ألف قلة من التمر. ويبلغ قيمة الإنتاج السنوي من تمورها في كلا الواحتين -القطيف والأحساء- حوالي 3000 جنيه استرليني، وفي قرى الجبيل، وجليجة، والحليلة، والمنيزلة، والمطيرفي، والمزاوي، والشقيق في واحة الأحساء، توجد أراضي أرز مملوكة للدائرة السنية، تغل 1000 موسمية "الموسمية تعادل 110 كغم" من الأرز سنوياً، وتملك الدائرة أيضاً حوالي 25 منزلاً في مدينة القطيف، كانت مملوكة في السابق للشيخ ابن غانم من شيوخ البحارنة[17] . كما ويوجد بالأحساء مدير أملاك الدائرة السنية، ولكن بصورة غير دائمة، وكذلك رئيس الجندرمة في الهفوف، وواحة القطيف لا تزال منحصرة في حاجي منصور باشا ابن جمعة"[18] . وسيطرة المغفور له الملك عبدالعزيز على الأحساء، استولى على أملاك الدائرة السنية، وعهد بها إلى إدارة مالية منطقة الأحساء للاعتناء بها كأراضٍ وأملاك حكومية[19] .

الضرائب

لما وصل مدحت باشا إلى الأحساء بعد شهرين من نجاح حملته التي أعدها، وزع منشوراً على الأهالي حوى إعلاناً موقعاً من جانبه، جاء فيه:

".. قد أسقطنا الرسومات التي تؤخذ من الأهالي باسم الجهاد،وخدمات المأمورين على تحصيل الزكاة، والزيادة في الخرص المخالف للأحكام الشرعية، ومراد الدولة العلية ترقية أحوال التبعة وزيادة ثروتهم، وأمرنا بإلغائها وعدم أخذها، ونبهنا المأمورين بعد تحليفهم على عدم الزيادة على الواجب الشرعي. والذي يتبين منه أنه ارتكب ذلك فقد أوعدناه بالمجازاة الشديدة، ولإعلام كافة الأهالي وتبشيرهم، حررنا هذا الإعلام نسخاً متعددة، وأمرنا بتوزيعها على المدن والقرى، ليكون معلوم الجميع، ليبتهلوا بالدعوات الخيرية، ببقاء أيام الدولة العلية، ويشتغلوا بتعمير أملاكهم، وتوسيع دائرة محاصيلهم وتجارتهم، وأن يكونوا آمنين مطمئنين، ليكون معلوم الجميع، في جمادى الآخرة، سنة ثمان وثمانين ومائتين وألف"[20] .

من الواضح من خلال البيان المذكور أعلاه، وأيضاً من خلال إعلان مدحت باشا الذي وزعه نافذ باشا على أهالي القطيف، والذي استعرضنا فصوله في صفحات سابقة، أن الدولة العثمانية لم تكن لها النية بالإفادة من منطقة الأحساء اقتصادياً، وكان انهيار الوضع الاقتصادي والأمني مثار نقمة الأهالي.. ومدحت باشا -معد البيانين- يدرك حجم المعاناة، لهذا سارع وأسقط كل الرسوم والضرائب.

أما الضرائب التي أسقطها مدحت فهي على سبيل المثال ضريبة "الجهاد" والتي أشار غليها الإعلان، وهي ضريبة استنت في عهد الدولة السعودية الأولى، وكانت مطبقة حتى الثلاثينات الميلادية من القرن الحالي، وتسمى الضريبة أحياناً بـ"الروسية" نسبة إلى الرأس، حيث كانت مفروضة على كل شخص وفي البحرين كانت تسمى "رقيبة".

كانت الضريبة كما يقال بديلاً عن الخدمة العسكرية، وكانت تؤخذ أكثر من مرة في العام، ولهذا عرف "الجهاد المطبوق"، و "الجهاد المربوع".. يقول أبو علية: "أخذت الحكومات المحلية ضرائب سنوية من الشيعة في الأحساء لعدم دخولهم في الخدمة العسكرية، حيث أعفوا من الجندية الإجبارية مقابل دفع ضريبة مالية سنوية، يمكن القول عنها إنها ضريبة البدل عن الخدمة العسكرية" وهناك "ضرائب إضافية تؤخذ من -بعض- السكان الحضر، وكانت تأتي لهم بالمتاعب الاقتصادية، التي تؤثر بدورها على أوضاعهم الاجتماعية[21] .

من جهة أخرى، نلاحظ أن منشور مدحت باشا -أو إعلانه- سارع وألغى ضريبة الجهاد، واعتبرها من الضرائب غير الشرعية، كما سارع وألغى رسوم ورشوات جامعي الزكاة.. لأن هؤلاء لا يستلمون رواتبهم من الزكاة نفسها، وإنما من الأهالي المجبورين على دفعها. ولأن الأهالي -وهم في غالبيتهم في حقول وبساتين النخيل- فإن تقدير الزكاة قبل أن يحين وقت جني الثمار يعتمد على "الخراصين"، وكان هؤلاء، قد فتحوا أبواباً واسعة من الظلم، وراحوا يقدرون الثمار قبل نضوجها بأكثر من حجمها، وبالتالي فإن الزكاة تكون أكبر، ولم يكن أمام الأهالي إلا التسليم، أو إرضاء "الخراص" ورشوته.. وفي كلا الحالتين يقع الظلم.. ولذلك بادر مدحت إلى إلغاء الزيادة في الخرص، وحلف المسؤولين على جمع الزكاة بالالتزام، وإلا فإن العقاب شديد.

وفي العموم، كان الخراصون مثار شكوى وتظلم حتى أن الشيخ أحمد بن مشرف تألم من ذلك وشكا الأمر إلى الأمير فيصل بن تركي!

