الحياة والسكان في شرق الجزيرة العربية
التحرير - 23 / 3 / 2011م - 7:58 ص - العدد (14)

(الكويت وجاراتها) و (الكويت كانت منزلي) كتابان مهمان للغاية فيما يتعلق بالكويت ودول الخليج العربي الأخرى خصوصاً للباحثين في مناطق شرق الجزيرة العربية… والكتابان من تأليف المعتمد السياسي البريطاني في الكويت هـ. ديكسون زوجته حيث كان من نصيبه الكتاب الأول وهي الكتاب الثاني مع مشاركة لها محدودة في (الكويت وجاراتها). والكتاب الأخير حوى الكثير من المعلومات والتفاصيل حول مناطق شرق الجزيرة العربية وسكانها، وبالخصوص منطقة الأحساء والقطيف التي زارها ديكسون أكثر من مرة للاتقاء بالملك عبدالعزيز. وتنبع أهمية ما يكتبه ديكسون في كونه أحد منفذي وصناع السياسة البريطاني في منطقة الخليج، حيث كان له موقع مهم في جنوب العراق المحتل تواً أثناء الحرب العالمية الأولى، كما أنه تولى المعتمدية السياسية البريطانية في البحرين، قبل أن يغادرها إلى الكويت. وقد عاصر ديكسون الأحداث الكثيرة والخطيرة، ومن بينها قيام الحرب العالمية الأولى، واستيلاء الملك عبدالعزيز على الأحداث حيث كان أول من التقى الملك بعد ذلك الحدث، كما أن ما كتبه ديكسون عن حركة الإخوان (نشأة ونهاية) وبالتفصيل سواء في كتابه (الكويت وجاراتها) أو في تقاريره العديدة التي حفلت بها وثائق وزارة الهند البريطانية تعد أهم تقارير على الإطلاق فيما يتعلق بالموضوع.

من هنا تنبع أهمية كتاب (الكويت وجاراتها) سواء من ناحية المادة التاريخية السياسية، أو من الناحية الثقافية والاجتماعية حيث حوى الكتاب كثيراً من القصص والحكايات والأساطير التي كانت سائدة بين القبائل، والتي كانت تشكل الذهنية وتصوغ تحركات الفرد.

هنا محاولة لاقتناص بعض ما له علاقة بشرق الجزيرة العربية.

أنقاض مدينة قديمة

في أوائل نيسان سنة 1942 دعيت وزوجتي لزيارة نائب رئيس شركة النقط العربية الأميركية ومديرها العام في الظهران. فسافرنا بسيارتين برفقة سالم المزين ومحمد بن طاهوس من عجمان. وكانت أقود سيارتي بنفسي وتصرفت كمرشد.

وكان أثناء وجودي في الظهران أن أخبرني القصة التالية الأمير محمد الماضي من مدينة الخبر القريبة.

قال الأمير محمد: "منذ سنة أو سنتين كان الملك متوجهاً لقضاء عمل في منطقة نائية على طريق مكة - الرياض، وكانت معه سيارة واحدة أما السيارات المرافقة فقد أمرت بأن تتبعه فيما بعد.

وحدث أن غرقت عجلات سيارة الملك بالرمل فنزل منها واستراح في ظل شجيرة "عرطا" فيما أخذ مرافقوه يحاولون أن يخرجوا السيارة من الرمل.

وتوجه بدوي عابر سبيل نحو الملك المسترخي في الظل وسأله الملك عن سر لهفته لمعرفة ذلك أجابه الرجل بأنه يود مقابلة الإمام الذي يمتدحه جميع الرجال والذي يقال عنه إنه يغدق العطاء على المسلمين.

وأضاف البدوي قائلاً: إن الملك يعطي قليلاً للأشخاص الذين يقابلونه وسط جمهور الناس ولكنه عندما يقابل الفقراء في الخلاء يعطيهم كثيراً ويقال إنه يعطيهم خمسة وعشرين ريالاً وأحياناً ثلاثين ريالاً.

وأجابه الملك قائلاً: يا صديقي إذا كنت تصر على معرفة الحقيقة فإن الإمام سبقنا، أما نحن الذين ترانا هنا فلسنا سوى خدامه وسنلحق به حالما نخلص من هذه الورطة.

وقال له أيضاً: إنه (أي الملك) لكونه مسلماً تقياً يخاف اللَّه ويرغب في عمل الصالحات فإنه سيعطيه خمسة وعشرين ريالاً من جيبه ومبلغاً مماثلاً باسم الملك الذي يعمل في خدمته.

