مجتمعنا: نهوض يعتبر بالماضي
عبدالمحسن الشيخ علي الخنيزي * - 16 / 10 / 2007م - 4:51 ص - العدد (44)

«لا تندب حظك كالنساء.. ابحث عن أسباب فشلك واجتنبها. لا تكثر من اقامتك عند امرأتك أو في بيت أمك فالرجال لم يخلقوا للراحة»(1).
ان هذه الكلمات التي اطلقتها يوما ما «نورة» في وجه اخيها الملك عبد العزيز آل سعود حينما كانوا مقيمين في الكويت في ضيافة أميرها (1815 - 1901) تلخص الحالة النفسية التي سادت أجواء الاسرة قبل استعادة الرياض: اصرار، وتجنيد كل الطاقة في سبيل بلوغ الهدف. وكانت السيطرة على الرياض للمرة الاخيرة عام 1319 للهجرة بداية التجسيد العملي للحلم الكبير الذي طالما أرّقه في ليالي الكويت، حلم إنشاء الكيان الكبير. لقد أثبت احتلال الرياض واقعية ذلك الحلم في مخيلة كل من الأخوين: عبد العزيز ونورة، وشكل مكافأة لهما بالمفهوم السايكولوجي للتشبث بتلابيبه، كيف لا وهاهي تجربة مثله الاعلى، جده فيصل بن تركي ماثلة أمامه. أليس اذا انتخى قال: أنا ابن فيصل!.
* * *
شكلت قبائل البدو على الدوام الوجود البشري الوحيد المنتشر والمتحرك على صفحة صحاري شبه الجزيرة العربية وعلى تخوم واحات الخليج العربي ونجد والبحر الأحمر. وبسبب شح الصحراء والعادات المكتسبة عبر القرون، كان القانون الحاكم لعلاقاتها هو قانون الصراع الدموي، من أجل النهب والسلب: مرة فيما بينها وأخرى مع سكان الواحات.. انها القوى المقاتلة الرئيسية على امتداد أرض الجزيرة الواسعة لذلك لم يكن بامكان الامارات القائمة في الجزيرة والخليج أن تستغني عن دعمها وقت الحرب أو تمنع عنها العون المادي وقت السلم.
غير ان علاقة الملك عبد العزيز بالقبائل البدوية خلال العقد التالي لاحتلال الرياض (1319-1330 للهجرة) قد اتسمت بالريبة والقلق: «ان بوادي ابن سعود شردوا في وقعة الطرفية، ثم عادوا اليه. ومن عاداتهم أن يجيؤا ويروحوا، ان يحاربوا ويشردوا كما توحي اليهم النفس أو ترشدهم الحوادث<(2) و«لذلك كان ابن سعود يقدمهم في القتال ويدعمهم بالحضر، يحمي ظهرهم ليأمن انقلابهم وتقهقرهم»(3). وعليه قد لجأ مثله مثل كافة الامراء في جزيرة العرب الى تطبيق مبدأ الثواب والعقاب في حقهم بلانهاية: يكافؤهم مرة ويؤدبهم أخرى، يجزل العطاء لهم حينا ويحرمهم حينا، حتى قيض له أن يخرج من هذا النفق اللانهائي بفكرة عبقرية كانت نتائج تطبيقها على الارض، اخلال بالموازين العسكرية السائدة بين الأفرقاء لصالحه وبلارجعة، تلك هي: الهجرة، اي اقامة القبائل في هجر بهدف «تعليم البدو الدين، ونفعهم بأرض يحرثونها، والاستيلاء عليهم»(4). وفي الهجر أخذ الدين ينافس العصبية القبلية والاستشهاد والجنة يكبح الانتهازية والفرار من المعارك. «انهم اليوم لغيرهم بالأمس فلايشردون ولايتراجعون وقلما ينهزمون. انهم يحاربون حبا بالاستشهاد والجنة»(5). لقد أخذ البدو البسطاء والأميون يستقبلون تعاليم الدين (الدعوة السلفية) ويمارسونها عن طريق رجال الدين، وعقولهم وقلوبهم خالية تقريبا من أي منظومة دينية سابقة، فتشبعوا بها وحولوا العصبية القبلية الملجومة في داخلهم الى عصبية دينية، وغلظة البداوة وجفائها الى غلظة في الدعوة الى الدين، والروح المحافظة والانعزالية الى عداء للغير ولكل جديد... انهم الاخوان!
قبيل سنة 1337 للهجرة أثار الاخوان بلبلة واضطرابا بين بقايا البدو في الصحراء الذين لم يقرّوا في الهجر، والحضر في المدن والقرى على حد سواء: فالبدوي مشرك،ذبيحته حرام ودمه وماله حلال، ولابس العقال كافر»(6).