إليك شددت العيس أشكو ظلامتي

فقد رام خسفي حاسدٌ وظلوم

وجار عليَّ العاملون بخرصهم

وظلم الورى يوم الحساب وخيم!

لقد حدد الأتراك ما سيأخذونه من رعاياهم في القطيف والأحساء بالزكاة والأعشار الشرعية.. وقد قوبل هذا الأمر بالارتياح، ليس لأن ذلك كان وعداً وهمياً، وإنما كان حقيقة ملموسة، إلا أنه في أواخر عهدهم -ونظراً للأزمات المتلاحقة- التي كان الجنود يعانون منها، وباجتهاد شخصي من بعض المسؤولين، أرادوا زيادة بعض الضرائب، وصادف أن بعض المتصرفين كانوا فاسدين، وكانت قبضة الدولة قد تراخت، ففرضوا ضريبة على التمر لتغطية نفقات الحامية، فرفض الأهالي ذلك، وسرعان ما استجابت الدولة إلى مطالبهم.

والسؤال كم هو مقدار الضرائب العثمانية، وكم كانت المصاريف؟

يشير المستشرق السوفياتي، إليكسي فاسيلييف، إلى أن "عائدات الإقليم في عهد الإدارة العثمانية تعادل 37 ألف ليرة -عثمانية- سنوياً بينما بلغت نفقات الحامية والإدارة 52 ألفاً.. ويمكن زيادة عائدات الأحساء، وهذا ما عزم عليه عبدالعزيز السعود.. حيث فرض ضريبة بنسبة 8% على كل الواردات التي تصل إلى الإقليم الشرقي من جهة البحر"[22] .

ويبدو أن هذا التقدير كان أواخر القرن التاسع عشر، أما في بدايات القرن العشرين، فيقدر لوريمر واردات الإقليم بستين ألف ليرة عثمانية، ينفق على الجنود والموظفين 54 ألفاً منها.. وعاد لوريمر فأكد بأنه حدث في إحدى السنوات"1907" أن انقطع حبل الأمن، فتدهورت تجارة التمور وانخفضت أسعاره من 7 دولارات للمن الواحد[23] ، إلى أربعة دولارات، وتبع ذلك انخفاض في الضرائب إلى أقل من 54 ألف جنيه، أي أقل من المصروفات[24] .

وتشير مذكرات مدحت باشا[25] ، إلى أن إيرادات منطقة الأحساء والقطيف كانت تكفي مرتبات الموظفين والعساكر والضباط، ويبقى منها جانب لخزينة الحكومة. ولكن الذين خلفوا مدحت أعادوا الجنود إلى بغداد، وأقاموا مقامهم طائفة من الأكراد والعربان، وأرسلوا إليها رجلاً من أشراف الأهالي لا يعرف قوانين الحكومة ولا نظامها اسمه عبدالرحمن.. وكانت الحكومة قد وعدت الأهالي بإعفائهم من كل شيء عدا الزكاة والأعشار، فأراد المشيرون الإكثار من الإيراد، ووضعوا الضرائب وأحدثوا رسوماً جمركية مما أدى إلى استياء الأهالي وطرد موظفي الحكومة.

كما أشارت المذكرات السالفة إلى أن الحكومة التركية جمعت الزكوات والأعشار الشرعية بعد الاستيلاء المباشر على الأحساء بكل سهولة، وبلغت واردات الحكومة في سبعة أشهر ثلاثين مليوناً وأربعمائة ألف من القروش، وكان متوقعاً أنه إذا تمت الإصلاحات وزادت ثروة الأهالي واستتب الأمن، ازدياد إيراد الحكومة[26] .

وواجهت الحكومة التركية أول مشكلة بالنسبة للزكوات مع البدو البعيدين عن مركز الدولة، فعقد اجتماع حضره زعماء البدو، واتفق على أخذ ريال عن حمل كل بعير يرد إلى القرى، وانفض المشكل[27] .

وجاءت تقديرات لوريمر في بدايات القرن العشرين لما يأخذه الأتراك من المنطقة على المحاصيل الزراعية من زكوات وأعشار شرعية كالتالي:
 
تمور الأحساء                       266000 روبية

تمور القطيف                        80000 روبية

قمح الأحساء                        6720 روبية

أرز الأحساء                        13440 روبية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المجموع                     366160 وربية[28] 

تجدر الإشارة إلى أن المجموع هذا، يساوي حوالي 7850 ليرة عثمانية ذهبية.. مما يعزز الشكوك القائلة بأن دخل العثمانيين من المنطقة لم يتجاوز في أي عام ثلاثين ألف ليرة.. إذ يلحظ هنا أهم الزكوات على المحاصيل لم تتجاوز سدس المصروفات البالغة، حوالي ستين ألف ليرة ذهباً.

وهناك ضرائب تافهة تؤخذ من صيادي اللؤلؤ، مقدارها نصف ليرة ذهبية تركية عن كل سفينة صيد مهما كان حجمها،وذلك في أول موسم الغوص. وأشار لوريمر إلى أن عدد السفن العاملة في الأقليم حوالي 167 سفينة، ويعمل بها 3444 رجلاً.. وبكلمة، فإن الضريبة لن تصل إلى "90" ليرة ذهباً، وهو مبلغ لا يستحق الذكر.

