القطيف في عيون عدنان العوامي
دراسة فنية تحليلية لصورة القطيف في ديوان (شاطئ اليباب)
عدنان السيد محمد العوامي * - 16 / 10 / 2007م - 5:05 ص - العدد (44)

نتناول في هذا البحث صورة القطيف - وما ذُكر من ملحقاتها - في ديوان شاطئ اليباب للشاعر القطيفي المعروف السيد عدنان العوامي، ويأتي اختيار هذا الموضوع لعدّة أسباب؛ أبرزها: تميز تجربته الفنية التي تلزم أي دارس للشعر القطيفي بالتوقف عندها وتأملها بشكل جدي، إضافة لكون القطيف مكونا بارزًا في هذا الديوان أعطى الشاعر فيه صورة فنية لتعاطي الشاعر مع أرضه بعيون الشاعر المحب. من خلال الصور الشعرية كان هذا البحث.
حِس الانتماء
يعرّف فرحان اليحيى الانتماء بالمفهوم الاجتماعي بأنّه: “شعور ذاتي لدى المواطن، يدرك من خلاله أنّه جزء من هذا الوطن، ينتمي إليه بحكم الميلاد على أرضه وارتباطه بأرضه بروابط وثيقة أبرزها رابطة الانتماء بالعقيدة بالإضافة إلى الروابط الأخرى (المذكورة)، كذلك رابطة الجنس والمصالح المشتركة”(1)، والمقصود بالروابط الأخرى (المذكورة) هو: الانتماء للقبيلة والعشيرة والتراث والتاريخ واللغة المشتركة(2).
وإذا أتينا للشعراء فإنّ أول ملامح الانتماء لديهم هو ما يظهر بين طيات شعرهم من صور لأرض الوطن وما تحمله من بَشَر وعادات اجتماعية وغيرها.
والقطيف في ديوان (شاطئ اليباب) للسيد عدنان العوامي هي القيمة الأبرز - إضافة للمرأة - من بين مجمل ما تناوله الشاعر من موضوعات في ديوانه المذكور. وفي هذا يقول سعود الفرج: “ويلاحظ تمسّك العوامي الشديد بالأرض فهو يحشد عشرات الأوصاف المثيرة التي تعبّر عن الحب والولاء لتلك البيئة، فالظلال والألوان والموسيقى كلّها صور متحركة تعبّر عن نَفَسِ شاعرٍ يحبّ أرضه حبًّا جمًّا”(3).
ولعلّ حس الانتماء عند العوامي يظهر جليّا للمطلعين على إنجازه العلمي الكبير بتحقيقه ديوان الشاعر أبي البحر الخطي، الذي أزعم أن حسّ انتماء العوامي للقطيف كان الباعث له لأن يقوم بتحقيق ديوان شاعر المنطقة الأبرز في تلك الفترة التاريخية المعتمة (القرن الحادي عشر الهجري).
والمتصفح لديوان الخطي يجد ذلك جليّا حينما يراجع عمل العوامي؛ فبدءًا بالمقدمة التي يتحدّث فيها عن الحركة الأدبية في المنطقة(4) إلى ولوجه للحديث عن تاريخ المنطقة في فترة الشاعر(5) ودفاعه عنه(6) إلى ملاحق الجزء الثاني وحديثه المطوّل عن تاريخ المنطقة وشعرائها ومؤرخيها، مما يجعلنا نزعم أنَّ تحقيق الديوان كان ذريعة للحديث حول ثقافة المنطقة وأدبها بشكل عام وأبي البحر الخطي وشعره بشكل خاص. هذا الشعور القوي بالانتماء للقطيف عند العوامي لم يتجلَّ في الدراسة العلمية التحقيقية فحسب، بل كانت بدايات تجلياته عن طريق الإنتاج الأول للعوامي وهو (الشعر)، وسنكتفي هنا بالحديث حول منطقة القطيف في (ديوان شاطئ اليباب)، ولن نتطرق لقصائد العوامي خارج هذا الديوان.
ولعلّنا نلاحظ أن أول ملامح حسّ الانتماء عند شاعرنا هو أنّه لا يتحدّث - في الغالب -عن أي بلد غيره باستثناء قصيدتي: (أغنية في عرس الدم)(7) و(من أرض لبنان)(8) واللتين تحملان حسّا قوميًّا تجاه لبنان بلد النضال، وقصيدة: (بيرتوأزول)(9) التي يتحدّث فيها عن مصيف في شرق آسيا. فالقطيف وبعض مناطقها مثل تاروت وصفوى هي الغالب في حديثه عن الأرض التي تشكّل نموذجا لإنسان الخليج المعاصر، الذي دائما ما يتذكر تراث خليجه بشديد الشوق لعلّ الماضي يرجع هنيهة ليرى أبناء الحاضر شيئا من تراث آبائهم وأجدادهم.
التوحيد بين المعشوقة والوطن:
يوحّد العوامي بين الحبيبة والوطن لأنهما سرّ استقراره في هذه الحياة، وليس للمرأة أن تغار من تفكير عاشقها بالأرض وإلا فإنّ الجواب (الديبلوماسي) حاضر:
فحسبها أنّها ظلُّ يرِفُّ بهِ
شوقٌ إليكِ، ونفحٌ مِن هواكِ نديْ(10)
بل إنّ الأمر قد يتطور إلى تبادل للأدوار بين الحبيبة/المرأة والوطن/الأرض وذلك بأن تتحول الأرض إلى معشوقة والمرأة إلى وطن متحدثا للحبيبة/المرأة عن الوطن/الأرض:
عشقتها فيكِ فردوسًا وعِشْتُ لها
هوًى تشرّبَ في فكريْ ومُعْتَقَدِيْ
وما برِحْتُ أُغنيها الهوى حُرَقًا
فما أفقتُ لمن حوليْ مِنَ الرصَدِ(11)
يبالغ العوامي بعدها في تشخيصه للأرض بالحبيبة بأن يعطيها صفة الخيانة (خيانة العشاق لبعضهم على غرار قول أبي فراس الحمداني:
وَفَيتُ وَفي بَعضِ الوَفاءِ مَذَلَّةٌ
لآنِسَةٍ في الحَيِّ شيمَتُها الغَدرُ(12)
فيقول العوامي:
حتّى صحوتُ لألقاها تُكافِئُني
على الوفاءِ فتلقيْ بيْ بِلا قوَدِِ
لكنّني، والسنا تندى غلائلُهُ
إذا تخطّرتِ في دَلٍّ وفي غَيَدِ
شربْتُ فيضَ جِراحاتيْ دمًا وأسًى
وقدْ عفوتُ فلمْ أعْتِبْ على أحدِ(13)
فما يحصل له من نكبات الدهر على أرض وطنه يستلذه الشاعر كما يستلذّ الطعنات من معشوقته التي يسامحها متغافلا عن زلاّتها لأنها في نهاية المطاف حبيبته:
سامحتُها، أهلُها أهليْ وأنتِ بها
وكَمْ لدى المرءِ مِنْ أهلٍ ومِنْ بلدِ
لن يمسحَ الحُبَّ مِنْ قلبيْ لِتُرْبَتِها
أنَّ الجراحَ بأضلاعيْ بلا عددِ(14)
تعود الأدوار إلى مكانها فالمرأة تعود حبيبة والأرض تعود وطنا لا يمسح من قلب ابنه.
