ســـارة بــو حـيـمـد
الشاعرة الرائدة والمرثيون الأحياء
محمد عبدالرزاق القشعمي * - 16 / 10 / 2007م - 7:28 ص - العدد (43)

هناك بعض الأدباء من يبرز في مجال اهتمامه شعراً أو نثراً، قصة أو مقالاً، ويصول ويجول في الميدان الثقافي، ولكنه سريعاً ما يخبو توهجه، وتنطفئ شعلته، وينتهي إلى خبر كان.
هناك أسماء محددة تشغل الساحة فترة من الوقت. وتبرز ويتفاعل معها المتلقي ردحًا من الزمن، ثم تنشغل بمتطلبات الحياة فتنسحب بهدوء إلى الظل باحثة عن الدعة والراحة، أو أحياناً مجبرة لظروف حياتية أو اجتماعية.
فنجد مثلاً من كان له دور فاعل كعضو مجلس إدارة أحد الأندية الأدبية كالأستاذ عبد الله السليمان الذي كان - إضافة لعضويته في مجلس إدارة النادي الأدبي بالرياض في بداية تأسيسه - محررًا أدبيًّا بمجلة اليمامة وجريدة الرياض، وغيره كالشعراء محمد السليمان الشبل، وصالح الأحمد العثيمين، وعبد الرحمن المنصور، وغيرهم كثير ممن آثر الانسحاب من الميدان، ومنذ سنوات طويلة نرى الشاعر ناصر بو حيمد صاحب ديوان (قلق) الذي صدر عام 1962م من دار الكاتب العربي ببيروت وهو يعتبر من رواد الشعر الحديث؛ قد نشر عدداً كبيراً من القصائد في مجلة الأديب اللبنانية (1952-1965م) ثم توقف بعدها.
وهذا ينطبق أيضاً على شقيقته الشاعرة سارة بوحيمد التي برزت في الفترة (1960-1965م)، فنشرت الكثير من القصائد والمقالات الاجتماعية في مجلة الأديب اللبنانية، والجرائد المحلية كاليمامة عام 1380هـ إبان تولي الأستاذ حمد الجاسر إصدارها أسبوعياً وكانت لجرأتها توقع مقالاتها باسمها الصريح (الآنسة سارة بوحيمد)، وكان حمد الجاسر -رحمه الله- يهتم بها، وينشر لها ما تبعث به من مقالات أو قصائد من بيروت أثناء دراستها في كلية بيروت للبنات، وكذا صحيفة القصيم، وعكاظ والخليج - أثناء فترة صحافة امتياز الأفراد، أي قبل نهاية عام 1383هـ/1963م.
لقد عرفنا سارة بوحيمد بعد عودتها من لبنان مع بداية افتتاح مدارس البنات بشكل رسمي، وإذا هي تتولى إدارة إحدى مدارس البنات كأول سعودية تتولى مثل هذا العمل. ولكنها لظروف يطول شرحها تستقيل مفضلة التفرغ لبيتها، وتربية بناتها والإشراف على تعليمهن، كما إنها قد أنشأت نادياً للأطفال يضم مكتبة وغرفة للألعاب، وفصلاً لدراسة اللغة الانجليزية، وفصلين لمساعدة الطالبات المتأخرات في الدراسة، ولما لم تجد التشجيع المناسب اضطرت إلى تحويله إلى مشروع تجاري.
عادت إلى المنطقة الشرقية، وغادر شقيقها ناصر إلى ألمانيا للعمل بالتجارة مع تردده بين وقت وآخر إلى المملكة، وبقيت سارة تزاول التجارة مما صرفها عن الهم الثقافي والإبداع الأدبي، ابتعدت - كما شقيقها - عن الساحة، وأصبح ديوان (قلق) لناصر، وبعض القصائد التي نشرت لسارة مرجعاً للباحثين، وكلما سئل عنهما. لا يعثر على جواب، فكان أن تجرأ أحدهم وقال (رحمهما الله). ورحمنا معهما.
