(لساناً وشفتين)
شاعران سعوديان في أمسية للمنتدى الثقافي العراقي
التحرير - 23 / 3 / 2011م - 1:46 ص - العدد (14)

في لبنان في مقره ببيروت أقام المنتدى الثقافي العراقي في لبنان، أمسية شعرية للشاعرين حسن وحسين خليفة من مدينة سيهات بالمملكة العربية السعودية لمناسبة صدور مجموعتهما الشعرية الأولى "لساناً وشفتين"[1] ، حضرها عدد من المثقفين وممثلي الأندية الثقافية والملتقيات الأدبية في لبنان. تحدث للمناسبة الأستاذ علي البهادلي، والصحافي غسان عبداللَّه، ود. محمد الفرحان، والشاعر قيس الموسوي، والشاعر ناصر الحجاج، وكانت الكلمات كالتالي:

كلمة البهادلي

مع أن عنوان المجموعة الشعرية التي نلتقي حولها اليوم هي "لساناً وشفتين"، إلا أن المجموعة -كما يبدو- هي: لسانان وشفاه أربع..!

يصر الحسنان (حسن وحسين) خليفة على استكمال صورة توأمتهما البيولوجية في كثير من مفردات حياتهما السلوكية، في ألوان ثيابهما، في اختيار رفاقهما، في انتهاج طريق دراسي مشترك.. وفي غير هذا وذاك.. وأخيراً في إصدار مجموعة شعرية واحدة مشتركة من 43 صفحة تحمل اسميهما معاً، حتى إني تلقيت الديوان كهدية وجدت عبارة الإهداء مذيلة بـ"أخويك الحسنين".

وطفقت أقلب صفحات هذه المجموعة الشعرية، وصورة التوأمين ترتسم أمامي بين كل صفحة وصفحة من صفحات الديوان، بل بين كل سطر وسطر، حتى انتهيت من قراءتي الأولى للديوان دون أن أجد ما يسوغ للشاعرين هذا التوحد لساناً وشفتين سوى الرغبة في استكمال توأمتهما البيولوجية. على أن ذلك لا يمنع من الوقوف عند البناء الفني في قصائد هذا الديوان، كما عند الموضوع والمفردات.

على المستوى الفني لبناء القصيدة ينتمي كل من الشاعرين لمدرسة فنية تختلف عن مدرسة الآخر، حتى ليمكن التمييز بغير عناء ومن خلال بناء القصيدة بين نتاج حسن ونتاج حسين بغير الاستعانة بما جاء في الفهرس من الإشارة بنجمة لأشعار حسن وبإشارة نجمتين لأخيه حسين، الذي تجاوز أخاه بعدد القصائد.

على مستوى الموضوع، الموروث يؤرق الشاعرين خليفة، هذا حسين يستنجد بالموروث في غير قصيدة من قصائده، في قصيدته "انتظار طوعى" يستحضر حسين بيت اللَّه والطواف والحسين وطوعة، تلك المرأة الصالحة التي تنتمي لقبيلة من قبائل الكوفة حيث آوت تلك المرأة الكوفية سفير الحسين مسلم بن عقيل الذي يطارده الجلاد، يقول:

وخاطري يطوف/ يطوف حول البيت علَّ مسلماً

يخرج لا يُذْبَح لا تكون كربلاْ

ويخذل الحسين (…)

إلى أن يقول: بل مثل طوعى حين آوت ضيفها في البيت ومثلها حين سقته شربة من ماء/ وقرَّعت وليدها تنتظر الإمام

وفي قصيدة "استصحاب" يبلغ شغف الشاعر حسين بالموروث أن تجد كل الكلمات هذه القصيدة ما يؤكد هذا الشغف، يقول:

لكل أناسٍ سادةً طار عزّهم

وفي شرعة الإسلام كلٌّ معزّزُ

بلال وعمّار وسلمانُ فارس

بما جاهدوا طيب الكرامة أحرزوا

تراث علي من له مثل بعضه

تصدّر للعلياء والأمر أحمزُ

ومع أن حسين يؤرقه الموروث ويخيم بظلاله على كثير من أبياته الشعرية، إلا أن حسن وإن كان يلجأ للموروث أحياناً إلا أن قراءة بعض قصائده نلمس فيها ميلاً نحو الجديد، وإن كان يجد في هذا الميل أنه قدر مفروض عليه:

