ابن المقرب العيوني وشعره التاريخي
عبدالجليل مرهون * - 23 / 3 / 2011م - 1:22 ص - العدد (14)

حظي التاريخ وحكمه بنصيب وافر في شعر ابن المقرب العيوني، فدخل هذا الاتجاه في الكثير من أغراضه الشعرية، وقد لا نجد له قصيدة تخلو من عبر التاريخ ومواعظه.

وفي فواتحه وتضميناته التاريخية أبدى شاعرنا إلماماً واسعاً بنواحي التاريخ وحوادثه، حتى استحق أن يعد أحد رجالات التاريخ في عصره.

وقد اعتمدنا في بحثنا هذا على الكثير من الحواشي والشروح الواردة في المخطوطات والمطبوعات من ديوانه، والتزمنا الرجوع للمصادر الأم للتأكد من الحادثة التاريخية. واعتمدنا شروحات الأستاذ عبدالفتاح الحلو صيغة نهائية.

قال ابن المقرب:

فلا تحسبُ الأعداءُ لِما جرى

تضعضعت أو أعطيتُ حبلي مشاغبا

فقبلي قضى النعام في السجن نحبه

وغُودرَ مسلوباً وقد كان سالبا

وعاش ابنُ ذي الجدَّينِ في الغُلِّ برهةً

ليالي يدعو قومَه والعصائبا

والنعمان، هو أبو قابوس النعمان بن المنذر، أشهر ملوك الحيرة في الجاهلية، وهو ممدوح النابغة الذبياني، وقد نقم عليه كسرى (أبرويز) أمراً فعزله، ونفاه إلى خانقين فسجن فيها إلى أن مات. وابن ذي الجدين، هو بساط بن قيس بن مسعود الشيباني، سيد شيبان، ومن أشهر فرسان العرب في الجاهلية، وقد أدرك الإسلام ولم يسلم، قتله عاصم بن خليفة الضبي يوم الشقيقة. وذكره الجاحظ في الفارس يبلغ الغاية والشهرة ولا يرزق ذلك الذكر، والتنويه ببعض من هو أولى منه، ثم قال: وهم يضربون المثل بعمرو بن معد يكرب ولا يعرضون بسطام بن قيس )البيان والتبيين ج1/ 20 - 21، ج3/ 20).

وقال:

وترَّاكُ ما لو أن قيس بن عاسم

أصيب ببعض منه أوردت حُباحُبه

وقيس بن عاصم المنقري التميمي أحد الشعراء الفرسان ساد في الجاهلة والإسلام، صحب النبي وعاش بعده زمناً، ويضرب به المثل في الحلم (الإصابة 8/ 718).

وقال:

زمان يقولُ العامريُّ لمن غدا

يحدثه عنه وذو الحمق غالبه

متى يلتقي من نار برد محلُّهُ

وآخر سوديٌّ بعيدٌ مذاهبه

فلم يستتمَّ القول حتى إذا بهِ

يسايره والدهر جمٌّ عجائبه

فقال له: الآن التقينا فأرعدت

فرائصه والجهل مُرٌّ عواقبه

جاء في هامش النسخة المطبوعة بمطبعة دت برساد بالهند عن معنى الأبيات: أن الفضل بن عبدل العيوني كان قد حمى من السودة إلى الرمل عن أن ترعى، فكل من نزل بها من البادية أخذ ماله ونهب محلته، وكان لا يقيم ببلد بل هو مرة بالأحساء ومرة بالقطيف، ومرة بأوال في الفلاة، وكان مقامه بالفلاة أكثر ليقطع غوائل البوادي عن البحرين، ثم إنه اتفق ذات يوم يسير وقد انفرد عن خيله بأرض السودة يطلب من يرعاها من العرب ليأخذه، وإذا برجل عنده قطعة إبل يرعاها وإذا برجل آخر بإزائه يقول: ويحك أما تخاف من الأمير فضل بن عبدل على مالك ونفسك؟! وأنت تعلم أن هذا المكان من حماه.

فقال:

متى يلتقي من نار برد ملحه

وآخر سوديّ بعيد مذاهبه

رافعاً بها صوته، والكلام كله بإذن الفضل، فقال: الساعة يا أخا العرب، فالتفت فرآه فشهق شهقة كاد أن يموت من شدة خوفه، فأجاره وقال له: إياك أن تعود لهذه الأرض.