وأشرق وجه البدوي فجأة ثم أمسك بيد الملك وانحنى وقبله في أنفه وقال: السلام عليكم يا عبدالعزيز.. الآن عرفت أنني أخاطب الإمام نفسه!"

وبفضل نائب رئيس شركة النفط العربية الأميركية ومديرها العام تمكنا في طريق عودتنا من الظهران من زيارة جبل البحري في جبيل وأنقاض مدينة تاج القديمة في وادي المياه بأواسط الأحساء، وقد تم بفضل خدمات مرشدهم العجماني خميس بن رمضان الذي رافقنا وأعادنا سالمين إلى الكويت.

وجبل البحري هي تلة من اثنتين قرب مدينة جبيل الساحلية الصغيرة والمعروفة بين العرب باسم عينين. وللبدو هناك حكايات كثيرة عن وجود كنز ثمين مخبأ في باطن جبل البحري. ووجدنا هناك صخرة كبيرة ملساء نصبت عمودياً حفر عليها بعض الكلام، ولما تقدمنا لدراسة الكلام المحفور على الصخرة وجدنا أنه من الصعب رؤيته واستنساخه لأن صخرة كبيرة قد سقطت فوقه من الأعلى، ويقال إن الكلمات الآتية محفورة على الصخرة:

من الجبل البحري

إلى الجبل البري

حمل سبعة جمال

في سبعة أيام

أمانة اللَّه واحدة

وفوق هذا الكلام المحفور جيداً في الصخرة يوجد ثقب مربع ضلعه ثماني عشرة بوصة وينتهي بثقب بحجم قطعة نقود صغيرة، ويقولون إنه يمكن الحصول على قطن أو صوف مطيب من الثقب الداخلي بواسطة قضيب حديدي رفيع بواسطة سلك طوله قدمان معقوف الطرف.

وبدل أن نسلك الطريق القصيرة المباشرة إلى الكويت عبر أبو حدرية لدى مغادرتنا جبيل، اتجهنا غرباً وسلكنا طريق الرياض الذي يقطع صحراء الدهانة في أم عقله أو معقله كما تسمى عادة.

وأول واحدة صادفناها هي الهنات حيث تقيم هجرة للإخوان من قبيلة العوازم. وإلى غرب القرية كانت تبدو آثار أنقاض وكانت الآبار مبنية من حجارة كبيرة مقطوعة جيدة تدل على حضارة قديمة.ولاحت لنا في البعيد باتجاه الجنوب الغربي تلة غريبة مسطحة الرأس ومربعة الشكل تقريباً، أخبرنا مرشدنا بأنها تدعى القويديات وهي تبعد أربعة أميال إلى شمال غربي تاج.

كان الوقت قصيراً فلم نمكث طويلاً في الهنات. ووصلنا إلى تاج في الخامسة والربع مساء فكان لدينا ثلاثة أرباع الساعة نشاهد فيها المكان قبل غروب الشمس. وفيما كان الخدام والسواقون ينصبون الخيام بالقرب من بئر في حقل من الشعير، تجولنا نحن بين الأنقاض.

وفي تاج أيضاً تقيم هجرة للإخوان من العوازم. وكانت غالبية البيوت شيد بعضها بحجارة من الأنقاض والقسم الآخر بني من الطين مهجورة في ذلك الوقت من السنة لأن أصحابها لا يقطنونها إلا في الصيف. ولكن بعض المزارعين يقيمون هناك بصورة دائمة ويزرعون بعض المواسم.

لقد بنيت القرية على حافة سبخة كبيرة ولكن الأنقاض تتعدى القرية إلى الشرق وتغطي مساحة قدرها ميل مربع. وعلى سلسلة تلال واطئة إلى الجنوب الشرقي عبر منخفض فيه بئر أو بئران كانت هناك عدة مرتفعات صغيرة قال مرشدنا إنها تضم مزيداً من الأنقاض ولكننا لم نزرها.

كانت الأواني الخزفية المحطمة في كل مكان. وكانت كميات من هذا الحطام تغطي أربعة تلال إلى الشمال الشرقي من المدينة. ويبلغ ارتفاع هذه التلال حوالي أربعين قدماً وربما كانت قبوراً لشخصيات مهمة أو أماكن لتقديم التضحيات.