أمام هذه الحقائق، يمكن القول إن الضرائب العثمانية كانت قليلة، وقد حاول بعض الكتاب الالتفاف على ذلك بالقول أن الضرائب تستهلكها الحاميات -رغم قلة عددها- ولا يتوفر منها شيء للخدمات.. وفي هذا القول إهمال لحقيقة أنه لم تكن هناك دولة أو إمارة في الخليج أو نجد أو الحجاز تضع في اهتمامها مسالة الخدمات، ولم يكن لديها بند للمصاريف على الخدمات إطلاقاً، ذلك أن أسس الدولة المنظمة والحديثة لم تقم بعد، وكان الحكم على سوء أو حسن أي نظام يتم من منظار ما يأخذه من السكان من ضرائب ومقدار ما يوفره من أمن.

ومع هذا، كانت هناك نواة مؤسسات خدمية، فقد شهدت الأحساء في وقت مبكر المدارس الحكومية التي أسسها العثمانيون، سنة 1902، وسبقت بذلك كل مناطق الخليج بدون استثناء كما لم تتأخر الأحساء والقطيف في مجال الخدمات البلدية والبريد وغيرها.. فقد أسس العثمانيون في أواخر 1902 بلدية الأحساء وعينوا أحد الوجهاء رئيساً لها، ثم طالب الأعيان بترئيس محمد أحمد الشعيبي، فتم لهم ذلك.. وبقي الشعيبي رئيساً حتى سقوط الأحساء 1913، فألغى المغفور له عبدالعزيز مهام البلدية، وأسس بلدية جديدة، بعد خمسة عشرة عاماً، أي في عام 1346هـ/ 1928م. وكانت هناك بلدية في القطيف أسست في ذات الفترة ولتؤدي نفس المهمات.

وفوق هذا عرفت المنطقة في العهد العثماني الاتصالات البريدية، حيث أوجد الأتراك مكاتب بريدية في كل من القطيف والهفوف والجبيل، وأدت خدماتها إلى أن رحلوا فتوقف البريد مدة اثني عشر عاماً أي إلى ما بعد ضم الحجاز سنة 1925، وحينها اعتمد المواطنون -بدرجة رئيسية- على المسافرين في إيصال رسائلهم[29] .

النشاط الاقتصادي

مارس سكان الأحساء والقطيف مجموعة من النشاطات الاقتصادية جعلت من الإقليم أغنى أقاليم الجزيرة العربية، فإلى جانب الزراعة عمل السكان في مجال الغوص لصيد اللؤلؤ، كما مارسوا مهنة صيد الأسماك، وتربية المواشي، والصناعات المحلية العديدة، والتجارة، وغيرها.

الزراعة

وكانت تعتبر المورد الرئيسي للسكان الذين هم في أغلبهم فلاحون، وقد ساعد على نمو الزراعة عبر العصور غزارة المياه، والأرض الخصبة وتشبث الأهالي بأرضهم وزراعتهم.

أما أهم المزروعات، فهي النخيل التي اشتهرت بها المنطقة منذ عهود ما قبل الإسلام، وضرب بها المثل "كناقل التمر إلى هجر". ويعتبر التمر يومها الغذاء الرئيسي للسكان بدون مزاحم، ليس فقط في الجزيرة العربية، بل وفي مناطق أخرى من العالم، قبل أن يزاحمه القمح والأرز التمر على الموائد.

وإضافة إلى زراعة التمر، نمت في الأحساء، وبعض مناطق القطيف، زراعة الأرز المشهور، والمعلوم أن الأرز يحتاج إلى الكثير من الماء، وبرزت أيضاً -كما يذكر مدحت باشا- زراعة القمح، بعد نجاح حملته في الاستيلاء على الأحساء، وكان أول عهد السكان بزراعة القمح هو في تلك السنين الخوالي، كما زرعوا الذرة والدخن والسمسم واللوبيا والشعير وعباد الشمس وغيرها.

وزرعت في القطيف والأحساء الخضار بأنواعها والفواكه مثل الرمان والتين والعنب والخوخ والحوامض، واللوز والموز والتوت والنبق وتمر الهند والليمون والمشمس والبوبي وغيرها.

وبالنسبة للتمور، قدر لوريمر إنتاجها في الأحساء عام 1907 بـ"51" ألف طن سنوياً، وفي القطيف "34" ألف طن سنوياً، وكان هذا الناتج الضخم يسد حاجات السكان ومعظم حاجات شرق ووسط الجزيرة، حيث أصبحت القوافل تهفو نحو الأحساء والقطيف، لتعود محملة بالتمور والأغذية وقدرت المساحات المزروعة بحوالي أربعين ألف هكتاراً، تحوي ما بين 4 - 5 ملايين نخلة، في الأحساء وحدها. أما في القطيف فقدرت المساحة المزروعة في العهد العثماني بـ 17 ألف هكتار، وبها حوالي مليوني نخلة.

وحدد لوريمر صادرات التمور من المنطقة على النحو التالي يوضحه الجدول التالي:

* 3000 طن تصدر إلى جدة عن طريق ميناء العقير.

* 1000 طن تصدر إلى جدة عن طريق ميناء البحرين.

* 5000 طن تصدر إلى البحرين.

* 40000 طن للاستهلاك المحلي وللتصدير إلى الكويت ونجد[30] .

وقدر فايدل "VIDAL" صاحب مؤلف واحات الأحساء قيمة التمور المنتجة بحوالي مليار وخمسين مليون جنيه، وهو مبلغ بالغ الضخامة يومئذٍ.

واشتهرت القطيف بتصدير الدبس "عسل التمر" المستخرج من رطب الخنيزي الذي اشتهرت به الواحة، هذا إضافة إلى تصدير السلوق "الرطب بعد أن يغلي ويجفف" إلى الهند قبل أن تصدر الأخيرة قانوناً يعيق الاستيراد.