وقال:

عن الرُّشد أهدى من سطيح وكلُّهم

إلى الغيِّ أعدي من سُلَيكِ المقانبِ

وسطيح الكاهن هو ربيع بن ربيعة، كاهن جاهلي غساني من المعمرين، كان العرب يحتكمون إليه ويرضون بقضائه، قال الفيروزآبادي: ما كان فيه عظم سوى رأسه، وقال الزبيدي: كان أبداً منبسطاً منسطحاً إلى الأرض لا يقدر على قيام ولا قعود. وسليك المقانب هو سليك ابن السلكة وهي أمة وكانت سوداء، وكان هو أيضاً أسود، وكان من أعدى الناس لا يشق غبارة، وأخباره في العدو والغارة مشهورة. (ثمار القلوب ص81).

وقال:

يُقرُّ له في الجود كعب وحاتمٌ

وفي الحلم والإقدام قيسٌ وحارثُ

وكعب بن مامة الأيادي كريم في العصر الجاهلي يضرب به المثل في حسن الجوار، وحاتم الطائي معروف بكرمه في الجاهلية، وقيس بن عاصم المنقري اشتهر بالحلم والشجاعة، وقدم على النبي الأكرم في وفد بني تميم فأسلم، وتوفي سنة 20 هجرية، والحارث بن عابد البكري أحد سادات العرب وشجعانها، وهو الذي انتصرت به بكر على تغلب حينما ثار لمقتل ولده بجير في حرب البسوس.

وقال:

وما عامرُ الضحيانُ حين تعده

ربيعة إلا كبشها إذ تناطح

وعامر هو: عامر بن سعد بن الخزرج بن تيم اللَّه بن النمر بن قاسط، ويبدو أنه جد العباس لأمه، وهو من قضاة العرب في الجاهلية وأجوادهم، اجتمع عليه بنو النمر في عام مجاعة فأضافهم وأكرمهم، ثم قال: كسلوا لهم كيلاً. فقيل له: إن الكيل يبطئ بهم لكثرتهم. فقال: هيلوا عليهم هيلاً. وسمي الضحيان، لأنه كان يجلس لقومه في الضحى، يحكم بينهم.

وقال:

وإني في قومي كعمرو بن عامر

ليالي يعصى في قبائله الأزدِ

وعمرو هو: عمرو بن عامر حارثة الغطريف الأزدي، الملقب بمزيقاء. وهو ملك جاهلي يماني من التبابعة كان له تحت سد مأرب من الحدائق ما لا يحاط به. وقد أهمل أمر السد في أيامه فخرب وبدأت هجرة الأزد من تلك الديار، وقد اعتل بوادي عك ومات، وتفرق الأزد فكان منهم ملوك غسان بالشام، ومزيقاء هذا جد الأنصار وأبو جفنة أول ملوك الغساسنة:

وقال:

فيا ليت أني حال بيني وبينهم

جُذامٌ وخولان بن عمرو وغامد

وجذام: هو عمرو بن عدي بن الحارث من كهلان، جد جاهلي، والجذاميون أول من سكن مصر من العرب بعد الفتح، وخولان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة: جد جاهلي يماني من بني كهلان، وغامد هو: عمرو بن عبداللَّه بن كعب بن الحارث الأزدي، جد جاهلي يماني من قحطان.

قال ابن المقرب:

وهل عزَّ بالأعداء من قبل تُبَّع

مليك تمطَّى المُلكَ كهلاً وأمردا

والتبابعة ملوك اليمن، ولا يقال لهم ذلك حتى ينقاد إلى ملكتهم أهل الشحر وحضرموت. ولعله أراد حسان بن أسعد الحميري، وهو من أعظمهم في الجاهلية، ولقد انتهى بجيشه إلى سمرقند وامتلك دمشق، وعاد إلى اليمن ماراً بالحجاز فقصد مكة وكسا الكعبة، وقاوم الوثنية في اليمن، ومات مقتولاً.

وقال شاعرنا:

ولو نام سيفٌ بالحصيب ولم يلج

على الهول لم يدع المليك المجددا

وسيف هو: ابن ذي يزن أصبح بن مالك بن زيد الحميري، من ملوك اليمن في الجاهلية، ودهاتهم، وكان الحبش قد تملكوا اليمن في القرن السادس الميلادي، فنهض قيس وقصد قيصر الروم فلم ينصره فاتجه إلى فارس فأرسل معه كسرى أنوشروان من الرجال ما أعاد بن ملك بيته، ومن هذا الوقت أصبحت اليمن خاضعة لحكم الفرس حتى جاء الإسلام، قتله الأحباش بصنعاء..

وقال:

وأهجر داراً لو يحلُّ ابن قاهث

بها راح مسحوتاً من المال مجحدا

وابن قاهث: هو قارون بن يصهر بن قاهث، وهو من يضرب بن المثل في كثرة المال (نهاية الأرب 13/ 232).