ونجد هذا المعنى (تشخيص الأرض بالمحبوبة) في قصيدة (تاروت) إذ يتحوّل هو إلى الأرض وتتحول الأرض/المعشوقة إلى الراسي (البحار/سفينته):
تاروتُ أينَ صحا جفنيْ وأينَ غفا
رآكِ ترسينَ في أهدابه فهفا(15)
وبالرغم من قسوة المعشوقة/الأرض:
فكيفَ يُنْكَرُ مِن حرفي تشرُّدهُ
على ضفافكِ إنْ غنّى وإنْ هتفا
أنا المعنّفُ في عشقيْ، وفي ولَهِيْ
أُعطي الجمانَ، فهل أُجزىْ بهِ الصدفا(16)
إلا أنه لا يستطيع تجاوز حالة العشق لها:
الله! كيف أذودُ الشعر عن شفتيْ
وكيفَ أمسِكُ شريانيْ إذا نزفا
مادامَ وجهُكِ تشكيلاً لقافيتيْ
فواصلاً في حروفيْ، ضمَّةً، أَلِفًا
يغفو على ريشتيْ لونًا؛ يهيمُ على
دفاتريْ سَهَرًا، يجتاحنيْ لَهَفًا(17)
ونلاحظ أن تشخيص الأرض/الوطن عند العوامي دائما ما يكون بالمعشوقة ولا نجده يشخّصها بـ(الأم) على عادة الكثير من الشعراء الذين يفخرون بكونهم أبناء لتلك الأم/الأرض، كذلك لا نجده يشخص الوطن بالسيد أو البحّار (لكون القطيف مطلة على البحر)، أو بأي صورة تشخيصية أخرى غير الحبيبة! وسنتحدث في الفقرة التالية عن كيفية تشخيص القطيف.
تشخيص القطيف
أجد أنّ أبسط تعريف للتشخيص هو أنّه: “أنسنة غير الإنسان”(18) أي استعارة صفات الإنسان لغيره من موجودات الطبيعة، وهو ما عبّرت عنه وجدان الصايغ بقولها: “إذ تزيل الاستعارة الحواجز بين الإنسان وسواه، فإذا كلّ شيءٍ ينطق ويعي ذاته ويتحرّك، ويتجلّى جوهر التشخيص في إضفاء السمات البشرية وإسباغ العواطف الإنسانية على الموجودات في هذه الحياة”(19).
وسنحاول هنا أخذ أمثلة من شعر عدنان العوامي، ولن تكون دراسة لمجمل التشخيص عنده؛ فنحن سنتحدث عن جانب من تشخيص القطيف (أو إحدى مناطقها) لديه. ففي قصيدة (من أرض خولة) التي يتحدث فيها عن القطيف بأسلوب الكناية (أرض خولة)، وخولة هي صاحبة طرفة بن العبد شاعر المنطقة في العصر الجاهلي، والتي أصبحت رمزا للقطيف عند عدنان العوامي.
فبعد حديث مسهب عن الأغاريد المنطلقة ترحيبا لزائر القطيف(20)، والعيون المرحبة(21) والنخيل المدللة التي تهتزّ عشقا - وليس ترحيبا فقط - لكل من يطأ أرضها(22)، والقطيف العاشقة المفتونة:
مفتونةً بهوى الغُدرانِ مُسهَبَةً
كأنَّ فوقَ ذُراها الصحوَ معقودُ(23)
القطيف تتحول لعاشقة مفتونة بطبيعتها، فكيف بمن سيزور هذه الفاتنة التي فتنت الكل حتى نفسها؟ يأتي لنا في ختام النصّ بجملة شعرية تحوي صورة تشخيصية لها من المغازي مالها:
فلا ترعْكَ غضونٌ فوقَ وجنتها
أو يرهبنَّكَ وشمٌ أو تجاعيدُ
ولا تُربْكَ، وإن رثّتْ مفاتنها
فقدْ تُراشُ المها، أو تُجْدَرُ الخُودُ
لكنَّ قلبًا فتيًّا في جوانحها
يلقاكَ بالبشْرِ حتّى وهو مكمودُ
الغيدُ، حتّى إذا اغبَرّتْ ضفائرُها
واحلولكَ الحُزْنُ في أجفانها، غيدُ(24)
ضمير الغائب العائد على القطيف، والذي حولها من أرض (شاطئها)(25) إلى امرأة (وجنتها/مفاتنها/جوانحها) يوجّه إلى إصرار على ديمومة شباب القطيف! هذا الشباب المعنوي الذي يؤكّد عليه الشاعر، فما تراه اليوم في القطيف ليس دليلا على انقضاء شبابها (نفي الشيخوخة وبالتالي نفي انتهاء فترة الشباب)، وإنما هي فترة مرض عارض ستعود بعده القطيف لسابق عهدها، وعليه فإنّ الغضون (تكسّر الجبهة)، والتجاعيد، ورِثَّة المفاتن ليست دليلا قاطعا على انقضاء مرحلة الشباب! وإنما هي نكبات الدهر التي قد تصنع بالشاب ما يحوّله إلى صورة العجز والشيخوخة رغم أنه مازال في عنفوان شبابه لذلك عبّر عمّا يراه بأنه قد تراش المها (تصاب بالنبال والسهام)، وتجدر الخُود (تصاب الحسناء بالجدري)، فهذا كله عارض لا ينفي الحقيقة وهي: الشباب والجمال الذي سيعود بمجرّد زوال ذلك العارض وهذا ما عبّر عنه في البيت الأخير.
