القلم.. هذا الكائن العجيب
مبارك بوبشيت * - 16 / 10 / 2007م - 5:15 ص - العدد (44)

هل يوماً أمرت قلمك الأثير والحبيب إلى أناملك.. هل أمرته بالكتابة فرفع في وجهك أنفه المدبب في شموخ وتعال وتحد وقال بلسان حاله لا لسان مقاله: (لا).. ؟!
هل تراكمت المشاعر في صدرك واستنجدت بقلمك ـ صمام أمانك ـ لينقذك من تلك التراكمات الضاغطة على قلبك بسفحها على الورق سطورا من كلمات وزاول عناده الخيلي وتوقف دون حراك.؟!
هل انبثق في فكرك شعاع فكرة وضاءة وأردت أن تضعها على صفحة من صفحاتك البيضاء المنتظرة دوماً ثمار عقلك وخذلك هذا الكائن الصغير المستريح أغلب وقته في أحضان يدك ؟!!
هل غازلتك فكرة حسناء أو طرقت أذنيك فكرة غراء أو حطت على شغاف قلبك عبارة فرعاء وأردت أن تدخلها قفص ثقافتك وفتشت عن مفتاحه (القلم) وأعياك البحث حتى إذا ما تلاشت رأيته أمامك إما نائماً وإما واقفاً في خيلاء وغرور ولا مبالاة ؟!!
إن كان مر بك عزيزي القارئ مثل هذه المواقف وغيرها من قصص وطرائف هذا الكائن الأنيق الصغير الجميل فإن ما مر بي أضعاف ما ذكرت لك. فعليه: إنني أشك كثيراً أن يكون القلم (جمادا).. إنني أرى فيه كائناً حياً يحاورني وأحاوره.. ويغضب عليَّ وأرضيه ويمرض وأعالجه حتى يمن الله عليه بالشفاء..
ويراني حزيناً فيواسيني ويراني مبتهجاً فيشاركني يذهب معي في سفري ويقبع هادئاً في جيبي يسمع نبضات قلبي.. وأنام وينام معي.. وإذا حلمت شاركني حلمي وإذا استيقظت حدثني حديث (شاهد عيان) عن حلمي..
فإن قلت: إنه صديقي.. وجدته أكثر وفاء منه.
وإن قلت: إنه أخي. وجدت أنه أكثر قرباً منه..
وإن قلت: إنه أبني وجدت أنه أكثر التصاقاً بي منه.
وإن قلت: أنه نفسي وجدته لا يتصف بالأنانية وحب الذات كما هي فطرة نفسي وفطرة كل النفوس.
وإن صلح مزاجه وصادف ذلك صفاء في مزاجي حولني إلى بحر وتحول هو إلى شراع يجوب بي إلى أعماق المعرفة ويسبح بي في هذه الدنيا سياحة فكر واعتبار.
ونجمع ما وجدناه على صفحة بيضاء.
نجمع اللآلئ والثمار والفائدة والمتعة ويظل القلم ذلك الكائن العجيب الذي يتلوى على الورق بحركاته التي تعبر مرة عن آلام صاحبه ومرة عن آماله وسيبقى هذا القلم ما بقيت آلام الإنسان وما بقيت آماله.

 

* كاتب
203227