قَدَريَ أن أترحَل عن إرثي/ أتكفّن بالصمت وأحمل نعشاً يحمله نعلي يتفحص في لغة القطعِ/ عن همزة وصل واحدة/ عن همزة وصلي

والمعنى نلمسه أيضاً في بعض أبيات قصيدته "نزيف" يقول:

سرتُ يحدو غُبشَتِي الأملُ

كُوة في اليأس تشتعل

أحرث الأيام علَّ غداً

مجدباً بالعشبِ يكتحل

ومع هذا الجهد في حرث الأيام بحثاً عن غد مجدب يكتحل عن غد مجدب أمام عيني حسن بالعشب، تستولي الغربة هما قاتلاً عليه حتى ليجد في الغربة في كل أرض يطؤها، وحيث في كل دار محبس ومعرة:

وإن اكتهالي غربةً وتقوسي

على أم رأسي غاي ما اتحمّلُ

والغربة التي يتحسسها حسن خليفة هي إقصاء عن موطن قدمه.. ومسقط نخلته، وقربه أمه التي يظمأ في ضفتها، وتبلغ قمة الوجع لدى الشاعر في الغربية حين تكون غربته عن بعضه.. عنه. والذي يقرأ قصيدته "إقصاء" يقف على هذه المعاني بوضوح وشفافية، وفيما تستولي الغربة على حسن، نجد أخاه الشاعر حسين يغرق في صمته:

هكذا كن صامتاً لا تتكلم/ روضة الصمت كعبق الورد كالأنجم واليم

مات في الحرف بريق الحرف.. طعم الحرف.. لونُ الحرف.. والدمّ

هكذا كن صامتاً لا تتكلّم/ هكذا صلّ مع الكل السكوت

والإمامُ الحبر يتلو كلمات الصلوات/ تتذوق لذة الصمت.. ودفء الملكوت

تبقى هناك المفردات التي يستخدمها الأخوان خليفة، لا سيما تلك المفردات القريبة من المصطلحات الفلسفية والفقهية، والتي تبدو واضحة في أشعار حسين، وكأنك تقرأ للفقيه العربي الكبير محمد سعيد الحبوبي ورهطه، والتي أتمنى أن يتاح لي مجالاً آخر للحديث عنها، وعلى ما في محاولة الظهور بلسان واحد وبشفتين اثنتين، لكني أتساءل عن سر هذا الإصرار في الظهور بصورة التوأمين شكلاً.. وهماً.. وخطاً.. وقصائد، فيما وجدت حين قراءتي للمجموعة: لسانين اثنين وشفاه أربع…

كلمة عبداللَّه

"لساناً وشفتين" الصادر عن دار المحجة البيضاء في (44) صفحة من القطعة الوسط لمؤلفيه التوأمين حسن وحسين خليفة… وهو أول عمل شعري مشترك ينشر لهما.. هو تجربة تدعو أكثر من شيطان شعر ناقد ونذراً من ملائك النقد.. لست أبالغ أن قلت.. أنا اليوم مصاحب لملائك الشعر.. وعليه سأبدأ طقوسي مع هذه التجربة.

الغلاف -بداية- يشكل لوحة سوريالية متآلفة مع مضمون الكتاب.. وتجمع مقاطع من كل قصيدة بأسلوب ينم عن أن مصمم الغلاف الأستاذ محمد ماجد قد قرأ الكتاب ورسم غلافه انطلاقاً من فهمه للنص الشعري وروح الشاعر الذي تسكن أي فنان. الشاعر "مكتشف" وهذه الصفة ينبغي أن تضاف إلى أسماء الشاعر، وبما أنه مكتشف، فهو لذلك يتقدم دائماً على هيئة جرح.. أو شهيد..

وليس كل مكتشف بشاعر!!.. ومن هنا يأتي سيف النقد كي يفرِّق بينهما.. هل ثبتت ثنائية الشعر المتوأمة في حسن وحسين "أمام تهاويم السراب؟!" هل أطلق شاعرنا أصواتاً حادة على شكل صراخ في وحدتهما الشعرية كي تنفر منها بعض الأرواح الشريرة؟!.. نحن نعتقد أن هذه الثنائية المتوأمة حملت المجموعة الشعرية الأولى إلى مفاتن سوداوية في أعمال حسن.. ومن ثم إلى واحة نائية من الترقب والانتظار في أعمال حسين..

