الثقافة والمجتمع
التحولات نحو المثقف الديمقراطي والهوية الوطنية الفاعلة
محمد حسين الحرز * - 16 / 10 / 2007م - 5:02 ص - العدد (44)

ماذا أعني هنا بالثقافة؟ وكذلك بالمجتمع؟ واو العطف أتكون ما بينهما مجرد رابط لفظي أم أنها وثيقة الصلة بما يدور حول هذين المصطلحين من كلام؟ وقبل هذا وذاك أيكون بالإمكان إدراك قيمة الأهمية في مناقشة المواضيع التي لها ارتباط مباشر بحياتنا اليومية على جميع الأصعدة والمستويات؟
كان لزاما عليّ أن أحشد هذه الأسئلة في يديّ، وأرفعها عاليا مثل قناديل كي تضفي على حوارنا شيئا من القداسة، وشيئا من عمق التفكير والإحساس بالحياة كلما نبض عرق من عروقنا، وأشار بطرف خفي إلى أننا متورطون جميعا فيما كنت أسميه دائما صناعة السلوك الاجتماعي والثقافي للمثقف، هذا السلوك الذي نخيط رقعته بأيدينا، حيث الفرد ليس سوى المجتمع معكوسا في مرآة الحياة.
أصدقائي لن أجازف بالعبور، طالما كان بحر الثقافة واسعا وسع التاريخ نفسه، وطالما كانت أمواجه العاتية لا يستقر لها قرار، لا على معنى ولا على لفظ. فقط نريد أن نعاين هذه الكلمة من خلال فرضية تقول: إن من أهم وظائف الثقافة هي التعريف بهوية أي مجتمع.
إن حصر هذه الكلمة حول هذا المدلول يجنبنا الوقوع في متاهة التعريفات المتراكمة والمعقدة التي تدور رحاها حول هذه الكلمة المتشعبة الدلالات. ولكن من جهة أخرى لا بد من الاعتراف أنه لا توجد حدود فاصلة يمكن من خلالها أن نتلمس طريقنا نحو هذه الفرضية. ربما لأن الهوية هي مركب نفسي بالدرجة الأولى، وارتباطها بالمجتمع هو نتاج تحولات في العادات والتقاليد الثقافية والاجتماعية والعقائدية منذ أزمنة تتجاوز العقود من السنين. لذلك تبقى الهوية متحركة يصعب الإمساك بخيوطها طالما لا تحمل في داخلها رؤية ثابتة حول نفسها. فالهوية القبلية على سبيل المثال لا تحركها العصبية فقط، وإنما يضاف إلى ذلك مؤثرات الشخصية الكاريزمية التي تملك القدرة على صنع التحالفات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية مع الآخرين بمعزل بعض الأحيان عن مؤثرات العصبية ذاتها. فالسمات التكوينية والشخصية لشيخ القبيلة في الصحراء العربية لها وظيفة كبرى في رسم الولاء القبلي ومن ثم تحويله إلى هوية عبر تاريخ القبيلة ذاتها. أما الهوية العقائدية هي أيضا ليست ثابتة على المطلق. فقد تعلمنا من التاريخ الإسلامي أن السلطة السياسية لعبت الدور الأكبر في تشكيل حدودها وتحولاتها وولاءآتها بحيث نكتشف أن قناعاتنا حول ثبات هذه الهوية ليس سوى وهم آخر نضيفه على أوهام أخرى نتخيلها حول أنفسنا والآخرين وكذلك التاريخ. بقي لي أن أقول أن الهوية/ الوطن هي إحدى أهم التحديات التي نواجهها في لحظتنا الراهنة. فنحن كمجتمع لم نمارسها في حياتنا اليومية كما هي حال الهويات الأخرى التي سبق ذكرها، ولم تؤثر على سلوكنا الأخلاقي أو الثقافي. والرهان عليها ضرورة ملحة عندما يجري الحديث عن المجتمع في علاقته بالثقافة.
