خالد الفرج: مطارحات وقصائد لم تنشر([1])
عدنان السيد محمد العوامي * - 23 / 3 / 2011م - 1:14 ص - العدد (14)

تعود عناية المهتمين بأدب الخليج والجزيرة العربية بالمرحوم الشاعر خالد الفرج، بعد وفاته، إلى المكانة المرموقة التي حظي بها في حياته، حتى تنازعه عدد من البلدان في الجزيرة العربية عدها الأستاذ خالد سعود الزيد ثلاثاً هي نجد والقطيف والكويت[2] . وقد لا أعدو الحقيقة إن زعمت أن من حق خمس بلدان -لا ثلاثة فقط- أن تدعيه، تلك البلدان هي: نجد والكويت والأحساء والبحرين والقطيف. إذ إن له في كل واحد منها دوره المتميز، صحيح أن للكويت فضل إنجابه وتنشئته، لكن فضل البلدان الأخرى ليس اقل شأناً منها، فقد هيأت له أسباب الاحتكاك والمخالطة، وأتاحت له فرصة الاندماج في بيئتها الأدبية، فأثر وتأثر بها حتى عُد واحداً من أعلامها.

إن الدارس لأدب الخليج -وخصوصاً البحرين والقطيف- ليس بحاجة لأكثر من إلمامة عجلى بديوان الشاعر ليدرك المبرر لتنازع تلك البلدان نسبته إليها، فالديوان صورة حية لمشاركته في الحياة الفكرية فيها، متجلية في حضوره البارز في مختلف المناسبات، الاجتماعية منها والوطنية، فتراه معزياً في حفلات التأبين إن رزئت بفقد كبير من وجهائها، أو مغنياً في محافل أدبها ومنتديات شعرها.

بيد أن جانباً من نشاطه الأدبي لم ينل حظوة لدى من كتب عنه من الأدباء بمن فيهم الأديب الكويتي خالد سعود الزيد وهو الذي تولى إخراج ديوانه مرتين ويعد أكثر المهتمين بتراثه الشعري. ولعل ذلك لعذر لم يصفح عنه - ذلك الجانب هو المطارحات الشعرية المتبادلة بينه وبين رصفائه، فبرغم أن بعضهم أورد بعض القصائد التي نظمها في هذا الباب، إلا أنهم اقتصروا على ذكر شعره هو دون عرض لقصيد الشاعر الآخر، فمن تلك المطارحات -مثلاً- قصيدته التالية (الشعر) التي أجاب بها أحد علماء القطيف وشعرائها البارزين وهو فضيلة الشيخ فرج بن حسن العمران[3] ، على رسالة بعثها إليه يشكره على قصيدة كتبها سنة 1350هـ في رثاء حمادي بن مهدي بن جلال، ويبدي بها:

يا شاعر الخط إنّ الدرّ منتثراً

كالدر منتظماً في الحسن والثمن[4] 