نجد شاعرنا هنا لم يكتف بالتشخيص؛ بل بالمراوحة بين الصفات الجسدية للمشخِّص/المرأة لتوضيح حقيقة الصفات المعنوية للمشخَّص/القطيف التي لم يحكم عليها بالفناء، وإنما لا بدّ من ترك اليأس والالتفات لحقيقتها التي أوضحها الشاعر في مطلع النص.
نحن نقف هنا أمام نصٍ مترابطٍ استطاع الشاعر ختامه بجملة شعرية عزّز فيها صورة القطيف صاحبة الشباب الدائم (الصحوة الفكرية والثقافية وبقية الصفات الإيجابية التي يتوسمها الشاعر في القطيف) مقابل فكرة اليأس التي تسببها الحالة القائمة في القطيف حاليا.
ولننتقل للوحة تشخيصية أخرى تحدّث فيها الشاعر عن جزء من القطيف في قصيدته (صفوى) التي يقول في مطلعها:
أيا ألقًا ينهلُّ فوقَ رُبَى صفوى
إذا ارتبتَ في أمري فعفوَ الهوى عفوا
أجيئُكَ مشحونًا بنبضِ مشاعريْ
ودِفءِ صباباتيْ وتحسبُهَا دعوى(26)؟
هذا التشخيص الآتي عن طريق النداء لم يكن للأرض/صفوى مباشرة وإنما لأجمل ما فيها (الألق)، وهذا يدل على تركيز الشاعر على فكرة الشباب والتألق الدائم لموطنه. يتحول هذا التشخيص من الوطن لأشياء الوطن:
ومِنْ نخلةٍ مفتونةٍ بدلالها
ومِنْ لوزةٍ سكرى، وسوسنةٍ نشوى(27)
تشخيص أشجار الوطن يدلّ على حيوية هذه الأرض، وتفاعل جميع عناصرها، وإقبالها على الحياة؛ ففتنة النخلة ودلالها، وسكر اللوزة وانتشاء السوسنة -من شدة الفرح - كلها عناصر تفاؤل يدخلها الشاعر داخل جو القصيدة بقصد بثّ هذه الروح في الأرض لذلك يقول:
ولامستَ كثبانًا بها مشرئبّةً
تهدهدُ فيها العطرَ والدفءَ والصحوا
فإنَّ بها ظِلاً لطيفِ حبيبتيْ
وأخشى عليها الضوءَ يوقِظها سهوا(28)
تشخيص الكثبان المشرئبة - ولم يقل العالية - من أجل تحريك ذلك العلو فالمشرئب يتطلع للعلو وبالتالية فإنّ إمكانية زيادة علوّه واردة أكثر من كونه عاليا أو شامخا فقط!
كذلك جعله الحديث عن الأرض/صفوى مقدمة للحديث عن حكاية عشق يسطرها الشاعر لمحبوبته تجعلنا نطيل النظر في هذه القصيدة لنجد أن تلك المرأة/المحبوبة التي كانت الأرض/صفوى مقدمةً للحديث عنها إنما هي وسيلة لاستعراض تراث صفوى بدءًا بـ(عين داروش)(29) مرورا بـ(ببستان برزان)(30) و(آثار جاوان)(31) التي يتوقّف بعدها قائلا:
لعلّك لو تدريْ بما يستفزُنيْ
إلى أرضِ أحبابيْ، تقاسمني الشكوى(32)
فما يبحث عنه هو (أرض أحبابه)، وليس (أحبابه) فقط! إذ إنّه بعدها يتوقف من أجل قيمة مهمة، وهي ذكرياته في هذه الأرض منذ الطفولة(33).
يستمرّ هذا المعنى ليصل إلى حديثه حول أحلام الطفولة البريئة:
غداةَ أسفُّ الرملَ، أبنيهِ خيمةً
أُطرِّزُ للأحلامِ في ظلِّها مأوى
فتسبقني الأمواجُ تسرقُ خيمتيْ
وتتركُ لي الأصدافَ والرملَ والمروا
أتحسبني أنسى ملاعبَ صبوتيْ
متى نسيَ العشّاقُ؟ أو (ألفوا السلوى)(34)؟
ولنفكك البيت الأخير لنجد: (متى نسيَ العشّاقُ/ ألفوا السلوى) العاشق لا ينسى معشوقته؛ وبالعودة إلى صدر البيت (أتحسبني أنسى ملاعبَ صبوتيْ) نجد أنّ استنكار النسيان للمكان ونفيه عن العاشق، ثم يوضح لنا علاقة العاشق مع الأرض/ملاعب صبوتي من خلال الأبيات الثلاثة التالية(35).
والمرأة هنا مجرّد رمزٍ للوطن وعُوذَةً تطرد الأرواح الشريرة عن مخيلة الشاعر؛ ولا بأس بأن يشربها لتتمكن من مرض الألم والشوق:
وحوريَّةٍ مازلتُ أحضنُ وجهها
بذاكرتيْ حُرْزًا وأشربهُ محوًا(36)
ولعلّ شاعرنا استفاد من موسيقى اسم الأرض/صفوى وشكلها الكتابي ليشغل أذن المستمع وعين القارئ بتكرار القافية التي دائما ما تحيلنا إلى (صفوى) التي لم تذكر إلاّ مرتين: الأولى في بيت المطلع، والثانية في بيت الختام الذي يشير فيه إلى مدى حبّه لتلك الأرض/صفوى لدرجة يتمنى فيها أن يهب نفسه لها(أغني بها صفوى)(37)، وساكنيها (أغنّي بها أهلي)(38).