إذن من هذا المنطلق، سيرتكز حديثي أو تحليلي في الفقرات التالية، عن المجتمع باعتباره هوية وطنية من جهة، وعن الثقافة باعتبارها التجسيد الحقيقي لهذه الهوية ضمن الحدود الجغرافية والتاريخية لأرض معينة، وهي أرض الجزيرة العربية من جهة أخرى. وإذا كان الحديث عن الثقافة لا يمكن فصله عن المثقف، إذ هما دائما في حال تلازم وتطابق، فإننا سنقرأ حال الثقافة من خلال التعريف تاريخيا بالمثقف، ومن خلال علاقته بالمجتمع كقضايا ومشاكل، ومن خلال علاقته أيضا بالمجتمع كهوية وطنية، هذا من جانب، أما من الجانب الآخر سنقرأ الثقافة باعتبارها مؤسسة تنتمي إلى أجهزة الدولة الرسمية، وذلك من منطلقات عامة.
أولاً: مصطلح المثقف
المثقف كمصطلح جرى تداوله في الثقافة العربية من منطلق دائرة التأثر بثقافة الآخر الغربي، وعندما دخل هذا المصطلح الحياة الفكرية العربية - الذي هو أساسا كان محملا بفكر فلاسفة التنوير في عصر النهضة الأوروبي، وما جرى عليه من إضافات معرفية لاحقا في الثقافة ذاتها، وذلك في بداية الانفتاح على الغرب - لم يكن يشكل سوى المفارقة الصارخة التي وقعت فيها الثقافة العربية الإسلامية، حيث تعددت الاتجاهات والتيارات، فالبعض منها أخذ المصطلح وما ينطوي تحته من مفاهيم وتصورات تخص الثقافة الغربية وحدها، أما البعض الآخر فقد تحول على الطرف النقيض حيث اتصف خطابه بصفة الارتياب والشك والنفور من الآخر الغربي الذي هو في نظره ذلك الآخر المستعمر الذي لا يريد الخير للآخرين وخصوصا المسلمين منهم. أما بقية الفئات الأخرى فظلت صامتة تترقب ما يحدث من تحولات على الثقافة والمثقفين على السواء، ولا أريد هنا أن أفتح الباب على مصراعيه حول هذه القضية، وما يرتبط بها من تداعيات في الفكر العربي وتحزباته الإيديولوجية والعقائدية، لكني أريد بهذه المقدمة أن أوضح الصعوبة التي تكتنف هذا المصطلح حينما نريد أن نطرح سؤالا على مستوى الهوية كسؤال: من هو المثقف؟! ولكن إذا أردنا أن نعيد وصله بمجتمعه، إذن في هذه الحالة ينبغي علينا أن نقترب من المثقف العضوي الذي أراده غرامشي، لنقول إن القضايا الكبرى للمجتمع لا تشكل التزاما حقيقيا للمثقف إذا لم يكن يملك تصورا واعيا للأزمات التي يعيشها مجتمعه ثقافيا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، وليس معنى هذا الكلام أن يمتلك معرفة براغماتية ذات سمة تقنية واستراتيجية، بالطبع ليس هذا مقصودنا، وإنما تكمن أهمية المثقف في أنه يعيد صياغة الإنسان وفق الشروط التي تتطلبها ثقافة الانفتاح على الآخر أيًّا كان هذا الآخر، وهذا في ظني تقليد جرت ممارسته في في القرون الأولى من بداية تشكل الثقافة العربية الإسلامية تحت تأثير كبار العلماء “حتى لا أقول المثقفين لأنه مصطلح حديث بالنسبة لذاك العصر“.
لذلك مجمل هذه التصورات تنطوي على فاعلية كبيرة في التغيير والحركة باتجاه النمو الحضاري والإنساني بالقدر الذي يكون فيه المثقف مقتنعا أولا بدوره كمسؤول عن قضايا مجتمعه، وهذا الدور برأيي يعتبر التزاما أخلاقيا، ليس الأخلاقي المرتبط بالديني وأدلجته سياسيا، وإنما الالتزام الذي يرتبط بالإنسان بوصفه جوهر الحياة الإنسانية الذي يرتفع عن كل قيمة أثينية أو قبلية أو عقائدية ويكون حرا طليقا في التعبير الكوني عن الإنسان. إذن هذا الارتباط هو - ثانيا - المعيار الحقيقي الذي بإمكاننا أن نستشرفه لأي مثقف يمتلك رؤيا ثاقبة لمجتمعه مما يعطيه شرعية الموقع الإيجابي والمهم بالنسبة لأفراد مجتمعه.