ربما كانا متذرعين في معظم ما ورد على صفحات الكتاب بالسكينة.. بل كانا يدعوان الصمت.. السكوت.. ولكن ليس أمام المحاسن والمقابح المقنعة بالحُسن.. وإنما أمام شيء مبهم لم يذكراه قط!! وكيف لا.. ونحن نقرأ في روضة الصمت.. "روضة الصمت!!" هكذا.. كن صامتاً لا تتكلم؟!

هنا.. لساناً وشفتين يصبح ذا معنى مغاير لما قد يستوحيه بعضهم لأول وهلة.. فاللسان والشفتين حاستان للنطق والتفوه.. ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ.. أعمال التوأمين دعوة واضحة للسكوت.. وإن كنا نظن من قبيل "حسن الظن" أن ما قد يرميان إليه هو "الحكمة" التي تتطلب قدراً قليلاً من الكلمات لتكون بليغة "إنما يسمى البليغ بليغاً لابتعاده عن الحشو.. والتعبير بالقليل عن الكثير".. هكذا نظن!! ولكن لابد من أن نقرأ بعض ما جاء في قصائد حسن وحسين (مع حفظ الألقاب):

في قصيدة "الخطيب":

قل حرفاً.. واسكت حرفين../ العالم يبتلع الورد.. يلتهم الشوك.. الوقت.. التوت..

وفي "روضة الصمت":

هكذا كن صامتاً.. لا تتكلم/ روضة الصمت كعبق الورد../ كالأنجم واليم..

(تجميل للصمت، ودعوة للتآلف معه، بل في روضته!)

مات في الحرب بريق الحرف../ طعم الحرف.. لون الحرف والدم

هكذا صلّ مع الكلّ السكوت../ تتذوق لذة الصمت

في قصيدة "إقصاء" لحسن: أتكفن بالصمت.. وأحمل نعشاً يحمله نعلي

أو: يتفحص في لغة القطع.. عن همزة وصل واحدة../ عن همزة وصلي.

في "مساءلة السامري" لحسن: أقصر القول.. ويا قلب تمهَّل

"نزيف" لحسن أيضاً: واحتباس الحرف في شفة هكذا.. بعد هذا الاستعراض.. نتساءل عن أغراض الشعر لدى الشاعرين.. قد يكون (كلما قلنا) السكوت فلسفة.. لكن في بعض المواقف.. وليس كلها.. ومن باب التساؤل: هل هناك عداوة بين التوأمين والكلام؟! وأي الكلام الذي يمكن أن يكون حميماً -نوعاً ما-؟! ويأتي الرد مشوشاً في عملية إيحاء قد لا تكون مقصودة من قبل حسن خليفة في قصيدته "شدة حمودي".

وحمّودي يشدّ الكلمة../ يبدع الحرف طفوليا

ويرمي لغة الأعراب خلف المعجمه

وحده يملك صكّ اللغة الفحصى../ ينقر الصمت ولا يبلغ جوع الأسئلة

ثم يطوي شمسنا طيّ سماط البخلاء../ كلَّ يوم بسكوت!!

هل لغة الأطفال هي التي ينبغي إتقانها؟! وهل الوحيدة التي يجب أن تنطلق وتصمت باقي الأفواه؟!.. هل على الكبار أن يسكتوا؟! وفي أي حيز؟! هل هي دعوة على قاعدة قل خيراً أو فاسكت؟! إذ إن ما دون الصغار محكوم سلفاً بقول غير الخير.. ولذا.. هكذا كن صامتاً لا تتكلم؟!

أي أن كتاب "لساناً وشفتين" أصبح رمزاً للشكل (شكل اللسان والشفتين) بحيث يصبح وجودهما في تقاسيم وجه المرء من كماليات جمال الوجه!!.. أنا هنا أقترح تسمية العمل الشعري "روضة الصمت".