أما الأرز الأحسائي، فقد طغت شهرته على كل الأنواع، وكان سعره من أغلى الأسعار، وقد توسع الأهالي في زراعته إبان العهد العثماني، وقدر الإنتاج السنوي بـ"41 مليون رطل"، في حين بلغ إنتاج القمح في المواسم الجيدة ما يقارب "ألف مليون رطل"[31] .

صيد الأسماك واللؤلؤ

واشتهرت به منطقة القطيف وتوابعها كسيهات وصفوى وتاروت، وكانت هذه الحرفة مصدر ثراء كبير للمنطقة.. وقدر لوريمر عدد السفن التي تنطلق للغوص في سنة 1907 بحوالي 167 سفينة يعمل بها 3444 رجلاً.. ويبدو من خلال المقارنة بأحاديث الطاعنين في السن، ممن عمل بالغوص أن عدد السفن والعاملين يفوق تقديرات لوريمر بكثير.

لقد اشتهرت منطقة ساحل القطيف "الخط" على مر العصور بأن بحارها تحوي أجود أنواع اللؤلؤ وأكثرها، حيث انخرط المواطنون في سلك الغواصين، إضافة إلى القيام بالزراعة وغيرها بعد انتهاء الموسم، بل إن بعض المراجع أشارت إلى أن جميع البالغين من أهل القطيف غواصون، أما لأنفسهم، أو بالأجرة للغير[32] .. وتشير التقديرات إلى أن واردات الغوص تصل إلى مائة مليون روبية فضية هندية.

وهكذا نشأت طبقة من المواطنين تقوم بالمتاجرة باللؤلؤ، فتبيعه في البحرين أو الهند وغيرها.. وعادة ما تزدهر الحياة الاقتصادية في المنطقة بعد انتهاء كل موسم، وتزداد حركة التجارة بشكل كبير.

من جهة أخرى، أعطت سواحل الخليج كميات هائلة من الأسماك، فالخليج بمياهه الدافئة وملوحته الزائدة،جعل منه ملاذاً للأسماك، واحترف الأهالي صيده ببراعة، وابتدعوا وسائله، مما وفر غذاء جيداً ورخيصاً، وصاروا مع تقادم السنين خبراء في أماكن صيده وتوقيته.

وبلا شك فإن الأهالي، ما كانوا يستهلكون كامل الإنتاج، بل يصدرون الفائض إلى الأحساء -التي لم يزاول سكانها هذه المهنة- وإلى الرياض ومدن نجد الأخرى.. في حين تحفظ الأنواع الرديئة من الأسماك كطعام للأبقار، أو كأسمدة للزراعة.

الصناعات المحلية

وهي عديدة ومتنوعة، وقد برع فيها الشيعة الأحسائيون بوجه خاص، ذلك أن البدو كانوا يأنفون من مزاولة الحرف لأنها تحط من مقامهم -كما يرون وفق العادات القبلية- بعكس الحضر.

فقام الحدادون والصفارون والنحاسون بتأمين الاحتياجات المحلية من أوان وقدور ودلال والهاونات التي استوردوا النحاس من الخارج لصناعتها، ويذكر زويمر أن الأحساء اشتهرت بصناعة الأواني النحاسية من مختلف الأشكال، وكانت تصدر إلى مختلف أجزاء شبه الجزيرة العربية[33] .

وصنع الحدادون مستلزمات الزراعة والبناء كالفؤوس والمحاريث، والسلاسل، والمناقيش.. ونشطت صناعة دباغة الجلود والأحذية والحقائب والقرب، وحافظات التمر، والأحزمة، وغمد السيوف وسائر الأمتعة الجلدية.

ومن الفخار قامت صناعة أواني الطبخ والصحون، وبالخصوص أوعية حفظ المياه وتبريدها الكزير والحب والمصخنة والخرس، والتنور والذي يصنع فيه الخبز. ومن النخيل قامت صناعة الحبال، والحصر والأقفاص، والمراوح اليدوية، وسفر الطعام، وقلال التمر "الخصف"، والزنابيل وأسرة الأطفال، واستخدمت الجذوع للسقوف، وبرع النجارون في صناعة الأبواب والنوافذ ونقشها.

وكانت هناك صناعة النسيج، كالأرز، والغتر المحلية، والطواقي الصيفية والشتوية، والجوارب الصوفية والقطنية.. إضافة إلى صناعة أخرى كالفرش والوسائد والمساند والأردية[34] .

وأهم من هذا كله تميزت الأحساء بشهرة عريقة في صناعة العبي والمشالح المشهورة حتى اليوم في كل أنحاء الخليج والجزيرة العربية، وعدها زويمر واحدة من أهم صناعتين تميزت بهما الأحساء، وكانت تصدر العباءات إلى البلدان المجاورة، ويوصي الحكام والأمراء بصنعها لهم بخيوط فضية وذهبية. وقد مارست الجاليات الأحسائية في كل مناطق الخليج هذه الصنعة العريقة.

ويضاف إلى هذا كله، صناعة الحلي الذهبية والفضية، التي أشار إليها لوريمر، حيث اكتسبت المصوغات والحلي والمجوهرات التي يتم صقلها وتصميمها في الأحساء -بوجه خاص- شهرة واسعة.

وكل هذه الحرف -كما أشرنا- كانت تعتمد على الشيعة[35]  تماماً مثلما هي الزراعة وصيد الأسماك واللؤلؤ -الذي انخرط فيه أعداد من البدو المتحضرين.. والسبب في استنكاف الآخرين عن ممارسة هذه المهن، أنهم عدوها مهناً وضيعة تتنافى مع طبيعة البدوي- والمتحضر حديثاً- الذي يرى في ممارستها إهانة له.