أما حينما نتحدث عن الجوانب المحفزة سواء كانت المادية منها أو المعنوية للمثقف نفسه، فأعتقد أننا في متاهة لا أول لها ولا آخر، فالمسألة لا تكمن في السؤال: ما الذي ينقصه كي يكون فاعلا اجتماعيا؟! لأن النقص لا يقع على طرف دون الآخر، فالمسؤول الأول والأخير هو المجتمع نفسه بكل أطيافه وأبعاده وشرائحه الاجتماعية والثقافية المتعددة، باعتبار علاقته بالدولة ومؤسساتها الرسمية السلطوية، هنا جوهر القضية التي ينبغي النظر إليها من العمق، حيث المثقف الحقيقي بطبيعته لا يحتاج إلى أمور سطحية من قبيل: التشجيع أو الثقة أو الدعم، فمن يمتلك الإرادة والقوة في تكوينه الثقافي والنفسي والذهني فهو بالتأكيد قادر على تجاوز هذه العقبات، فهي في ظني محفزات ذاتية يمكن التغلب على معوقاتها، ولكن ما هو موضوعي من معوقات هو ما ذكرناه سابقا.
إن اللحظة الراهنة التي نعيشها تتسم بتحولات سريعة ومعقدة، سواء كان ذلك على الصعيد الوطني أو الإقليمي أو الدولي، لحظات استثنائية في تاريخ تشكل العلاقات الدولية بين الأمم. لذلك لا يمكن رصد وتحليل هذه التحولات وانعكاساتها على الوطن والمجتمع في علاقتهما الإقليمية والدولية، إلا من خلال رؤية الدولة إلى الشأن الثقافي باعتباره الرهان الوحيد الذي باستطاعته تحويل المجتمع ومثقفيه إلى طاقة فاعلة باتجاه المستقبل، وما نعنيه بالشأن الثقافي هو استثمار العادات والتقاليد والمناسبات الوطنية والدينية والشعبية، ومن ثم تحويلها إلى خطاب ثقافي يشارك في صنعه وتداوله جميع فئات المجتمع على اختلاف توجهاتهم الثقافية والعقائدية، وذلك بالطبع من خلال الارتكاز على مفهوم الوطن كهوية. إن الرهان على هذا الخطاب يبدأ في تصوري داخل قاعات التدريس الجامعي وكيفية تعاطي الثقافة الأكاديمية، وينتهي داخل أسوار السياسة الدبلوماسية للدولة، وما بينهما تصبح ثقافة المجتمع بالتالي جزءا عضويا من التفكير اليومي للمثقف رغم الاختلاف في المرجعيات والتوجهات. خلاصة القول هو القدرة على تكوين لغة خطاب ثقافي نابع من السلوك اليومي للمجتمع، من مفرداته إجادة الإصغاء إلى الآخر، وممارسة حق الاختلاف، وانسجام مفهوم الفرد والجماعة.
ثانيا: المثقف والهوية الوطنية
هنا سوف أطرح السؤال التالي: هل هناك مؤشرات تدل دلالة واضحة على عمق التفكير عند مثقفينا حول ما يخص مفهوم الاختلاف والهوية الوطنية والحوار والانسجام والتناغم مع الآخر المختلف؟ لا شك أن المسألة ذات أبعاد متشعبة، وسوف نناقش المسألة من زاوية علاقة المثقف بالمفاهيم السابقة، لذلك منذ البداية نحن ننفي أي صفة إيجابية ترسخت بينهما، هذا النفي لا يرتبط فقط بملامح وطنية عامة، وإنما يتعداه إلى ضياع المثقف وبالتالي ضياع تصوراته ومعانيه عند شريحة واسعة من أبناء المجتمع. على هذا الأساس أزعم أن الوطن كهوية لم تتعمق بالصورة التي تؤدي إلى:
أولاً: إلى الوعي بضرورة المسألة بوصفها إحدى المرتكزات الأساسية في إنتاج المثقف الديمقراطي.