وافى كتابك منثوراً كأنّ به

روحاً من النظم هزَّتني ولم أزِنِ

والشعر -لولا بحور الشعر- واسعةٌ

أدواحه، كل زهر جاء من فَنَنِ

وما العروض سوى الأغلال مقفلة

من القوافي بأقفال على الزمنِ

وربَّ معنى لطيف غير متزنٍ

تركته لسخيف اللفظ متَّزن

إنِّي أرى الشعر في المعنى، ولست أرى

في عابد اللفظ إلاَّ عابدَ الوثن

فاللفظ مهما بدا في الوزن مؤتلفاً

تأتي المعاني له كالروح في البدن

هي الحياة على الأحياء بهجتها

في أي شكل -على علاَّته- حسن

أتجعل الحيَّ في أثوابه مرحاً،

من أجل صورته، كالميْت في الكفن

سرى كلامك في روحي ولا عجب

فالفضل في جريان الماء في الغصُن

فقلت ذا أرجٌ قد جاء من فرجٍ

وشعره كان قبل الآن يعجبُني

وكدت أعجب في نفسي وقد ملكت

شهادةً من خبير ناقد فطن

ما لرأي تسمعه من حاذق لبقٍ

كالرأي تسمعه من ساذج أفن

والشكر مني أولى أن أقدمه

لأنَّ بدأك لي من جملة المنن

وكان المتوقع أن يثبت الأستاذ الزيد هذه القصيدة مع رسالة الشيخ فرج النثرية، ومقطوعته الجوابية في الديوان، أو يثبت -على الأقل- مقطوعة الشيخ فرج الجوابية لتمام الفائدة خصوصاً للمهتمين من دارسي الأدب في الخليج، لكنه اكتفى بالإشارة في ذيل الصفحة إلى أن الشاعر تلقى خطاباً من الشيخ يشكره فيه، ويثني على قصيدته في رثاء حمَّادي بن جلال، وعذره في ذلك أن الشاعر نفسه لم يثبتهما في ديوانه، ولعل نفس العذر يلتمس للسيد علي العوامي في مقالته (قصائد أخرى لخالد الفرج لم تنشر([5]". على كل حال فإن الشاعر أبدى رغبة في مراسلة الشيخ شعراً، وقد نقل هذه الرغبة إليه صديقهما الشيخ ميرزا حسين البريكي رحمه اللَّه، فنظم الشيخ فرج القصيدة التالية وبعث بها إليه في الحادي عشر من ربيع الأول سنة 1351هـ:

يا خالد الفضل عُذراً من تباطينا

عن الوصال كعادات المحبينا[6] 

فإننا قد كتمنا حبكم حذراً

من الوشاة فتبَّت كفُّ واشينا

الحب ما كان ألفاظاً منظَّمةً

الحُبُّ كان بقلب الحب مكنوناً

لئن تناءت عن الأبصار صورتكم

ففي البصائر قد كنتم مقيمينا

لامَ العذول فلم أسمع ملامته

لا يسمع الصبُّ تقبيحاً وتحسينا

لو كان تعلم عُذَّالي بمن شغفي

للأعذروا، ولما كانوا يلومنا

إنَّ الفؤاد لمشغوفٌ بذي أدبٍ

وذي كمالٍ به قد زان نادينا

بخالد الفضل والراقي مدارجه

من طبَّق الصيت منه الهند والصينا

زها به الوطن الخطي ففاح شذا

أزهار أشجاره ورداً ونسرينا

يا منكراً لمزايا خالدٍ سفهاً

سل عن عطاياه ذا يتم ومسكينا

وعن كمال، وعن فضل، وعن أدبٍ

سل النوادي، وسل عنها الدواوينا

قد كان تعظيم أهل الفضل شيمته

حباه بالفضل والتعظيم بارينا

يا خالد الفرج اسمع فيك من فرج

جميلَ قولٍ لكم أهداه موزونا

مدحاً حكى صفة الممدوح ليس كما

تقوله الشعرا مدحاً وتأبينا

لكن الشاعر الفرج لم يف بما أبداه هو من رغبة في المراسلة، ولم يجب الشيخ، لأسباب وصفها الشيخ بأنها: (لشواغل أوجبت اغتشاش مفكرته). والظاهر أن تباطؤه عن إجابة الشيخ فرج قد أوقع الشيخ البريكي في الحرج، لأنه هو الذي نقل رغبة خالد الفرج في المساجلة للشيخ العمران، فكتب القصيدة التالية يستنجز الفرج وعده يقول:

أخالد قد رأينا منك خلفا

ولم نعهد لقولك قط خلفا[7] 