وكان واضحاً أن بعض أجزاء القرية هي بقايا مدينة قديمة. أما البعض الآخر فقد شيد بحجارة جمعت من الأنقاض. كانت الإطارات المغلفة والعارية تشكل جدران المنازل أما الجدران التي بلغ ارتفاعها أربعة أقدام عند طرف القرية فكانت بقايا جدران أساسية. ومن الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي وفي خط يشكل زاوية قائمة ليسير في محاذاة وادي المياه توجد أساسات سور طويل قديم سماكته 20 قدماً وحوله بقايا خنادق للتحصين. وداخل هذه الحدود الأصلية للمدينة توجد أساسات عدة منازل انتثرت حولها حطام أوعية خزفية.

وإلى جنوب القرية كان هناك ما يبدو أنه قبور. وكانت تظهر قرب السطح مداميك سميكة من الحجارة المنحوتة تشكل ثلاثة منها قبراً في بعض الأحيان. وفي أماكن أخرى شاهدنا حجرين فقط. وهناك أيضاً رأينا إطاراً كبيراً طوله خمسة أقدام نحت جيداً ووضع في مكانه بطريقة هندسية. ومن إحدى الجهات وعلى مسافة قدم من القمة حفر فيه ثقب عرضه ثلاث بوصات مما يدل أن الإطار وضع في مكانه بواسطة حبال أدخلت في هذا الثقب. ولم تكن عليه أية نقوش كما أننا لم نجد نقوشاً على أي حجر آخر.

وشاهدنا في جدران المنازل قطعاً رائعة من الحجارة وضعت أفقياً مما يعني أن أية نقوش عليها أصبحت مغطاة. وكانت جدران الحدائق وحجارة الآبار في شمال شرقي القرية منحوتة في معظمها. وتجر المياه من الآبار بواسطة الحمير وكانت هنالك مقبرة صغيرة في الوادي إلى شمال شرقي القرية.

ولم نلتقط أية أدوات صوانية من بين الأنقاض. وكانت الأواني الخزفية المحطمة المنثورة هنا وهناك ذات ألوان مختلفة منها الأحمر القاتم المائل إلى السواد والرمادي القاتم والأحمر الفاتح مع لمعة من الداخل بلون الزبدة أو لمعة سوداء من جهة واحدة فقط. وكانت هنالك قطع من قوارير كبيرة ذات زخارف مماثلة عند الرأس. واسترعى انتباهنا شيئان مربعاً الشكل لكل منهما أربعة قوائم قصيرة أظن أنها كانت تستخدم لحرق البخور فيها. وقد عثرنا عليهما مرتفعين بجانب خيامنا. وكان أحدهما من الخزف الأحمر المائل إلى السواد أبيض اللون من الداخل ولا توجد عليه أية زخارف. أما الآخر فكان محطماً وهو من الخزف الأحمر عليه رسوم حول الرأس وعلى القوائم. وعثرنا بين الأنقاض أيضاً على عدة قطع صغيرة من المعدن أصبحت خضراء اللون مع مرور الزمن. ووجدنا على مرتفع بجانب خيمتنا رأس فأس من الحجر ومخرزاً حجرياً.

ولم نحاول دخول القرية لأن أهليها قوم متطرفون. ونظراً لضيق الوقت لم نتمكن من تفحص الأماكن المحيطة بها بدقة. وعلى كل حال لا يستطيع أحد الحصول على ترخيص للقيام بحفريات بين الأنقاض في المملكة السعودية ولكن مجرد حفر بسيط بين المرتفعات من شأنه أن يكشف أسرار تاج.

وبعد مغادرتنا المكان توقفنا قليلاً عند التلة المسطحة المسماة القويديات ولكننا ولكننا لم نتسلق إلى قمتها. ويبلغ ارتفاعها تقريباً ثلاثماية قدم ويبلغ طولها حوالي أربعماية ياردة. والأنقاض الوحيدة الظاهرة هناك هي بقايا سور ارتفاعه أربعة أو خمسة أقدام شيد عند منتصف الطريق في جانب التلة. ويبدو أن التلة نفسها كانت في يوم من الأيام مركزاً للمراقبة يحمي المسالك الشمالية إلى مدينة تاج، وإن المكان المحاط بالسور كان ملجأ محصناً تقاد إليه قطعان الغنم والماعز عندما يحدق بها الخطر.

