ظاهرة التفحيط والسير بعجلة واحدة
علي حسن آل زيد * - 16 / 10 / 2007م - 7:12 ص - العدد (43)

شهدت في الآونة الأخيرة بعض أقطار المنطقة الشرقية والرياض وبعض البلدان الأخرى عدة ظواهر سيئة تمس فئة الشباب، ومن أبرز تلك الظواهر ظاهرة التفحيط والتخميس للسيارات، التي أسفرت عن وقوع العديد من الضحايا والتي بدورها أدت إلى عكر صفو الحياة الأسرية، إذ أن قسماً كبيراً من هؤلاء الشباب ممن وقعوا في حوادث فظيعة أدى في بعض حالاتها إلى بتر بعض الأقدام أو السوق نتيجة لتهشم كثيف لبعض العظام، والبعض الآخر خسر نظره، بل إن بعض الحوادث أدت إلى وقوع وفيات، ناهيك عن هدر الوقت، والحط من المروءة والأخلاق التي تدعو الشباب إلى التأني والتواضع والحلم، وغيرها من القيم التي أصبحت اليوم تداس بعجلات السيارات أثناء لعبة التخمس والتفحيط.
 وللأسف أضحى لسان حال بعض هؤلاء يقول: إياك والإقدام لنصيحة واحدٍ منا، فإننا لن نتردد في توجيه التوبيخ والكلام اللاذع والبذيء إليك مهما كنت، ومهما كانت رتبتك ومنزلتك الاجتماعية، وقد حدث فعلاً أن أحد العلماء في إحدى القرى أقبل إلى بعضهم في ساحة التخميس الواقعة في شارع محلي مزدحم بالناس فنهاهم عن القيام بهذه الظاهرة لما لها من مردودات سيئة عليهم وعلى المجتمع، فكان الرد قاسياً إذ قام أحدهم وقاد سيارته وصار يخمس ويفحط أمامه دون خجل أو استحياء، ووجهه يمتلئ بالامتعاض والغرور.
كما برزت في الآونة الأخيرةً ظاهرة قيادة الدراجة النارية على عجلة واحدة والتي أدت كمثيلاتها من الظواهر العنيفة إلى كسر لبعض العظام والجروح، وأدت في بعض حالاتها إلى هلاك السائق.
وقد سألت ذات مرة بعض طلاب السادس عن رأيهم تجاه هذه الظاهرة، فانقسموا في أجوبتهم إلى ثلاثة أقسام:
1- البعض كان رافضاً لهذه الظاهرة.
2- البعض كان محايداً (لم يبدِ رأيه).
3- البعض الآخر كان مؤيداً بقوة، فسألت هؤلاء المؤيدين عن سبب تأييدهم، فكان جواب بعضنهم: إنه الفن الرائع! والبعض الآخر قال: إنها المغامرة الحلوة!
دراسة متروية:
وعلى بساط الهدوء وفي دارسة متروية لهذه الظاهرة سأقوم بعرض عدة نقاط مهمة تمس هذه الظاهرة فأتساءل بعدها عن أسباب هذه الظاهرة، وعن نتائجها، بما يسمح به المجال في هذه الدراسة القصيرة، وعن الدور الموكول على عاتق الآباء، وعن المسؤولية الاجتماعية التي تخص عقلاء الوطن.
وقبل عرض هذه التساؤلات لابد من عرض مقدمة قصيرة تكون ديباجة للموضوع وهي:
من المسؤول ؟
توجد في قاموس الأمثال والحكم مقولة تقول: >المرء حيث يجعل نفسه< وهذه الحكمة تفيد بأن الإنسان مسؤول عن نفسه أولاً وأخيراً إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، والحكمة مقتبسة من كلمة للإمام علي عليه السلام يقول فيها: >من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن<(1).
ومن الثابت أن العاقل هو الذي بيده القرار فيما يتخذ ويقرر، ولا يمكن لأي مخلوق أن يملي عليه أو يزلزل إرادته مهما كانت الضغوط، ولاشك أن المتصلب تزلزل إرادته الجبال، وتتحدى الحديد، فلو قطَّع بالمناشير أو صلِّب على الأعواد ابتغاء تغيير موقفه، فإنه لن يحيد عنه قيد أنملة.