ولم نعهد كلامك غير صدقٍ

وإنك لا تقول القول عسفا

أتى فرجٌ بقول فيك عدلٍ

ونظمٍ في مديحك كان نصفا

نظام جاء يزري باللآلي

أتى من ذي كمالٍ ليس يخفى

فلم تسمح بردِّ جميل قولٍ

أتى نعتاً لعلياكم ووصفا

وذلك بعد سبق القول منكم

بترجيع، ووعدكم الموَّفى

سكوتك عن مساجلة جفاءٌ

ومن مثل المساجل ليس يُجفى

فيا ربَّ القريض امنن علينا

بعَلَّة منهلٍ منه مصفَّى

فإن تفعل فأنت إذاً وفيٌّ

وإلاَّ، قلت: قولك كان خلفا

إن إثبات مثل هذه المساجلات سيكون له أثر طيب لدى القارئ، كما أنه يعين الباحث المتتبع على تمثل الصورة الكاملة لبيئة الشاعر ومحيطه بشكل أتم وأوضح، وقد يكون إهمال أو عدم العناية بهذا الجانب من قبل أولئك الأساتذة آتياً من عدم الالتفات إلى أهميته ليس إلا، فإننا تتبعنا ما كتب عن هذا الشاعر منذ صدور الجزء الأول من ديوانه عام 1373هـ، فوقفنا على إضافات لا يستهان بها إلا أنها خلت من هذه المساجلات، وباستثناء الأستاذ عبداللَّه شباط فإن أحداً ممن اهتم بشعر الفرج لم يتعرض لشعر المساجل الآخر. بالرغم من أن غايته بهذا الجانب كانت شديدة الاختصار، إذ لم تتجاوز ذكر البيتين أو الثلاثة من معارضة الطرف الآخر إن لم تقتصر على الإشارة وحدها.

في عام 1969م أصدر الأستاذ خالد سعود الزيد كتاباً بعنوان (خالد الفرج حياته وآثاره) ثم أعيد طبعه ثانية سنة 1980م، ومنذ عام 1406هـ/ 1986م توالى ظهور عدد من المقالات افتتحها الأستاذ عبدالله شباط في المجلة العربية ع 69 لشهر محرم بقصيدتين للشاعر لم يسبق نشرهما، ثم تبعه الأستاذ سعود الزيد فنشر في نفس المجلة عدد 102 لشهر رجب من نفس العام قصيدتين أخريين إحداهما لم يتضمنها كتابه المومى إليه آنفاً، وهي التي نظمها الشاعر سنة 1363هـ في رثاء العلامة الشيخ علي (أبو الحسن) الخنيزي مطلعها:

ابكوا بدمع أو نجيع

شيخاً يعزُّ على الجميع

ثم تلاهما الأديب الصحفي الأستاذ محمد رضا نصر اللَّه فكتب بعدد جريدة الرياض 6601 في ذي القعدة سنة 1406هـ مقالاً بعنوان (حمادي وأوراق ضائعة من حياة خالد الفرج)، وأعقبه بمقال آخر، في نفس الجريدة. ثم أتبع المقالين بمقال ثالث في المجلة العربية.

وبعده كانت للأستاذ السيد علي باقر العوامي مساهمة طيبة، إذ نشر بالعددين 124 لشهر جمادى الأولى سنة 1408هـ و 26 الشهر رجب 1408هـ عدداً من القصائد لم تنشرمن قبل أو أنها نشرت في كتب نفذت طبعاتها، كالأزهار الأرجية في الآثار الفرجية للعلامة الشيخ فرج العمران، وذكرى الإمام الخنيزي للشيخ عبداللَّه الخنيزي، وذكرى العلامة السيد ماجد العوامي للأستاذ السيد حسن العوامي.

وفي نفس العام عاد الأستاذ عبداللَّه فنشر كتاباً بعنوان (شاعر الخليج - صفحات مجهولة من حياة الأديب المفكر خالد محمد الفرج) من إصدارات النادي الأدبي بالمدينة المنورة[8] ، وبعده بعام تقريباً أصدر الأستاذ خالد سعود الزيد (ديوان خالد محمد الفرج) فضمنه بعضاً من شعره الذي سبق نشره في تلك المقالات، مضافاً إلى ما اشتمل عليه الجزء الأول من الديوان المطبوع سنة 1373هـ.