ثانياً: الوعي بالمسألة على اعتبار أنها مبدأ للفعل والحركة، وليست مبدأ تنظير وكلام فقط، وهنا يأتي الفرق الشاسع بين ما يطرح من تنظيرات حول المسألة في خطاب المثقفين، وبين الشروع عمليا في تطبيقاتها عندهم على الذات والمجتمع سواء بسواء.
وقد يبدو للوهلة الأولى أن المفاهيم السابقة من الأهمية بمكان بحيث تمثل في مجملها سمات تكوينية للمثقف العصري والحديث، بل أنه الرهان الوحيد الذي يمتلكه هذا الأخير في تدعيم مشروعية مقولاته الكبرى عن التطور الحضاري والاجتماعي والأدبي والسياسي والاقتصادي، وربما لم يذهب في رهانه إلى الحدّ الذي يترجمه إلى معطى واقعي وملموس، أو إلى مرجعية معرفية وليست إيديولوجية، بحيث تسمح له بأن يمارس وعيه الطليعي (حسب اعتقاده وتصوره) على خلفية تغايرية. أي تستجيب لمبدأ التغير ونسبية المعرفة بإزاء الحقيقة، سواء كان ذلك ما يتعلق منها بالمعرفة التاريخية، أو بتشكيل المناهج والحقول المعرفية بشتى فروعها المختلفة.
وهذه أشبه ما تكون بالحقائق التي انبثقت من وعي المثقف الغربي أبّان عصر النهضة، ثم انتقلت بالتبني إلى فضاء وعي المثقف العربي بالصورة ذاتها وبالمضمون ذاته إلا بعض المقولات ذات الصبغة الإسلامية التراثية، وترسخت بالتالي في وعيه كشعارات ترميزية منذ قيام المشاريع القومية العربية بتكريس هذا الوعي كإيديولوجيا حاكمة، الأمر الذي أدى إلى أن تؤكد هذه الحقائق حضورها في الخطاب بينما تنسحب من الواقع بالقدر الذي يلجأ فيه الخطاب إلى تضخيم دوره المنوط به، أو إعطاء قوله صفة(المنقذ من الضلال) على حد تعبير الغزالي، أو المنقذ من براثن الجهل والتخلف المستشري حوله، وكأنه هو الوصي أو الأمين الأوحد على جميع فئات المجتمع.
ولم تكن تلك المفاهيم تشكل منطلقا للتجاوز والصعود وتخطي العقبات، وإنما كانت في أغلب الأحيان منحدرا إلى الهاوية، وكذلك ارتكازا في المعوقات. فهي على الرغم من قيمتها الحضارية الراقية، ومدلولاتها الفكرية الواعية، سوى أنها لم تحقق على صعيد المشهد الثقافي - عندنا - أيّ نجاح يذكر، أو موقف يبرهن بصورة أو بأخرى على مدى تجذر تلك القيم بالكيفية التي يتأسس عليها أكثر أنواع الانفتاح والتعالق والحوار تطورا عند مختلف فئات الطبقة المثقفة. والسبب عندي يرجع في غالبيته إلى اعتبارات تخص بالدرجة الأولى مسائل من قبيل: القبلية الأثينية، والبعد العقائدي في العلاقات الاجتماعية والثقافية، وهي اعتبارات ذات جذور راسخة في بنية المجتمع ككل - وهي هنا تنهض كبديل عن مفهوم الوطن/ الدولة - بحيث لا تستطيع معها حركة التغير الافتراضية، بوصفها إحدى مرتكزات الوعي المعرفي الحديث، أن تدفع المثقف(وهنا نحن نتحدث عن المثقف ليس بالمفهوم العضوي الغرامشي فقط، وإنما أيضا بالمفهوم الإبداعي الذي يقرأ التاريخ والحاضر وهو متوجه إلى المستقبل) إلى القيام بإزاحات معرفية وثقافية واجتماعية بما يشبه العبور من ضفة إلى أخرى، وذلك في مجمل حياتنا اليومية.