وقال:

إن يكن عزاً وإلا فردى

لست من دون شبيب ومصاد

وشبيب: هو شبيب بن يزيد الشيباني الخارجي، أحد كبار الثائرين على بني أمية، كان داهية طماحاً إلى السيادة، خرج بالكوفة ونادى لنفسه بالخلافة، فشل الحجاج في قتاله، وتكاثرت عليه جيوش الشام، فقتل كثيرون من أصحابه، ونجا بمن بقي منهم فمر بجسر دجيل (في نواحي الأهواز) ففر به فرسه، وعليه الحديد الثقيل من درع ومغفر وغيرهما، فألقاه في الماء وغرق سنة 77هـ. ومصاد: هو مصاد بن يزيد بن نعيم الشيباني أخو شبيب، ثار معه وشهد أكثر حروبه، وأعانه على كروبه، قتله خالد بن عتاب الرياحي على أبواب الكوفة قبل مقتل أخيه شبيب.

وقال:

قسماً إن من أراد به كيـ

داً ليوفي سؤماً كأحمر عاد

أحمر عاد: هو أحمر ثمود، وهو لقب قدار بن سالف، عاقر ناقة صالح ، وقد قال أحمر عاد ليستقيم له الوزن، وقد سبقه إلى هذا زهير (لسان العرب 4/ ص215).

وقال:

عَلا في الندى أوساً وفي الزهد والتُّقى

أويساً وفي الحلم ابن قيس أبا بحر

وأوس: هو أوس بن حارثة بن لأم الطائي أحد سادات العرب وأجودها في الجاهلية. وأويس: هو أويس بن عامر القرني، تابعي عابد متنسك أدرك حياة النبي ، ولسكناه الرمال والقفار لم يره، وقد وفد على عمر بن الخطاب، وشهد وقعة صفين مع علي . وأغلب الظن أنه استشهد فيها.

وأبو بحر: هو الأحنف بن قيس بن معاوية التميمي، أحد الدهاة الفاتحين العظماء، ضرب به المثل في الحلم، وقد توفى عند مصعب بن الزبير وقت أمارته على العراق سنة 72هـ.

وقال:

وإنَّ أبا الجرَّاح فيكم وقومه

كما كان في حيي ثمود قذارُ

ورد في (لسان العرب 4/ 215) قدار بن سالف عاقر ناقة ثمود، وهو كذلك في (نهاية الأرب 13/ 83)، ويصفه النويري بقوله: كان أقبح رجل في ثمود، وكان في عينيه زرقة، وكأنهما عدستان، وأنفه أفطس ولحيته بطوله، غير أنه كان يمر بالشجرة العظيمة فينطحها برأسه فيكسرها.

وقال:

ما حِلمُ قيس ما وفاء سموأل

ما جودُ أوسٍ ما شجاعة جحدرِ

قيس بن عاصم المنقري: أحد أمراء العرب وحملمائهم، وكان ممن حرموا على أنفسهم الخمر في الجاهلية، وفد على النبي وأسلم وقد نزل البصرة في أواخر أيامه، والسموأل بن عادياء من شعراء الجاهلية وحكمائها، وقد شهر بوفائه في قصة له مع الشاعر امرئ القيس. وأوس بن حارثة بن لأم الطائي، وجحدر بن ضبيعة البكري الوائلي، قتل في حرب تغلب يوم تحلاق اللممم، سمي بذلك لأن بكراً حلقوا رؤوسهم ليعرف بعضهم بعضاً إلا جحدر بن ضبيعة، فقال لهم: أنا قصير فلا تشينوني وأنا أشتري منكم لمتي بأول فارس يطلع عليكم، فطلع ابن عناق، فشد عليه فقتله، وكان يرتجز في ذلك اليوم ويقول:

ردُّوا عليَّ الخيل إن ألمتِ

إن لم أقاتلهم فجزوا لُمَّتي

وقال ابن المقرب:

آبى وأمنع جانباً من هانئ

أيام يمنع خلفه ابن المنذر

وهانئ بن مسعود بن عمرو الشيباني من سادات العرب وأبطالهم في الجاهلية. أما حديث النعمان بن المنذر معه، فقد أحس النعمان بتغير كسرى عليه فبحث عن قبيلة تحمي أهله وسلاحه وماله، إن أراده كسرى بسوء. فنزل في بني شيبان بذي قار، ولقي هانئ سراً: فعاهده هذا على أن يمنع ودائعه مما يمنع منه أهله، فأودعه أهله وماله، وتوجه إلى كسرى فقبض عليه وسجنه بخانقين إلى أن مات، وولى مكانه في الحيرة إياس بن قبيصة الطائي، وكتب كسرى إلى إياس أن يجمع ما خلفه النعمان ويرسله إليه، فبعث إياس إلى هانئ يأمره بإرسال ما استودعه النعمان. ووفى هانئ بعهده للنعمان، فامتنع عن تسليم الودائع، وزحف جيش كسرى يقوده إياس بن قبيصة ومعه مرازبة من الفرس وكثير من قبائل تغلب وإياد وغيرهما، إلا أن إياداً اتصلت ببني شيبان خفية. ووعدتهم بأن لن تقاتل، وكانت المعارك في بطحاء ذي قار، وأخرج هانئ ما عنده من سلاح النعمان ودروعه فوزعه على جموع بكر بن وائل وقد أقبلت انتصاراً لشيبان، وهم منهم، وانهزم الفرس ومن معهم.

وقال ابن المقرب:

وأشد بأساً من كليب إذ سطا

بالسيف يجتث الذرى من حمير

وكليب هو: كليب بن ربيعة بن الحارث بن مرة التغلبي الوائلي سيد بكر وتغلب في الجاهلية. وقد امتد سلطانه في شبه الجزيرة. وبلغ من هيبته أنه إذا حمى مكاناً لا يقربه أحد. وقد ضرب المثل بذلك، فقيل: هو في حمى كليب. قتله جساس بن مرة. وثارت لمقتله حرب البسوس.

وقال:

أم للذي أودت به جعدتهم

يومئذٍ بكأس سم منقع

قصد الشاعر هنا الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب ، حيث استشهد مسموماً في المدينة المنورة، سمته زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس، دس إليها يزيد بن معاوية أن تسمه فيتزوجها، ففعلت، ولما قتل الحسن بعثت إلى يزيد تسأله الوفاء بما وعدها، فقال: إنا لم نرضك للحسن، فنرضاك لنفسنا؟ وكانت شهادته سنة تسع وأربعين، وقيل: في خامس ربيع الأول سنة خمسين، وقيل سنة إحدى وخمسين (السيوطي، تاريخ الخلفاء، 192).

وقال:

لهفي له والشمر فوق صدره

لحين أوداج وهشم أضلع

وشمر، هو: شمر بن ذي الجوشن الكلابي، شهد صفين مع الإمام علي . وظل بالكوفة يروي الحديث، ثم اشترك في وقعة كربلاء في صفوف الجيش الأموي، وحمل رأس الحسين إلى يزيد، وقد طلبه رجال المختار الثقفي فقتلوه وألقيت جثته للكلاب سنة 66 للهجرة.

وقال:

يخبِّر تُبَّعٌ عنها وكسرى

بذا والمنذران وذو الكلاعِ

المنذران: لعله يعني بهما المنذر بن ماء السماء، والمنذر بن الحارث الغساني، والأول هو ابن امرئ القيس والثالث ابن النعمان بن الأسود اللخمي، ثالث المناذر ملوك الحيرة في الجاهلية، وهو من أعظمهم وأشدهم بأساً. وقد قتل يوم حليمة حينما تلاقى جيشه وجيش الغساسنة في عين أباغ قبل الهجرة بستين سنة، والثاني هو ابن الحارث بن جبلة الغساني، أمير بادية الشام قبيل الإسلام من قبل قيصر، وكان على حرب دائمة مع اللخمين أصحاب الحيرة، وقد ثار على الروم ثم عاد إليهم، وكان آخر أمره أن نفاه الروم إلى صقلية.

وذو الكلاع: هو يزيد بن النعمان الحميري، ذو الكلاع الأكبر، وهو وذو الكلاع الأصغر سميفع بن ناكور بن عمرو بن يعفر بن ذي الكلاع الأكبر من أذواء اليمن وملوكها في الجاهلية وسمي ذو الكلاع لأن حمير تكلعوا على يده أي تجمعوا، إلا قبيلتين: هوزان وحراز فإنهما تكلعتا على ذي الكلاع الأكبر.

وقال:

ولم العدو يروح قرد زبيدةٍ

شبعاً ومصفي الود كلبة حومل

زبيدة: هي زوج الرشيد وأم الأمين، وهي بنت جعفر بن المنصور من شهيرات النساء. قال ابن جبير: وهذه البرك والآبار والمنازل التي من بغداد إلى مكة هي آثار زبيدة ابنة جعفر، انتدبت لذلك مدى حياتها، وإليها تنسب عين زبيدة بمكة، توفيت سنة 216هـ. وكلبة حومل: يضرب بها المثل في الجوع، وحومل: امرأة من العرب كانت تربي كلبة لها للحراسة وتجيعها وتطردها بالنهار (ثمار القلوب 315).

