أمَّك، ثم أمَّك، ثم أمك، ضم أباك
حماد السالمي * - 16 / 10 / 2007م - 5:07 ص - العدد (44)

رضت قناة الإخبارية الفضائية السعودية قبل مدة، لقاءً مع فتاة سعودية مناضلة، ركبت الصعاب، وواصلت دراستها حتى حصلت على شهادة الدكتوراه في الهندسة، بل أصبحت خبيرة في أجهزة الكمبيوتر. ما أثار اهتمامي في هذه (المواطنة السعودية) ليس، فقط، إصرارُها على النجاح، وتحقيق نصر مؤزر على الفشل الذي رسمه لها المجتمع؛ وإنما، كذلك، شفافيتها، وصراحتها التي جعلتها تقول بالفم الملآن: إنها تخرجت بـ (البكاليريوس)، ثم (الماجستير) بامتياز في تخصص نادر، وعندما طرقت أبواب الجامعات السعودية تبحث عن وظيفة، ومكان من أمكنة يشغلها غير سعوديين، في ذات التخصص، قيل لها، وبالفم الملآن: عودي إلى ديارك، وارعي الغنم كما كان يفعل أبوك وأجدادك. هذه المواطنة المناضلة، تلقت صدمة غير مستغربة في مجتمع يعادي المرأة، ويلاحقها بإصرار عجيب، حتى يحبسها في (دارها). الصدمة كانت كافية، لكي تسافر هذه الشابة إلى بريطانيا، وتحصل على الدكتوراه، وتعود منتجة في مؤسسة علمية أهلية تديرها بنفسها، وبمساعدة خالها الذي وقف معها، وما زال، ثم تظل، طول عمرها، شاهدة  (شافت حاجة) على معاناة المرأة السعودية مع قوى التشدد، والتطرف، والظلام.
لم أستغرب هذه القصة، وهي تعرض على الشاشة، بل إن الكثيرين قابلوها – على ما يبدو – بالبرود الذي تستحق ما دام هناك فصائل مجندة مهمتها، في هذه الحياة، المرأة، ولا شيء غير المرأة. فهي تلاحَق بــ (النوايا السيئة)، العجائز في البراحات المكشوفة في المدن، وهن يبعن الحناء والتوابل والمضير، وما تصنع أيديهن من مشغولات بسيطة، ويبحثن عن الستر، وتربية بنيات صغيرات وأطفال وراءهن، فنرى كيف يطارَدن على مرأى ومسمع من الكل، من زنقة إلى زنقة، ومن زاوية إلى زاوية، وهن صابرات على الأذى. ومثلهن نساء أرامل، وشابات درسن وتعلمن ويرغبن في العمل، تلاحقهن الفصائل (المحتسبة)، في المشاغل، وفي أسواق العطور النسوية، بحجج واهية، وبتهم وافتراءات لا يقرها دين ولا عرف في أي مكان في العالم.
قضية المرأة والعمل في المملكة، تسير وفق (أجندة) فاضحة، وهي جزء من سلوك اجتماعي (مؤدلج)، ابتداءً، يعادي المرأة، لأنها امرأة ناقصة، ولأنها من العيب الذي يكشفه مجرد ذكر اسمها أمام الغير – الحرمة أكرمكم الله – ولأنها أصبحت ضحية مفاهيم دينية مغلوطة، وتفسيرات فقهية خاصة، يجري فيها الخلط بين العادات والعبادات، وهي لا يسندها إلا دعاوى الخوف على المرأة وصيانتها وحمايتها بزعمهم، فالمرأة المنتسبة للفن، مغنية أو ممثلة ساقطة، وداعرة، وتلك الشاعرة والكاتبة والصحافية والمثقفة منفلتة، وفاسقة، وطالبة الطب في الجامعة، تُلاحق بالعيون المتلصصة المشككة في أخلاقها، حتى وهي في غرف العمليات، والممرضة متهمة حتى تثبت العكس، وطالبة المرحلة المتوسطة الذي فصلها مدير تعليم قبل عدة سنوات، لأنها طلبت سماع أغنية لطلال مداح في الإذاعة، عاشت أمية جاهلة محرومة من حقها في التعليم، ومديرة المدرسة في جازان، التي عزلها مدير التعليم قبل أشهر، لأنها شاركت باسمها في مقابلة صحافية، تعيش اليوم مع حسرتها. أمثلة قليلة من كثير، ثم بعد ذلك تتحدثون عن حق المرأة، في قيادة سيارة، في ظل نظرة دونية للمرأة، لا تعترف لها بحق، إلا ما تراه هي وحدها.
إن الذين يعادون المرأة في هذا المجتمع، وبهذه الصور البشعة، وفي هذا العصر النَّيِّر، الذي أصبح فيه كل شيء تحت المجهر، إنما يعادون أنفسهم، ويعادون الحياة نفسها، فالمرأة إذا تربت وتعلمت، أصبحت مهيأة لمشاركة الرجل في بناء أسرة منتجة، تفيد نفسها، وتسهم في بناء مجتمعها كله، وليس تلك الأسرة المعطل نصفها في الحياة، ولا تلك المرأة الموقوفة على شهوات الرجل، وتحت وصايته.
إن الذين يجهدون ويجاهدون، لوضع الأنثى في (قمقم) في هذه البلاد، بتعطيل تعليمها، وتبطيل توظيفها، أو التشكيك في مشاريع وقرارات من الدولة تدعم فرصها الوظيفية في القطاعات الخاصة والعامة لا يختلفون كثيراً عن أجدادهم. أولئك الذين وقفوا ذات يوم ضد مبدأ تعليم البنات، واعتبروه منكراً عظيماً، بل وحرّقوا في مدارس البنات وقتها. إن الحجر على المرأة بهذه الصورة التي نعرف، وأد معاصر يذكرنا بالوأد الذي كان قبل ظهور الإسلام. هذا الدين الحنيف الذي جاء بالعدل، والمساواة، فعزز مكانة المرأة في مجتمعها، وبيَّن لها رسالتها، وحفظ لها حقوقها في الحياة.
إن الله عز وجل، أنصف المرأة فقال في كتابه العزيز: (فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون)، الصافات 149. وأمر سبحانه باحترامها فقال: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف). الأنفال 60. والمصطفى صلوات الله وسلامه عليه وآله وصحبه، ميز الأنثى على الرجل بثلاث درجات عند الله عز وجل: أمَّك، ثم أمَّك، ثم أمَّك، ثم أباك.

 

 

نائب رئيس النادي الأدبي بالطائف
370314