ولكن يجب على الفرد أن يفكر ملياً قبل أن يرمى بوابل النقد والاتهام، هل من اللائق بمكان أن يضع نفسه في موضع التهمة والحديث البذيء، أم أن الجميل بمحل أن يدع كلمات الخير مرتسمة على أفواه الآخرين تذكره بالثناء والشكر.
وحيث إن الإنسان مزود بنور العقل فمن الخطأ الفاحش أن يتحرك دون أن يطرق بابه لأخذ مشورته، لأن من المؤكد أن العقل دائماً صديق صاحبه، من هنا يجب على المرء أن يسأل عقله هذا السؤال:
هل من الصحيح أن نتيجة القيام بأعمال شنيعة ومضرة بالمجتمع أن يحظى الفاعل بمحبة الناس؟
وسيأتيه الجواب من عقله: كلا، فقلوب العقلاء ليست معقودة مع المتهورين، والضارين لأنفسهم ولغيرهم، نعم هي معقودة مع من يسخر نفسه ووقته للصالح العام، وعليه يجب على الإنسان أن يضع نفسه في الموقع الصحيح، وإلا فلا يلومن إلا ذاته.
أسباب نشوء الظاهرة:
اليوم تعيش الأمة مآسي متعددة وعلى صعد مختلفة، وفي مقابل ذلك نجد من يقيم بعض الظواهر السيئة التي توحي للآخرين بأن أصحابها غير معنيين بما يحدث للأمة لا من قريب ولا من بعيد، وأن كل تلك الانتكاسات التي تمر بها الأمة الإسلامية لا تهزهم ولا تعنيهم !!
وحين نعرض هذا التساؤل حول أسباب تفشي هذه الظاهرة وانتشارها على أكثر من صعيد، فسنجد أن الأسباب المهمة تكمن في ثلاثة عوامل هي:
أولاً: الأصدقاء الذين يحلو لهم القيام بهذا العمل
في الحديث الشريف عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): >المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل<(2)، وفعلاً هناك العديد من الشباب قد وضعوا عقولهم في جيوب أصدقائهم، فهم يتحركون بحسب رغباتهم، ولو انفرد الشخص مع نفسه متفكراً بموضوعية في شأن عمله، لتوصل إلى الجواب الشافي، ولأمكنه أن يتخذ القرار الصائب تجاه أي عمل يريد أن يخطوه، ولكن المصيبة حين يكون العقل أسيراً في يد الغير.
وهنا أوجه سياق الحديث إلى كل شاب يريد أن يسلك هذا الدرب، أو يبتغي الولوج في غمار هذه المغامرة، والذي يعبر عنها في بعض الأحيان بالفن، وأحياناً بالمغامرة الحيوية، وأقدم له هذه التساؤلات المهمة:
السؤال الأول: هل فكرت جيداً في هذا التصرف، وهل رأيت أنه يجلب إليك نفعاً حقيقياً، وما مقدار ذلك النفع ؟
السؤال الثاني: هل أخذت مشورة من أحد العقلاء للولوج فيما يسمى بالفن أو المغامرة.
السؤال الثالث: هل يرضى عنك أهلك وأقرباؤك بما تصنع ؟
السؤال الرابع: هل يرضى عنك المجتمع حين تقوم بهذه الخطوة، أم أن هذا لا يهمك؟!
السؤال الخامس: هل تأملت جيداً بالنتائج السيئة حين تقدم على تجسيد هذا العمل؟
السؤال السادس: ماذا سيكون موقفك لو أُصيبَ شخصٌ كان متفرجاً أمام ساحة التخميس ؟
السؤال السابع: هل تتحمل كامل المسؤولية لو أُصيبَتْ بعض الممتلكات العامة أو الخاصة نتيجة عملك ؟
السؤال الثامن: لِـمَ إصرارك على القيام بهذه العملية في الشوارع الضيقة، ومكان عبور الناس بسياراتهم ؟
القيادة بعجلة واحدة:
وأما بالنسبة إلى قيادة الدراجة بعجلة واحدة فإنه لا أحد ينكر أن قيادتها بهذه الصورة تحتاج إلى مهارة دقيقة وحركة حذرة قل من يتقنها، ولهذا سميت هذه الحركة بالفن، ولكن يبقى التساؤل موجهاً لكل سائق يقوم بهذه العملية فنقول:
هل يضمن هذا السائق لنفسه السلامة وعدم إصابة الغير بأي مكروه؟.