مع التحضير لمعرض الكتاب الدولي بالرياض قبل بضعة أشهر فكر المسؤولون عن المعرض بتكريم بعض الرواد أثناء حفل الافتتاح مع تسمية ممرات المعرض بأسماء بعض من رحل منهم إلى الدنيا الآخرة، وكان لي دور متواضع في هذا المجال فاقترحت اسم (سارة بوحيمد) كرائدة لتعليم البنات، وشاعرة تنطبق عليها الشروط المحددة للتكريم. وهكذا كان. وبعد المعرض أحببت أن أكتب موضوعاً عن المناسبة، أحيِّي فيه هذه الرائدة، وبحثت، وسألت الكثير عن المزيد من أخبارها لأذكره للقارئ، وأشكرها على ما قدمته من تضحية، وتحدٍّ للوضع السائد، وقتها، وسباحتها ضد التيار بكل شجاعة؛ إذ نجدها توقع اسمها الصريح تحت مقالاتها في اليمامة وغيرها بينما محررة الصفحة لا تجرؤ على ذكر اسمها خوفاً من المنكرين، والرافضين لكل جديد مفيد، وكانت المشرفة على ركن الأمهات تكتفي بكتابة اسمها (أ-الجوهري) في أعلى الصفحة النسائية.
أعود لصاحبتنا سارة، وقد تذكرت أن الأستاذ علي الدميني قد سبق وطلب صورة لديوان (قلق) لناصر بوحيمد قبل سنوات ليهديه إلى جيران لـه بالظهران من العائلة نفسها. فهاتفته ضمن من اتصلت بهم لتتبع أخبار البوحيمد. وجدته في جدة فطلب مني أن اتصل بأم عادل – حرمه - الأستاذة فوزية العيوني، وكانت المفاجأة أن قالت إنها قد تعرفت، قبل أيام، لواحدة تحمل هذا الاسم، فقد تكون هي أو قريبة لها فأعطتني رقم هاتفها، فاتصلت بها وإذا بها هي التي بادرتني بسؤال ماكر هل أنت ممن أماتني؟
فقلت: حاشا لله، فالله هو المميت، وهو المحيي، ولكنك وشقيقك ناصر بهذا الشكل بحكم الأموات لابتعادكما. وإنني سوف أبعث لك بما كتبته مع رجاء إعادته بعد تصويب ما قد يعتريه من أخطاء. وهكذا تبادلنا المراسلات بالناسوخ والاتصالات الهاتفية، وقالت إن شقيقها ناصر سيعود بعد أيام من ألمانيا، وسيتصل بالمهتمين، وسيعود لما سبق. كما وعدت هي بالتواصل، وقد بدأت بمبادرة جميلة من الأستاذ سعود الذيابي ببرنامجه (بانوراما ثقافية) من إذاعة البرنامج الثاني من جدة مساء الأحد 8/5/1427هـ. أعقبه النادي الأدبي بالرياض، وضمن خيمة الشعر بالاتصال بها مساء الاثنين 8/5، وألقت بعض قصائدها بالهاتف مع قراءة سيرتها الذاتية وبعض أعمالها. كما شاركت الأستاذة فوزية العيوني بمداخلة جميلة قارنتها بالرائدة المصرية ملك حفني ناصف.
وقد أتاحت (المجلة الثقافية) ملحق جريدة الجزيرة بالرياض الفرصة لها بتخصيص ملف يضم بعض أعمالها مع مشاركات لعدد من الأساتذة الكتاب والكاتبات ومقابلة معها.
وسوف تعيد وزارة التعليم العالي طبع كتيب (الرواد المحتفى بهم)، ونقل اسمها من الراحلين إلى الأحياء.
أدباء نُعُوا في حياتهم ظناً أنهم ماتوا:
ولعلي بهذه المناسبة استعرض بعض من رُثوا من الأدباء في حياتهم، ثم اكتُشِف خطأ ذلك، أي إنهم ما زالوا أحياء يرزقون. فلعل هذا يشفع لي أمام (أم أمل)، فلها العتبى حتى ترضى، عسى أن يحملها ذلك على العودة للكتابة مرة أخرى.
