أخطاء وأوهام شائعة (8)
الفصحى والدارجة في القطيف بين العوام والمثقفين 1/ 2
عدنان السيد محمد العوامي * - 17 / 10 / 2007م - 4:19 ص - العدد (40)

مدخل:
في بداية تعرفي مناهلَ الثقافة خارج محيطي الريفي في مطلع الخمسينات الميلادية؛ وقع بيدي مقال في مجلة مصرية أحسبها (روز اليوسف) لا أذكر كاتبه الآن، ولم يبق في خبايا الذاكرة من موضوعه سوى أنه حول الظهران والبترول، وظلُّ باهتٌ إلى إشارة فيه تومئ إلى بلد على مقربة من الظهران إلى الشمال ما زال سُكَّانُه يتكلمون اللغة العربية الفصحى، ولم يذكر الكاتب اسم ذلك البلد، بكل أسف. وقتها لم أهتد إلى معرفة البلد المقصود، ولعدم اهتمامي بالأمر، حينها، لم أحتفظ بالمجلة. لكن قضيَّة (البلد) بقيت مخبَّأةً في طوايا الذاكرة، وتلافيف الوعي الباطنة، حتى تعمق اطلاعي على اللغة العربية، نوعًا مَّا، بطول المراس، والمزاولة. وتركز اهتمامي باللهجة الدارجة في القطيف، وبالأخص مقارنة مفرداتها بالعربية الفصيحة؛ فتبين لي أن اللهجة الدارجة في القطيف فصيحة، ولا يوجد بها من العامية سوى يسير لا يعتَدُّ به من الألفاظ الدخيلة، شأنها شأن بقية البلدان الأخرى. عندها تيقَّنت أن البلد الذي عناه كاتب المقال هو القطيف. أقول هذا ليس بتأثير حب شوفيني، ولا تعصبٍ وطني منغلق، بلا دليل، بل لن يطول الحديث حتى أقدمه بين يدي القارئ الكريم من خلال استعراض اللهجة الدارجة في القطيف، مقارنة باللغة التي اكتسبها الجيل المحدث من المثقفين، متأثِّرًا باللغة الهابطة لوسائل الإعلام بأنواعها المتعددة، حتى أصبح يتحاشى الألفاظ الدارجة ظنًّا بأنها عاميَّة، ولكن قبل ذلك يحسن التمهيد ببعض الملاحظات فأقول:
تتَّسِم اللغةُ الحيَّةُ بِسِمتين، أو ظاهرتين بارزتين تكادان أن تكونا، في نفس الوقت، متناقضتين؛ ألا وهما (ظاهرتا الحركة والثبات)، ولكل منهما عوامِلُه المؤثِّرة، وأسبابُه القاهرة؛ فالحركة عائدةٌ إلى عوامل ثلاثة، أولها مرتبط بتطور الإنسان الناطق بها، ورُقيِّه الحضاري والمعرفي، فهذا التطور يؤدي، ضرورة، إلى تبدُّلٍ وتغيرٍ في أنماط حياته، وتحوِّلها من حال إلى آخر، ومن تبعات ذلك التبدل؛ تغير في لغته، وتطور في نَبْرها، ومن أمثلته ما تحدثه هجرات البدو أو غزوهم للمدن والحواضر واستقرارهم فيها من تحول من حياة البداوة إلى المدنية، فهذا لا بدَّ أن يصطحبه تلاشي المفردات اللغوية الخاصة بأدوات ونمط حياته في البادية من الرعي، والسكن، والترحال، وما يتبع ذلك من مستلزمات البداوة، بسبب اختفاء أدواتها، ومشاهدها، وأسالبيها، وخروجها من دائرة الممارسة أو المشاهدة اليومية، ناهيك عن تغير اللهجة بسبب الإمنزاج والتماهي بين المجتمع القديم والطارئ.
العامل الثاني مرتبط بِصِلات ذلك الإنسان بغيره من الأمم والشعوب، وما تحدثه تلك الصلات من تمازج، وتلاقح يظهر أثره واضحًا في مستجدات الأشياء التي يكتشفها ذلك الإنسان فيضيفها إلى مخزنه اللغوي.