المتعة الفنية موجودة.. ولكن في حيز ضيق.. مع تأكيدنا على عدم خلوها من جمال التعبير وروعة الكلمة.. ومنها ما جاء في قصيدة "نزيف":

سوَلت رجلّ له فمشى

"كنغراً" في حضنه الفشل

لاجئ للكهف محتطب

طيفهُ والخاطبُ الأملُ

وما جاء أيضاً وبشكل بليغ وعميق في قصيدة "انتحار":

أكلوا الديك وبيض الديك.. بيض الديك!!/ في أحضانهم باض الجراد

حيث في هذه الإجابة بلاغة تدعو إلى التفكّر..

لكن إذا ما التفتنا إلى العناوين نجد أن الإحباط واليأس والخيبة كلها لا تزال تسكن قصائدنا الحديثة..

فعناوين حسن هي: انتحار، إقصاء، نزيف، غربة، شيخوخة الروح. وعناوين حسين لم تكن إلا حلبة انتظار: الخطيب، روضة الصمت، مساءلة السامري، انتظار طوعى، نشيد الانتظار، كشف الانتظار، غريب الانتظار.

إننا نرى تجربة لساناً وشفتين هي تجربة لها فرادتها، لكنها تحمل نكهة معظم القصائد الصفصاطية (أي مكسورة الخاطر)، القصائد العربية التي تراوح بين الرثائيات والغربة في الأوطان وعن الأوطان.. والصمت والانتظار.. أو ربما أكون في قراءتي كمال قال حسن في قصيدته "إقصاء":

لا أفهم معناي../ أم لغتي في البئر ضحية إخوتها..

فأكون بأنياب الذئب../ ما بين ذئاب الأنس/ وأوصد بابي..

ترى هل يستعيض حسن خليفة بلغة أخرى غير لغته.. تلك التي ليست بين أنياب ذئاب الأنس.. ولا يوصد بابه.. ربما عليه أن ينتظر كما حسين.. ليطلعا بقصائد للزمن الآتي تحمل معنى الخصوبة والحياة..

كلمة الدكتور الفرحان

في البدء: سؤال: ماذا يقدم لنا منهج الإحصاء الثقافي منكشف فيما يخص هذه التجربة الشعرية؟ فحسب أن من الضروري القول تمهيداً لضبط نتيجة العملية الإحصائية الثقافية للديوان، القول أن أغلب التجارب الشعرية التي صدرت في دواوين تحمل عناوين نلحظ أن الشاعر يختار عنواناً للديوان هو بحد ذاته عنوان قصيدة من قصائد الديوان، مما يضع هذا الاختيار الدارس أمام التساؤل: هل هذه القصيدة هي التي تثمل الديوان، وبذلك تكون الخميرة الشعرية ونقطة الجذب وأرصف التوحد الشعري لمجمل القصائد التي ضمها الديوان؟ أم أنه فعل لا واعي من قبل الشاعر لشطب فعل القصائد الأخرى.. وأن الديوان هو ديوان القصيدة الواحدة التي حملت العنوان، وأن القصائد الأخرى في الحقيقة تطلب حضورها بجوارها تقدماً ومتابعة ضرورات الحجم من الأوراق التي يتطلب فعل نشر ديوان؟ إنها أسئلة مشروعة تقف بوجه كل ديوان اختار قصيدة له من قصائده وانتخب عنوانها عنواناً للديوان بأكمله.

بعد هذا المهاد نتساءل: هل سجلت هذه التجربة في اختيار العنوان حضور في نص "لساناً وشفتين"؟ وإذا كان الجواب بالسلب، فماذا نرى في الديوان؟ حقيقة أن القراءة الإحصائية للديوان تحملنا على القول: إننا لا نجد في الديوان قصيدة حملت مثل هذا العنوان، إلا أن عملية الإحصاء توجهت نحو صوب آخر فكانت البداية سؤال: هل إن عنوان الديوان "لساناً وشفتين" عنوان مشروع فيه إمكانية للتعبير الدال على قصائد النص الشعري؟ في الحقيقة نذهب -وهذا مجرد رأي- أن اللسان أداة من أدوات النطق والذوق، وهنا تؤكد نطق الشعر وتذوقه، والشفتين هما كذلك من الأدوات التي تشارك اللسان في أداء عملية النطق وإكمال عملية التذوق.. والنطق كلام والشعر كلام تتصاعد فيه درجات التذوق والذائقة الشعرية، ومن هنا نحسب أن الاختيار فيه على قدر ما نوعاً من القبول.