ولنقف أخيرًا أمام تشخيصٍ آخر جاء عن طريق النداء في قصيدة (تاروت) بقوله:
تاروتُ أينَ صحا جفنيْ وأينَ غفا
رآكِ ترسينَ في أهدابهِ فهفا(39)
يستغلّ الشاعر فيه الصورة المادية لتاروت (جزيرة) حين يصفها بأنها معشوقة مميزة للبحر والشطآن:
ضجيعة البحرِ والشطآنِ! هل كبدٌ
أوتْ إليكِ، فما أوريتها دَنَفَا(40)
هذه المعشوقة لا تكون معشوقةً لعاشقها الأساسي (البحر وشطآنه) فحسب! بل لكلّ من ينتجع الصبابة؛ فتاروت تنام في عينيه مكافأة له لأنه انتجع الصبابة عندها؛ لأنها المكان الأولى لمن يريد انتجاع الصبابة. ولا يكتفي العوامي بذلك بل ينتقل إلى كونها آلهة للشعر، وملهمة له:
اللهُ كيف أذود الشعرَ عن شفتيْ
وكيفَ أمسكُ شِرياني إذا نزفا
مادامَ وجهُكِ تشكيلاً لقافيتيْ
فواصلاً في حروفيْ، ضمَّةً، ألِفَا(41)
هذه المعشوقة التي تنام في عيني كل من يتحدث عن الصبابة تتعامل مع شاعرنا معاملة خاصة! لأنّه عاشقٌ من نوع خاص:
ها أنتِ مازلتِ تستلقينَ في رئتيْ
تمشينَ تحتَ ضلوعي، صبوةً أُنُفَا(42)
والإصرار على بَكارة هذه المعشوقة؛ فنومها في عيون منتجعي الصبابة لم يجعلها مباحة لهم، وإنما كان ذلكَ مجرد صورة لاستقرارها في عيونهم فهي بكر حتى معه، وحتى حين تتمكن منه، وتتلبسه، وهذا ما يقوله في البيت السابق:
يا وجديَ البكرَ، يا شوقًا يضرِّجني
ينداحُ في سقميْ، يهميْ عليَّ شِفا(43)
وينتقل - حسب البناء المعتاد في قصيدة العوامي عن الأرض - بعدها إلى قصة تظهر المقدمة فيها بأن الحديث عن الأرض تمهيدًا للحديث عن قصة الحب؛ لنفاجأ بعدها بالعكس؛ فمأساة قصة العشق هذه إنما هي من فيض مأساة شاعرنا الذي أسره حب هذه الأرض/تاروت، وكل ما حصل لشخصيات تلك القصة مجرد رشفة من غنائه لأرضه:
فهلْ عرفتِ، فتاتيْ، أيَّ صاحبةٍ
ترشّفتْ مِنْ غنائيْ ما حلا وصفا؟
تدثرت في دموعيْ، ساهرتْ وجعيْ
تفيّأتْ مِن شبابي خيرَ ما ورفا(44)
لذلك فالأرض/تاروت متمكنة من جسد الشاعر وروحه راسخة فيها:
يا عُقدةَ الدمعِ في جفنيْ، كفى عتبًا
لولا رسوبُكِ في جفنيْ لما طُرِفَا(45)
استحضار التراث المحلي للقطيف
مرّ بنا ذِكر الشاعر لعدد من الأمكنة المحليّة بالقطيف وملحقاتها (تاروت وصفوى). كذلك نجده كثيرا ما يتغنى بالعباءة، وبالنخلة، وبالشطآن، وبالطبيعة الخليجية للقطيف، ولكننا هنا نتحدث عن استحضاره لرموز المنطقة التراثية والأدبية بشكل خاص.
هذا الاستحضار وتوظيفه الذي يعبّر عنه علي عشري زايد بأنّه: “يعني استخدامها تعبيريا لحمل بُعدٍ من أبعاد تجربة الشاعر المعاصر، أي إنها تصبح وسيلة تعبيرٍ وإيحاء في يد الشاعر يعبّر من خلالها-أو يعبّر بها - عن رؤيته المعاصرة”(46)، وبمطالعة ديوان (شاطئ اليباب) نجد أن الرمز المسيطر عند العوامي هو (خولة) صاحبة طرفة بن العبد؛ والتي تكررت بوصفها الشخصية الفاعلة في ثلاثة نصوص احتلت عنوان اثنين منها. لكنّ هذا لم يمنع من استدعاء مجموعة أخرى من الرموز كان أغلبَها في قصيدة واحدة منضوية تحت عباءة الرمز المسيطر(خولة) في قصيدة (من أرض خولة):
تفيأوا زهوَ عشتاروتَ متَّكأً
رحْبًا تُناطُ بهمْ فيهِ المقاليدُ
واستلهموا شأوَ عبدِ القيسِ مأثرةً
يعشوْ لها مُعْرِقٌ مجدًا وصنديدُ
ومبدعٌ، نبراتُ الرملِ أغنيةً
في ثغرهِ، ولُهاثُ الماءِ تغريدُ
يشتارُ مِنْ وترِ ابنِ العبدِ مِزهرهُ
نبضًا لهُ في شفاهِ الخُلْدِ ترديدُ
مِنْ طيفِ خولةَ في أضلاعهِ سهرٌ
وتحتَ أجفانهِ للسهدِ تخديدُ
وتزدهيهِ مِنَ الخطّيِّ قافيةٌ
تلهوْ على بوحها الشطآنُ والبيدُ
مُخضلَّةٌ كرذاذِ العشقِ مُترفةٌ
مازالَ يُسْكِنُهَا جفنيهِ، معمودُ
ويستلينُ على تبيرحِ أنَّتِهَا
مُغامرٌ سمهريُّ الجيدِ معدودُ(47)
نرى أنَّ استحضار الرموز في هذا المقطع قد جاء على النحو التالي:
م الرمز شهرته دلالته في النصّ
1 عشتاروت آلهة الجمال عند الفينيقيين الذين استوطنوا المنطقة في زمن فائت. الزهو والتألُّق.
2 عبد القيس القبيلة الأكبر في المنطقة. العزّة والشأن الرفيع.
3 طرفة بن العبد الشاعر الجاهلي الأبرز في المنطقة. الشاعر الخالد والعاشق للرمز المسيطر(خولة).
4 خولة صاحبة طرفة بن العبد. ملهمة طرفة والرمز الأساسي الذي عنونت القصيدة به.
5 جعفر الخطي شاعر القطيف الأبرز في القرن الـ11، وأبرز الشعراء في تاريخ المنطقة بعد طرفة بن العبد، وابن المقرب الشاعر المبدع.
6 السمهري صانع الرماح الأشهر في العصر الجاهلي(ينتمي للمنطقة). وهنا يحضر وحده دون زوجته-وزميلته في المهنة- ردينة! التذكير بجدارة القطيف عند المغامرة لوجود صناعة السلاح بها يوما من الأيام.

في هذا النص وقع العوامي في مزلق تكديس الشخصيات، وهذا ما عبر عنه زايد بـ«الأمر الذي لا يدع فرصة لأيّة من هذه الشخصيات أن تنصهر في وهج التجربة لتنبض بما فيها من مشاعر وأحاسيس وخطرات، وتظل مقحمة على القصيدة ومفروضة عليها من الخارج، وعاجزة عن أن تأخذ مساراتها الشعورية والنفسية في وجدان المتلقي ووعيه»(48).
