فضل السكوت ولزوم البيوت ..أوراق جريئة لتفعيل المجتمع
قراءة في كتاب
جعفر محمد العيد * - 16 / 10 / 2007م - 7:30 ص - العدد (43)


الكاتب: منصور عبد الجليل
الناشر: الدار العربية للعلوم
عدد الصفحات: 264صفحة
الطبعة الأولى
بيروت 1426هـ (2005 م)

عند محاولتي الدخول إلى كتاب (فضل السكوت ولزوم البيوت) استوقفني عنوانه كأحد المفاتيح الأساسية لتوجيه القراءة، بنية العنوان توحي للقارئ بجملة تهكمية، تظهر الحلاوة، وتضمر في داخلها الكثير من الأسرار لتقودك إلى قراءة أحد المتمردين على الصمت السائد، ومهادنة الواقع الثقافي والاجتماعي.
ترى ما الذي أراد أن يقوله الأستاذ منصور القطري، في هذا الكتاب؟ وما هي الرسالة التي بعث بها للقراء؟ وفي أي الجوانب كانت هذه الكتابات؟ في هذه الإطلالة على الكتاب أحاول تناوله بطريقة مختلفة عن الطرق المتعودة. ففي القراءة الأولى نلاحظ ميول الكاتب للمسألة الاجتماعية أكثر من الأمور الأخرى. يتضح لنا ذلك من مقارنة اتجاه المواضيع مع بعضها، فلم يحمل الكتاب من المواضيع النفسية الصرفة سوى عنوانٍ واحدٍ هو: (سيكولوجية الزعامة)، وهذا الموضوع لم يتعدَّ 4 صفحات، مبتعدا عن متطلبات التخصص (ماجستير في السلوك الإداري)، ولم يحمل أي مواضيع ذات صبغة إدارية (بالرغم من عمله الرسمي في معهد الإدارة). كما أن الأستاذ منصور القطري يعد من الوجوه الثقافية في المنطقة، إلا أن المواضيع الثقافية، أيضا، لم تتخط، في هذا الكتاب الـ 26 صفحة، أي بنسبة 10% من مجموع الكتابات، أما الموضوع الديني في هذا الكتاب فلا يلقى نصيبا إلا بمقدار 14صفحه، أي بنسبة 6% من مجموع الكتابات. إما المواضيع التي حظيت بالنصيب الأكبر فنستطيع أن نقول إنها المواضيع الاجتماعية التي تجاوزت 12 عنواناً، وأخذت من الصفحات 91 صفحة، أي بنسبة تصل إلى40%من صفحات الكتاب, وكذلك المواضيع التربوية التي بلغ عددها 7 عناوين بعدد 52 صفحة، وبنسبة تتجاوز 21% من مجموع الصفحات المكتوبة. إذا؛ فنحن أمام كاتب يميل إلى معالجة المواضيع الاجتماعية... خصوصا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار النظرة الموجودة عالميا والتي تعتبر كلا من المواضيع الثقافية والدينية والتربوية يمكن أن يصنف بأنه موضوع ثقافي أو اجتماعي فإن هذه الكتابات أخذت نسبة تتجاوز 70% من مجموع مقالات الكتاب، ومن العناوين التي نقرأها في الكتاب التالي:

العنوان
 التصنيف
 عدد الصفحات
 الملاحظات

خلف أسوار المدارس
 تربوي
 8صفحات
 
تصميت النساء
 اجتماعي
 8صفحات
 
تماسك الأسرة
 اجتماعي
 8صفحات
 
أمراض القلوب
 اجتماعي
 8صفحات
 
الكتابة على الجدران
 اجتماعي
 6صفحات
 
نادي المقروحين
 ثقافي
 8صفحات
 
التوجيه الأكاديمي
 ثقافي
 6صفحات
 
التربية الجنسية
 تربوي
 4صفحات
 

الأكثرية التافهة والأقلية الفاعلة:
تحت عنوان (الأكثرية التافهة،والأقلية الفاعلة) يستعرض لنا الكاتب قانون العالِم (فلفريدو باريتو) 20/80% التي تعني، فيما تعنيه، أنه قد تكون فئة من العمال 20% تعمل عمل80% من أعمال المصنع، وقد يشتري 20% من العملاء مقدار 80% من البضاعة.
التوجيه الأكاديمي في الحياة الجامعية:
يرى الأستاذ القطري أن مشكلة الهدر الطلابي نابعة من التقصير في الإرشاد الأكاديمي، ويتوقع من الطلاب القادمين من أسر بعيدة عن البلاد التي يدرسون فيها أن يسدُّوا النقص الموجود في مهاراتهم عن طريق الدخول في بعض الدورات في (تنظيم واستغلال الوقت، أنواع التفكير, القراءة والكتابة السريعة, العلاقات الناجحة مع الآخرين). ناهيك عن اكتساب وتعلم مهارات وقيم واتجاهات إيجابية لا يمكن أن تحصل من الدروس والمحاضرات إن لم يكن هناك التفاتة من الطالب إليها؛ مثل ممارسة النظام، تقدير قيمة الوقت، أهمية العمل على صورة فريق، فن التعامل مع الأجهزة والمرجع.
 وبعد أن يستعرض المؤلف تجربتين عالميتين في الإرشاد الأكاديمي، يخلص الكاتب إلى القول (على جامعاتنا أن تغير نظرتها للإرشاد الأكاديمي) وتتجاوز الفردي منها للوصول إلى طرق جديدة من الإرشاد كما هي موجودة عالميًّا.
أمراض القلوب أخطر من معاصي الجوارح:
ينعى الأستاذ منصور، في هذه المقالة، العمل الجماعي في البلاد، ويعزو ذلك إلى شيوع الحالة الفردية بدل الجماعية كأحد مفرزات العصر الحديث، ويقرر، في هذا المقال، الأمور التالية:
1- إن الحالة الفردية ليست حالة خاصة بأصحاب العمل الديني دون غيرهم.
2- هذه الحالة على الرغم من سوءها إلا إنها أثبتت كم أننا أقوياء كأفراد أكثر منا جماعة.
3- وإن الحالة الفردية ليست خاصة بالمسلمين، وليست مرتبطة بهم، إنما هي حالة مرتبطة بالحياة الحضرية العالمية، والثقافية السائدة في المجتمع العالمي.
4- إن الأنانية والحسد, حب الرئاسة، التكبر، الحقد، الغيرة، النميمة، هي أمراض يتسلل منها الشيطان؛ فهي صعبة الاكتشاف والعلاج في وقت واحد.
5- إن مثل هذه الإمراض التي يرتكبها البعض هي أحد اكبر أنواع الظلم الذي (لا يترك) على حد قول الإمام كما يذكر المؤلف ذالك.
6- أخيرا، يقول المؤلف، إننا يمكن أن نتغلب على هذه الحالة عندما نعرف الحد الفاصل بين كلمة (أنا)و(نحن)، وهذا من شأنه، في كثير من الأحيان، إنقاذ المجتمع.
تصميت النساء:
إن هذا العنوان ملتبس، وملغوم، سألت نفسي، وأنا أقرأ المقال، ماذا يقصد المؤلف بكلمة تصميت النساء؟ هل تصميت النساء تعني إسكاتهنَّ بأية طريقة؟ أو حجب صوتهن عن الظهور؟ وفي الواقع إن المقال يحتمل المعنيين. و يعترض المؤلف على إخفاء صوت المرأة، وكذلك عدم إشراكها إلى جانب الرجل في شتى المجالات التنموية:
1- ويعتبر ذلك الصمت عن حقوق المرأة العربية من المشاركة الاجتماعية والسياسية هي من الحقوق المسكوت عنها، وإخافة الناس من الفزاعات بدعوى الخصوصية هي من الأمور المعترض عليها، مثلها مثل أي شيء آخر إذا كانت هذه الخصوصية ستلغي حق المرأة في نيل حقوقها.
2- وإذا كانت صورة طالبان السياسية غير مقبولة على الصعيد السياسي، فلماذا نقبلها هذه الصورة اجتماعيًّا، ونسكت عنها في مجتمعاتنا؟
3- وأننا لسنا مجتمعًا قاصرًا؛ فالسعوديون بمقدار اختلاطهم بالمجتمعات الأخرى أصبحوا مختلطين بهذه الثقافات، فلماذا ييسرون كل شيء إلا حقوق المرأة فأنها تتعطل؟
4- إن هناك العديد من الوظائف لا زالت مشغولة بالرجال من جنسيات مختلفة كان يمكن إشغالها بالعنصر النسائي.
5- إن المطلوب اليوم ليس توظيف المرأة لكي يقال إننا أشركناها؛ لكن المطلوب العمل على دراسة بناء العائلة السعودية، ومحاولة التخلص من سلوكيات معيشية باذخة فرضت نفسها مع طفرة النفط، وما تزال قائمة بعد أن تغير الكثير من أسبابها، ومنها مستوى دخل الفرد السعودي.
6- في الأخير إن اطلاع المرأة بأدوارها الاجتماعية والرياضية على غرار مثيلاتها في الدول العربية هو الحل، بدل أن يصبح حلما لدى المرأة لدينا. إضافة إلى أنه أحد الحلول، خصوصا مع بروز ظواهر أخرى تعتمد على المرأة مثل ظاهرة (الزوجة الأب)…الخ.
خلف أسوار المدارس (وقضية تطوير المناهج):
يستعرض المؤلف، هنا، قضية تطوير المناهج في المملكة العربية السعودية، ومع أنه مع تطوير المناهج؛ إلا أنه لا يرى من المجدي إغفال الوسائل الأخرى التي تمارس للتأثير على الطالب. إذًا، فالتأثير التربوي لا يختصر في المناهج، إنما يتخطاه إلى النظر في جميع مؤسسات التنشئة الاجتماعية الرسمية، وغير الرسمية، وكذلك التربية غير المقصودة التي لا يمكن معرفة مدى تأثيرها إلا من خلال الدراسة، والإعلام أحد المؤسسات البالغة التأثير على الطلاب كما إن المجتمع يواجه مجموعة من الأمراض أهمها الحالة القبلية، الإقليمية، الطائفية.
إننا نحتاج إلى الرؤية الشاملة، وعدم التخشب أمام فكرة التطور في مسألة تغير المناهج، إضافة إلى النظر في الجهة التي ستقود عملية التغيير في المناهج؛ هل هي مؤسسة عالمية متخصصة في تغيير المناهج مثل اليونسكو؟ أو مؤسسات استشارية؟ أم هي لجان حكومية كما جرت العادة؟ إن أسوأ الأشياء التي يواجهها الطالب في المدرسة هي تلك الأدوار المتناقضة بين ماهو داخلها وما هو خارجها، وهي من الأمور التي تحتاج إلى دراسة من المفكرين الاجتماعين.
وكلما تعمقت في الكتاب لقيت فيه الكثير من الأفكار والقضايا المثارة، ولا يمكننا حصر هذه الفوائد في هذه الأوراق، ففي مقالة (قد أفلح من تبنك) يناقش الكاتب الأفكار المادية التي غزت عقول شبابنا إلى درجة يخشى منها أن تحل محل تلك القيم والأفكار الايجابية النابعة من الدين الإسلامي.وفي مقالة (قراءة نقدية في مبدأ رفض التغير) يطالب بالعدل، والنظر في المناهج، وتغيرها بغض النظر عن الدعوة الأمريكية للإصلاح. وفي موضوع (لماذا يموت الإبداع في وطننا العربي) فيها دعوة، أيضاً، إلى العمل، وإعادة النظر في تعاملنا مع الأفكار الإبداعية، سواء في مدارسنا أو في غيرها.
أما مقالة (لماذا تقدم المسلمون في ماليزيا وتأخروا في الوطن العربي؟) ما هي إلا عرض للتجربة الماليزية في التعليم بالخصوص الثورة التي أحدثها مهندس هذه النهضة التعليمية (مهاتير محمد)، وفيها دعوة للدول العربية أن يستفيدوا من التجربة الماليزية.