بالطبع لا يشكل هذا الكلام حكما عاما وقاطعا، فالقضية لا ترتبط بالبحث عن القيمة الجاهزة ثم تثبيتها، وإنما بالبحث عن كيفية تشكل تلك العلاقات التي تحدث بين الثقافة والمجتمع من جهة، وبين المثقف والمجتمع من جهة أخرى. الأمر الذي يجعل من الصعوبة بمكان الركون إلى نتيجة أو مسلمة فيما يخص مجمل هذه العلاقات. وإذا كنا نرى المثقف عندنا لا تندرج أفكاره وقناعاته وتصوراته واشتغالاته ورؤاه ضمن سياق التفكير المؤسساتي بوصفه سياقا له القدرة الكبيرة على تفعيل أكثر المفاهيم (الحوار، الاختلاف، التدين، الآخر...) تعقيدا وصعوبة، وله أيضا القدرة على إنزالها من سماء الفكرة إلى أرض الواقع بالصورة التي يبدو معها المثقف وكأنه يعزز موقعه داخل المجتمع طالما كان ارتباطه بمثل هذه المؤسسات قويا وفاعلا، وطالما كانت هناك مساحات مفرودة يتحرك فوقها بحرية الوعي المؤسساتي من جهة، وبحرية المممارسة كمنظور وتجربة من جهة أخرى إذ تمثل مصداقية المثقف سواء أكان في مقولاته التي يدعيها أو في سلوكياته التي يسبغ عليها في كثير من الأحيان شيئا من العقلانية النخبوية، فإن ذلك كان ولا يزال أشبه بالطريق المفضي إلى حافة الهاوية، حيث كان على مثقفينا أن يبحثوا عن تحالفات خارج إطار المؤسسة فيما يشبه الحصانة الدبلوماسية، وذلك لاحتراز موقع مهم داخل المجتمع أو في أوساط الطبقة الأرستقراطية، وسوف يكون ذلك بالطبع على حساب الثقافة والمعرفة وفاعليتهما الإيجابية، وبالتالي نحن الآن إزاء اشكاليات لا تقدم نفسها كما ينبغي أن تكون، أو بالهيئة المطلوبة، وإنما تعتمد في تجلياتها على مزاجية المثقف وعلى أولوياته التي ترتبط أساسا أو لنقل أنها تلتقي مع القيم الاجتماعية السائدة بوصفها قيما استحواذية واندماجية، فبدلا من أن نجد المثقف يقوم بتقديم الوعي التحليلي للظواهر الثقافية والاجتماعية والأدبية إلى واجهة المشهد، نراه يؤخر هذا الوعي إلى الخلف، ويتصدر بدلا عنه الوعي الاندماجي الذي لا يبحث عن جذور وعيه في العمق من التاريخ، بل تكون صفة المشابهة والتماثل هي الأكثر استحواذا على انشغالاته ومقارباته.
بمعنى آخر: أن منطقة الفهم وآليات التفكير المنتجة لثقافتنا لم يجر التفكير فيها مطلقا من وجهة نظر مثقفينا الأفاضل، ولم يشفع لهم تعالقهم الثقافي مع الآخر في أدراك معنى وجودهم التاريخي بالكيفية التي يبتعدون فيها عن مؤشرات الضغط النفسي، وكذلك عن وهمية الصورة الثنائية بين الأنا والآخر، ولم يشفع لهم ذلك أيضا إلا في استجلاب وسائل معرفية تضفي على مقولاتهم الجدة والحداثة والأصالة دون أن يؤدي ذلك إلى إحداث فجوة في الأسئلة ذاتها التي تم الاشتغال عليها، بل تستعاد ويتم تكرارها من طرف طابور من المثقفين المشتغلين بالهم الاجتماعي والسياسي والأدبي.