الثالث تحكمه حالة تلك الصلات من حيث قوة الأمة أو ضعفها، فالأمة الأضعف تكون سالبة مقتبسة، أو ممتصة للمفردات والأساليب اللغوية، بل وحتى النَّبر (Ascent) من الأمة الأقوى، كما حصل للغة العربية إبَّانَ قوة الدولة الإسلامية حيث انتشرت في كثير من أصقاع الأرض، وكما نلحظه، اليوم، على لهجات دول المغرب العربي حيث تشبُّعها باللُّكنة الفرنسية.
أما الثبات فمرده إلى عاملين اثنين، الأول: انغلاق المجتمع على نفسه، وعدم اتصاله بغيره، فهذه الحالة موجبة لثبات اللغة، وجمودها، وعدم تجددها. أما الثاني فيستند إلى قوة اللغة، وغَنائها، وثروتها من المفردات، وقدرتها على الهضم، والتفكيك، وإعادة صياغة الملتقَطات اللغوية الجديدة، ووسمها بوسامها، وهذا العامل يظهر جليًّا في اللهجات الخليجية في بداية احتكاكها باللغة الإنجليزية في أربعينات القرن الماضي عند ظهور البترول، فقد كانت تتلقى مفردات تلك اللغة الوافدة فتصوغها صياغة جديدة وفق سماتِ وخصائصِ الصوت العربي، وصورة نبره. مثال ذلك كلمتا: (Driver)، و(Shovel) فالحرف (v) لا يوجد له مقابل في حروف العربية، إلا أنَّ اللسان الخليجي، مع ذلك، تمكَّن من هضم هاتين الكلمتين وغيرهما وأضفى النبرة العربية عليهما فصارت الأولى (دريول)، والثانية (شيوَل)، وليس ذلك راجعًا إلى عجز اللسان العربي عن نطق الصوت الذي يصوره الحرف (v)، كما هو حال اللسان الأعجمي مع كثير من الأصوات العربية كالحاء أو الخاء، والصاد، والظاء، وإنما هو راجع، كما قلت، إلى قوة اللهجة، وقدرتها على الهضم، والتحوير. حتى إنها لم تقتصر على هذه الصياغة وإنما أخضعتها لاشتقاقاتها، وتصريفاتها. خذ مثلاً لذلك الفعل الإنجليزي (Finish)، فقد أوجدت له صيغًا ليست له في الأصل، مثل: (فنَّش)، و(فَنَّشوه)، و(فنَّشوهم) للغائب والغائبين، و(فنَّشْت)، و(فنَّشونا) للمتكلم والمتكلمين، وهي جميعًا من صيغ الماضي، و(بِفنشوا) في صيغة المضارع، وهكذا. (يحل حرف الباء محل حرف سين التسويف في الفعل المضارع في العامية). ومثل كلمة (Taxi) حيث نُطقت (تِكسي) واشتُقَّ منها الفعل: (إِتَكِّس)؛ فهم يقولون مثلاً: «فنِّش من الشركة، واشتر لك سيارة تَكِّس فيها أربح لك» أي استقل من عملك في الشركة، واشتر سيارة أجرة وتكسَّب من العمل بها فإن ذلك أكثر ربحًا.