ماذا تقدم لنا عملية الإحصاء الثقافية من دالات حسابية لقصائد النص "لساناً وشفتين"؟ إنها تقدم لنا الحقائق الآتية:

أولاً: كتب الشاعر (حسن الخليفة) من قصائد الديوان القصائد الآتية: انتحار، إقصاء، نزيف، غربة، شدة حمودي، جدتي، شيخوخة الروح.

ثانياً: كتب الشاعر (حسين الخليفة) من قصائد الديوان القصائد الآتية: الخطيب، روضة الصمت، مساءلة السامري، انتظار طوعى، نشيد الانتظار، كشف الانتظار، غريب الانتظار، استصحاب.

ثالثاً: الدالة الحسابية من ناحية عدد القصائد التي أنتجها قلم الأخوين فهي لصالح (حسين خليفة كما أشار الأخ البهادلي غير أن هذا الأمر ظاهري إلا أن التعادل في الإنتاج الشعري واضح محسوم لصالح الأخوين، إذ لا تجربة راجحة على تجربة أخرى، ولا عين راجحة على حاجبها كما يقول المثل السائر.

ماذا تقدم لنا عملية الإحصاء الثقافي من دالات ونحن نثابر في التحليل لعينة من قصائد النص؟ إنها تقدم الدالات الإحصائية الآتية:

أولاً: يلحظ المراقب وهو يقرأ عناوين قصائد الشاعر (حسن) تردد الألفاظ الآتية: انتحار، إقصاء، نزيف، غربة، وحتى قصيدة "جدتي" و "شيخوخة الروح" فإنهما تحملان معنى التصرم والثلاثين والتقدم بخطوات متسارعة نحو الاندثار والموت، بل وحتى قصيدة "شدة حمودي" فقد شكلت مونولوجاً درامياً فيه روح العزاء واللوعة.

ثانياً: نلحظ عناوين قصائد الشاعر (حسين) تردد لفظة "انتظار طوعى"، "نشيد الانتظار" و "كشف الانتظار" و "غريب الانتظار"، وحتى قصائد مثل "الخطيب" و "روضة الصمت" و "مساءلة السامري" و "استصحاب" فإنها قائمة على الانتظار، ولهذا نقول إن هذه القصائد شكلت أناشيد الانتظار والأمل، وإذا طال الانتظار والأمل، وهذا هو ما حدث فعلاً، طوت الخيبة قاموس القصيدة وظل الانتظار هو الناموس السائد، وربما نحن نغذيه والقصائد فعلت هذا ليظل انتظار ومحض انتظار.

ثالثاً: الدالة الإحصائية على التحليل: ألم متوارث وظلم وعدوان مهيمن على الحياة وتاريخ ثقافي تسكنه المذابح وصورة الجلاد وسوطه مرفوع يعيش معنا في اليقظة ويراودنا في الحلم زائر ثقيل يهدد ويتوعد، فكيف تكون القصيدة إلا نسيماً يجمع كل ذلك في بناء ينز بالحزن والنزيف والانتحار والترقب والانتظار للحظة يظهر فيها الدجال ليصل الظلم إلى أعلى درجاته وانتظار لحظة الخلاص في إقامة العدل والإنصاف.

ماذا تقدم لنا عملية الإحصاء الثقافي من دالات كشف عن حجم حضور العقيدي المقدس والتراثي - الإنساني في مركب قصائد الديوان؟ إنها تقدم لنا الكشوف الآتية:

أولاً: حضور العقيدي المقدس، يكاد يهيمن حضور العقيدي المقدس على تجربة الشاعرية، ولو أردنا وضع قاموس تتبع فيه مفردات العقيدي لوقفنا على الصيغة الآتية:

بدءاً بعنوان الديوان "لساناً وشفتين" والحقيقة أن حضور الآي القرآني كان واضحاً، والدليل الشاهد على ذلك الآيات القرآنية من سورة البلد: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ.