ومع وضوح هذه الصورة الاجتماعية، إلا أن أحد الكتاب اعتبر أن "المذهب له أثر في تحديد نوعية العمل الذي يمارسه السكان السنة والشيعة"[36] . وفي هذا تجاهل للخصائص والطبائع البدوية.. وإيحاء بأن المهن الوضيعة -بالمنظار البدوي- لا يمارسها إلا الشيعة.

التجارة

واحتلت المرتبة الثالثة بعد الزراعة والغوص،وقد ازدهرت التجارة في العهد العثماني، رغم المعوقات البريطانية. وكان انتعاش البحرين بالخصوص مرهوناً بحركتها التجارية مع مينائي القطيف والعقير. لهذا ازدهرت التجارة بين هذين الميناءين، وبين البحرين والهند "إضافة إلى تعامل محدود مع العراق والكويت وعمان وإيران"، رغم أن الإنجليز أشاروا على الشيخ عيسى، وبمجرد أن سيطر الأتراك على الأحساء، بأن يضاعف الضريبة على البضائع المصدرة لمينائي القطيف والعقير بغية إيذاء العثمانيين، فرفعها من 5% إلى 10%، ولم تخفض هذه الضريبة إلا بعد رحيل الأتراك عن الأحساء فأعادها الشيخ عيسى إلى 5% بعد أن استمرت لمدة تزيد على أربعين عاماً، والسبب كما قال شيخ البحرين، أنه جعلها 5% "مساعدة منه لابن سعود"، لأنه بدأ يفرض ضريبة مماثلة في موانئه[37] .

كانت القطيف والأحساء، مركز التجارة، حيث يعتمد على ما يعرض في أسواقهما عشرات الآلاف من البدو والحضر، ويكفي أن دخل موانئ المنطقة يزيد على مائة ألف روبية شهرياً عام 1913[38] .

ويعتبر ميناء العقير أكثر نشاطاً من ميناء القطيف، وكان يغادره ما بين 2000  -   3000 جمل أسبوعياً محملاً بالبضائع[39] ، كان ذلك في مطلع القرن العشرين.

أما صادرات المنطقة فهي: التمور وسعف النخيل، العباءات، والجلود، وحطب الوقود، والحلي الذهبية، اللؤلؤ، والخيول، والحمير الحساوية ذات الشهرة العاليمة لقوتها وسرعتها وحجمها، وكان الطلب عليها كبيراً في العراق وإيران والبحرين ومصر.. ومن الصادرات السلوق والدبس، والأواني النحاسية وغيرها من الصناعات اليدوية.

في حين كانت الواردات تشمل، الخيوط الملونة والأقمشة، الشاي، القهوة، الهيل، وآخر صرعات السلاح المهرب من البحرين ومسقط وقطر، والتوابل، والأخشاب. وهكذا انتعشت الموانئ في العهد التركي، وازدهرت التجارة، وذلك بفعل عاملين:

1- استتباب الأمن لأكثر من ثلاثين عاماً متواصلة 1871  -  1902.

2- انخفاض الضرائب.

تربية الحيوانات والدواجن

حيث لم يكن يخلو منزل في المدن والقرى من حظيرة لتربية الأبقار أو الأغنام أو الدواجن أو الطيور، إضافة إلى مستودع لتخزين التمر والمواد الغذائية الأخرى.. وكان من عادة السكان أن يخزنوا التمر والأرز والحنطة والسمك المجفف والحطب داخل منازلهم، بما يكفي احتياجاتهم لعام كامل تقريباً[40] .

واعتمد الأهالي بشكل كبير على منتوجات الأبقار بشكل خاص من حليب ولبن واجبان وسمن وغير ذلك، وكان هناك اكتفاء ذاتي من البيض، وقام تبادل بين منتوجات البدو وما ينتجه الحضر.

وبشكل عام بدأت ملامح الثراء تبرز في المنطقة بعيد استيلاء دولة الخلافة عليها، لأنها تحمل مقومات الازدهار والنمو.. فكثرت الخيول والبيوت، وانبثقت شريحة واسعة من التجار والملاكين، ولم يقتصر الغنى والثراء على منطقة دون أخرى، إلا أن الهفوف والقطيف تركزت فيهما الشخصيات والثروات.

وأشار البريطانيون في مصادرهم عن تلك المرحلة إلى تزايد أعداد الزنوج العاملين بالزراعة، وهي إحدى علامات الثراء، بل إن بعض البدو -وهذا أمر غريب- كان لديهم عبيد يعملون في الرعي مع أن تجارة الرقيق في المنطقة كانت قليلة جداً بسبب مراقبة السلطات البريطانية، واستنكاف الأهالي من ممارسة "النخاسة"، ومع ذلك كان الرقيق كثيراً في الإقليم،وكان لدى الأغنياء أكثر من واحد.. في حين أن تجارة الرقيق في "نجد" كانت مزدهرة بسبب ما يجلب إلى أسواقها من رقيق محمل من أفريقيا، وأصبحت الرياض مركزاً من مراكز بيع الرقيق[41] .

ومن علامات الثراء، أن إقليم الأحساء، كان له عملته الخاصة به، وهي "الطويلة"، إضافة إلى استخدام العملات العثمانية "البارة، القرش، الليرة"، وشاع استخدام الروبية الهندية لكثرة التعامل مع الهند، ولكونها العملة الرئيسية في البحرين والكويت، وإضافة إلى ذلك استخدم الدولار النمساوي "دولار ماريا تريزا" ويسميه الأهالي "بالريال الفرنساوي، الفرنسي"، وكان من الفضة، وقد سلك في فيينا سنة 1780، ويحمل صورة إمبراطورة النمسا والمجر، وبقيت هذه العملات مستخدمة إلى أن تم ضرب الريال السعودي سنة 1928  -   1347هـ، في بيرمنغهام[42] .