1- عند اشتغال العلامة خير الدين الزركلي بجمع مادة موسوعته (الأعلام) التي بقي لأكثر من ثلاثين عاماً قبل إخراج الطبعة الأولى منها حرص على ألا تضم سوى الأعلام الراحلين، ولهذا نجد العالم السوري مصطفى الشهابي (1311 - 1388هـ = 1893 - 1968م) يتمنى أن يموت قبل انتهاء طبع الأعلام حتى يذكر فيه – ذكر ذلك الدكتور عبد الحليم منتصر في مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة 24: 286 - 307، ومجلة العرب 2: 949.. الخ - ومع ذلك نجده يضيف للأعلام الأستاذ حسين عبد الله سراج (1331هـ - 1912م) المولود بالطائف، وهو ما زال حتى تاريخه حياً يرزق.
كما ترجم الزركلي في (الأعلام) أيضاً للعالم الهندي محمد زكريا الكان دهلوي بقولـه: إن وفاته بعد عام 1348هـ، والصحيح أنه توفي عام 1402هـ، والزركلي توفي عام 1396هـ.
2- ترجم محمد خير رمضان في (تتمة الأعلام) في الطبعة الأولى للشيخ حمد بن إبراهيم الحقيل على أساس أنه متوفىً، وتابعه في ذلك صاحب مصنفات الحنابلة عبد الله الطريقي، وتبعه في ذلك كامل سليمان الجبوري في (معجم الأدباء). وما زال - متعه الله بالصحة والعافية - يستقبل محبيه وأصدقاءه بمنزله بالرياض ضحى كل خميس.
كما رُثي الشيخان محمد محمود الصواف، وعلي الطنطاوي في حياتهما. هكذا أفادني الباحث الأستاذ محمد بن عبد الله الرشيد.
3- ذكر الأستاذ عبد الله الناصر - الملحق الثقافي للملكة ببريطانيا - بمقاله الأسبوعي (بالفصيح) بجريدة الرياض بالعدد 13857 ليوم الجمعة 6/5/1427هـ - 2/6/2006م أن الموسيقار محمد عبد الوهاب قد قرأ قصيدة للشاعر الصعلوك محمود أبو الوفاء في إحدى الصحف وهي:
عندما يأتي المساء ونجوم الليل تنثر
اسألوا لي الليل عن نجمي متى نجمي يظهر؟
كل نجم راح في الليل بنجم يتنور
غير قلبي فهو ما زال على الأفق محير
فأعجبته واتصل بالشاعر، وطلب أن يغنيها مقابل مبلغ خمسة جنيهات.
وبعد سنوات سمع أبو الوفاء - وهو على فراش المرض- مقابلة بالإذاعة مع محمد عبد الوهاب، وذكر الواقعة، وقال إن الشاعر قد توفي، ولم يقبض الخمسة جنيهات. فما كان من أبي الوفاء إلا أن زحف إلى الشارع، وبحث عن هاتف محمد عبد الوهاب. فهاتفه، وعندما رد عليه قال له: “يا خبر دانت حي يا محمود؟ دنا حسبتك يا راجل مت من زمان” فرد أبو الوفاء: “لا والله أنا ما متش ولا حاجة، أنا لسه عايش بس أنا مريض، وغلبان، ومزنوء، ومفلس يا محمد”، واعتقد المسكين أن عبد الوهاب سيموت خجلاً، ويبعث ما يعادل قيمة المبلغ القديم، ومضاعفاته، ولكن الأيام مرت ولم يطرق أحد بيت أبي الوفاء”.
4- ونقرأ في مجلة (الأضواء) بجدة بعددها 60/61 وتاريخ 15 محرم 1378هـ 15 أغسطس 1958م مقالاً بعنوان (مات أبو مدين. عاش أبو مدين) بقلم محمد أمين يحيى يقول فيه: “.. فقد روعنا، قبل أيام، خبر يقول إن الصديق الأستاذ عبد الفتاح أبو مدين قد خرج في نزهة بحرية على ساحل ليبيا في قارب وبرفقته السيد عبد القادر بادكوك الموظف بالسفارة السعودية في ليبيا وآخرون، وبعد أن مضوا في البحر ساعة وبعض الساعة انقلب بهم القارب فلم ينج منهم سوى اثنين. أما عبد الفتاح وبادكوك فقد توفيا غرقاً...” وما زال أبو وديع بيننا حيًّا يرزق، ويكتب، ويؤلف، ويعمل بجد ونشاط، زاده الله صحة وعافية وعمراً مديداً.