وإذا كان الجواب بالإيجاب، فإنه لا مناص من هذا الإشكال وهو: إن القيام بهذه الظاهرة تؤدي فعلاً لامتعاض العقلاء من الناس، ولا يخلو أحد من العقلاء من السير على حذر تام أمام من يسلك هذا العمل أمام سيارته، فتبقى أعصابه طيلة ما بقي هذا الشاب أمامه ويسوق دراجته بهذه الصفة، والتي يتراءى لهذا الشاب حين يقوم بذلك وكأنه يحلق في سماء المجد، لأنه يحقق أكبر نصر لوطنه، أو ينجز أعظم عملية علمية للمجتمع، والمشكلة الحقيقية والخطيرة تكمن في أن هذا الشاب لا يعي فساد دربه إلا بعد فوات الأوان.
ثانياً: الاستسلام لخصائص مرحلة الشباب:
لاشك أن لمرحلة الشباب خصائص خاصة، لها تأثيرها الكبير على عقلية الفرد ونفسيته، كما يذكرها علماء النفس، ومن أبرزها:
1- القوة الشبابية المنتعشة:
من المسلم به أن المرء حينما يكون شاباً فإن الحيوية والنشاط تدب فيه، ويريد إفراغها في أي شيء، فإذا لم يجد السبيل السليم فربما وضعه في غير محله، وهذا خطأ جسيم فلا يعقل أن يسلك المرء طريق الشيطان بداعي أنه لم يجد من يأخذ بيده لطريق الرحمن، فالعاقل إذا لم يجد سبيلاً للوصول إلى ذلك الدرب فلا أقل أن يقبض نفسه عن صنع ما يكرهه المجتمع، وينبغي للشاب أن يفكر ملياً في اتخاذ السبيل السليم، لإفراغ تلك القوة في مكانها المناسب، ولو باستشارة أهل العلم والفكر، ممن يوثق بقولهم.
2- الحماس الشديد:
من الواضح أن في مرحلة الشباب عادة ما يكون لدى الشاب حالة من الحماس الشديد، ويريد إظهاره للآخرين، وهذا أمر حسن ولكن يجب على الشاب أن يعي بأن هذا الحماس والاندفاع يجب أن يصب فيما فيه نفع للنفس والمجتمع، كأن يسخره في المؤسسات الخيرية القائمة في المجتمع، أو ما يؤدي إلى قوة في جسمه وعقله، بيد أن الملاحظ أن بعض الشباب يخطأ السبيل في استخدام حماسه، فيضعه في غير محله كأن يضع حماسه فيما هو شر لنفسه ومجتمعه؛ و أقول مرة أخرى: أن على كل شاب عاقل أن يفكر جيداً فيما يبذله من حماس، فيتحرى الموضوع الذي يريد أن يضع فيه حماسه، وما هدفه من ذلك، فإن كان محصل حماسه النفع للناس فهذا شيء طيب، وإن كان على نقيض ذلك فعليه أن يتورع ويخشى ربه.
3- حب الشهرة:
وهي سمة بينة تبرز في حال الشباب، وهي صفة لا بِأس بها لو كان الموضوع الذي يؤدى فيه خيراً، أما إذا كان القالب سيئاً فهذا ما ينبغي بل يجب تركه.
وهنا عدة نقاط مهمة أضعها بين يدي هذه الفئة وأخاطب كل شاب يسلك هذا الدرب فأقول:
1- ضع في ذهنك أن وراءك أهلاً يحبونك، ويأملون فيك كل خير، وينتظرون خيرك وعطاءك الحميد، فلا تكدر عليهم بحادث مروريٍ مؤلم لا سمح الله.
2- ضع في ذهنك أنك مسؤول أمام ربك، فإن سألك ربك عما كنت تعمله أيام شبابك، فبمَ تجيبه وأنت تسلك هذا الدرب متعمداً ؟ مع العلم أنه قد أرسل إليك من ينذرك ويحذرك من التهور.
3- ضع في ذهنك أن ثمة أشخاصاً ماتوا بسبب هذا الصنع، فهل تضمن لنفسك أن لا تكون أحد أرقام الضحايا المقبلة.