وقال:

وعمرو بن هند عمموا أم رأسه

حساماً يقد البيض والهام من عل

وعمرو بن هند: هو عمرو بن المنذر اللخمي ملك الحيرة في الجاهلية، وكان شديد البأس كثير الفتك، هابته العرب وأطاعته القبائل، قتله عمرو بن كلثوم أنفه وغضباً لأمه، وكانت ولادة الرسول أيام ملكه على الحيرة.

وقال:

جزءا سنمار جزاء به اقتدت

ومال إليها كهلها وغلامها

سنمار: هو إسكاف بنى قصراً للنعمان بن امرئ القيس، فلما فرغ ألقاه من أعلاه لئلا يبني لغيره مثله.

وقال:

ضربنا بني بهرام عنه فأذعنوا

وكانوا لباع العز كفاً ومعصما

بنو بهرام: هم القرامطة، وكبيرهم أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنابي القرمطي، كان تاجراً بالبحرين ثم دعا الناس إلى نحلته وعظم أمره وحارب الخلافة العباسية. استولى على سائر هجر والقطيف وأوال، قتله خادم له في الحمام سنة 301 هجرية.

وقال:

وأين آل مضاض في قبائلها

من جرهم ساكني بحبوحة الحرم

آل مضاض: هم بيت جرهم بن يقظان. هم الذين إليهم النبي إسماعيل بابنة ملكهم الحارث بن مضاض، وجميع أولاده منها وكانوا سكان الحرم قبل قريش.

وقال:

وعاقر الفيل يوم القادسية قد

سقاه كاس الردى صرفاً بغير فم

وقد أذاق شبيباً في شبيبته

كأس الحتوف بلا سيف ولا سقم

والمزيديين غالتهم غوائله

واجتاحهم مزبد من سيله العرم

عاقر الفيل يوم القادسية هو المثنى بن حارثة الشيباني، أسلم في السنة التاسعة للهجرة، وغزا بلاد فارس في خلافة أبي بكر. توفي متأثراً بجراحه سنة 14هـ.

وشبيب بن يزيد بن نعيم بن قيس الشيباني الخارجي، أحد الثائرين على بني أمية، هزم جيش الحجاج في مواقع كثيرة، فأمده عبدالملك بجيش تمكن به من هزيمته، وقد نجا من القتل ولكن فرسه نفر على جسر دجيل فألقاه في الماء فغرق سنة 77هـ.

والمزيديون: من كانوا من نسل مزيد الشيباني، فمنهم يزيد بن مزيد، كان شجاعاً كريماً تولى أرمينية وأذربيجان وتوفي سنة 185هـ.

قال ابن المقرب:

والحارث بن عباد غاله وسطاً

بجحدر فارس التحلاق للمم

الحارث: هو الحارث بن عباد بن قيس بن ثعلبة البكري، ومن سادات العرب وحكمائها وشجعانها وفصحائها، وقد اعتزل حرب البسوس، حتى قتل ولده بحير فثار وانتصرت به بكر على تغلب، وجحدر بن ضبيعة البكري، فارس له شعر، ولم يرض بحلق لمته يوم تحلاق اللمم فقد قال: أنا قصير فلا تشينوني وأنا أشتري منكم لمتي بأول فارس يطلع عليكم، وقد قتل في ذلك اليوم.

وقال:

والجعد مسلمة لم يحمه فدن

بناه والده إذ كان ذا همم

مسلمة: هو مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن الدول بن حنيفة، وسمي الجعد لقوته، وأبو عبيد أول من خط حجراً ونزل اليمامة، وكان له من الأولاد عشرة ذكور، وجاءه أعمامه وكانوا جماعة يطلبون فيها الشرك فأعطى كل رجل من أعمامه قرية.

وقال:

وهوذة بن علي حط منتزعاً

عن رأسه التاج عمداً غير محتشم

هوذة: هو هوذة بن علي الحنفي، من بكر بن وائل، شاعر بني حنيفة وخطيبها وهو صاحب اليمامة، كان يقال له: ذو التاج، وقد كتب إليه الرسول يدعوه إلى الإسلام فاشترط أن يكون له بعض الأمر فلم يجبه وقال: باد وباد ما في يديه، فلم يعش بعد ذلك إلا قليلاً. مات سنة 9هـ.