وهذا - بالضبط - ما نراه في حشد ست شخصياتٍ تراثية متباينة الدلالة في إطار ثمانية أبيات دون أن يستفيد الشاعر من الدلالات العميقة لكل منها، والتي كان الممكن الاستفادة منها لو وُظفَ الرمز بشكل يعطيه حقّه من المساحة الفنية داخل النصّ! فكلّ ما نستفيده من هذه الرموز هو أنّ القطيف أرضٌ غنية بالتراث التاريخي في مختلف المجالات.
وإذا عدنا لرمز (خولة) فإننا سنلاحظ عليه أنه قد اتفق مع الرموز السابقة بأنّ الشاعر قد استفاد من المدلول العام للرمز بـ«حيث لا يستعير الشاعر فيه أي ملمح من الملامح الخاصة بالشخصية، وإنما يستعير مدلولها العام، ويتخذ من هذا المدلول إطارا عاما يملؤه بالملامح المعاصرة، بحيث لا ترد داخل هذا الإطار أية إشارة خاصة إلى الشخصية المستعارة، ولا ينطبق عليها أي ملمح من الملامح التفصيلية المعاصرة التي يملأ الشاعر بها الإطار، وإنما تظل الشخصية بمثابة الخلفية الرمزية للقصيدة يحسّ بها القارئ، ولكنه لا يلمسها»(49).
تحضر خولة هنا بوصفها صاحبة الشاعر الأبرز في تاريخ المنطقة، وهو (طرفة بن العبد) الذي تغنى بها في مطلع معلقته الشهيرة:
لِخَولَةَ أَطلالٌ بِبُرقَةِ ثَهمَدِ
تَلوحُ كَباقي الوَشمِ في ظاهِرِ اليَدِ(50)
ولقوة العلاقة بين العوامي والأنثى آثر أن يضع خولة رمزًا بدلا من صانعها (طرفة)، وذلك لأن المطلوب هو الحديث عن الأرض، والشاعر الأساسي (طرفة) قد ربطها بخولة، بالتالي لا بدّ من الانصياع لرغبته بأن تعرّف أرض القطيف بـ(أرض خولة) وليس (أرض طرفة)، إضافة للرابطة الشائعة بين الأنثى والأرض عند الشعراء.
 ظلت خولة - كما أسلفنا - الرمز المسيطر في ثلاث قصائد للعوامي هي: (من أرض خولة - آخر الحروف - وقفة على أطلال خولة).
وقبل الحديث حول سير الرمز داخل النصوص الثلاثة لا بدّ من الإشارة إلى اختلاف تكنيك الخطاب عن/مع الرمز، فالقصيدتان الأوليان (من أرض خولة - آخر الحروف) تحدث الشاعر فيهما عن الرمز/خولة ممّا حذا به إلى أسلوب القصّ والرواية عن الغائب/خولة، بينما في النص الأخير (وقفة على أطلال خولة) نجده يتحدث معها مباشرة بأسلوب الحوار الذي يختلف عن أسلوب القص، ففي قصيدة (من أرض خولة) تحضر خولة من بداية النص:
مِن دار خولة حيّتكَ الأغاريدُ
ورفّ حولكَ مِنْ أطيافها العيدُ(51)
هذا الحضور في التركيب الإضافي، إذ إنّ خولة/المعرفة هنا تأتي مضافا إليه مقابل المضاف دار/النكرة لتكون خولة هي الجزء المعرّف؛ إذ لا قيمة - تعريفية - للمضاف النكرة وحده طالما لم يُضفْ إلى معرفة!
ومادام الحديث يدور حول القطيف - بحسب ما تعطيناه دلالات النصّ - فإنّ الشاعر يعطي جوًّا بإحياء أطلال خولةِ طرفةَ بن العبد التي ترجع إلى حقيقة أرضٍ يقطنها بشر لهم أحلامهم، ونخيلهم وشواطئهم، وتاريخهم الحافل قبل خولة (عشتار والسمهري وعبد القيس) وبعدها (جعفر الخطيّ) لتبدأ بعدها قصة العشق، فالمرحّب به/الضيف الكريم يقابَلُ بترحيبٍ بدرجةِ عشقٍ، وهذا ما يدل عليه قول الشاعر:
وطارحتكَ الهوى عينٌ مدلّهةٌ
وجدولٌ مترَفُ الموَّالِ غرّيدُ
ونخلةٌ تغزلُ الألوانَ مريلةً
كأنَّها تحتَ لألاءِ السنا رُودُ(52)
يتحول الضيف بعدها إلى عاشقٍ تخلد هذه الأرض في مخيلته:
يا مَنْ رأيتَ مها الشطآنِ مُسْفِرَةً
لها بذاكرةِ العُشَّاقِ تخليدُ(53)
بعدها تأتي اللازمة - التي تطرَّقنا لها في نقطة مفردة حول مجمل نصوص العوامي - وهي لوم من يختار الرحيل عنها/القطيف لأنه سيندم، وسيفقد أشياء ما كان بإمكانه تحصيلها لو لم تطأ قدمه هذه الأرض. تبدأ هذه الأشياء/المزايا كدائرة صغيرة سرعان ما تنداح كدوائر الماء لاستطراد الشاعر في الحديث حول أهمية هذه الأرض التي لا مثيل لها:
فمَنْ لنا بسخيٍّ مثلَ شاطِئها
إنْ أقفرَ البحرُ جادتهُ العناقيدُ(54)
يتطور هذا العشق حتى يبدأ العاشق يشعر بأنه يعشق القطيف بينما تعتبره هي واحدا من عشّاقها الكثر فتعطيه اهتماما مثله مثل غيره. هنا يبدأ بنسج فكرة أنَّ عشقَه من طرف واحد، فيقول(في قصيدة آخر الحروف):
ليتَ الأُلى حينَ عُلّقنا حبائِلَهمْ
ذاقوا بنا بعضَ ما ذُقنا بهم نَصَبَا
وليتَ خولةَ تدريْ كمْ وَلِهْتُ بها
وكمْ لقيتُ على وجديْ بها عَجَبَا..(55)
فهو واحد من مجموعة عشاق لمعشوقة واحدة، وعليهم جميعا أن يعلموا بأنه لا فائدة من الهروب من معشوقتهم خولة/القطيف، إذ مهما ابتعدوا فلا بدّ من العودة:
تعالَ نطوِ جناحينا على مَهَلٍ
إلى متى يا شراعيْ تذرعُ الحِقَبَا؟(56)
وإذا جنا للنصّ الحواري (وقفة على أطلال خولة) الذي يمثل رسالة من العاشق/الشاعر إلى المعشوقة/الأرض تعبر عن ألمه لما رآه من هدم أبنية القلعة والذي عبّر عنه بمقدمة نثرية- وهو نادرا ما يقدم لقصائده- بقوله: “كان مشهدا مرعبا ذلك الذي رآه ذات يوم حين بدأت الكاسحات برفع أبنية (القلعة) الحاضرة القديمة للقطيف. لم تكن، في نظره، أبنيةً من الطين تلك التي تطحنها الكاسحات أمام عينيه بل هي تراكمات التاريخ، وذكريات الحضارة الإنسانية”(57).