لقد عرفت المنطقة الثراء في العهد العثماني بصورة لم تعهدها من قبل، ولو لم يكن بها إلا التمر الذي اشتهرت به في القديم والحديث لكفى به ثروة في عصر كان الآخرون يأكلون القد الملوي، والأخضر واليابس.. وقد أثرت هذه البيئة المترفة على شعراء الأحساء (السنة بوجه خاص)، فاختفت رنة الحزن والبكاء، فما أقل ما يبكون وما يحزنون، وما أضعف رثاءهم. الشعراء اختلطوا ببيئة التشيع التي أجادت شعر البكاء والرثاء، بصورة لم ترها في شعر الغابرين أو المعاصرين.. وحتى الشاعر ابن مشرف رغم حماسه للدعوة السلفية، وبعد أن استوطن الأحساء، لم يقل شيئاً ذا بال يمكن أن يوازي شاعريته في نكبات الدرعية والرياض[43] .

ويذكر الآلوسي أن ثمن المنزل في الأحساء كان ألف ليرة عثمانية، وأن أجرة الدكان كانت 45 ريالاً في الشهر في الأحوال العادية، وإذا جاءت القوافل بلغت أجرة الدكان في اليوم أربعة أمثال الأجرة العادية، وتلك أرقام تدل على ثراء واسع وكبير، إذا علمنا أن قيمة الجمل في ذلك الحين تبلغ من ريالين إلى خمسة ريالات[44] .

والآن لنستعرض الرؤية الأخرى تجاه الوضع الاقتصادي في العهد التركي في الإقليم.

يقول أحد الكتاب[45]  تحت عنوان "موقف أهالي الأحساء من الاستراتيجية العثمانية"، إن الواقع الاجتماعي في الأحساء أثبت أن هذه الاستراتيجية -القاضية بتدعيم الوجود العثماني في الجزيرة العربية- غير موفقة، لسببين هما: "أن الدولة العثمانية لم تف بالوعود التي منت بها الأهالي، فكان هذا سبباً في فقدان القاعدة الشعبية والتأييد السكاني في المنقطة".. أما السبب الثاني فهو" "استناد الاستراتيجية العثمانية على القوة العسكرية، وأن هذا الأسلوب يفتقر إلى تأييد الناس له دائماً".. وقد ناقشنا هذا في صفحات سابقة.

أما عن الأول، فيتحدث المؤلف عما جاء في منشورات مدحت ونافذ باشا حول تخفيف الضرائب وإزالة الكثير منها، إلا أنه يقول بأن هذه الوعود لم تكن حقيقية "فازدادت الضرائب المفروضة على كاهل السكان، وسادت المنطقة حالة من التذمر والسخط، كانت حصيلته الانفجار الشعبي الذي عبر عنه أهالي الهفوف حين استنفروا وتجمعوا عند مقر حكومة متصرفية الأحساء بحجة أن السعر الذي سعرته الحكومة للتمر زائد ومضر، فأغلقت الدكاكين مدة ما، ولكن تدابير الحكومة أدت إلى تسكين الأهالي".

واعتبر الكاتب هذه الحادثة "من بوادر التذمر الجماعي المنظم في الأحساء ضد الاستراتيجية العثمانية"، وأنها تدل على "عدم انسجام الأهالي، والأغلبية الساحقة من السكان العرب ما كانوا ينظرون إلى الأتراك كمحتلين، بل اعتبروهم مسلمين. لقد استخدمت هذه الحادثة لتكون دليلاً ضد الأتراك، ليس في مجال الاقتصاد فحسب، بل وفي مجال السياسة، ولكن المعلومات المتوفرة، ومن بينها المعلومات الواردة في الوثائق التركية والإنجليزية، والتي عادة ما يقتبس منها عن تلك الحقبة التركية تسعير التمر، هذه الادعاءات.

وحادثة تسعير التمر، وقعت أولاً في عام 1322هـ، أي أواخر عهد الدولة العثمانية، وبعد حكم للأحساء دام 34 عاماً، فلا تصلح أن تكون دليلاً على الفترة السابقة.. والملاحظ أن البعض، لا يقيمون الوضع الاقتصادي من أساسه وبدايته، وإذا ما أردوا الحديث فإنهم يبدؤون من عام 1322هـ، لأنه من ذلك العام أو قبله بقليل بدأت الاضطرابات الأمنية تجتاح المنطقة.

والحادثة المشار إليها لا نعرف تفاصيلها، لكن صاحب كتاب تحفة المستفيد يقول عنها التالي:

"في أيام أبي سهل -الوالي التركي- قتل في بلد المبرز رجل من عسكر النظام، يسمى محمود كردي، فقبض أبو سهيل على مشايخ المحلات وسجنهم، وطلب منهم أن يأتوا بقاتل الرجل.. فكتب له العلماء في إطلاقهم لعدم علمهم بالقاتل، فلم يلتفت لقولهم، فأوعزوا للأهالي بالإضراب عن البيع والشراء، وفتح المتاجر وجلب السلع إلى الأسواق احتجاجاً على عمل أبي سهيل"، وأخيراً "طلب من العلماء التوسط في القضية، فأطلق الرؤساء والأعيان، وأسقط بعض الضرائب، وخفف في البعض، وسكنت الفتنة، والحمد للَّه[46] .