وقال:

سَل القرامط من شظَّى جماجهم

فلقاً وغادرهم بعد العلا خدما

من بعد أن جل بالبحرين شأنهم

وأرجفوا الشام بالغارات والحرما

ولم تزل خيلهم تغشى سنابكها

أرض العراق وتغشا تارة أدما

وحرقوا عبد قيس في منازلها

وصيَّروا الغُرَّ من ساداتها حمما

كان غزو القرامطة لدمشق سنة 360هـ. وكان على رأسهم الحسن بن أحمد بن بهرام.

وسار أبو طاهر القرمطي إلى مكة سنة 317هـ. ودخلها يوم التروية، فقتل الناس واقتلع الحجر الأسود من مكانه، ونهب ما في الكعبة من التحف والذخائر، وقد رد الحجر إلى الكعبة مرة أخرى سنة 339هـ، حينما يئس القرامطة من انصراف الناس عن الكعبة إلى القطيف حيث وضعوه.

وكانت مسيرة القرامطة إلى العراق سنة 311هـ. وكان الزعيم القرمطي أبو سعيد المازني، حين حكم البحرين، قد جمع خلقاً كثيراً من عبد القيس وأنزلهم محلة البلد، وأضرم في تلك الملحة النار، فاحترقوا جميعاً، وتلك المحلة تعرف بالرمادة إلى وقتنا هذا.

وقال:

إذا دعوا يال إبراهيم ظل لهم

يوم يشيِّبُ من هام العدى اللمما

حتى أناخ بباب الحصن يصحبه

عزم يهدُّ الجبال الشم والأكما

جاء في الأخبار: إن عبداللَّه بن علي العيوني طمع في أخذ الأحساء من القرامطة فكتب إلى جلال الدولة أبي الفتح ملك شاه السلجوقي، والخلفية يومئذٍ أبو جعفر القائم بأمر اللَّه، والوزير أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق نظام الملك، يطلب العون فأرسل إليه السلطان سبعة آلاف فارس على رأسهم أكسك سالار فحاصروا القرامطة بالأحساء وشددوا عليهم، فطلبوا الصلح، وقدموا الرهائن، ثم نقضوا الصلح، فقتل أكسك سالار الرهائن وشدد عليهم الحصار، ثم ترك الأحساء بجيشه وأبقى مع عبداللَّه بن علي العيوني مائتي فارس على رأسهم وأخاه البقوش، ثم عاد أكسك سالار مرة ثانية بجيشه إلى الأحساء وفي طريقه إليها وافاه الرسول من أخيه البقوش بكتاب يذكر له فيه: أن القرامطة أرسلوا إلى قبائل عامر فجاءهم منها خلق كثير، وكانت الوقعة بيننا وبينهم بموضع يعرف بالرحلين، فقتلناهم حتى أدخلناهم القصر، فعند ذلك أذعنوا وذلوا، وطلبوا الأمان لأنفسهم فأعطاهم عبداللَّه بن علي الأمان وسلموا له البلاد.

وقال:

وسل بقارون هل فازت كتائبه

لما أتتنا وهل كنا لهم غنما

والشرسكية إذ جاءت تطالبنا

دم النفوس وفينا تقسم القسما

بيتان عندهما كانت رعيتنا

عوناً علينا ضلالاً منهم وعمى

ففرج اللَّه والبيض الحداد لنا

وعزة لم تكن يوماً لمن غشما

وأصبحت حاسدونا من قبائلنا

لحماً أقام له جزاره وضما

لكن عفونا وكان العفو عادتنا

ولم نؤاخذ أخا جرم بما اجترما

جاء في هامش نسخة دت برساد المطبوعة بالهند: وحديث القاروني وجيوشه الذين سار بهم إلى الأحساء يريد تملكها على عبداللَّه بن علي العيوني، وذلك أن ملكاً من ملوك العجم كان ببلاد قارون، فخرج يريد الأحساء في جيش عظيم، وكان قد سبق إليها ملك غيره في عسكر عظيم على طريق البصرة، وقدم أميراً إلى الأحساء قدامه، فأنزله الأمير بمنزل الكرام، وزين لهم ملك عمان فطلبوا منه الأدلال فأرسل إلى قوم من بني خارجة ممن يسكن الرمل الذي بين عمان والبحرين فجاؤوا، فقال: دلوا هؤلاء على طريق عمان، وأسر إليهم أن ينزلوهم على غير ماء في متاهة رميلة ثم إذا جن الليل ينسلوا من بينهم ويتركونهم هناك، فامتثلوا فذهبوا بهم حتى توسطوا في الرمل فذهبوا عنهم، فهلكوا عن أجمعهم ولم يسلم منهم إلا شخص واحد رجع إلى الأحساء، وهو لا يدري أين ذاهب.