ويعود في مطلع النصّ ليجعل خولة محور التعريف (منازل خولة) لينطلق بعدها ساردا ما بدأ في تذكره من ذكريات لهذه الأرض، ومن عاشوا فيها، فالقلعة ذريعة للحديث عن المعشوقة الكبرى/القطيف؛ لذلك استفاد الشاعر من الحدث (هدم القلعة) في بعض أبياته التي يقول فيها مخاطبا خولة/القطيف:
أتاكِ يفتّشُ خلفَ الركامِ
عنِ الأمسِ دارا وجارا وخِلَّة
عن امرأةٍ مِنْ أعزّ النساءِ
جلالاً ورِفْعَةَ قدْرٍ ونِحْلَةْ(58)
هذه المرأة - في واقعها - تمثل الأرض/القطيف لأنه بدأ بأوصافٍ تليق بالنساء(القوام، الجيد، كرم الغيد...)(59) لينتقل بعدها إلى ما ينطبق على الأرض:
على بابها تستريح القوافل
من كل حدب ومن كل ملّةْ(60)
وتملك نخلا كنخل العراق
سخاء وماء زلالاً كدجلةْ(61)
ولعل تشبه أرض القطيف بأرض العراق جاء من أجل توضيح الرسالة لمن لم يعرف القطيف لذلك شبهها بأرض قد عرفت بالنخيل (العراق).
وعندما يأتي الدور للحديث حول العزة والمنعة يستدعي الشاعر حدثا مقتبسا من بيت عمرو بن أسوى العبدي الذي يقول:
وتركنَ عنترَ لا يقاتل بعدها
أهل القطيفِ قتال خيلٍ تنفعُ(62)
ليبني عليه قصة -متخيلة - تهاجم فيها عبس بقيادة عنترة منطقة القطيف فيكون أهلها لهم بالمرصاد:
فعنترةٌ تاه يوما عليها
غرورا وزهوا وجرّر ذيلهْ
وجاء مُدِلاًّ بسلطانه
يجرّ الكتائب تتبع خيلهْ
يهزُّ سنانا ويرهف سيفا
ويُرعفُ رمحا ويُرشُقُ نبلهْ
ولكنها ألقمته التراب
وأردته قزْمًا يُلَمْلِمُ ذُلَّهْ(63)
بعدها يتوقف الشاعر أمام مرحلة مهمة حينما تدور الدوائر على خولة/القطيف، لدرجة يصبح فيها الانتماء لهذه الأرض تهمة! والمؤلم في ذلك ليس مجرد التهمة وإنما استجابة العاشق/القطيفي لهذا المؤثر:
كفاكِ أذى من عوادي الزمانِ
كفاكِ هوانا وغبنا وذلةْ
بأن تتحول عنك القلوب
فيهجر إلفٌ وتغدر خُلةْ
ويفتك بالعشق والوجد يوما
رصيدٌ وكشفُ حسابٍ وغلّة
فيبرأ منكِ أحبّ ذويك
كأنّك ذنبٌ كأنك زلةْ
كأنَّك ما كنت للمدنِفين
غراما ومرفأ عشقٍ وقِبلةْ(64)
هذا المقطع المعبّر يتبعه أخير يؤكد فيه الشاعر على اعتزازه بالقطيف، وألاّ شيء يستحق أن يفعل العشاق/القطيفيون هذا إذ إنَّ كل ما يريدونه بالتملص من هويتهم زائل (فللمال جولةْ) (65) ثمّ يعيد لنا صورة التاج المصنوع من ترابها ليضعه على رأسه:
فلا تعتبي يا هواي المقيم
وإن عدتِ نسيا فللمال جولةْ
وحسبك أن تسكني مقلتي
ظلالا وخصلة ضوء وكحلةْ
ويلهو ثراك على منكبي
نثارةَ عُرْسٍ وفرحةَ طفلةْ
فأضفر منه لرأسي تاجا
وأغزل منه لجسمي حُلّةْ
وما بيدي أنّ يضنّ البنونُ
بقطرة دمعٍ تبلّل رملةْ(66)
المصير الحتمي لمن يختار الرحيل عنها:
من أبرز مكونات القصيدة التي تتغنى بالقطيف كان مصير عاشقها الذي يختار الرحيل عنها. وقد تكرر هذا المكوّن في أربع من القصائد التي أخلصها في القطيف وملحقاتها (صفوى وتاروت) وهي: حبيبتي والأرض(67) وقفة على أطلال خولة(68) من أرض خولة(69) العودة(70).
هذا المصير يتلخّص في: الندم الشديد على الرحيل وطلب الصفح من الأرض مع جوّ يوحي أو يصرح بالتعهّد بعدم تكرار هذا الجرم/الرحيل.
يتلخص هذا في الجدول التالي:
القصيدة الموقع من النصّ المرسل المتلقي الرحيل نتيجة الرحيل تعليق
حبيبتي والأرض الخاتمة الشاعر/ بطل النصّ المحبوبة/الأرض كم طفت
أبحث في الآفاق عن قبسي...
ص11 وعدت مزقة آمال مهرأة ص11 رغم تجنيه على المحبوبة/الأرض باختياره الرحيل عنها إلا أنها تظل فاتحة ذراعيها له لتفتح معه صفحة جديدة من تاريخ الحب.
وقفة على أطلال خولة المقطع الثاني (الوسط) الشاعر/ بطل النصّ الأرض/ القطيف سلام
المهاجر
أدمى
خطاه... ص20 فعاد إليك نزيف الجراح... ص20 يعود المهاجر مرهقا من الرحيل وفيه من ذكريات وطنه ما يجعله يوقن أنه لا يستطيع العيش بعيدا عنه.
