زيف التاريخ
محمد سعيد الشيخ علي الخنيزي * - 16 / 10 / 2007م - 4:46 ص - العدد (44)
إنَّ زيف التاريخ منذ فجر الإنسان الأول حينما فتَّحَ جفنه تحت أضواء الكوكب المضيء، ودرج فوق كوكب الأرض، وتفتحت له عواطفه وأفكاره، واستعان على حياته بأدوات توصله إلى أمانيه، وذلك بفضل العقل الذي أودعه الله جوهراً فيه، وميزه بهذا الجوهر عن الحيوان، وجعل له نفساً ناطقةً تفكر وتعمل على ضوء تفكيرها، وعندما ملك هذه الحياة، وما فيها من ألوان النِعَمْ، التي تفننت طبائعها، وصورها، وألوانها تنعكس أمامه يتخير منها ما شاء.
بدأ هذا الإنسان يتمرد، ويزيِّف، وليس زيف التاريخ كان جديداً على هذه البشرية؛ بل منذ تمرد هذا الإنسان، وبدأ يغره شبابه وأيده، والنعم التي أسبغها الله عليه، ومن أفضل النعم، بعد العقل، هي نعمة القلم. القلم الذي يسجل كل خلجةٍ وفكرة تدور في تفكير الإنسان فيرسمها فكرة تتجسد في سفرٍ يقرأه أجياله، والأجيال التي بعده إن قدَّر الله لهذه الفكرة الخلود، فالقلم نعمة من الله على البشرية، وما أكثر نعمه على عبيده، فلو لا  القلم لضاع التاريخ وراء جدار العدم، ولُفَّتْ الحياة وراء المجهول، ولكنَّ هذا القلم الذي يستمدُّ من أضواء الفكر هو الذي حفظ لنا الحياة التاريخية والقرون الأُوَلَ، وما فيها من دروب ألوان الخير والشر، والجميل والقبيح، فنقرأ التاريخ بلهفة وشوق إلى أجيالنا بل القرون السابقة، فكأننا نعيش معهم على صعيدٍ واحدٍ إلا أنه - يا للأسف - أخذ بعض من يحمل الأقلام، ويسجلون التاريخ كسجل وثيقة فيها الأمانة والحرف المستقيم الذي يسير على الحقيقة الواضحة انحرفوا كل الانحراف عن الحقيقة، وصاروا يكتبون ما يمليه عليهم سلطان ذلك العصر أو ما يمليه عليهم العسجد الوهَّاج، أو العواطف، أو العصبية المذهبية، فأصبح تاريخنا الماضي مشوهة بعض صوره مندسَّةً في حروفه بعض الخرافات، وببعض الأكاذيب، كل ذلك في سبيل إرضاء شهوة المؤرخ، أو إملاء حياته بثروة زائلة، فالمادة هي التي أعشت الأبصار فحرَّفت التاريخ عن مساره الحقيقي، وليتنا انتهينا، ولم نواصل المسيرة الزيفية للتاريخ، ولا تنسى ما قام به  اليهود من دَّسٍ وزيفٍ في هذا التاريخ، فتمدد في حروفه كأطيافٍ يقرأها بعضنا كحقيقة واقعية في التاريخ، فالحاضر مرآة للماضي.
إنني أقرأ في بعض الإصدارات الجديدة، أو في الصحف العالمية، أو الصحف العربية والمحلية أو على شبكة الانترنت فأرى في تلك السطور حروفاً تكاد تخجل من كاتبها حيث أن كاتبها سجلها من حياة كاذبة كلها زيف، ولا أريد أن أعلق على ما أقرأه من إصدارات جديدة لبعض المعاصرين الذين كتبوا لعاطفتهم، وتعصبوا لأشخاصٍ سواءٍ كانوا نكرات أو مشاهير، ولكنَّ النقطة الحقيقة التي غطوا عليها هو إغماط أعلامٍ تركوا بصماتهم على صفحات التاريخ، فحاولوا دفنهم وراء جدران العدم، والنسيان إلا أنهم انتفضوا، فطمسوا محاولاتهم، وسطعوا شموساً تبدد الضباب الذي أراد ذلك المؤرخ أو ذاك الكاتب تكثيف هذا الضباب حول تلك الشخصيات لعاطفةٍ جامحة تَنْزُو به، ولكنه يبوء بالفشل، ويتبدد ذلك الضباب حيث من يصنع التاريخ وينشىء ما فيه من حركة تتحرك مع إشراقة الفجر، وتتجدد كتجدد الشمس للحياة لا نستطيع إغراقه في بحر النسيان إنَّ حركة التاريخ هي كالغربال عندما تتحرك يسقط من ذلك الغربال الزؤان، ويبقى الحبُّ ثابتاً، وليس جديداً هذه الميول الصارخة، أو العواطف الجامحة التي تؤرخ حسب ما تمليه على ذلك اليراع الخرع، فيجيء التاريخ صفحة مشوهة، قد طمست فيها الحقيقة، وغاب منها الإنصاف، ومات في حرفها الضمير، فإلى متى تصحو هذه الضمائر، وتتحرك وتكتب التاريخ من واقع الحقيقة لا من الزيف الذي يرفضه كل عاشق للحقيقة، وينشدها كل منشدٍ لضالته الضائعة حتى نقرأ صفحات تاريخنا بيضاء مشرِقة كضوء القمر وهو يتلألأ في مياه الغدير، ونعشق حروفه في تألقٍ ومحبة؟ نقرأها في لهفةٍ وشوق، وندرسها بتفكيرٍ واستقلاليةٍ حتى نعيش في استقلالية لا ترتبط بأفكارٍ مؤيدة، أو بعواطفٍ جامحة، أو ميول مستأجرة.
شاعر وأديب
323531