هذا العامل؛ أي عامل القوة ما زال جليًّا في محافظة اللهجة الدارجة في القطيف على أصالتها وقرب نسبها من الفصحى رغم ما يحيط بالأميين وأشباههم من أصوات ولهجات غريبة على سمعهم، بخلاف ما يُرى في لغة الطبقات المثقفة والمتعلمة، حيث أخذت في الإبتعاد عن الفصحى تدريجًا، ولاسيما عند ذلك الشطر منهم الذي ينحو منحى التأنق اللفظي، وبالذات من يتأثر، سريعًا، بالسماع، ولا يهتم بتفحص اللفظ، والتدقيق فيه، والتثبت من سلامته، فتراه سبَّاقًا إلى التقاط ما يسمع من لفظ جديد على أذنه، مبادرًا إلى استخدامه دون اكتراث بالخطأ والصواب، حتى أصحبت بعض الكلمات تستخدم في غير موضعها فصرنا نقرأ لبعض كتابنا الشباب عبارات منكرة لم تقصد لمعناها أبدًا، وإنما يؤتى بها تأنقًا واستملاحًا دون معرفة بالدلالة المعنوية، مثال ذلك ما كتبه أحد كتابنا الشباب بالنص: «ولم يرعو القرآن في تبيان أنه لا مفارقة بين الرجل والمرأة في قيمة العمل». إن معنى (لم يرعو) لغةً: لم يرتدع، ولم يقلع، أو يكف عن غيه وجهله، ولا تأتي إلا بمعنى الكف عن الجهل، والغي، والقبيح، وأما المفارقة، فتعني الفراق، والطلاق، ولا تعني الفرق الذي هو بمعنى الإختلاف والتباين، ومعاذ الله أن يكون الكاتب الفاضل قد قصد أيًّا من تلك المعاني، وإنما مراده أن القرآن الكريم لم يُغفل أو يهمل التأكيد على انعدام الفرق بين الرجل والمرأة، ولكن الرغبة في التأنق اللفظي، وتلقط الجديد دون تثبت من صحته أوقعاه في هذا الخطأ، وكان له عنه ندحة بأن يقتصر على ما يحيط به علمه من مفردات، وأن لا يتجشم مشاق الدفاع عن عبارته بتلك البسالة، حين انتُقد عليها، مصرًّا على أنها صحيحة في معركة (بسوسية) معاصرة دارت رحاها على الشبكة العنكبوتية. وإذا كان من غير المناسب توثيق المصدر في هذه المساجلة ابتعادًا عن الإثارة، وتحاشيًا للوقوع في مظنة الغمز أو التعريض، أرى أنه لا ضير من توثيق فقرة أخرى مما تنشره الصحافة دليلاً على ما وصلت إليه فصحى المثقفين المتأنقين هذه الأيام.
في جريدة الهدف الكويتية نقرأ هذه الفقرة: «ثم أجهشت الزوجة (في البكاء)، وأقسمت بأغلظ (الإيمانات)؛ أن الطفل الذي حاولت قتله هو ابنها من زوجها الذي كان (يعايرها) دائمًا بأنها كانت حاملاً (فيه) قبل يتزوجها. العدد 1557، السبت 12- 18 محرم 1419هـ 9 - 15 مايو 1998م». مثل هذه الصيغ كثير في وسائل الإعلام والمؤلفات الحديثة، وحسبنا هذان المثالان.
ما قصدته من هذه المقدمة هو الخلوص إلى أن تلك العوامل مجتمعة يُلحظ تأثيرها واضحًا في طبقة المثقفين المحدثين في القطيف، والمتأمل في أحاديث هذه الطبقة، وكتابات أصحابها لا بدَّ أن يدرك التصاق لهجة العوام باللغة الفصيحة أسلوبًا، ومفردة، على حين أخذت لغة الطبقة المثقفة والمتعلمة تبتعد، شيئًا فشيئًا، عن الفصحى لفظًا، وإملاءً. ونحوًا وصرفًا، وأسلوبًا، بفعل شيوع الخطأ، وكثرة اللحن المتداول في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، بتأثير اتصالها الوثيق بثقافات ولغات عالمية عديدة، وفي تصوري أن مثل هذا التأثر يمكن أن يأتي بفوائدَ جمَّةٍ للغتنا بما يحتوي عليه من تطوير وإضافة لا تستغني عنها أية لغة حيَّة، لو رُوعيت ضرورة الفقه اللغوي، الدلالي، والجمال الأسلوبي المتكئ على قواعد العربية الجميلة، ولكنَّ ما نرفضه هو ذلك التخبط، والتقمُّم العشوائي التائه، وهو ما سوف يلاحظ القارئ شيئًا منه في المسرد الآتي لبعض الألفاظ والصِّيَغ والتراكيب الجديدة، جمعتها خلال الملاحظة