وفي سنة 1344 للهجرة عادوا معترضين باسم الدين أيضا على أمور كثيرة كان قد أخذ بها الملك عبد العزيز، من بينها: ارسال ولديه الى مصر ولندن، استخدام السيارات والتلغرافات والتلفونات وهي «آلات سحر»، العمل بالقانون، أخذ المكوس على البضائع المستوردة(7)..
 وقد واجه الملك عبد العزيز هاتين الأزمتين بلا ابطاء ومن الموقع نفسه الذي ينطلقون. فعقد في المرة الأولى (1337 للهجرة) مؤتمرا في الرياض حضره كبار الرؤساء والعلماء للنظرفي مزاعمهم وانتهى المؤتمر الى قرارات تفند تلك المزاعم ما لبثت ان أخذت طريقها الى التطبيق بحزم. وفي المرة الثانية وهي الأخطر، عقد الملك مؤتمرا في الرياض (25 رجب1345 للهجرة) حضره العلماء وزعماء الاخوان الا واحدا، وختم المؤتمر بفتوى أصدرها العلماء (8 شعبان 1345 للهجرة) الا انها لم تترك أثرا ايجابيا في نفوس الاخوان. و أمام استمرار تعنتهم اضطر الملك الى عقد مؤتمر «بريدة» (1347 للهجرة) لتهدئة ثائرة الاخوان، واخيرا مؤتمر الرياض الثاني (10 جمادى الاولى 1347 للهجرة) هادفا من ورائه «الى اجتماع كلمة النجديين واثارة حميتهم ضد الاخوان المتطرفين»(8). الا ان الاخوان لم يرضخوا واخذوا يحرضون على الملك ويعدون العدة للحرب حتى وقعت (وقعة السبلة) وهزموا ثم واصلوا الغارات الى أن قضي على حركتهم قضاءا مبرما.
وفي اوائل الستينيات الميلادية في عهد الملك سعود، افتتحت الحكومة مدارس للبنات في انحاء المملكة، فثارت ثائرة أهل”بريدة” وجاؤا الى الملك فيصل رافضين، وكان آنذاك وليا للعهد،الا ان القرار - بعد التحقيق - كان السير قدما في فتح المدارس وعدم الرضوخ للمعترضين.
تلك جملة حوادث او ردات فعل اجتماعية قوية واحيانا عاصفة تخللت التاريخ السعودي الحديث، انفجرت في وجه الحكم السعودي، وقد جوبهت بروية وحزم، وردت على أعقابها خائبة دون ان تتمكن من الحيلولة بين ركب التقدم ومواصلة المسير.
وعند تدقيق النظر نرى بوضوح ان المجتمع السعودي في أكثره هو ربيب البادية تضرب جذوره في الصحراء بما تعني من روح محافظة وانعزالية، كونتها عبر القرون ألفة الثبات واللاتغير و ألفة الصراع والقتال: ثبات الطبيعة المحيطة وتماثل مظهرها وجهاتها، وثبات موجوداتها، وثبات العادات والتقاليد المتوارثة، وثبات علاقات الصراع بين الجماعات القبلية. الثبات هو القانون الازلي والتغير مفردة نشاز لا يضمها قاموس الصحراء. من هنا كلما صدمت هذه الروح الانعزالية بالمختلف، بالآخر (بدوي الصحراء الذي لم يقر مع الجماعة في الهجر، ولابس العقال في المدينة) او صدمت هذه الروح المحافظة بالتغير، بالجديد (التكنولوجيا، العلاقات مع الخارج، ادماج المرأة في العملية التعليمية) ثارت واحتجت باسم الدين، محاولة تطويع تعاليم الدين مباشرة او مداورة كي تخدم نزعتها في الثبات ومعاداة التغير. وهل تملك مشروعية الاحتجاج بغير الدين!