4- لتعلم أن أصدقاءك الذين غرروا بك لن ينفعوك ولن يفيدوك بشيء فيما لو أصبت بمكروه لا سمح الله، واعلم أن الذي سيتأثر بك كثيراً هم أهلك وأحباؤك الحقيقيون.
5- ضع في نفسك أنك ربما أصبتَ أحداً بمكروه فما هو موقفك؟
إني أعتقد أن موقفك سيكون هو الندم، ولكن السؤال: وهل ينفع الندم؟.
6- وهل تضمن أن لا يقتدي بك أحد ممن يتهور في استعمال الدراجة مؤذياً للآخرين، فتكون عامل تشجيع لمن هو سيء.
7- أنت تعلم بأن لديك عضلات مفتولة، ولكن يجب أن تضع في نفسك أيضاً أن المجتمع يحتاج إليها، فلا تضعها في غير محلها، وما عليك إلا طرق أبواب اللجان الخيرية العاملة في المجتمع، لتسلك بك الطريق الصحيح.
8- ضع في نفسك أنك ربما كنت السبب في ضياع مستقبل آخرين، لأنك كنت القدوة لهم في هذا المجال، فتركوا مستقبلهم الحق وانخرطوا في هذا الدرب الذي تسلكه، ثقة منهم فيك، عندها ألا تشعر في أعماق كيانك بوخز الضمير وأنت ترمي بهم إلى الضياع والتيه.
9- أرجو أن تسأل نفسك هذا السؤال، وحاول الإجابة عليه وهو: إذا قمت بأعمال تؤذي الآخرين، فماذا سيقول الناس عنك في مجالسهم، هل سيعبرون عن رضاهم عنك، أم أن العكس هو الصحيح؟.
ثالثاً: عدم الحصول على التوجيه السليم:
إن التوجيه يعد البلسم الشافي لكل شاب يخط في الحياة، خصوصاً في فترة الشباب حيث إن هذه المرحلة مرحلة حساسة، تبدأ الأفكار المتناقضة تلاحق الشاب أينما حل وارتحل، وهذه الأفكار فيها النيرة وفيها الشريرة، ويستغلها الصديق فيقوي الأفكار التي يتبناها ويريدها، فترجح الكفة نحو الأفكار التي يسوقها صديقه، سواء كان الصديق صالحاً أم فاسداً، ولكن لو كان لدى الشاب ثقلاً هائلاً من الأفكار الصحيحة، لما استطاع الصديق الضال أن يسوقه إلى ما لا يحمد عقباه، من هنا تأتي أهمية التربية والتوجيه لكل شاب، سواء على الصعيد الأسري أو على الصعيد الاجتماعي، وقد صدق أمير المؤمنين A حين قال: >هلك من ليس له حكيم يرشده<(3).
إلى كل مربٍّ ومربية:
قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(4).
الآية المباركة تدخل في إطار منهج التربية، حيث إن الآية توضح دور الأب في مجال التربية والتوجيه، وهي قضية يتجاهل أهميتها كثير من الناس حتى إذا ما انحرف الشاب وتصلب عوده في ذلك، تأتي عندها ساعة الحسرة والندامة، ويأتي الأب بعدها محاولاً أن يقوِّم عود ابنه، ولكن بعدما فات حينه، فلا ينفع بعده توجيه، يقول الشاعر:
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت
ولا يلين إذا قومتَهُ الخشبُ
قد ينفع الأدب الأحداث في صغر
وليس ينفع عند الشيبةِ الأدبُ
ويقول شاعر آخر:
عود بنيك على الآداب في الصغر
كيما تقر بهم عيناك في الكبر
فإنما مثل الآداب تجمعها
في عنفوان الصبا كالنقش في الحجر
فالتعليم والتوجيه مطلوب بشكل مستمر، ولكن أفضل أوانه إنما يكون في الصغر، ويجب على
المربي أن لا يدع الزمان هو الذي يرسم خريطة مستقبل الولد من حيث الصلاح والفساد؛ فلقد قرأت في أحد أعداد مجلة >ماجد< الإماراتية هذه المقالة بعنوان (الطفل المعجزة) يتحدث الكاتب حول هذا الموضوع فيقول: طفل لم يتجاوز الرابعة من عمره يجلس خلف منضدة البيانو ويعزف قطعة موسيقية جميلة أمام حشود من الجماهير، فنال استحسانهم وإعجابهم.. هكذا توجه المجلات أبناءنا توجيهاً منحرفاً عن الجادة وذلك بتوجيههم نحو الموسيقى والغناء بدلاً من توجيههم نحو الفضيلة والبناء، ومع شديد الأسف إذا وجَّه أحدٌ الآباء تكليف أبنائهم للاهتمام بالمعروف والإحسان، قال البعض: هذا تعقيد للطفل، وكأن هناك حالة إلزام في أثناء التوجيه.