العابرة أثناء المطالعة أو الإستماع، أقدمها برهانًا على ما ادعيته من اختلال لغة النخبة المثقفة في مجتمعنا القطيفي سواء في نطقها، أو استعمالها كما ينبغي، حتى بعض الخاصة المهتمين بالإجادة. على حين بقي العوام، أو من يؤثِر البعض نعتهم بالأميين، محتفظين بصفاء لهجتهم، القريبة من أصالة الفصحى، ونقائها، على الرغم من خلو كلامهم من قواعد النحو المعروفة. هذا المسرد سيجده القارئ الكريم متضمنًا؛ إما ألفاظًا وصيغًا مستحدثة اكتسبها المثقفون من وسائل الإعلام، على ما فيها من خطأ في النطق أو الصياغة الأسلوبية، وسلم العوام منها. وإمَّا ألفاظًا وصيغًا مألوفة لدى الفريقين لكن المثقفين يخطئون فيها، بسبب تأثرهم بوسائل الإعلام، ورغبتهم في التأنق اللفظي، بينما بقيت أصالتها محفوظة في ألسن العوام. أما ما يشتركون في الخطأ فيه فهو القليل النادر. في ما يلي بعض المفردات التي ينطق المثقفون المتأنقون بها على غير قواعد الفصاحة:
أبَانَ
هذه الكلمة غير معروفة عند العوام، وهم يستعملون مكانها: (وقت، وزمان، وحين، ويوم، وحزَّة، وأيَّام)، والمثقفون، وحدهم يستعملونها، ولكن أكثرهم يخطئ فيها فينطقها بالفتح في كل حروفها فيقول: «ساد الفقر والتخلف في البلاد العربية (أَبَانَ) الحكم العثماني». وهو إنما يعني: (إبَّان). بكسر الألف، وفتح الباء المشدَّدة، أي حين، أو وقت، أو عصر. أما (أَبَانَ)، فتعني أوضحَ وبَيَّنَ، وأفصحَ...إلخ. القليل يكسر الألف الأولى فيقول: (إبَان)، وكلاهما خطأ أيضًا.
ابتلَى، وابتلَيت، وابتلَت
 يشترك العامة والخاصة في الخطأ في هذه الصيغة، فقد تسمع أحدهم يقول لك: «والله ابتلَيت في حياتي بلوى!»، أو: «مسكينة نجاة؛ ابتلَت بزوج ظالم يذيقها العذاب ليل نهار، وهي صابرة»، وقد يجيبه آخر: «بالعكس. زوجها هو المسكين هو اللي ابتلَى بها، عسى الله يفكَّه منها». ويصوغون من هذا الفعل: مُبتلِي، ومبتليَّة. الفعل (ابتلَى) مطاوع بلا، واوي متعدٍّ، والاسم البلاء والإبتلاء، أي الإمتحان والإختبار يكون في الخير والشر، وأكثر ما يراد به الشر، وقد يكون أصله البلوى، أي المصيبة، والصواب في كل ذلك: ابتُلِيتُ أنا، وابتُلِيَ هو، وابتُلِيَتْ هي، وابتُلوا هم، كل ذلك بصيغة المفعول به مجهول الفاعل. واسم المفعول به للذكر: مبتلَى، وللأنثى: مبتلاة. أما المبتلِي، والمبتلِية، ففاعل، ولا يصح أن يقصد به إلا معنى من أوقَع البلاء، لا من نزل به البلاء، فهذا هو المراد من تلك الصيغ.
أتأمَّل
تعني هذه الكلمة في اللغة: أتلبَّث في الأمر، وأنظر إلى الشيء بتروٍّ، وأحقق النظر، أو التفكير فيه، وأتصوَّره بإمعان، لكن أغلب المثقفين يستعملونها بمعنى: آمُل، وأرجو، وأتمنى، وهم مخطئون في هذا، وأما العامة فلا يخطئون فيها، فإذا سمعت أحدهم يقول: «اتأمل، بالله عليك، ويش ايسوِّي هذا؟»؛ فهو يعني: انظر ماذا يفعل، وتأمل في صنيعه، ودقق فيه جيِّدًا.
أتخطَّر
هذه الكلمة شاعت لدى بعض خطباء المنبر، وأكثر ما تُسمع من عِلْيتهم ممن يحبون التأنق، ويقصدون بها: أتذكَّر، وهذا خطأ، والصواب أن يقال: أتذكر، أو يخطر ببالي، أو يخطر على بالي. لاحظ أنَّ العامة تقصد بها معنيين، أحدهما: أهتزُّ في المشي تبخترًا، والثاني: أزور شخصًا لأقيم ضيفًا عنده يومًا أو أكثر. فأنا خاطر، ونحن خُطَّار. أما إذا جاءوا بها للغائب بصيغة الماضي مضعَّفًا فقالوا: خطَّر، فهم يعنون: تخطَّى وتعدّى، وتجاوز، وهذه الصور جميعًا من معاني الفصحى الدارجة على ألسنة العوام بصورتها الصحيحة.