وهناك جانب من وثيقة تركية من وثائق الباب العالي، صادرة من الفريق أول سليمان باشا، قائد الجيش السلطاني السادس في بغداد، دائرة الأركان الحربية العامة، الشعبة الرابعة، مؤرخة في 19 آذار/ 1322هـ، وهي برقية تتحدث عن الأوضاع في الأحساء، وتشرح الحال وتقول: "إن الواجب والمصلحة العامة تقتضي مضاعفة الجهد لنيل حب الأهالي".. وإن الأخيرين "أغلقوا المتاجر في الهفوف وما حولها من قرى.. وهذا ما دعاني إلى أن أذهب إلى مركز الحكومة المحلية، وأطلق سراح الموقوفين بعد أن زودتهم بالنصائح المؤثرة".. ويشير كاتب البرقية، إلى أن سبب الأزمة هي "أن الحكم بيد البكباشي محمود بك، وهو رجل جاهل، وآلت مصالح المتصرفية إلى أناس غير مؤهلين". وتقول الوثيقة أن محمود بك وجماعته يعاملون الأهالي بقسوة و "يقومون بأعمال تزعج الأهالي وتدفعهم إلى النفور منهم، وهذا بدوره يؤدي إلى محاذير عظيمة"[47] . ومن المهم جداً الانتباه إلى أن محمود بك، وهو مقدم الدرك، لم يكن مخلصاً لحكومته، كما تشير إلى ذلك وثائق أخرى، وتذكر الكتب السعودية أنه كان يغري القبائل بمهاجمة الحضر وقطع الطرق، فكانت النتيجة أن قتله أهالي المبرز.

وحول مسالة التمر أيضاً، هناك وثيقة تركية[48]  تقول: "إن الحكومة المحلية قد أعدت قيمة للتمر في مركز لواء نجد -الهفوف- فعد الأفراد أن هذه القيمة زائدة عن القيمة السابقة، وتسبب ضرراً على الناس. فقام هؤلاء النفر من الناس وهيجوا الأهالي ضد الحكومة. فأغلقت الحوانيت في السوق بعض الوقت. وحلاً للمسألة فقد أجرت الحكومة المحلية ما يقتضي عمله من تدابير".

أما ما هي التدابير فيلخصها مخبر سري للدولة العثمانية في وثيقة تركية[49]  بقوله: "إن المتصرف قدر ضريبة التمر بـ 11 ريالاً بدلاً من خمسة ريالات، وأضاف إليها بعض التكاليف الأخرى، مما سبب نفور الأهالي في الأحساء، وقدموا الشكاوى في ذلك إلى قيادة اللواء التي رفعت أمرهم إلى ولاية البصرة، فردت الولاية على شكاويهم وأطلقت سراح مسجونيهم".. أي خففت الضريبة وأطلقت سراح السجناء.

هذه هي السياسة العامة للأتراك القائمة على أساس استرضاء الأهالي، وإن كان الولاة في الأيام الخيرة خرجوا عن الخطة المرسومة، بسبب ضعف الحكم المركزي وانتشار الفساد في جهاز الدولة، مما أدى إلى كثرة تبديلات المتصرفين، حيث توالى خلال الاثني عشر عاماً الأخيرة من الحكم العثماني "1320 -1331هـ" على حكم الأحساء ستة متصرفين.

وقد لاحظنا أن العثمانيين استجابوا للشكاوى وبسرعة، كما رأينا حرية الحركة لدى الأهالي سواء في الإضراب أو الشكوى. وفوق ذلك أن الحادثة -وهو المهم- لم تكن إلا في الأيام المرضية للأتراك، وضمن سياق الانفلات العام، بسبب سقوط هيبة الدولة جراء هجوم البادية.

وهناك شبه إجماع على أن الأهالي يرفعون الشكاوى إلى متصرف الأحساء "وفي حالة عدم استجابة مطالبهم، كانوا يرفعون الشكاوى إلى والي البصرة.. وأن الدولة كثيراً ما كانت ترضخ لقبول مطالبهم، فتصدر الأوامر بتخفيض ضريبة التمر والعمل على تحسين أحوال السكان في المنطقة[50] .

وكانت إشارة آن بلنت في كتابها "رحلة إلى نجد"، وهي مذكراتها عن رحلتها إلى حائل أبان حكم الرشيديين لها، صادقة، فقد قالت: "إن منطقة الأحساء تضايقت من حكم الأتراك لكثرة الثورات القبلية التي أدت إلى تدهور الناحية التجارية، وأدت إلى عودة القرصنة لضعف سيادة الترك وحامياتهم في المنطقة[51]  وهذا قول صحيح لا غبار عليه وهو تقييم لعهد الأتراك في أواخره.

[1]  العقاد، مصدر سابق، ص174.

[2]  قال لوريمر، ويبدو أنه كان مخطئاً، إن السنجق قسم إلى أربعة أقضية هي: الهفوف، والقطيف، والمبرز، والجفر. في حين أكد عدد من الباحثين أن الكويت كانت تابعة لمتصرفية الأحساء، ورأى آخرون، أنها أصبحت سنجقية مستقلة.

[3]  جمال زكريا قاسم، الجزء الأول، ص192. وانظر محمد عرابي نخلة، مصدر سابق، ص176.

[4]  المصدر السابق، ص202. وانظر كتاب: الإصلاح الاجتماعي في عهد الملك عبدالعزيز، د. عبدالفتاح أبو علية، دار المريخ، الرياض 1986، ص69.

[5]  الإصلاح الاجتماعي، ص69.

[6]  جمال زكريا قاسم، الجزء الأول، ص202.

[7]  آل عبدالقادر، مصدر سابق، من ص 180 إلى ص 186. وانظر الجزء الثاني من الكتاب أيضاً.

[8]  دراسات في تاريخ الجزيرة العربية، ص119.

[9]  المصدر السابق، ص118.