وإذا كان هذا التحليل الذي نسوقه هنا لا يمس فقط المثقف المحلي، وإنما المثقف العربي له نصيب من هذا التحليل، فإننا نود هنا أن نؤكد على أن مثقف الجزيرة العربية له الخصوصية الكبرى حول هذه المسألة.
بأي كيفية تكون تلك الخصوصية؟ ولماذا هو بالذات؟ هذا ما سوف نجيب عنه فيما يلي:
من الواضح أن العمق التاريخي لتراث الجزيرة العربية، والذي تشكل الدعوة الإسلامية نقطة تمفصل في سياقه، وفي زمنيته لم يكن حاضرا بما يكفي في وعي النخبة المثقفة، ولم يشكل مرجعية اسنادية تعود إليها جميع القضايا الثقافية والاجتماعية والأدبية (رغم امتلاك البعض مؤهلات أكاديمية في التاريخ والاجتماع والسياسة) التي تثار بين المثقفين بين حين وآخر، أو لنقل: أنهم لم يمدوا أعناقهم بما يكفي لقراءة مضامين التراث، ومن ثم الكشف عن مدلولاته العميقة في سياق خصوصيتنا الثقافية والاجتماعية الراهنة. فنحن على قناعة تامة بأن الأنساق الثقافية بين عصر وآخر لا تطالها القطيعة المعرفية (الفوكوية)، وإنما الذي يحدث هو ما يشبه (الانحسار الصفري) إذا جازت العبارة، بحيث تعود من جديد في شكل أنظمة معرفية تكون وثيقة الصلة بما قبلها ومرتبطة أيضا بما بعدها، وإن كانت بصورة مختلفة ومراوغة في ذات الوقت. وفق تلك الحالة الراهنة أصبح الشأن الثقافي وقضاياه وكأنه يتمدد أفقيا وليس رأسيا، الأمر الذي فقد جزءا كبيرا من خصوصيته، لكونه الحاضن الحقيقي لهوية المثقف (الأقليمي) والذي يشكل هاجسا ينمو بإطراد عندنا، وعند مريديه كذلك.
من هنا تأتي مشروعية السؤال في البحث عن خصوصية تغلف قضايانا الثقافية والاجتماعية في بعديها الأقليمي والوطني، حيث يأتي ذلك من جهتين:
أولاً: كون مثقفنا الحالي يرفع شعار الاختلاف في ممارساته الثقافية الواعية كضرورة حضارية ملحة، فإن ذلك يتطلب على ما يبدو وجود مرجعية ثقافية خصوصية وليست استعارية حتى تكون لمسألة الاختلاف دورها الفاعل والمؤثر في الساحة، وإلا أصبحنا كمن يتسكع في الطرقات دون ملجئ، وعلاوة على ذلك نجد بعدها من يدعي الخصوصية والاختلاف، وربما تكون مرجعيات مختلفة ومتنوعة، إلا أنها في نهاية المطاف تصب في أنموذج تفكيري واحد منزوع من عمق التراث رابطا بين المثقفين تحت إيديولوجية واحدة.
ثانياً: كون الإشكاليات الثقافية والأدبية المتنوعة التي يثار حولها الجدل والنقاش دائما تقدم نفسها مبتورة العناصر والسياقات، فإن ذلك مرده إلى عدم إحداث صلة يقوم بمهامها الوعي النقدي بين ما يحدث هنا وبين ما يحدث هناك، بين ما يحدث الآن وما حدث بالأمس، كل ذلك ينبغي أن يتم في إطار إبراز خصوصية المشهد في بعديه: الثقافي والاجتماعي والأدبي.