وعلى العموم كان الأستاذ منصور القطري موفقا في الطريقة والعرض والتفاصيل في جميع المواضيع التي طرقها، وتكشف هذه المواضيع عن طاقة جبارة، ومستوى ثقافي رفيع يتحلى به الأستاذ القطري، أعانه عليها الدربة والاختلاط بقضايا مجتمعه الثقافية والاجتماعية.
ملاحظات على الكتاب:
إنني، في الواقع، أشعر بالارتياح عندما أقرأ من أحد كتاب البلاد هذا المستوى من التفكير والتحليل والنقد.
وهنا بعض الملاحظات تمنيت لو أن الأستاذ القطري تلافاها، أو أخذها بعين الاعتبار في مؤلفات وكتابات أخرى، وأجملها في نقاط مختصرة:
1- العناوين عبارة عن مواضيع نشرت في جريدة اليوم السعودية وغيرها، كان من الأفضل الإشارة إلى تاريخ نشرها، والوسيلة الإعلامية المنشور فيها.
2- يبدو أن الأستاذ القطري لم يلحق قائمة الهوامش للمطبعة، أو إنها سقطت سهوا، لأن نقص التوثيق كان واضحا في جميع مقالات الكتاب، فلقد أحصيت خمسة عشر عنوانا لنقولات لم يذكر المؤلف مصدرها. ولكي أكون منصفا، فالأستاذ منصور يذكر في معظم الحالات اسم الكتاب، واسم المؤلف، لكنه لا يذكر من أي صفحة أخذ هذا الكلام، إضافة إلى بقية تفصيلات التوثيق من رقم الطبعة وتاريخها ومكان النشر.
3- في موضوع التوثيق وجدت بعض المصادر موثقة لكنها غير كاملة وغير دقيقة، فعلى سبيل المثال يذكر المؤلف في صـ 210 أحد المصادر بهذا الشكل (الرياض النظرة ج2 صـ 47ـ ميزان الحكمة جـ4 صـ 44... فهذا التوثيق غير كامل لعدم اكتمال المعلومات التوثيقية، وغير دقيق لأني بحثت في المجلد الرابع لميزان الحكمة في الصفحة المذكورة ولطبعتين مختلفتين (ط عام 1405 هـ، وطبعة عام 1403هـ فوجدت أن هذه الصفحة بيضاء خالية).
4- في التوثيق غير الصحيح نورد مثالاً: لقد أورد المؤلف في الصفحات ( 180، 181 )التالي:«لقد هممت أن أنهى عن الغيلة (جماع المرأة المرضع) فنظرت في الروم وفارس فاذا هم يغيلون أولادهم...الخ»ويرجع المؤلف هذا الحديث الى مرجعيين هما كالتالي (صحيح مسلم ج2 ص1066، معاني الأخبار للصدوق ص 283) (فمعاني الأخبار للصدوق، وغيره من المصدر الشيعية تكتفي من كلام الرسول : (لقد هممت أن أنهى عن الغيلة) فقط. ولا تذكر باقي الحديث فالكلام الموجود قد يكون منقولا من صحيح مسلم. فمن الدقة بمكان التفريق بين ما هو مذكور في صحيح مسلم والمصدر الآخر.
مثال آخر يقول المؤلف: «من أجمل الكتابات التي طالعناها مقال (رائع) للشاعر العربي نزار قباني نشر تحت عنوان: (الكتابة عمل انقلابي) عام 1991 م في جريدة الحياة اللندنية» (صـ 199،198 الكتاب).انتهى كلام المؤلف. أقول إن (الكتابة عمل انقلابي ) كان في الأصل مجموعة مقالات نشرت في مجلة الأسبوع العربي خلال الأعوام ( 73، 74، 1975 م) طبع لأول مرة بعنوان ( الكتابة عمل انقلابي ) في كتاب عدد أوراقه 64 صفحة عن منشورات نزار قباني الطبعة الأولى في العام 1975 بيروت يمكن الرجوع الى الرابط:
http://www.arabsline.net/vb/showthread.php?t=22290
ثم تكررت طباعة هذا الكتاب حتى أعادت طباعته دار الآدب الطبعة الخامسة العام 2000م بيروت يمكن مراجعة الرابط:
http://www.adabwafan.com/browse/entity.asp?id=12278


 

عضو هيئة التحرير
319336