مهارة الدكتور دايم

كان الدكتور لويس دايم الشهير الذي توفي في الولايات المتحدة عام 1953 عضواً بارزاً رفيع الشأن في الإرسالية الأمريكية في البحرين. وعمل فيما بعد مع شركة النفط العربية - الأميركية في الظهران إلى أن اضطرته أحواله الصحية السيئة للعودة إلى بلاده. وأثناء وجوده في الجزيرة العربية كان ينظر إليه البدو نظرة احترام ووقار في كل مكان، وكان من بين الرجال القلائل الذين كان يسمح لهم بالذهاب إلى الرياض بصورة مستديمة لمعالجة أفراد العائلة المالكة والمرضى البدو الذين كانوا ينقلون إلى العاصمة للمعالجة.

كان دايم في نظر البدو ساحراً عصرياً يستحق الثناء والمديح الذي كان ينصب عليه من جميع أنحاء عالم البدو الرحل الذين لم ينفكوا لحظة عن التحدث بمآثره وعطفه ومهارته وقدرته على الشفاء. وليس ذلك أقل ما في الأمر لأن البدو الذين يتجاوبون بطبيعتهم مع العطف والإحسان ويحاولون المقابلة بأضعاف الأضعاف، قد نشروا في القريب والبعيد قصصاً وحكايات فيها الكثير من المبالغة يقصد بها رد الجميل للرجل الذي ساعدهم وشفاهم من أمراضهم الغربية.

ففي 27 تموز سنة 1943 جاء عبدالرحمن بن ماضي الأمير السعودي في أبرق الكبريت (أو الجوف) بشمال الأحساء ليرد لنا في الكويت الزيارة التي قمت بها وزوجتي له في الأحساء في أيار من تلك السنة. وأثناء مأدبة الغداء التي أقمناها على شرفه أخبرنا من جملة الأشياء القصة الغربية التالية عن الدكتور دايم:

ذات يوم كان الدكتور دايم في شقرا حيث جيء له ببدوي فقير بينه وبين الموت قيد شعرة. وقال رفاق البدو للطبيب: إنه يريد أن يموت لكننا أردنا أن نأتي به إليك لعلك تستطيع أن تفعل شيئاً من أجله.

وقام دايم بفحص المريض من كل جانب لم يجد أثراً لأي خلل عضوي فوضعه تحت المراقبة لعدة أيام ولكن جميع الجهود التي بذلها لتحسين حالته ذهبت هباء.

وبالنتيجة وجد دايم أن المريض لم يأكل شيئاً خلال السنتين الماضيتين سوى حليب الجمال وبعض التمور، فخطرت له فكرة بارعة. وسأل القصابين هناك عن الوقت الذي سيذبحون فيه جملاً وطلب منهم أن يقتطعوا له قطعة من الجلد الذي يغطي ركبة الجمل. وأخذ قطعة من هذا الجلد بحجم قطعة النقود وربطها بخيط رفيع وأمر المريض أن يبلغ القطعة نيئة ففعل وأخذ هو يرقب النتائج بعد أن تأكد أن طرف الخيط لا يزال خارج فم الرجل.

وبعد مضى أكثر من يوم أخذ دايم يسحب قطعة اللحم النيئ ببطء من وف الرجل فوجد كتلة من الطفيليات التي تعيش على بدن الجمال ملتصقة بها من النوع الذي يشبع من امتصاص الدم يصبح بحجم حبة العنب. وصاح الدكتور دايم وهو يشعر بنشوة النصر: هذه هي سبب علة الرجل.

ويبدو أن الرجل قد ابتلع هذه الطفليات وهو يشرب حليب الجمال فجاءت في موضع حيوي من أعضائه الداخلية حيث ظلت تعيش وتنمو فترة من الزمن فعندما دخلت قطعت لحم الجمل جوف الرجل تعرفت عليها هذه الطفيليات بالغريزة أو بحاسة الشم فأفلتت قبضتها عن جسم المريض وتمسكت بغذائها الطبيعي.

وشفي المريض تماماً.

إنني أذكر هذه الحادثة بدون تعليق لأنني لست أدري ما إذا كانت قصة حقيقية أو من نسج خيال البدو. ولكن الشيء المؤكد هو أن القصة انتشرت وصدقها الناس بحرفيتها -وقد شدد الأمير عبدالرحمن على هذه النقطة- لا سيما البدوالذين يحفظون الود والعرفان للدكتور دايم ومهارته الخارقة والذين يريدون من إخوانهم في كل مكان أن يعرفوا ذلك.

323499