أواني الحجر الصابوني في جزيرة تاروت
علي ابراهيم الحماد * - 17 / 10 / 2007م - 3:38 ص - العدد (40)

الحديث عن جزيرة تاروت لا ينتهي. فكلما ذكرتها تبرز إلى مخيلتي لمحات ولمحات من وصف الحضارة العريقة؛ يبدأ أولها من إيحاءات اسمها، والربة “عشتاروت “ معبودة أرض الرافدين الأولى. وتمرُّ اللمحات حتى تصل بي إلى حفريات الدانمركيين في أرضها عام 1968م عندما كانوا يبحثون عن أرض (دلمون) الخالدة، وتصل بي، أيضاً، إلى مرفأ دارين القديم على أرضها، الذي كانت السفن، من جميع أنحاء العالم، تصل إليه محملة بشتى أنواع البضائع، وهكذا؛ فإن هذه الجزيرة بهدوئها، وسحرها، وماضيها المجيد أسرتني لأكون أوَّلَ من اختارها موضوعاً للكتابة لنيل درجة الماجستير.
وبدأت قصتي مع الدراسة عندما قرأت مقالاً في حولية الآثار السعودية (أطلال)، وكان عنوانه (دراسات عن أنواع الفخار في المملكة العربية السعودية - الحجر الصابوني - قائمة الأواني المصنوعة من الحجر الصابوني بمتحف الآثار والتراث الشعبي بالرياض)، وكان المقال مترجماً من الإنكليزية للعربية، وهو للباحث الأمريكي يوريس زارنيس الذي كان يعمل في إدارة الآثار بالمملكة عام 1398هـ 1978م، وقد حصر زارنيس ما يقارب 600 قطعة من الحجر الصابوني؛ بين إناء كامل، وكسرة صغيرة جاءت كلها من جزيرة تاروت، ومعظمها عثر عليه بالصدفة عام 1962م أثناء إزالة الرمال التي استخدمت في إنشاء جسر رملي بين الجزيرة ومدينة القطيف الساحلية، وبعض القطع عثرت عليها البعثة الآثارية الدانماركية عام 1968م، والبعض الآخر عثرت عليه السيدتان (مارني جولدنج) و(جريس بيركهولدر) عام 1974م، وهما موظفتان في شركة أرامكو السعودية، والبعض عثر عليه يوريس زارينس نفسه، وهي ملتقطات سطحية عام 1975م، وآخر مجموعة عثرت عليها بعثة الإدارة العامة للآثار في نفس العام 1975م في حفرية إنقاذية.
كما إن أستاذي الفاضل الدكتور علي بن صالح المغنّم، وكيل الآثار والمتاحف كان له الفضل الأول في توجيهي للكتابة عن هذه الأواني عندما كان مديراً لمتحف الدمام الأقليمي.
سافرت إلى مدينة نجران الجنوبية لأن الحجر الصابوني لا يزال مستخدما في الحياة اليومية هناك، ووجدت نفسي استمتع وأنا أعد تقريراً مصوَّراً عن صناعة هذه الأواني. بل إني زرت أحد المحاجر في ظهران الجنوب، وصوَّرت عملية النحت من بدايتها إلى نهايتها، وكيف تحولت كتلة حجرية تم قطعها من الجبل إلى زبدية صغيرة تستخدم لتقديم الطعام.
ونظراً لأن كمية القطع من الحجر الصابوني من تاروت التي استطعت الوصول اليها بلغت الأربعمائة؛ فضلت أن استخدم الكومبيوتر في احصائها وتصنيفها، فكانت أول دراسة ماجستير في قسم الآثار تستخدم برنامجًا إحصائيًّا لهذا الغرض.
وقدمت الرسالة باسم “ أواني الحجر الصابوني من جزيرة تاروت “ لجامعة الملك سعود – كلية الآداب – قسم الآثار – عام 1418هـ / 1998م في (322) صفحة.
وزعت محتويات الرسالة على أربعة فصول وثلاثة ملاحق، وفي مقدمة الرسالة تحدثت عن الدراسات السابقة، وصعوبات البحث.
الفصل الأول: التعريف بموقع جزيرة تاروت، واشتاق اسمها، وتضاريسها، وخلفيتها التاريخية، وأهميتها الآثارية.
الفصل الثاني: في هذا الفصل تحدثت عن موضوع الرسالة، وهو “الحجر الصابوني”، وشمل عدة محاور:
1- المادة الخام للحجر الصابوني من:
أ- طبيعته، وسبب تسميته، واسمه العلمي.