أثرى
هذه مفردة لا تطوف بأفواه العوام، وإنما يستعملون بدلها: (أغنى)، فيما كثر استعمالها في ما يكتب الأدباء والشعراء، ولا ينجو منها الخطباء كذلك، وهم يعنون بها معنى: (أغنى)، فتسمعهم يقولون: «لقد أثْرى المستمعون محاضرةَ الدكتور بمداخلاتهم وتعليقاتهم وأسئلتهم». أثرى يأتي على وجوه لا موجب للتفصيل فيها، ليس منها معنى (أغنى)، وما يهمنا منها، هنا، وجهان أحدهما أنه فعل رباعي لازم، ومتعدٍّ، فاللازم واوي، ومعناه: كثر ماله. والمتعدي يائي، ومعناه بلَّه، وندَّاه، ورطَّبه.
أحجِيَة
لا يستعمل العامة هذه الكلمة، في حديثهم، ويستعملون مكانها: لُغز، وحزَّاية، وغَطُو، وهذه كلها فصيحة، فاللغز، معروف، وهو المبهم المعمَّى من الكلام، والحِزَّاية: من الحزو، والحزي، وهما بمعنى التكهن، والتخرص، والغطو من غَطا الليل يغطو غطوًا: أظلم، وسترت ظلمته كلَّ شيء، استعاروه لخفاء المعنى، وانبهامه. أما المثقفون فيستعملون الكلمة كثيرًا بصورة خاطئة إذ يأتون بها غير مشددة الياء بخلاف الصواب. فهي أحجيَّة، كأثفيَّة، وأمنيَّة، والأخيرة ستأتي في محلها.
أَخِصَّائي
لم تكن هذه الكلمة معروفة لدى الجيل السابق من العامة، ودخلت في كلام الجيل المعاصر منهم بتقليد النخبة المثقفة بعد تطور التعليم الطبي في البلد، وهم يهجُّونها بألف مفتوحة، وخاء مكسورة، وصاد مفتوحة مشددة، ويريدون بها معنى الطبيب المتخصص في مرض بعينه، وهذا خطأ؛ لأنها بهذه الصورة، نسبة إلى (أخِصَّاء)؛ كأوداء، والمفرد، خَصُوص بفتح الأول، وضم الثاني؛ كودود، وهو تركيب غير وراد في تصاريف هذه الكلمة في الفصحى، وليس من اشتقاقاتها، فلا تصح النسبة إليه. ولعل الأقرب إلى الصواب: إخْصائي؛ بألف مكسورة وخاء ساكنة، وصاد مفتوحة غير مشددة، نسبة إلى الإخصاء؛ وتعني: تعلُّم العلم الواحد، وليس من الخصاء أي نزع الخصيين. ولا يبعد أن يكون الدكتور مصطفى جواد قد وهم في عيبه استعمال (إخصائي) بحسبانها من الإخصاء، ويعني سَلَّ الخصية، فالصواب أن الاسم بمعنى سل الخصية: خصاء، تقول: خصاه خصاءً، أي سل خصيته، وليس إخصاءً، فالفعل (خصى) بمعنى سل الخصية ثلاثي متعدٍّ. أما (أخصى) الرباعي، فلازم ومعناه: تعلم علمًا واحدًا. لكن الأفضل – في اعتقادي - اختصاصي، من الإختصاص، فهي أليق بالمعنى لبعدها عن الإلتباس.
أخلاقيات
شاع استعمال هذه الصيغة بين المثقفين بمعنى (أخلاق) حتى في عناوين كتبهم، ولا وجه للنسبة ما دام المقصود هي الأخلاق نفسها لا الأمور المنسوبة إليها، وهذه الصيغة ذاتها يستعملونها في مواضع أخرى مثل: إشكاليات وقصدهم: إشكالات، وسلوكيات، عند الكلام عن السلوك. نلاحظ أن العوام لا يقعون في هذا الخطأ في لغتهم الدارجة.
إداء
هذه الكلمة لا يعرفها العوام، وعدد ليس بالقليل من المتأنقين ينطقونها: (إداء) بكسر الألف الأولى، ويعنون بها: أداء العمل، فيقولون: «لم تمكِّن الحكومة السورية المحقق الدولي ديتليف مِلِس من إداء مهمته في التحقيق في قضية مقتل الحريري». الصواب: أداء، بفتح الألف الأولى.