ولكن هل يمكن أن يمارس الوعي النقدي الثقافي دوره كما ينبغي بفاعلية كبيرة في واقعنا اليومي دون أن يرتبط بآليات السلطة؟
هنا نصل إلى فقرتنا الثالثة والأخيرة وهي الثقافة باعتبارها مؤسسة:
ارتباط المؤسسة -وما أعنيه هنا بالمؤسسة هو إطارها العام بغض النظر عما تشير إليه على أرض الواقع- بالثقافة المحلية ليست مجرد فكرة يتشكل من خلالها بناء مؤسساتي قائم على النظام والتفعيل المشترك فقط، إنما دوره الأكبر يكمن في تحويل هذه الفكرة إلى وعي بالثقافة تطال جميع شرائح المجتمع، والوعي هنا لا يتمثل في الانخراط التنظيمي ضمن المؤسسة نفسها، أو الاقتراب منها عن طريق تحالفات جانبيه لا تمس الوعي الثقافي من العمق، لكنه يتمثل:
أولاً: في تحويله من كونه وعيا كلاميا إلى كونه وعيا كتابيا، أي أن التصور الكتابي عن الثقافة المحلية لم يزل يسير على استحياء، ولم يتمدد على مساحات واسعة من الفعل الثقافي الحركي. لقد ظل هذا التصور حبيس ثقافة تقليدية، لا ترى إلى الثقافة سوى ممارسة ينحصر دورها في النشاط المنبري الذي هو بالأساس تكريس للحضور الصوتي للكتابة أو الثقافة بشكل عام.
ثانياً: الفعل الثقافي هو في عمقه ممارسة جسدية للكتابة، ما معنى هذا الكلام، معناه بالدرجة الأولى هو تنمية الإحساس بالمفردة الثقافية زمانيا ومكانيا، ليس عن طريق تفتح الحواس وتدريبها جماليا على هذا النوع من الأحاسيس فحسب، إنما يضاف إلى ذلك إدماج الرؤية إلى الثقافة بتصورها الحضاري في صلب الممارسة التربوية التعليمية، لكنها ممارسة ينبغي الوقوف عندها بما يسمح لتجلياتها أن تكون أكثر قربا ومعرفة بالنسبة لنا، على الأقل فيما نسميه بالوعي الشمولي للظاهرة الثقافية إجمالا، وهو وعي ينتمي بالأساس إلى وظيفته الإسنادية في توسيع رؤيتنا للتربية الجمالية ودورها الفعال في تغذية النشء وتقويمه.
ثالثاً: ارتباط الثقافة بالمؤسسة لا يعني فيما يعنيه تحويلها إلى سلطة سياسية أو خطابية، إنما يفضي بها في أكثر الأحوال، إذا كان ثمة حراك ثقافي بين الأثنين يجعل منهما وعيا واحدا لا ينفصلان البتة، وكذلك انفتاحا على مختلف أشكال الحياة، إلى انتهاك الحدود الفاصلة ثقافيا بين فئات المجتمع، ليس بالمعنى الطائفي أو الأثيني فقط، إنما يتغلغل هذا الانتهاك حتى في عمق البنية الثقافية الشعبية التي تحتفظ في داخلها بحرارة العادات والتقاليد، وليس يعني هذا الانتهاك الإلغاء أو المحو، لكنه يشير إلى التحويل نحو فكرة مفادها أن تذويب الهوية الثقافية الاجتماعية في فعل ثقافي حضاري هو وعي ثقافي مؤسساتي بامتياز، وكذلك هو وثيق الصلة بالمفهوم الحضاري عن المواطنة وكيفية تأسيسها إنسانيا وأخلاقيا. لذلك يبدو لي أن المهمتين ذاتا صعوبة لا تقف عند حدود التكيف والتطويع، بل تشمل مفهوم التغيير في البعد الإنساني الحضاري، وهذه ليست بالمهمة السهلة التي تنتظر وزارة الثقافة والإعلام، وليست كذلك بالرؤية التسطيحية التي تحيل أمور الثقافة والمجتمع إلى مجرد توثيقات دراسية عن التاريخ والسير والأشخاص الفاعلين فيه بصورة أو بأخرى، دون أن يضاف إليها النظرة العميقة إلى الممارسة الثقافية بوصفها تحولا ديناميكيا في بنية التفكير ذاتها، وكذلك محاولة للفهم والتحليل سواء على المستوى السلوكي الفردي أو الاجتماعي الفئوي.