وخلال عقد التسعينيات الميلادية اثيرت مسألة قيادة المرأة للسيارة غير مرة. بداية، وبعد حرب الخليج الثانية مباشرة، أثيرت عمليا باقدام مجموعة من النساء المتعلمات المتحمسات على قيادة سيارات أزواجهن في شوارع الرياض. ثم تكررت مناقشة المسألة في الصحافة السعودية بصورة موسعة كان آخرها على صفحات جريدة «الوطن» السعودية (الربع الأول من عام 2001م). وبقدر ما انبرى الكثيرون مؤيدين، انبرى آخرون معارضين من بينهم رجال دين. والمعارضة (والتحريم احيانا) تنصب على مخاوف وحجج متهافتة لاتصمد أمام الحس السليم. المعارضة تستند الى ابراز ماقد ينجم من تداعيات سلبية لقيادة المرأة للسيارة. وهل هناك فعل من أفعال الانسان، رجلا او امرأة، او مخترع من مخترعاته لا يتضمن الى جانب الايجاب احتمال السلب؟
نحن في السعودية (ودول الخليج العربية) وبسبب الظروف الطبيعية والتاريخية القاسية التي احكمت قبضتها على مقدراتنا ردحا من الزمان، اصبحنا خارج السباق الحضاري العالمي خلال العصور الحديثة، اذ انحصر همنا في تأمين اسباب الحياة اليومية، ومن اجل الالتحام بهذا السباق - وقد توافرت بين ايدينا ثروة مادية مهمة - لابد باديء ذي بدء من احداث تغيير جذري في نمط تفكيرنا يحوله الى تفكير نقدي وخلاق يتبنى ثقافة السؤال ويتحرر من ثقافة الجواب، ينحاز للتغير ويحذر الجمود، ينفتح على المفيد من الجديد ويسائل المعيق من القديم، هذا اذاكنا جادين حقا في اللحاق بالركب الحضاري المتسارع الخطى، علميا وتكنولوجيا وثقافيا واجتماعيا. وكي نجسد هذا التغيير في نمط تفكيرنا على الارض لا مناص من اللجوء الى سلسلة من التغييرات الاساسية على مستوى المناهج الدراسية والعلاقات داخل المدرسة والجامعة: تحديثا ودمقرطة، وعلى مستوى الاعلام: اطلاقا لحرية العمل الصحافي وحرية اصدار الصحف تحت مظلة القانون، وعلى مستوى الحكم: الفصل بين السلطات الثلاث , و على مستوى القضاء، تحديثا ومن ثم تعزيزا لاستقلاله، وأخيرا وليس آخرا ارساء سلطة القانون (المنسجم مع الشريعة) بوصفه مرجعية وحيدة في تنظيم العلاقة بين المواطن ومختلف السلطات، واخضاع المصالح الفئوية وكافة الاشكال والممارسات الادارية والمالية الحكومية الى رقابة مؤسسات المجتمع المدني التي مازالت تعاني عسر الولادة في الكثير من دول الخليج.
ان المهمة اذا الى جانب راهنيتها والحاحها، تتصف بالشمول والتعقيد، وليس بقادر على الاضطلاع بها في زمن قصير سوى ذلك النوع من القادة الذين يقترن اسمهم بـ«الاصلاح» فيعبدون كل الطرق امام مجتمعاتهم للانتقال من مرحلة تاريخية الى اخرى، انهم يضطلعون بدور تسريع عملية التطور، تسريع ولادات المستقبل المتتالية. ان هؤلاء القادة يتميزون برؤيا واضحة بالمستقبل الذي ينتظر مجتمعاتهم، وبجرأة كافية على الاندفاع نحو هذا المستقبل وعدم الاصغاء لأنصار الجمود والمراوحة في الزمن الواحد، لا يخشون في ذلك لومة لائم أو فقدان ود أو خسران تأييد واثقين بالله ان يعوضهم بتأييد آخرين هم تحديدا الاجيال الصاعدة في السعودية والخليج. وهم اذ يفعلون ذلك فانهم لايرجون من ورائه مكافأة سوى تقدم مجتمعاتهم وازدهارها. لذلك فانهم بالضرورة ينتمون موضوعيا لتلك الفئة من المثقفين التي تؤرقها هموم الوطن الراهنة ويستحوذ عليها الحلم بمستقبله.
وقبل الختام اقول ان بلادا مترامية الاطراف كالسعودية تضم اقاليم متنوعة، لا تعدم اختلافا فيما بينها في الوضع الاجتماعي/الثقافي الذي شكلته قرون من الانعزال ارتبط خلالها بعضها بهذه الدرجة او تلك بمركز ثقافي او اكثر من المراكز الثقافية الرئيسية المحيطة بالجزيرة العربية وانكفأ البعض الآخر على نفسه، ما يمكننا في الوقت الحاضر من ان نلحظ اختلافا نسبيا بين تلك الاقاليم وبعض المدن في مستوى النمو الاجتماعي / الثقافي وقابلية كل منها للتعامل الايجابي مع الجديد. وعليه فان اسناد اكبر قدر من المسؤوليات التنفيذية الحكومية ذات العلاقة بالاوضاع الاجتماعية والثقافية والتعليمية والاقتصادية الى المناطق (الاقاليم) من شأنه ان يحقق اشباعا لقابلية المناطق والمدن الواقعة في مقدمة الركب الاجتماعي، ومن شأنه تاليا ان يطلق المنافسة البناءة بين المناطق على كافة الاصعدة التي ذكرناها فتتحرر الطاقات الابداعية لكل منها وتتطور قابلية المناطق المتأخرة في الركب للدخول في الحوار مع الجديد بدل رفضه، والكاسب في النهاية نهر الوطن الكبير الذي سوف تغذيه المياه المتدفقة من روافد مختلف المناطق.
هوامش
(1) خير الدين الزركلي، شبه الجزيرة.
(2) أمين الريحاني، نجد وملحقاته.
(3)  المصدر السابق.
(4)  المصدر السابق.
(5) المصدر السابق.
(6) المصدر السابق.
(7) خير الدين الزركلي، شبه الجزيرة.
(8) حافظ وهبة، جزيرة العرب.

 

كاتب
307106