ومع ذلك فما يزال كثير من شعر الرجل مخبوءاً في زوايا النسيان، ومن ذلك الشعر المخبوء ما أتحفني به الصديق العزيز خالد علي أبو السعود -وكان والده المرحوم الأستاذ علي بن حسن أبو السعود أحد الوجوه الأدبية في القطيف ومن ألمع أعيانها، وكان صديقاً حميماً للشاعر- فقد تفضل بإهدائي مجموعاً مخطوطاً كتب في أوله: (جزء من ديوان خالد محمد الفرج)، والظاهر أن المجموع بخط الشاعر نفسه.

بالتدقيق في هذا المجموع، ومقابلة ما فيه على ما نشر من شعر الفرج تبين لي أن في المجموع قصائد ومقطوعات لم يسبق نشرها، ولكنني ترددت في نشرها خشية أن يكون بينها ما قصده الشاعر بوصيته لابنه محمد المنشورة في الديوان بألا يطلع عليها أحداً سواه، فأنا -وإن كنت ممن يرون أن نتاج الأديب أو الشاعر ليس ملكاً له بل للحضارة والتاريخ- أرى في الوقت ذاته أن رغبته في إخفائها يجب أن تحترم.

على أنني وجدت المخرج في أن نص الوصية يقول (ولولا أنني أحس بندم على إتلافي سخافات سبقت هذه بل أسخف منها لألحقتها بأخواتها، فتفكه بها. وإياك أن تطلع أحداً عليها سواك، وما يستحق النشر فقد نشرته، وسطرت بعضه في ديوان يستحق النشر، لتعلم ذلك).

فتأكد لي أنها مما أعده الشاعر للنشر، فهي جزء من الديوان، كما تنص عليه الصفحة الأولى من المجموع، بل إن أغلب ما احتواه المجموع موجود في الديوان المطبوع، مما يشير بوضوح إلى أن عدم احتواء الديوان المطبوع لها يعود إلى السهو على الأرجح، أو إلى رأي أثاره المشرف على إخراج الديوان في استبعادها منه عند الطبع، ومن هنا يصبح نشر ما بقي من المجموع أمراً لا غضاضة فيه.

القصائد:

أبناء حواء

لأبناء حوا منِّي الهزءُ والعطف

أقاويلهم صنفٌ وأفعالهم صنفُ

عقولٌ ولكنَّ السخافات جمّةٌ

وأفئدةٌ لكنَّها غالباً غلفُ

هم اختلفوا في البدء واتفقوا معاً

على أن يدوم الشرُّ والظلمُ والخلفُ

فلا خير إلاَّ أن يكون وسيلةً

ولا بذر إلا أن يراد به قطف

إذا أنسوا النعمى طغوا وتجبَّروا

وسرعان ما يلوون إن نابهم صرف

سكارى كأن الموت يأخذ غيرهم

فداءً لهم كي لا يمرَّ بهم حتف

فهل نفس الإنسان منفاخ نافخ

ونار الأماني من تردده تخفو؟[9] 