في قصيدة "الخطيب" كان للعقيدي حضوراً في الخاتمة حيث يقول الشاعر:

تتقيأ أضلاع قتيبة/ يوم الجمعة في الحرمين

وفي قصيدة "روضة الصمت" لاحظ الحضور العقيدي وطقسه، يقول الشاعر:

-والإمام الحبر يتلو كلمات الصلوات-

تتذوق لذة الصمت، ودفء الملكوت

وقصيدة "إقصاء" تلحظ مناخها الشعري مستلهم لقصة يوسف بشكل واضح ورائع، والحال كذلك في قصيدة "مساءلة السامري" وكذلك في قصيدة "الغربة" حيث يقول الشاعر:

مدارسُ آيات خلت من تلاوة/ ومنزل وصي…

ويتجسد الحضور بقصيدة "انتظار طوعى" وقصيدة "شدة حمودي" فقد تمثل الحضور للعقيدي في البيت الشعري:

وإمام الجامع الأكبر/ من بعد العشاء/ يخلع الجبّة كي يُلبسُها..

وكذلك قصيدة "جدتي" حيث يقول الشاعر: وكل التلاوة ياسينُ والفتحُ والفاتحة

ويهيمن العقيدي المفدى على مناخ قصيدة "نشيد الانتظار" هيمنة تامة، والحال بدرجة متفاوتة في "كشف الانتظار" حيث يقول الشاعر: سيخبرهم جبريل م اليومُ والشهرُ

وتتجدد الحضور للعقيدي في أجواء قصيدة "غريب الانتظار" حيث يقول الشاعر:

فيدفعهم شوقهم لانتظار الإمام يعدّون ما اسطاعوا من قوة ورباط الخيول. ومن ثم أخيراً في قصيدة "استصحاب" حيث يقول الشاعر:

فما دام قرآن وسيرة أحمد

وعترته فالنصر بالجد مُحرزُ

ثانياً: حضور التراثي الإنساني: سجل رموز الثقافة الإسلامية حضوراً قوياً في قصائد الديوان، وكان الحضور يتمثل للرموز التي شكلت مضماراً معرفياً وفكرياً معارض مع السلطة والسلطان، سلطة الثقافة وسلطة السياسة والمال، ولذلك أعادت القصائد مناخ المكايدة والمعاناة التي عاشتها الرموز الثقافية من أمثال التوحيدي والذي جاء كشف لمعاناته في قصيدته الديوان الأولى "انتحار" التي كانت مهداة إليه كما أحسب، وكذلك أجد أن قصيدة "إقصاء" قد سجلت حضوراً لمؤسس الاعتزال "واصل بن عطاء" وهو رمز العقلانية الإسلامية يوم ذاك، وأيضاً كانت الإشارة إلى "ابن حيان التوحيدي" وفي قصيدة "كشف الانتظار" إشارة واعية لحركة "الأرجاء" وهي من الحركات التي أسست؟؟؟ السلطة والتصالح مع الظالم، ونتحسس في قصيدة "غريب الانتظار" أجواء تجربة صوفية تتطلع للصعود إلى الطوابق العليا حيث ما أسمته القصيدة بـ"العلو الإلهي"! وشاركت قصيدة "استصحاب" باستحضار أجواء الرفقة الإسلامية المتمثلة بـ"بلال وعمار وسلمان" إنها قصيدة ونشيد الإصلاحية الطافحة بالبعد الإنساني الذي لا يعرف الحواجز والجغرافيا.

وماذا بعد؟ بعد سؤال: ما حصيلة هذا التطبيق لمنهج الإحصاء الثقافي على ديوان "لساناً وشفتين"؟ الحصيلة بيان ثقافي يكشف لنا حقيقة الديوان، وهي أن الديوان يكمن على درجة من الانفتاح على التراث بشكلية العقيدي والإنساني، انتهى بتكوين مركب كيميائي للقصيدة تجاوز في تجارب عدة بُعد القصيدة الفيزيائي.

إلا أنه في الوقت ذاته قد أغلق أبواب الانفتاح على الوافد الثقافي الذي يحمل معه سمفونيات ملونة نحن بأمس الحاجة إليها كتقنيات وجماليات ترفد القصيدة بإمكانية التفاعل مع عويل القصيدة، لينبت منه هارموني جديد فيه من جمالية السمفونية وعويل الجرس الموسيقي للقصيدة العربية.