وقال:

لو احتساها ابن الزبير اغتدى

أكرم من كعب وأوس بن لام

ابن الزبير: هو عبداللَّه بن الزبير بن العوام القرشي السدي، بويع له سنة 64هـ، فحكم مصر والحجاز واليمن وخراسان والعراق وجزءاً كبيراً من الشام، نشبت بينه وبين الحجاج بن يوسف الثقفي حروب انتهت بمقتله في مكة المكرمة سنة 73هـ. وعادت السيطرة لبني أمية.

قال ابن المقرب:

منا الذي ضربت حمر القباب له

بالمشهدين وأعطى الأمن وانتقما

لولا عياذ بني الجراح منه به

لصاحبت دهمشاً أو ألحقت دوما

في هامش نسخة دت برساد المطبوعة بالهند، يعني بالمشهدين: مشهد الإمام علي ومشهد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب ، وبنو الجراح: هم الأمراء المعرفون ببني ربيعة رهط سعيد بن فضل، ومانع بن جديثة، ومسعود بن بريك بن السميط، ودهمش بن سند بن أجود سيد عربة. والذي ضربت له القباب بالمشهدين هو الأمير محمد بن أبي الحسين أحمد بن أبي الفضل بن عبداللَّه بن علي العيوني.

وقال:

ويوم سترة منا كان صاحبه

لاقت به شامة والحاشك الرقما

ألفين غادر منهم مع ثمان ماء

صرعى فكم مرضع من بعدها يتما

سترة: في (مراصد الاطلاع 692): الستار (بكسر السين): ناحية بالبحرين ذات قرى كثيرة لبني عبدالقيس. وفي نسخة برساد المطبوعة بالهند: إن الأمير أبا علي الحسن بن عبداللَّه العيوني، وذلك أن الملك أبا كرزاز بن سعيد بن قيصر صاحب جزيرة كيش كان قد حارب بالبحرين وسار فسار إليها في المراكب حتى بلغ بالمراكب جزيرة أوال، فانحدرت من مراكبه الجموع بسترة. وكان أبو علي قد بعث أخاه الأمير أبا مقدم حين سمع بتجهيز أبي كرزاز وخلصوا بسترة مشى عليهم الأمير بمن معه فاقتتلوا فحمل عليهم الأمير حملة مهولة صبروا له فيها ساعة ثم انهزموا فضرب فيهم بالسيف حتى جمد الدم على كفه وعلى ذراع يده وعلى قائم السف فما تخلصت يده حتى سخن لها ماء وصب عليها فذاب الدم وانحل وتخلصت يده، ولم يسلم منهم إلا عدد يسير شردت إلى المراكب. فكان عدد القتلى من أصحاب المذكور أبي كرزاز ألفين وثمانمائة قتيلاً وأسر يومئذٍ نام سار أخو الملك أبي كرزاز، فلما أتى به إلى الأمير أطلقه وسيره إلى كيش.

وقال:

وجاءت بنو كعب بعبد مدانها

وطالت بزيد الخيل طي ونبهان

عبدالمدان: هو عمرو بن يزيد بن قطن بن زياد بن الحارث بن ربيعة بن كعب الحارثي المذحجي، من أشراف اليمن، ويضرب ببني عبالمدان المثل في الشرف والعزة وقد وفد ولده يزيد بن عبدالمدان على الرسول الأكرم في وفد بني الحارث، (الروض الآنف 2/ 347. والأعلام 4/ 297).

وزيد الخيل: هو زيد بن مهلهل بن منهب بن عبد رضا الطائي، من أبطال العصر الجاهلي، كان طويلاً جسيماً جميلاً، أدرك الإسلام وأسلم وسماه الرسول : زيد الخير، ومات في طريق عودته إلى نجد سنة 9هـ (ثمار القلوب ص78، الأعلام 3/ 101).

وقال:

وقامت تروم المجد لخم بمنذر

وعمرو ونعمان وحسبك نعمان

والمنذر: هو المنذر بن امرئ القيس الثالث بن النعمان بن الأسود اللخمي، المعروف بابن ماء المساء، من أعظم ملوك الحيرة. قتل يوم حليمة. وعمرو: هو عمرو بن المنذر الثالث بن امرئ القيس بن النعمان بن الأسود اللخمي، وهو المعروف بعمرو بن هند، استمر ملكه للحيرة خمسة عشر عاماً حتى هابته قبائل العرب، قتله عمرو بن كلثوم غضباً لأمه. والنعمان: هو النعمان بن أمرئ القيس بن عمرو اللخمي، ملك الحيرة من قبل الفرس كان شجاعاً داهية.