عجبت لمن يرتاع من شيب شعره

ويُذْهِب عنه خوفَه الصبغ والنتف

ومن طامع لا يكتفي بحياته

فيرنو لما بعد الحياة له طرف

يريد خلود الذكر وهو بقبره

ويسري إلى أعقاب أعقابه الوقف

فيا من لهم في الناس ذكرٌ مخلَّدٌ

أيأتيكم عما يقولونه كشف؟

وإني أرى التاريخ أكذبَ كاذب

أيصدق فيما قاله عنكم الوصف؟

وبالرغم مني صرت منهم وإنني

لإياهم والفرد في الجمع ملتفُ

أتيت إليهم صارخاً غير عالم

فهشّوا، وبالبشرى إلى معشري خفُّوا

وأول قيد طوَّقوني بغلِّه

ثياب وأقماط على الجسم تلتفُّ

فما اخترت ميلادي، وما اخترت نزعتي

وما لي في التاريخ من سيرتي حرف

أعيش كما شاؤوا وشاء اجتماعهم

تكيفني عادات قوميَ والعرف

وعقلي كجسمي ما ملكت قياده

وغايته أني لما رسموا أقفو

كأنهم ختمٌ وأني شمعة

ليَّ الكمُّ من نفسي وهم لهم الكيف

حياء، ولولا اللوم دامت صراحتي

وخوف وليد أصله العسف والعنف

درجت بألفاظي القليلة سائلاً

وعقلي لما يملي على مسمعي ظرف

وسرت مع التيار لا متلفِّتاً

شعار شبابي: الغاية اللهو والقصف

وكلِّي آمالٌ كبارٌ قوامها

-كآمال قومي- المال والصيت والإلف

طمعت وهم قد لقنوني مطامعي

فقول بأيدي الغير مفتاحها العسف

وماذا؟ فلذاتي معاً ومصائبي

لدى يقظتي كالحلم ساعة ما أغفو

وها أنا أسلو ما ملكت عواطفي

ولكنها مذ شبت أدركها الضعف

مضي نصف عمري لم يفدني حقيقة

فما هي آمالي وإن بقي النصف؟

فما حيلتي والاجتماع مقيدي

إذا شئت صفواً فالموارد لا تصفو

أرى الحق رؤيا الشمس والحظ منهما

شعاعٌ، ولكن لا تنالهما الكفُّ

أعف كفافاً، ثم أهدأ قانعاً

سعيداً، فإني الآخر القانع العفُّ

(شعري)

كتبت هذه القصيدة في قرية سنة 1355هـ، وتحت عنوانها هذه العبارة: (من قصيدة).

جمعتُ زهورَها من رَوض فكري

أكاليل المودة للوداد

رياضٌ في الصحاري من خيالٍ

برغم القفر ملأى بالورود

أمثِّلها لكم كَوَبار عادٍ

وفردوس الفلاسفة الفقيد[10] 

نظائر في الخيال لها وجودٌ

جميلٌ وهي ليست في الوجود

كرسمٍ قد يجسم في دماغ

لروحِ قدود غيد يوم عيد

وطيفٌ من محيَّا ذي جمال

على المرآة يشرف من بعيد

تَصوَّرها -لرقتهم- أناس

وأنكَرها أناس من جمود

وزهر الشعر أنفَسُ كلِّ عِلقٍ

خلودٌ لا يثمَّن بالنقود

فأجنيه، وأنثُره نثاراً

وأنظمه عقودَ نحور غيد

وأهديه لمستنشيه رَوحاً

فهذه الأريحية من نشيدي

وما شعري عروضٌ في قوافٍ

كما زعموه بل بيت القصيد

كلامٌ في أغان في خيالٍ

بألوانٍ على شكلٍ فريد

ويدخل للدماغ بدون أذنٍ

يداعبه بدغدغة الوليد

ولكن كالملائك في تقاها

يجنِّب كلَّ ذي فكر بليد

يشمُّ أريجه عرنين شهمٍ

وتسمع شجوَه آذان صيد

ويؤثر ظلمة الأرحام عن أن

تؤول به الولادةُ للحود

* * *

أطلتُ وما الحديث سوى شجونٍ

معادٌ، بلهَ برقشة المعيد

فعذراً حين أنظر نحو شعري

بعين الجَدِّ في وجه الحفيد

ولولا هذه الدالات فرَّت

إلى الصحراء وهي بلا قيود

لطفت بكم على الجنَّات طُراً

ولم (أكتفْ([11]" بإكليل وحيد

فهذي ساعة في العمر تحكي

غناءً بين دمدمة الرعود

كحسن الحظ أو صدق الأماني

وطيف حبيب ذي قلب عميد

فها أنذا ألِّحنه شعوراً

على قيثارة شفعت بعود

وأرسله شبيه عقود نَورٍ

أسلسله بأذنيَ مستزيد

الشعر والشعور

هذه القصيدة كتبها في القطيف في جمادى الأولى سنة 1357هـ ولم يثبت منها في الديوان سوى الخمسة الأولى من أبياتها فلعل من الخير أن نوردها كاملة:

كم بفكري من ساحرات معاني

لم تسعها يراعتي وبيان؟

هل يطيق اللسان إفراغ فكر

ملأته الأذنان والعينان؟

بلْه ما فيه من عواطفَ شتَّى

أشبعتها آلامُها والأماني

والخيال الخيال أدناه قاصٍ

إنْ تطلَّبته، وأقصاه داني

إنما الشعر فهرسٌ لشعور الـ

ـمرء مثل الكتاب والعنوان[12] 

فتصور حدائقاً من زهورٍ

في غريب الأشكال والألوان

نشرت فوقها سحاب أريج

ضمَّخ الجو في عبير ا لجنان

ثم غيم يحوم فوق رقيق

طرزته ذكاء باللمعان

خاصرته نسائم تتهادى

كعليل قد عضَّدته غواني

وثغور الزهور ترتشف الطـ

ـلَّ بلطفِ ارتشاف (جنتلمان([13]"

نازعتها به على غفلة الغيـ

ـم خيوطٌ من الشعاع الجماني

غرَّد الطير فالزهور فَراشٌ

قيَّدته موائس الأغصان

الزهور الغراش؟ لا، الفراش الـ

ـزهور؟ لا، بل كلاهما سِيَّان

هالةٌ والبحيرة الشمس، لا بل

هي منها مرآة إحدى الحسان

جعَّدت سطحها الجميل إوزا

تٌ تبارت بالعوم والطيران

وكإحدى الإوزِّ قد عام فيها

زورقٌ فيه يلتقي عاشقان

كجفون طفت بدمع سرور

في مآق حوراء في إنسان

من غلام ومعصر[14]  مزجاً بالـ

ـحبِّ حتى توحَّد الاثنان

بحرُ حبٍّ في بحر ماء على بحـ

ـر خيال في عالم روحاني

مشهد من بلاد عبقرَ أو حتـ

ـه بحذقٍ قريحة الفنان

ثم جرَّبْ بأن تعتبِّر عنه

بيراعٍ أو ريشة، أو لسان

ذاك ما يرسم الخيال على الفكـ

ـر ويسمو قدراً على التبيان

من قصيدة ماضي المعارف وحاضرها

قالها في احتفال مدرسة الهداية الخليفية في المحرق في البحرين احتفاء بتوزيع الجوائز في 15 ذي الحجة سنة 1345هـ.