كلمة الشاعر قيس الموسوي

من الغرابة أنك تقف أمام روح واحدة في جسدين منفصلين حسن وحسين. الشاعران التوأمان يمتلكان لساناً تتدلى منه قوارير عسل وحدٍ يشطر الصخر، وضيفتين يكتنزان النهر.

دبَّ المشيبُ وبعض الشيب للأجلِ

كناضح الماء من كوزٍ إلى وشل

وبعضُ يب يصيبُ الكوزَ ممتلئاً

وبعضه لاحتباس الدمع في المقلِ

إنك إمام جبل عالٍ من الرقي في اللغة خارج عن المألوف والمتداول، إن دل على شيء فيدل على البلاغة في مضمون النص الشعري وليس فقط الشكل الخارجي.

تصيبك الدهشة والتعجب أثناء التوغل في قصيدة "شيخوخة الروح" والتي أسلفت منها بيتين في الرصانة والإمكانية الخارجة عن التقليد، وغير المنجذبة إلى أي أسلوب معين لشاعر آخر، فثمة ما يميز حسن وحسين خليفة عن بعض الشعراء من الشباب في نسج القصيدة التفعيلية وجرها بزورق نحو جزر شاسعة تسلب الناظر، نظر. القدرة على الغوص في التربة أو التحليق بسماءات صافية.

امتلاك حسن وحسين خليفة صخور في التكوين والحداثة الشعرية وإمكانية عالية في الوصول إلى شواطئ نهر له في الصوت والضفتين ما يميزه في عذوبته.

ما الذي يجعلنا نفترش الجمْرَ

ونمتص فمَ الثعبان

في جُرْف الفراتْ..

لقد اتخذا من "حمودي" وهو النموذج الواضح من البراءة والصدق، والذي يجتاح عيوننا ليدخل إلى القلب بدون جواز سفر كسائر الأطفال هو مساحة شاسعة من الحنين الذي يضمره الشاعران انطلاقاً من "حمودي" في الغربة الواسعة إلى أرض الفرات.

إن هذه المساحة لدليل قاطع على مقدرة الشاعرين على اللعب بالكلمات غير المتداولة والمواضيع النادرة، لتكوين صورة شعرية جميلة. وما يثير الدهشة والغرابة أيضاً هو عدم الغوص أو الكتابة، الابتعاد الملحوظ، ابتعاد اللسان عن العزف على أوتار المرأة، وجودها، خصائصها، صفاتها، والأوقات التي تجمعنا بها لما لها من أهمية داخل الذات، وباستثناء قصيدة "جدتي" لخلت المجموعة من أية إشارة إلى المرأة.

مفهوم حسن وحسين خليفة بالمواضيع الملحة كالغربة والانتظار الطويل ساعد على سرقتهما وإبعاد همهما نحو المسائل الكبيرة كما حال دون البحث والتنقيب عن المرأة.

إن ما كتبه حسن وحسين خليفة في "لسان وشفتين" يقترب من أرضية الكلام القوي والجملة الطويلة الكاملة، كتابة تأخذ حيزاً واسعاً في رسم الصورة المراد الإبحار بها.

من المرجح أن قوة ورصانة الكلمة كما في قصيدة "نشيد الانتظار" والتي تم حياكتها بحرير من الكلام ستأخذ كما أزعم حيزاً كبيراً من الأهمية في قراءة ما يضمر حسن وحسين من مشاعر وأحاسيس والركض وراء طائر حمل الحقيبة والإمساك به بمعرفة عذوبة الكلمة وقوتها في رسم المشهد.

كلمة الحجّاج

وانتقد الشيخ ناصر الحجاج إخفاق الشاعرين في استخدام الرمز وتوظيفه بحيث فقدت قصائدهما طاقتها الكاملة، وإن كان يجد إيجابية في استلهام الرمز الإسلامي لتدعيمه في الوجود الشعري لدى شعراء المسلمين. وكانت مداخلة قيمة للباحث السعودي السيد حسين الماجد تحدث فيها عن الرمز والأسطورة ومؤكداً على قدرة الشاعرين على توظيف الأسطورة والرمز التاريخي على نحو يؤدي دوره في إيصال مقصودهما في ذهن المتلقي.

وخُتمت الأمسية بقراءات شعرية من المجموعة من قبل الشاعرين.

323500