ب- مصادره في العالم القديم والحديث، وأن جزيرة تاروت ليست من مصادر الحجر الصابوني، فهو يجلب إليها على شكل مادة خام، ويشكل، ثم يصدَّر لخارج البلد، ومنه ما يستخدم في الجزيرة وما حولها، فقد وجدت بعض من الحجر الصابوني في حالته الخام الجاهزة للتشكيل، وبعض منه في مراحل تشكيله وتكوينه مما يدل على أن الجزيرة أحد مصادر تصنيع وتشكيل أواني الحجر الصابوني.
2- دراسة لبعض العينات بالمجهر “الدراسة البتروجيولوجية”. تم اختيار تسع عينات من كسر أواني الحجر الصابوني، وكان هدف دراسة هذه العينة:
أ- تجاوز الحكم على هذه الصخور من النظر بالعين المجردة إلى التحليل المجهري.
ب- معرفة مدى صلابة وليونة كل نوع من أنواعها.
ج- معرفة المكونات المعدنية والصخرية لكل نوع قدر الإمكان.
د- معرفة مدى تجانس واختلاف هذه الأنواع.
هـ- محاولة معرفة ارتباطها بمصدر واحد، أو مصادر مختلفة، وتحديد المصدر إن أمكن.
الفصل الثالث: الصناعة المعاصرة لأواني الحجر الصابوني “ الدراسة الأثنو -اركيولوجية “، وهدف هذا الفصل الاستفادة من الصناع المعاصرين لأواني الحجر الصابوني لكشف بعض الجوانب الخاصة بموضوع البحث، وذلك لعدم معرفتنا بمراحل صناعة أواني الحجر الصابوني بشكل دقيق، ومن هنا حاولتُ الوقوف على الناحية التقنية الخاصة بصناعة الأواني بدءاً من جلب المادة الخام من مصادرها، وحتى عرض الأواني في الأسواق، فقررت زيارة منطقة نجران حيث اشتهرت بهذه الصناعة، وفعلاً زرت نجران، ووجدت عدة محلات كبيرة تبيع هذه الأواني، ومن خلال اتصالي بأهالي نجران تعرفت على أناس لهم معرفة بصناعة أواني الحجر الصابوني، وأن صناعة الحجر الصابوني تمر بمراحل وهي:
المرحلة الأولى - اختيار المادة الخام، والمادة هنا لها مواصفات خاصة؛ منها خلوها من العروق.
المرحلة الثانية - قطع النواة: عندما يتصور النحات شكل وحجم الإناء الذي يرغب في تشكيله ونحته يبدأ بتحديد أبعاد النواة التي يحتاجها، وتتم عملية القطع بطريقة فنية رغم بساطتها.
المرحلة الثالثة - التشذيب الأولي: بعد اقتطاع النواة المناسبة يقوم النحات بعملية نحت الإناء مبدئياً أي تشكيله.
المرحلة الرابعة - صقل الإناء، وهي أهم المراحل، وهي تبرز فن النحات، وخبرته، وذوقه الرفيع في صناعة أواني الحجر الصابوني.
المرحلة الخامسة – الزخرفة، وهي ليست ضرورية عند النحاتين، ولكنها تبرز عند المهرة، وأواني الدراسة كانت الأواني المزخرفة لها النصيب الأكبر عن غيرها.
المرحلة السادسة - الطلاء: لا يكون الإناء جاهزاً للاستعمال إلا بعد أن يطلى بالسمن، أو الزيت، من الداخل والخارج.
كما إني عملت عدة مقابلات شخصية مع من لهم ارتباط بهذه الصناعة.
الفصل الرابع – التصنيف: قمت بتصنيف وتحليل مادة الدراسة إلى عدة محاور وهي:
1- الشكل، وطراز الزخرفة وعناصرها.
2- الصقل، والصلابة، والمادة الخام.
3- العلاقة بين متغيرات القسم الأول والثاني من هذا الفصل.
وأخيراً جاءت الاستنتاجات الخاصة بالبحث، وهذه قسمتها إلى ثلاثة ملاحق:
الملحق الأول: البيانات الأساسية في التصنيف.
الملحق الثاني: جداول التصنيف.
الملحق الثالث: الوصف الشامل للقطع، ثم المراجع.
ربما تكون الدراسة قدمت القليل من الاستنتاجات الا انها قدمت لمحة جيدة عن أهمية جزيرة تاروت في حضارة المنطقة، وعن أحد أنشطتها، وكما صرح الدكتور علي المغنّم في إحدى مقالاته إن هذه الجزيرة تعتبر كلها موقعاً أثرياً هاماً في شرق الجزيرة العربية، وما أراه أنها فعلاً لم تأخذ حقها من الحفر والتنقيب, وهذه مهمة الأجيال القادمة، وخاصة أهالي المنطقة الذين يجب عليهم الاهتمام بحضارتهم أكثر من غيرهم.
وأفكر شخصياً أن أجعل رسالتي لدرجة الدكتوراه، إن شاء الله أيضًا، عن جزيرة تاروت.


 

باحث
323559