5- ونجد في مجلة (الجزيرة) في عددها الخامس من سنتها الثانية لشهر ربيع الأول 1381هـ أغسطس 1961م أن الأستاذ عبد الله بن خميس صاحب ورئيس تحريرها يكتب تحت عنوان: (مات الزيات!!) راثياً صاحب مجلة (الرسالة) بالقاهرة الشهير. كما رثاه أيضاً الأستاذ عبد الرحمن المعمر بمقال له بعنوان (مات صاحب الرسالة).
ولكننا نجد في الصفحات الأخيرة من العدد نفسه الخبر التالي: (لم يمت الزيات!!) علمنا بمزيد الغبطة والمجلة على وشك الصدور أن ما أشيع عن موت الزيات غير صحيح، وهذه بشرى تطفح بها نفوسنا، وتسر بها افئدتنا، ويعود لها ما فقدته من أمل، وما غرب عنها من سرور. متع الله كاتب العربية بالصحة والعافية، ورزقه عمراً مديداً، وتوفيقاً جديداً، ولا أراه مكروهاً.
6- وفي العدد 16 من جريدة (القصيم) ليوم الثلاثاء 18 رمضان 1379هـ الموافق 15 مارس 1960م نقرأ الخبر التالي: (ينعونه وهو حي) تأسف أهل وأصدقاء ومعارف المواطن الفاضل الأستاذ ناصر بن سليمان بوحيمد، تأسفوا كثيراً للنبأ الذي أوردته جريدة الخليج في عددها الأخير زاعمة فيه موته...
إن الأستاذ بوحيمد حي يرزق، وفي صحة جيدة، وهو الآن في رحلة بألمانيا تتعلق بشئونه الاقتصادية الموفقة بإذن الله. أعاده الله إلى وطنه سالماً غانماً.
7 - كما نقرأ في الصفحة الثقافية من جريدة (عكاظ) في العدد 14498 ليوم الأحد 9/4/1427هـ الموافق 7/5/2006م تحت عنوان (بانوراما تحتفي بالجهيمان) تحتفي إذاعة البرنامج الثاني بجدة مساء اليوم بالأديب الراحل عبد الكريم الجهيمان من خلال تسليط الضوء على مشواره الثقافي، والأدبي، وجوانب شخصيته، وذلك عبر برنامج (بانوراما ثقافية) الذي يعده ويقدمه سعود الذيابي، ويخرجه سعيد المحياوي.
البرنامج يستضيف في هذه المناسبة كلاًّ من الدكتور محمد عبده يماني، وسعد البواردي، وكاتب هذه السطور، وحمود الربيعة، وذلك عند الساعة العاشرة والربع مساءً.
وهكذا بعد أن قرأت الخبر اتصلت بالدكتور سعيد السريحي نائب رئيس التحرير معترضاً، ومحتجًّا على كلمة (الراحل) فهو ما زال حيًّا يرزق، متعه الله بالصحة والعافية، وكنت آمل أن يصحح الخبر في الغد، لكن ذلك لم يحصل، فحتى تاريخه لم ينشر أي إيضاح وكأن الموضوع أمر عادي.
8- وجاء في ديوان حافظ إبراهيم(1) بعنوان: (من مرثية وهمية):
بلغ حافظ إبراهيم أن جورج الخامس ملك انجلترا قد توفي، فلم يكد يسمع هذا النبأ حتى بدأ ينظم قصيدة في رثائه، ثم تبين له عدم صحة هذا الخبر، وقد وقفنا على بيتين من هذه المرثية وهما:
إن الذي كانت الدنيا بقبضتــه
أمسى من الأرض يحـويه ذراعان
وغاب عن ملكه من لم تغب أبداً
عن ملكه الشمس من عزٍّ وسلطان
فمعذرة يا أستاذتنا الرائعة فما أنت أول مرثية حية، ولعل الله يهبك بهذا الرثاء فسحة في الأجل، وصلاحاً في العمل، وعطاء متميزاً يعيد ما أبدأتِ، ويحيي ما بذرت. آمل أن نراك ونقرأ لك عما قريب.
الهوامش:
(1) ديوان حافظ إبراهيم -دار العودة بيروت ، ج2 ، ص248-(د-ن) جمعة وصححه أحمد أمين وآخرون.

 

* باحث
302166