من أرض خولة المقطع الثاني (الوسط) الشاعر/ ابن القطيف زائر القطيف الذي يختار الرحيل عنها/بطل النصّ أنت الملوم
إذا فارقت شاطئها
ص94 اللوم لأنه سيخسر ولم يجعله في حالة قاسية كما سبق وإنما سيفقد إيجابيات القطيف التي يسردها الشاعر. سيخسر الراحل طبيعة القطيف وأرضها السخية، لدرجة أنه سيكون ملوما.
العودة المطلع الشاعر/ بطل النصّ تاروت/الأرض هربت
منك
إلى بيداء غربتها
ص125 لكنني لم أجد فيها سوى ندمي ص126 بدأ بالنتيجة (المقطع الأول كاملا) ثم التفت ليحكي لنا السبب.

من خلال الجدول نرى أن الغالب هو التعبير من خلال صوت المجرّب/العائد النادم بنسبة (3-1)، ودائما ما يكون تعبير التائب من خلال سرد معاناته التي تكبدها عندما رحل عن الفردوس:
عشقتها فيك فردوسا وعشت لها
هوى تشرّب في فكري ومعتقدي(71)
هُنا هُنا كانَ فردوسٌ ولِهتُ بهِ
عُلِّقْتُ دُنياهُ، مرجًا معشبًا ورُبى(72)
نجده يحكي معاناته على سبيل الإجمال كما في قصيدة حبيبتي والأرض(73) وينتقل لتمجيد موقف معشوقته/الأرض الذي يمثل حالة من (اليوتيبيا)؛ فهي في انتظاره رغم أنه قد أخطأ في حقها بتركها لكنها تقابله بمدّ يد التسامح رغم أنها قادرة على التخلي عنه:
لما أتيتك أوصابي تنزّ دما
لم تهزئي من معاناتي ومن كمديْ
لم تشمتي، لم تريني وجه ناقمةٍ
بل كنت أحدب من أمّ على ولد(74)
لكنه حينما يفرد قصيدة لهذا المضمون، ويعنونها بـ(العودة) فإنه ينطلق لسرد معاناته، لذلك يبدأ بوصف حالته أثناء رجوعه تائبا في مقطع مكوّن من خمسة أبيات، مطلعها:
تاروتُ جئْتُكِ مكدودَ الخطى تَعِبَا
أجرُّ خلفيَ تاريخًا وظِلَ صِبَا(75)
ثمّ يقصّ علينا سبب رحيله:
هربتُ منكِ إلى بيداءَ غربتها
علِّي أمدُّ على رمضائها طُنُبَا(76)
ويستمر في سرد ما لاقاه من معاناة في خمسة أبيات تالية كان آخرها:
زعمًا بأنَّ وراءَ الأفْقِ ترقُبني
طوبى فأسرعْتُ خطويْ نحوها خببَا(77)
وتكون النتيجة لهذا الاختيار(فراق الوطن):
لكنني لم أجد فيها سوى ندمي
إلاّ المدافنَ والأنصابَ والخشبا(78)
ثمّ يقصّ علينا كمًّا من معاناته التي يضع لها عنوانا واحدا هو (الأوهام):
أوَّاهُ كمْ خانني وهمي، وكنتُ هُنا
أغازلُ التينَ والليمونَ والرُطبا(79)
نلاحظ شدّة الاعتزاز هنا بتراب الوطن الذي يضعه الشاعر/الفحل تاجا على رأسه اعتزازًا به، ويصنع منه سوارًا لمحبوبته وينثر الباقي على ثوبها الذي يدل مسماه - نفنوفها (80)- على اعتزازه بهويته، فهو - حتى في غربته - لا يحلم إلا بمحبوبة تنتمي لهذا الأرض.
 وإذا انتقلنا إلى النموذج الآخر الذي يكون فيه الشاعر ناصحًا والراحل هو المخاطب، فإنّ الوضع يختلف، فلا معاناة تُحكى، بل هناك حديثٌ حول مميزاتٍ تُفقد لكون الرحيل لم يحدث بعد، لذلك يحذّر الشاعر منه:
أنتَ الملومُ إذا فارقتَ شاطئها
فما على الأرضِ إلا خودَهَا خُودُ(81)
ثمَ يسرد له مجموعة من مميزاتها التي سيفقدها من جمال أرضها وبحرها إلى أن يستدرك بقوله:
فارفِقْ برحْلكَ لا تعجلَ فأنتَ هنا
ضيفٌ على الشمس والشطآنِ محسودُ(82)
إذا فحكاية المعاناة مرهونة بحدوث الرحيل -الذي لم يصدر إلاَّ من بطل النصّ - وبحكايات تصدر عن صوت المجرّب. ولعلّ صوت الشاعر في هذه القصيدة (من أرض خولة) هو صوت الشيخ المجرّب الذي اتعظ من تجاربه الثلاث، وبلغ من الشأن مبلغًا جعله هو من يبادر بالترحيب بضيف القطيف ومِنْ َثمَّ ينصحه نصيحة مجرّبٍ حكاياتُ وقوعِهِ في خطأِ البعد عن القطيف موجودة في ثنايا النصوص الثلاثة السابقة.
خاتمة
كانت هذه رحلة في ديوان (شاطئ اليباب) للشاعر السيد عدنان بن السيد محمد العوامي، وقد تناولت هذه الدراسة صورة القطيف في هذا الديوان، وقد جنت هذه الدراسة ثمارًا عدّة؛ نذكر منها:
- الوضوح الشديد لانتماء عدنان العوامي للقطيف، وإصراره على هويتها المستقلّة، وبالرغم من ذلك هو بعيد عن الطرح الفئوي الطائفي أو المناطقي.
- النظرة التفاؤلية الدائمة للقطيف، ومحدودية الطرح النقدي لأبنائها.
- التعامل الدائم مع الأرض/القطيف على أنها معشوقة وليست أمًّا، وهذه ملاحظة ينبغي التوقف عندها كثيرًا؛ فهو لا يطرحها بوصفها أمًّا حتى في أكثر المواقف حساسية، وهو تنصل بعض أبنائها عنها كما شاهدنا في قصيدة (وقفة على أطلال خولة)(83).
- الأثر الواضح للبيئة في نصوصه، وذلك من خلال استخدام المفردات التي تدل على أشياء موجودة في البيئة مثل: العباءة، والنفنوف، والأماكن المحلية في القطيف.
- محدودية ملحقات القطيف التي وردت في شعره؛ فهو لم يذكر منها سوى تاروت وصفوى فقط.