وليعلم المربي أن الولد في مرحلة السبع الثانية أمامه طريقان هما:
الأول: طريق الخير والصلاح:
فإذا سلك الابن هذا الدرب قاده ذلك إلى مستقبل زاهر، ويكون الولد عندها نعم الثمرة لأبويه ومجتمعه، وفي هذا الصدد يقول الإمام الصادق (عليه السلام): >الولد الصالح ريحانة من رياحين الجنة<(5).
الثاني: طريق الشر والفساد:
وسيكون هذا مآل كل ولد لاقى إهمالاً من قبل والديه، فيكون وصمة عار على الوالدين والمجتمع بأن كان هذا نتاجه، وفي هذا الشأن يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): >أشد المصائب سوء الخلف<(6)، ويقول A:
>ولد السوء يهدم الشرف ويشين السلف<(7).
من هنا جاءت أهمية تركيز مسألة التربية في ضمن واجبات الوالدين، يقول أمير المؤمنين في كلامه لابنه الحسن: >فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك، ويشتغل لبك<(8).
ويجب أن لا يغيب على الوالدين بأن كثيراً من الأبناء انحرفوا عن سواء السبيل بسبب مسايرتهم لأصدقاء فاسدين، ولا يخفى على كل عاقل ما للصديق من أثر عميق في صديقه، فيمكن يحول الصديق صديقه من شاب طموح يبتغي المعالي إلى شاب تافه لا يفكر إلا في الشهوات والملذات الآنية فإذا أحب الوالدان ابنهما فليفكرا ملياً كيف يمكن زج الابن مع أصدقاء صالحين، ثم يجب أن يحذر الأب ابنه من مشاهدة المظاهر السيئة التي يتقمصها أفراد لا يعرفون قيمة للفضيلة، ولا يولون اهتماماً لما يسمى برزانة وتعقل ومروة، بل هذه المناقب غائبة عن قاموس أفكارهم.
والآية المباركة التي تناول لقمان الحكيم تركيزها في قلب ابنه لتربيته وتوجيهه تقسم إلى ثلاثة اتجاهات هي:
الأولى: علاقة الشاب مع ربه عز وجل:
وذلك من خلال توجيهه تحو الصلاة، والصلاة في معناها اللغوي تعني الدعاء وإنما أخذت هذا المصطلح لأن لها هيئة خاصة تعتمد عليها من ركوع وسجود، والتوجيه نحو الصلاة والدعاء معناه ربط الشاب من صغره مع خالقه ليشعر أن هناك من يراقبه ويحاسبه، وهناك من يجازيه ويكافئه، ولا شك أن الصلاة تدعو صاحبها لتجنب المساوئ قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ(9).
ومن دلائل التركيز على إقامة الصلاة في الإسلام أنه دعا الأب إلى تأديب الولد لو تهاون في أداء الصلاة إذا بلغ العاشرة من عمره يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): >مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم وهم أبناء عشر<(10).
الثانية: علاقة الشاب مع المجتمع:
وذلك بجعل عامل النصح سبيلاً في حياة الشاب، بأن يتحمل جزءاً من المسؤولية تجاه مجتمعه ووطنه، لا أن يكون متفرجاً يسبقه للفضيلة من هو أصغر منه سناً، ثم يداخله مرض الحسد والكراهية، فالشاب حين يشعر بأنه يحمل مسؤولية عظيمة، فإنه سينمو ولديه هذا الهاجس الكبير، وتصبح النتيجة أن يغدو هذا الشاب بعيداً عن الطباع السيئة التي لا قيمة لها في حساب المجتمع.