وليست هذه النظرة مجرد صيحات مثالية لا يمكن النظر إليها باعتبارها تعاليا عن الواقع المعيش، بل العكس هو الذي ينبغي أن يكون، والطريقة المثلى إلى ذلك تبدأ من تحويل الهم الثقافي إلى هم مشترك تندرج ضمنه جميع طبقات المجتمع على اختلاف توجهاتهم الطائفية المذهبية والقبلية إلى هم ذي حساسية عالية في دفع الثقافة والمثقفين إلى واجهة المشهد، ليس بالاعتبار الشللي الاصطفافي في عملية التحالفات التي تجري أو تقوم في الساحة، والتي تفضي في أغلب الأحيان إلى ما يشبه الانحسار الوظيفي للثقافة في دورها التصعيدي باتجاه الوعي بوصفه مبدأ تنجذب إليه جميع القيم التي تؤسس لحرية الإنسان في بعديه: الديني والاجتماعي الفكري، ولكنه بالاعتبار الذي يجعل من الوعي الثقافي - علاوة على ما سبق- ركيزة أساسية في الانتماء إلى الوطن. ولعل طبيعة المتغيرات الحالية سياسيا واقتصاديا وثقافيا تفرض مؤثراتها على حركة العلاقات الإنسانية في مجالها الاجتماعي الثقافي، بحيث تغدو وكأنها تعيد صياغة نفسها من جديد وفقا للشروط الموضوعية العالمية التي تخلخل وضعية أي بلد في جانبه الثقافي وحتى الاجتماعي، وليس أدل على ذلك انعكاساتها على بنية التفكير عندنا، فمنذ فترة ليست بالقصيرة جرى تهميش أكثر القضايا حساسية وأهمية في خطابنا الثقافي سواء كان ذلك تقصدا أو جهلا، وهي قضايا تجذرية تمس الوعي بالمواطنة وتعددية الثقافة، خصوصا أن الوعي الجغرافي بالنسبة لثقافتنا المحلية يعتبر عنصرا غائبا عن المعادلة بأكملها، وليس له الحضور ذاته الذي يمثله التاريخ السردي للوطن، أي أن ارتباط التاريخ بالجغرافيا كوعي ثقافي لم يتحقق على مستوى المؤسسات الثقافية الرسمية، ولم يكن ذلك يسبب فجوة تؤدي إلى التفكيك وعدم التوازن في مجمل العلاقات الثقافية بين مثقفي المناطق المختلفة في البلاد، لأن أحد الأسباب المهمة يرجع في ظني إلى الممارسة التواصلية المتثاقفة بين ذوات في حدودها الدنيا، ولم يكن الاحتكام إلى النص الأدبي والاشتغال عليه جماليا ونقديا سوى الضفة التي يرسو عندها أكثر المثقفين تباعدا على المستوى الجغرافي والثقافي. وهنا نؤكد على الجانب الإيجابي في المسألة، فبالقدر الذي يكون فيه الأدب محكوما بالنظرة إلى التراث في مجمله، فإن انعكاسات هذه النظرة على العلاقات الثقافية بين جميع الأطراف تبدو لي وثيقة الصلة بالانفتاح الثقافي كونه انفتاحا يحقق ولو جزءاً يسيراً من الحراك الواعي في خطابنا الثقافي المحلي.
إن التأسيس الوزاري للثقافة -على سبيل المثال- من جانب آخر هو في حقيقة الأمر دعامة رافعة ليس على المستوى النهوض الثقافي، وإنما على المستوى النفسي كذلك، غير أن مثل هذه التحولات لا تتطلب كادرا تنظيميا قادرا على تحمل مسؤولياته ومهماته فقط، لكنما الأهم هو كيف ندفع بالثقافة من خلال قيمها الحضارية إلى مستوى شمولي بحيث تندرج ضمنه بقية الأفراد والمؤسسات على مختلف مرجعياتها ضمن محيط الوطن.. والوطن فقط؟.

 

كاتب وأديب
307189