- استخدامه لقصص الحب لإيهام القارئ بأن حبه للأرض سببه حبه للمرأة، بينما يتبين في نهاية النصّ أنّ المرأة كانت استراحة وسط نصّ يتحدّث عن الأرض.
- إصراره على التشبيهات الحسيّة في تناوله للأرض، وهنا اتفق مع الأستاذ سعود الفرج الذي يقول عن العوامي: “وتغطي الآثار الحسية مساحة كبيرة من شعره، ويظهر هذا جليًّا في قصائده: تاروت، العودة، من أرض خولة. والتي دبّج الشاعر فيها وصف الطبيعة، وتصوير الجهود المضنية التي عاشها إنسان ما قبل النفط في هذه المنطقة”(84)، وربّما يرجع هذا إلى إغراق العوامي في اتّباع الكلاسيكية التي يكون التركيز فيها -غالبا- على التصوير الحسّي.
- محدودية الرمز لدى العوّامي، واستخدامه للمدلول العام للرمز دون الولوج إلى عمقه.
- التقاطه لبعض الهامشيات التراثية وإبرازها في صورة شعريّة تعطيها الحياة، مثل ترميز (خولة) صاحبة الشاعر طرفة بن العبد، ونسجه قصة بطولية تواجه القطيف فيها غزوًا من بني عبس بقيادة عنترة فتهزمهم شرّ هزيمة كلُّ ذلك اعتمادا على بيت شعري للشاعر عمرو بن أسوى العبدي، دون وجود مصدر تاريخي يحيل إلى هذه القصة فالشعر يحيل للشعر.
الهوامش:
(1) فرحان اليحيى، (أزمة المواطنة في شعر الجواهري)، اتحاد الكتّاب العرب، دمشق 2001م، ص: 32-33.
(2) نفسه، ص: 32.
(3) سعود عبد الكريم الفرج، (شعراء مبدعون من الجزيرة والخليج)، مطابع الفرزدق التجارية، ط1، الرياض1996م، 2/5.
(4) الشيخ جعفر الخطي، (ديوان أبي البحر الخطي)، تحقيق عدنان السيد محمد العوامي، مؤسسة الانتشار العربي، ط1، بيروت، 2005م، 1/15.
(5) نفسه، 1/31.
(6) نفسه، 2/161.
(7) عدنان السيد محمد العوامي، (شاطئ اليباب)، مطابع الفرزدق التجارية، ط1، الرياض 1992م، ص: 34.
(8) نفسه، ص: 44.
(9) نفسه، ص: 32.
(10) نفسه، ص: 9.
(11) نفسه، ص: 10.
(12) أبو فراس الحمداني، (ديوان أبي فراس الحمداني)، شرح د. خليل الدويهي، دار الكتاب العربي، ط2، بيروت1994م، ص: 163.
(13) عدنان السيد محمد العوامي (شاطئ اليباب) ص:10.
(14) نفسه، ص:10.
(15) نفسه، ص: 69.
(16) نفسه، ص: 69.
(17) نفسه، ص: 69-70.
(18) عبد الله فيصل آل ربح، (شعر مصطفى جمال الدين: دراسة فنية)، مؤسسة الانتشار العربي، ط1، بيروت، 2006م، ص: 148.
(19) وجدان الصايغ، (الصور الاستعارية في الشعر العربي الحديث)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 2003م، ص: 37.
(20) عدنان السيد محمد العوامي (شاطئ اليباب) ص: 93.
(21) نفسه، ص: 93.
(22) نفسه، ص: 93.
(23) نفسه، ص: 94.
(24) نفسه، ص: 98.
(25) نفسه، ص: 97.
(26) نفسه، ص: 107.
(27) نفسه، ص: 107.
(28) نفسه، ص: 109.
(29) نفسه، ص: 109.
(30) نفسه، ص: 110.
(31) نفسه، ص: 110.
(32) نفسه، ص: 110.
(33) نفسه، ص: 11، البيتين الأخيرين.
(34) نفسه، ص: 111.
(35) نفسه، ص: 111.
(36) نفسه، ص: 112.
(37) نفسه، ص: 112.
(38) نفسه، ص: 112.
(39) نفسه، ص: 69.
(40) نفسه، ص: 69.
(41) نفسه، ص69.
(42) نفسه، ص: 70.
(43) نفسه، ص: 70.
(44) نفسه، ص: 72.
(45) نفسه، ص: 72.
(46) علي عشري زايد، (استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر)، منشورات الشركة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، ط1، طرابلس، 1978م، ص: 15.
(47) عدنان السيد محمد العوامي (شاطئ اليباب) ص: 96-97.
(48) علي عشري زايد، (استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر)، سبق ذكره، ص: 363.
(49) نفسه، ص: 253.
(50) أبو عبد الله الحسين الزوزني، (شرح المعلقات السبع)، دار الكتاب العربي، ط4، بيروت1993، م، ص: 45.
(51) عدنان السيد محمد العوامي، (شاطئ اليباب)، ص: 93.
(52) نفسه، ص: 93.
(53) نفسه، ص: 93.
(54) نفسه، ص: 97.
(55) نفسه، ص: 163-164.
(56) نفسه، ص: 164.
(57) نفسه، ص: 19.
(58) نفسه، ص: 21.
(59) نفسه، ص: 21.
(60) نفسه، ص: 21.
(61) نفسه، ص: 22.
(62) ياقوت الحموي، (معجم البلدان)، دار صادر، بيروت، 4/178.
(63)عدنان العوامي، (شاطئ اليباب)، ص: 22-23.
(64) نفسه، ص: 24-25.
(65) نفسه، ص: 25.
(66) نفسه، ص: 25.
(67) نفسه، ص: 9.
(68) نفسه، ص: 19.
(69) نفسه، ص: 93.
(70) نفسه، ص: 124.
(71) نفسه، ص: 10.
(72) نفسه، ص: 127.
(73) نفسه، راجع ص: 11.
(74) نفسه، ص: 11-12.
(75) نفسه، ص: 125.
(76) نفسه، ص: 126.
(77) نفسه، ص: 126.
(78) نفسه، ص: 126.
(79) نفسه، ص: 127.
(80) نوع من لباس المرأة في منطقة الخليج.
(81) نفسه، ص: 94.
(82) نفسه، ص: 94.
(83) نفسه، الأبيات موجودة في ديوانه ص: 24، وقد ذكرت في هذه الدراسة ص: 16.
(84) سعود عبدالكريم الفرج، (شعراء مبدعون من الجزيرة والخليج)، 2/4.

 

مدير التحرير
307104