شمس المعارف في أوالٍ أشرقت

فضت حجابَ ظلامها المسدولا

وقضت على جرثومة الجهل الذي

قد كان عبئاً في النفوس ثقيلا

بزغت ومدرسة الهداية مَشرقٌ

تهدي شعاعاً في النفوس جميلا

كالبرء في جسم العليل يدبُّ أو

غيثٍ أزال عن الزهور ذبولا

في كل يوم للعلوم تقدم

جعل الذراع من التقدم ميلا

وإذا الغذا أنمى الجسوم بفعله

فالعلم ينمي في الجسم عقولا

هيهات أن يلقى مناه جاهلٌ

ومحالُ يبلغ بالجهالة سولا

* * *

يا سادتي، عفواً قفوا بي ساعة

ننظر إلى ماضي البلاد قليلا

كانت بحالٍ يُستحى من ذكرها

عرضاً، فكيف أعدُّها تفصيلا؟

تلك المكاتب كيف تُخرِج أمَّة

ترجو إلى درج الحياة وصولا؟

حُشِرت بها أولادكم كحضيرةٍ

ملئت ضجيجاً منهم وعويلا

وبها المعلم غارقٌ بسباته

ومتى صحا أنكى بهم تنكيلا

ويلقَّنون من القراءة نبذةً

كالببغاء يعيد ما قد قيلا

يقضي الصبيُّ بها ثمين شبابه

لم تغن عنه من العلوم فتيلا

وإذا وعى سور الكتاب قراءة

طافوا به متزيِّناً محمولا

تحدوه زغردة النساء كأنَّه

بطلٌ يكلَّل في الوغى إكليلا

فيجيء معترك الحياة كأعزل

لا يهتدي نحو المعاش سبيلا

* * *

واليومَ للعلم الشريف مناهلٌ

كم أنقعت للطالبين غليلا!؟

قد أنبتت زرعاً فأخرج شطأه

ولسوف نجني الخير منه جزيلا

الطفل فيها صار كهلاً مُحرِزاً

باعاً بأصناف العلوم طويلاً

يقف الصغير يعلل الأسباب من

علل الوجود وسره تحليلا

فيجيد إلقاءً، ويقنع حجةً

ويفك من سر العلوم قفولا

بهروا العقول وهم صغارٌ كيف لو

صاروا شباباً بعد ذا وكهولا

وغُذوا من العلم اللباب فأصبحوا

لعلى بلادكم النواة الأولى

سيكوِّنون الشعب شعباً صالحاً

حياً إلى درج الكمال وصولا

مقطعات:

عتاب

هاتِ صابون القلوب

إنَّه خير طبيب

وترفَّق يا عتابي

والجاً قلب حبيبي

قل له صدَّك ألقا

نيَ في أمرٍ مريب

ليس لي ذنبٌ متى را

جعت فهرست الذنوب

أين إخلاصي وودي؟

فهل الصدُّ نصيبي؟

أين ما استشهدت عندي

باتفاقات القلوب

بئست الصحبة إن لم

تجد في اليوم العصيب

لا تلمني يا عذولي

أنا أدرى بالذي بي

الجمال

برأ اللَّه الجمالا

فتنة منه تعالى

إنَّه ما يأخذ المر

ءَ انبهاراً وخيالا

إنَّه الجذَّاب عفواً

إنَّه السحر حلالا

فتراه كرواء الـ

ـحور حياً يتلالا

فتنة العقل شبابٌ

زاده اللَّه جمالا

حبيبي

تعالَ إليَّ بُعيد الغروبِ

لتؤنسني في دجاي القطوبِ

فإني أراك ليالي المحاق

كبدر التمام النموم الرقيب

وذاك يضيء ظلامَ الدجى

وأنت تضيءُ ظلام القلوب

وأنت تهدئ من روعتي

وذاك يهيِّج غافي كروبي

جعلت حياتيَ وقفاً عليك

وعشت لأجلك بين الخطوبِ

وحاولت أبقى غضيض الشباب

غضيض الإهاب كغصن رطيب

تؤثر ذكراك في وجنتي

فتحمرُّ كالشمس وقت الغروب

وتنفخ في الجسم روح الحياة

أماني الوصال البعيد القريبِ

وما عاش في الحب صبٌّ سواي

يرى الحبَّ بالذات نفس الحبيب

وأقدس في الطهر من أن أراه

يدنَّس بالسقم أو بالنحيب

حبيبي في الوصل أو في الصدود

حبيب على كل حال حبيبي

سنة الهنا

كان بين الشاعر وبين المرحوم الشيخ حمد بن عيسى الخليفة -حاكم البحرين- مطارحات في فن التاريخ، والفرج حاذق في هذا النمط من النظم، كما كان الشيخ مولعاً به منثوراً ومنظوماً حتى ليفضله على قصائد المديح، وقد احتوى الديوان عدداً من نماذج التاريخ، والمقطوعة التالية كتبها الشاعر مهنئاً الشيخ بشهر رمضان لسنة 1343هـ:

سنة الهنا لمليكنا

صار السعودَ قرانُها

حمَدُ المعالي والمكا

رمِ ربُّها، ربَّانها

فاهنأ بأجر صيامها

لما ارتضى رحمانها

سنة الهنا تاريخها

(صم. للهنا رمضانها)

مجموع العجر في حساب الجمل = 130 + 116 + 1097 = 1343.