[10]  جمال زكريا قاسم، الجزء الأول، ص200.

[11]  دراسات في تاريخ الجزيرة العربية، ص121.

[12]  المصدر السابق، ص120.

[13]  مذكرات مدحت باشا، ص179، 180.

[14]  العابد، مصدر سابق، جز 2، ص244.

[15]  التطور السياسي لقطر "1868 - 1916"، عبدالعزيز محمد منصور، ط2، ص141. وقد أشار أحد الكتاب إلى أن الأتراك لم يفيدوا من الأحساء، أكثر مما كلفهم من مصروفات. انظر الدولة السعودية الثانية، ص174، 175.

[16]  التطور السياسي لقطر "1868 - 1916"، عبدالعزيز محمد منصور، ط2، ص141. وقد أشار أحد الكتاب إلى أن الأتراك لم يفيدوا من الأحساء، أكثر مما كلفهم من مصروفات. انظر الدولة السعودية الثانية، ص174، 175.

[17]  آل غانم هم زعماء الشيعة في القطيف وحكامها في عهد الخوالد، وفي عهد الدولة السعودية الأولى والثانية.

[18]  دليل الخليج لوريمر، القسم الجغرافي، ص1025.

[19]  اكتشاف النفط وأثره على الحياة الاقتصادية في المنطقة الشرقية، 1352 - 1380هـ/ 1933 - 1960م، د. عبداللَّه ناصر السبيعي، ط1 1987، ص72.

[20]  آل عبدالقادر، مصدر سابق، ص172، 173.

[21]  الإصلاح الاجتماعي، ص133.

[22]  فاسيلييف، مصدر سابق، ص243.

[23]  المن، وحدة وزن يختلف مقدارها بين الأحساء والقطيف، فهي في الأخيرة تساوي 35 رطلاً إنجليزياً "16 كغم" وفي الأحساء بين 525 و 650 رطلاً.

[24]  الإصلاح الاجتماعي، الصفحات 68، 130، 131.

[25]  يوسف كمال حتاتة، مذكرات مدحت باشا، ص182.

[26]  يوسف كمال حتاتة، مصدر سابق، ص179، 180.

[27]  المصدر السابق.

[28]  لوريمر، جزء 2، القسم الجغرافي، ص99. وقد أشار لوريمر إلى أن هناك ضرائب أخرى على النخيل، وأنها كانت على ثلاث درجات، الأولى تدفع قرشين ذهبيين عن كل شجرة نخيل، وهذه أجود أنواع النخيل، والثانية قرشا وربع القرش عن كل شجرة، والثالثة تدفع ثلاث أرباع القرش. مع ملاحظة أن الليرة العثمانية تساوي مائة قرشاً.

[29]  اكتشاف النفط وأثره على الحياة الاقتصادية، 173، 174.

[30]  المصدر السابق، ص250، 254.

[31]  لوريمر، القسم الجغرافي، جزء 2، ص99.

[32]  اكتشاف النفط وأثره على الحياة الاقتصادية، ص76.

[33]  القطيف وأضواء على شعرها المعاصر، عبدالعلي يوسف آل سيف، ط1، 1406هـ، ص64.

[34]  جمال زكريا قاسم، الجزء الأول، ص25. والإصلاح الاجتماعي، ص60.

[35]  اكتشاف النفط وأثره على الحياة الاقتصادية، 117، 118.

[36]  الإصلاح الاجتماعي، ص60. وانظر أيضاً "Saudi Arabia its pepole Culture" ص292.

[37]  المصدر السابق، ص60. وانظر أيضاً "Saudi Arabia its pepole Culture" ص292.

[38]  التغيير السياسي والاجتماعي في البحرين، د. محمد الرميحي، ص107.

[39]  عبدالعلي السيف، مصدر سابق، ص65.

[40]  اكتشاف النفط وأثره على الحياة الاجتماعية في المنطقة الشرقية، 1352 - 1380هـ/ 1933 - 1960، الدكتور عبداللَّه ناصر السبيعي، ط1 1987، ص51.

[41]  الإصلاح الاجتماعي، ص36، ص52. وانظر جمال زكريا قاسم، الجزء الأول، ص26.

[42]  المصدر السابق، ص213 إلى 215. واكتشاف النفط وأثره على الحياة الاقتصادية، ص114، 116.

[43]  د. عبداللَّه العلي الحامد، مصدر سابق، ص331.

[44]  المصدر السابق، ص49.

[45]  دراسات في تاريخ الجزيرة العربية، ص116، 117.

[46]  آل عبدالقادر، مصدر سابق، ص189، 190.

[47]  دراسة في مصادر تاريخ الجزيرة العربية الحديث والمعاصر "مصادر تاريخ البلاد السعودية"، الدكتور عبدالفاتح أبو علية، دار المريخ، الرياض 1979، ص199، 200.

[48]  صادرة ولاية البصرة، إلى دائرة الصدارة العظمى، ومؤرخة في 25 مارس 1322هـ، وهي موقعة من والي البصرة وقائدها. انظر المصدر السابق، ص200. ويلاحظ أن الأتراك يستخدمون التاريخ الميلادي والهجري معاً.

[49]  صادرة عن دائرة الأركان الحربية العامة، الشعبة الرابعة، رسالة موجهة إلى قيادة الجيش السلطاني السادس في بغداد ومؤرخة في 25 مايو 1322هـ، وهي موقعة من مخبر اسمه محمد عبده، انظر المصدر السابق، ص205، 206.

[50]  المصدر السابق، ص118.

[51]  رحلة إلى بلاد نجد، تأليف آن بلنت، ترجمة محمد غالب ط1/ 1967، الرياض منشورات دار اليمامة.
239673