و يجب التنويه إلى أن تحقيق هذا الأمر يحتاج إلى عدة عوامل مهمة وهي:
1- أن تكون الدعوة بالأسلوب الجميل، وذلك عبر الكلمات الطيبة، وسوق القصص المحببة إلى قلبه، وترسيخ مفهوم الأجر والعقاب، وتجنب طابع الأمر والنهي في تأدية الأعمال قدر الإمكان، ويحبذ دفعه إلى أماكن التوجيه مثل حلقات القرآن والدروس التي تقام في المساجد أو الجمعيات أو النوادي أو ما أشبه.
2- أن يصاحب ذلك بعض الأعمال المرغبة للشاب، مثل حثه على الاشتراك بالخدمة الاجتماعية في بعض الأماكن العامة كالمساجد والجمعيات الخيرية وغيرها.
3- التشجيع عامل مهم لكي يتقدم الشاب نحو الخدمة الاجتماعية، فكما أن الرجل يحتاج إلى كلمة تسليه وتحفزه فبالأولى للشاب، فالشاب يحتاج إلى تشجيع بشكل دائم، وينبغي تنويع الأساليب في مسألة التشجيع، فمرة بالكلمة الطيبة، ومرة بالهدية الجميلة، وأخرى بالمكافأة الحسنة وهكذا.
الثالثة: غرس روح الصبر منذ الصغر:
وهذا المطلب الهدف منه أن يتعود الطفل على ذلك منذ الصغر حتى تكون تلك سجيته، وليعلم أن تحقيق المهام الكبيرة تحتاج إلى صبر وتجلد كبيرين، من هنا جاءت توصية لقمان الحكيم لابنه للتحلي بهذه السمة.
وحيث أن مجتمعنا الإسلامي أصبح مجتمعاً منفتحاً أمام الإعلام الغربي، لذلك لم يسلم شبابنا من تأثير تلك الوسائل السلبية التي تصب على عقولهم ليل نهار، من هنا ظهرت بعض الملامح السلبية في سلوكهم كاستخدام العنف، وانتهار الوالدين، وعدم تقدير أهل الفضل من الناس، ومن جملة ذلك الظاهرة السلبية التي نتحدث عنها.
المجتمع وتحمل المسؤولية:
وحيث أن تلك الظاهرة هي إحدى إفرازات التوجيه الإعلامي المنحرف، فإن زمام المسؤولية كما تقع على عاتق الوالدين، والتي تشكل الدرجة الأولى لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(11)، فإنها تقع على عاتق المؤمنين أيضاً عبر القيام بدور التوجيه، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(12).
من هنا ينبغي على المؤمنين أن يفكروا ملياً فيما ينبغي فعله تجاه الأبناء، الذين هم النواة التي ينتظرها مستقبل الوطن، ولا شك أن المؤمنين في المجتمع يتطلعون إلى شباب يافعين صالحين، يفيدون أمتهم بكل أطياف الخير، وهذا لا يتحقق بمجرد الأماني، بل لا بد من برامج ثقافية مكثفة، ولجان تربوية كثيرة، تعمل في ساحة المجتمع لصقل نفوس الشباب ودفعهم نحو الخير والفضيلة، وينبغي تعميم هذه البرامج لبقية الأماكن الاجتماعية بحيث يقوم المثقفون بدورهم الطبيعي، وذلك لخلق تيار صالح يكون همه وشغله الشاغل بناء المجتمع.
ولاشك أن القيام بمثل تلك الأعمال الخيرة سيحد أو يقلص من بروز بعض تلك الظواهر السيئة التي يزاولها اليوم بعض الشباب في الشوارع المحلية والداخلية، كقيادة الدراجة النارية بعجلة واحدة، أو التفحيط والتخميس بالسيارة.
نسأل الله عز وجل أن يوفقنا إلى السير لما فيه خير الأمة إنه على كل شيء قدير وصلى الله على محمد وعلى آله الطاهرين.
الهوامش:
(1) البحار ج78 ص 93.
(2) البحار ج 74 ص 192.
(3) البحار ج 78 ص 158.
(4) سورة لقمان، الآية 17.
(5) البحار ج 10 ص 368 .
(6) ميزان الحكمة ج10 ص 703.
(7) ميزان الحكمة ج10 ص 703.
(8) البحار ج1 ص 223.
(9) سورة العنكبوت، الآية 45.
(10) البحار ج 88 ص 132.
(11) سورة التحريم، الآية 6.
(12) سورة آل عمران، الآية 104.


 

عالم دين
328244