[1]  هذا المقال سبق أن نشر في المجلة العربية بالرياض ع 177 لشهر شوال سنة 1412هـ، ص74 - 75، لكن وقع به حذف وبتر أوجبا إعادة نشره.

[2]  خالد الفرج حياته وآثاره، خالد سعود الزيد، مطبعة دار النصر للطباعة الإسلامية، القاهرة، الطبعة الثانية 1980م، شركة الربيعان للنشر والتوزيع، الكويت.

[3]  فقيه وأديب ومؤرخ ونسابة، يعد أغزر معاصريه من العلماء والأدباء إنتاجاً، أصدر أكثر من 15 مؤلفاً أوسعها كتاب (الأزهار الأرجية في الآثار الفرجية) ضمنه يومياته وكثيراً من الشعر والأدب والفنون الأخرى، توفي رحمه اللَّه سنة 1389هـ.

[4]  ديوان خالد الفرج، تقديم وتحقيق خالد سعود الزيد، مطابع القبس التجارية، الكويت، ط1، 1989م، ص233.

[5]  المجلة العربية، الرياض عدد 124 لشهر جمادى الأولى سنة 1408هـ.

[6]  النفحات الأرجية في المراسلات الفرجية، الشيخ فرج بن حسن العمران، مطبعة النجف - العراق، بدون تاريخ، ص50 - 52.

[7]  نفسه ص52 - 53.

[8]  مطبعة دار النصر للطباعة الإسلامية، القاهرة، الطبعة الأولى دار الاعتصام للنشر والتوزيع.

[9]  تخفو: تلمع، يريد تتقد.

[10]  أرض أسطورية قالوا إنها بين اليمن ورمال يبرين، أو بين الشحر وصنعاء، أو بين حضرموت والسبوب، أو ما بين نجران وحضرموت، وزعموا أنها من مساكن قوم عاد، سميت بوبار بن أرم، فلما أهل اللَّه عاداً ورثها للجن فلا ينزلها أحد من الناس، ويقولون إنها من أكثر بلاد اللَّه خيراً، وأخصبها أرضاً، وأكثرها مياهاً وشجراً ونخيلاً، وإن أهلها بطروا وكفروا بأنعم اللَّه فبدل اللَّه خلقهم وصيرهم نسناساً، وجعل الفرد منهم بنصف جسم أي بنصف رأس، وعين واحدة ويد واحدة، ورجل واحدة. ومن مزاعمهم أن النملة في تلك الأرض بحجم الكلب العظيم، وأن بمقدورها أن تقتلع الفارس من فرسه وتمزقه. ويروون على لسان النسناس أشعاراً وطرائف لا تخرج عن خرافات لا يحسن التوسع فيها.

راجع تاج العروس. محمد مرتضى الزبيدي، تحقيق عدبالحليم الطحاوي، مطبعة حكومة الكويت، الكويت 1974م، ج14 مادة: (وبر). ومعجم البلدان، ياقوت الحموي، دار صادر، بيروت، بدون تاريخ، ج5/ 356 - 359. ومعجم ما استعجم، عبداللَّه بن عبدالعزيز البكري الأندلسي، تحقيق مصطفى السقا، عالم الكتب، بيروت 1983م، ج4/ 1366 - 1367.

[11]  كذا في الأصل.

[12]  بهذا البيت تنتهي الأبيات التي في الديوان.

[13]  الجنتلمان إنجليزية Gentleman معناها هنا: المهذب، واللطيف.

[14]  المعصر: الفتاة الشابة التي شارفت البلوغ، أو هي للفتاة كالمراهق للفتى.
مدير التحرير
297984