وقال:

فقومي الأولى أجلوا قضاعة عنوة

ودانت لهم كلب ونهد وخولان

كانت مساكن بني قضاعة بين جدة وذات عرق (بقرب مكة) وقد أجلاهم عنها العدنانيون فتفرقوا في الحجر ووادي القرى واستقر بعضهم بأطراف الشام ونجد، وكلب قبيلة ينسبون إلى كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن الحاف بن قضاعة، ونهد ينسبوب إلى نهد بن زيد بن ليث من بني الحاف من قضاعة، وخولان ينسبون إلى خولان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة.

وقال:

وهم فلَّقوا هام التبابع إذ طغت

يقر به وادي خزاري وسلان

كان يوم خزاري لمعد على مذحج، وخزار جبل ما بين البصرة إلى مكة، وكانت معد لا تستنصف من اليمن، ولم تزل اليمن قاهرة لها حتى كان هذا اليوم فانتصرت معد، ولم تزل لها المنعة حتى جاء الإسلام، ويوم السلان لبني عامر على النعمان بن المنذر اللخمي (أيام العرب، ص107 - 109).

وقال:

إليك كمال الدين عقد جواهر

أضن بها عمن سواك وأبخل

يقصر عن ترصيعها في عقودها

أخو دارم والأعشيان وجرول

أخو دارم: لعله يعني الفرزدق فهو من دارم، أو يعني مسكين الدارمي وهو ربيعة بن عامر، كان من أشراف تميم وشجعانها وشعرائها، توفي سنة 89هـ.

والأعشيان: أعشى قيس، ميمون بن قيس بن جندل الوائلي، أبو بصير، من شعراء الطبعة الأولى في العصر الجاهلي، وأحد أصحاب المعلقات، وأدرك الإسلام ولم يسلم، وكانت وفاته في السنة السابعة للهجرة. والثاني هو أعشى باهلة، عامر بن الحارث وهو جاهلي، أشهر شعره في رثاء أخيه لأمه.

وجرول: هو جرول بن أوس بن مالك العبسي، الحطيئة، أدرك الجاهلية وضرب في الهجاء بسهم وافر.

[1]  تودوروف، تزيفتان، اللغة الشعرية الشكلانيون الروس، نقد النقد، ترجمة د. سامي سويدان.

[2]  تودوروف، تزيفتان، العلامة، مجلة الفكر العربي المعاصر مركز الإنماء العربي، ع 20 - 21، ص67.

[3]  بركة، بسام، الإشارة الجذور الفلسفية والنظرية اللسانية، مجلة الفكر العربي المعاصر، مركز الإنماء العربي، ع 20 - 21، ص45.

[4]  ديوان أبي البحر، 47.

[5]  الديوان، ص95.

[6]  الصيرفي، نوال حمزة يوسف، النفوذ البرتغالي في الخليج العربي، الرياض.

[7]  لوريمر، دليل الخليج، قطر، ص18 - 19.

[8]  الصيرفي، نوال حمزة يوسف، النفوذ البرتغالي في الخليج العربي.

[9]  مايلز إس. ب. الخليج بلدانه - قبائله، عمان، ص156.

[10]  الفرج، خالد محمد، الشاعر المغمور الشيخ جعفر الخطي القطيفي، المنهل، س 10/ 14 (صفر 1369هـ)، ص90 - 98.

[11]  العبيد، عبدالرحمن، الأدب في الخليج العربي، دمشق 1957، ص17. نشر العبيد للجشي محاضرة تاريخية عن منطقة الخليج العربي في مقدمة كتابه..والكلام المقوس منها.

[12]  ذكر ذلك بعض المؤرخين وفي مقدمتهم الأستاذ محمد سعيد المسلم في كتاب "ساحل الذهب الأسود".

[13]  القديحي، علي بن حسين، أنوار البدرين، النجف.

[14]  حافظ صبري، التناص وإشارات العمل الأدبي، المقالات - ألف2- المغرب، ص77 - 102.

[15]  مصدر سابق.

[16]  مصدر سابق.

[17]  يقول محقق الديوان علي بن الحسين الهاشمي: إنه وجد مخطوطة في هذا الديوان في سوق الوراقين بإيران سنة 1360هـ.

[18]  مفتاح، محمد، في سيمياء الشعر القديم، المغرب 1403هـ.

[19]  الشيبي، كامل مصطفى، ديوان الدوبيت في الشعر العربي في عشرة قرون، بيروت 1402هـ.
كاتب - البحرين.
304701