صناعة السياحة البحرية
بالمنطقة الشرقية
السيد سعيد حبيب الصناع * - 16 / 10 / 2007م - 7:09 ص - العدد (43)

تقع المنطقة الشرقية على الخط الساحلي الممتد عبر الخليج العربي من الخفجي شمالاً إلى سلوى جنوباً وبطول 600كم، وتشكل مساحة المنطقة الشرقية إدارياً ما نسبته 36% من المساحة الكلية للمملكة وتعتبر أكبر مساحة مقارنة مع بقية مناطق المملكة.
ومن أهمية المنطقة الشرقية موقعها الاستراتيجي وتاريخها الموغل في القدم والذي يمتد إلى العصر الحجري القديم ووقوعها وتوسطها بين مراكز الحضارات القديمة كحضارة الهند وفارس شرقاً، وحضارة اليمن جنوباً، وحضارة وادي الرافدين شمالاً، وأيضاً قربها من حضارة وادي النيل غرباً. فقد تأثرت بالحضارات القديمة وأثَّرت أيضاً فيها بحكم التواصل الحضاري المستمر، حيث بدأ الاستقرار الحضاري مبكراً في المنطقة فكونوا الحكومات المحلية. ولقد استفادت شعوب المنطقة  استفادة كبيرة جداً من هذه السواحل البحرية الممتدة حيث سكن هذه المنطقة الفينيقيون أحفاد الكنعانيين قبل نزوحهم عنها إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط، ولقد عرفوا بأنهم قوم مغامرون واشتهروا بالملاحة والتجارة وجابوا الآفاق واختلطوا بالأمم وغزوا الشعوب وبسطوا نفوذهم عليها ونشروا فيها حضارتهم وثقافتهم.
وإن اهتمام أي أمة من الأمم بتراثها الأصيل وماضيها المشرق إنما يدل دلالة واضحة على ما يتصف به أفراد تلك الأمة من وعي عميق وإدراك قوي ونظرة ثاقبة بأن نربط الحاضر الواعد بالماضي الأصيل ليتمكن أجيالنا من الاطلاع على تلك الصور المضيئة التي تزخر بها آثارنا وتاريخنا وتراثنا المجيد.
من هذا المنطلق هناك حاجة ملحة إلى إقامة متحف بحري متكامل ومتخصص يُعنى بدراسة البيئة البحرية انطلاقاً من المقوم الرئيس لشعوب وحضارات هذه المنطقة الموغلة في القدم مرتبط بالمتحف الرئيس بالمنطقة يعرض فيه تطور الحضارات ومراحلها المصاحبة لإنسان هذه المنطقة والأدوات البحرية القديمة والمهن والعادات والتقاليد والفلكور البحري وصولاً إلى مراحل التطور الحديثة قبل النهضة الحضارية الحديثة، والتي صاحبت ظهور البترول وقيام المجتمع الصناعي الحديث، والذي ساهم في القضاء على كثير من معالم هذا التراث الأصيل. وأيضاً مع ظهور مزارع اللؤلؤ الصناعي والقضاء على مهنة الغوص، التي كانت سائدة في دول الخليج، والتي كانت تشكل أهم معالم المقومات الاقتصادية لدول الخليج العربي في غابر الأزمان، التي جعلت منها هدفاً لأطماع كثير من الدول الاستعمارية قديماً وحديثاً، وبالتالي فإن وجود هذه الثروات الطبيعية كان يشكل لأهالي المنطقة رمزاً للاستقلال الاقتصادي والثقافي.
ومع التوجه القائم حاليًّا بالمملكة بإنشاء هيئة عليا للسياحة تهتم بمشاريع صنعة السياحة فإن البيئة البحرية تمثل لدى كافة الشعوب في العالم وتحديداً في المنطقة الشرقية حيث الموانئ الأثرية والتاريخية الموجودة والمنتشرة على سواحل المنطقة، بدءاً من شمال الخليج العربي حيث يوجد ميناء الجبيل بالدفي، والذي يشكل الميناء الرئيس لحضارة قوية في مدينة ثاج قبل الميلاد حتى القرن السابع الميلادي، بالإضافة إلى ميناء العقير بالأحساء والذي كان الميناء الرئيس لحضارة الجرهاء، والذي استمر آلاف السنين كميناء رئيس للمنطقة حتى بداية العهد السعودي، وإنشاء ميناء الدمام. أيضاً هناك ميناء دارين، والذي يعتبر من أهم الموانئ الرئيسة بالخليج العربي كافة حيث تجلب عن طريقه أغلب بضائع بلاد الهند والسند. وارتبط اسمه ارتباطاً وثيقاً بالعود والبخور الداريني والتوابل. كما أن هناك مينائي القطيف وتاروت وغيرها من الموانئ القديمة بالمنطقة. وتشكل هذه بمجموعها مقوماً رئيساً لصنعة السياحة التي يعول عليها كثيراً وذلك بإنشاء مقومات السياحة من متاحف بحرية وتراثية وقرى شعبية تضم في جنباتها صوراً مصغرة للحياة البحرية القديمة أثريًّا وتاريخيًّا وشعبيًّا. والهدف منها نشر الوعي الثقافي والأثري والتعريف بأهمية تلك المهن البحرية، وسبل المحافظة عليها لدى المواطنين، والرغبة في تفعيل دور القطاع الخاص من أجل النهوض بالآثار والتراث وتطوير المناطق السياحية واستغلال تلك المعالم المنتشرة في أرجاء وطننا الحبيب، مما يساهم في تعميق وتجذير الانتماء الوطني لدى أبناء هذه المنطقة.
ويمكن الاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى لوضع تصور أولي يمكن من خلاله استثمار المساحات الساحلية بما يحافظ على البيئة البحرية المكونة من النباتات النادرة كنبات المانجرووف (القرم) والطيور النادرة عن طريق إنشاء المحميات البحرية ومراعاة ذلك في التخطيط للمشاريع الصناعية مستقبلاً في مجال السياحة.
كما يمكن للقطاع الخاص المشاركة في تمويل واستثمار المساحات حول تلك المواقع عبر إنشاء الحدائق والاستراحات البحرية ومراكز الترفيه وتحويلها إلى مراكز جذب اقتصادية لشعوب المنطقة بعد توفير المقومات الأساسية للسياحة من ازدهار لصناعة الفندقة بشكل علمي مدروس بحيث تكون قادرة على استيعاب الزائرين إلخ...
أما طبيعة مكونات هذا المشروع والتصميم المقترح يمكن أ ن يرتبط مباشرة كمرحلة أولى بالمتحف الرئيس أو يكون المتحف مستشاراً ومشرفاً، ويقام مباشرة على الساحل البحري، ويمكن مشاركة المكاتب الهندسية المتخصصة بالتعاون مع الجهات المسؤولة والمخولة بإقامة تلك المتاحف والممثلة حاليًّا بوكالة الآثار والمتاحف بالتعاون مع الهيئة العليا للسياحة ولجان تطوير المنطقة والقطاع الخاص ويقام بحاضرة المنطقة الشرقية.


 

باحث آثار
328238