أدانَ
يستعمل المثقفون هذه الكلمة دون العامة، وهم يقصدون بها: احتجَّ، أو اعترض على شيءٍ مَّا، واستنكره، وندد به، وكأنهم يضعونها ترجمة للكلمات الإنجليزية: (Condemned)، و (Denounced)، أو (censured)، أو (Decried) كما سيأتي في كلمة (شجب). هذه الكلمة في الفصحى فعلٌ على ضربين: واوي، ويعني: صار خسيسًا، أو ضعُفَ، وصار شريفًا، ضد. الضرب الآخر يائي، ويعني: اتخذ له ديِنًا، وأقرض، أي أعطى دَينًا، والمعنى الأخير هو الدارج على ألسنة العوام، إلى جانب فعل آخر هو: (سلَّف) وهما الصحيحان.
آذان
لا يخطئ العامة في هذه الكلمة، فهم يقولون: «حان وقت الأذان»، بألف مفتوحة الهمزة بغير مدٍّ، ولكن يخطئ المثقفون، فتسمع بعضهم يقول: «حان الآن وقت (آذان) المغرب». بمدِّ الألف الأولى، وهم يعنون: أذانَ المغرب. أما (آذان)، بمدِّ الألف الأولى، فهي جمع أُذُن، وهو عضو السمع لدى الإنسان.
استَشهَد
ما تزال مواكب الشهداء تترى، فكل يوم يُستَشهد عدد من الأبرياء، ولا سيما في العراق وفلسطين، واللغة العربية أيضًا لها نصيب من الشهادة، فكل يوم يسقط ركن من أركانها، ومن تلك الأركان هذه الصيغة التي أذاقتها وسائل الإعلام كل أصناف الأذى والقهر والظلم، ففي كل حين تتكرر على مسامعك عبارة: «اسْتَشْهَد في النجف خمسة أطفال في سيارة مفخخة». هذه الصيغة يؤتى بها دائمًا بصيغة الفاعل المعلوم وهو خطأ، والصواب أن يؤتى بها بصيغة المفعول به مجهول الفاعل. العامة لا يلامون على الخطأ فيها، ولكن هل يعذر المثقفون؟ معنى استَشهَد بالبناء للمعلوم: أتى بشاهد، أو طلب شاهدًا.
اشدد حيازيمك
اشدد حيازيمك للموت
فإن الموت لاقيكا.
هذا بيت من بيتين ينسبان للإمام علي بن أبي طالب A، والصحيح أنهما لأحيحة بن الحلاج، وهو شاعر جاهلي مات سنة 129 ق. هـ، وإنما الإمام A تمثَّل بهما، وما يزال الخطباء يقرأونهما بالصورة التالية:
اشدد حيازيمك للموت
فإن الموت لاقيكا
ولا تجزع من المـوت
إذا حـل بناديكا
كما أضحكك الدهـر
كذاك الدهر يبكيكا
وبعضهم يضع (واديكا) مكان (ناديكا)، وليس هذا هو مرادنا، وإنما المراد هو التنبيه للخطأ في إنشادهم صدرَ البيت الأول، بزيادة (اشدد) كما سنرى، والعجيب أن هذا الخطأ كان شائعًا منذ زمن بعيد، ولعلنا من خلالهما نتبين مدى استحكام الخطأ، وتأثر الناس بالأذن، والإتباع أكثر من تأثرهم بالذائقة، والحس، والفكر. غني عن البيان أن الإمام علي A هو إمام البلغاء، وسيد الفصحاء، بعد رسول الله، وهو الذي أسس لعلم النحو الذي حفظ لغة القرآن، فلا يصح، مطلقًا، أن ينسب إليه إنشادهما - حين تمثل بهما - إلا على وجه الصحة، ويؤيد هذا الإعتقاد أن القصة المرويَّة عن تمثله A بالبيتين وردت بالإنشاد الصحيح عند بعض العلماء المتقدمين مثل أبي هلال العسكري (ت 395) في كتابه (جمهرة الأمثال)، والمرزوقي في شرح الحماسة. (ت 421).
البيتان من بحر الهزج، ووزنه: مفاعيلٌ مفاعيلٌ مفاعيلٌ مفاعيلٌ
والصواب في إنشاده حذف كلمة (اشدد)، فهي زائدة، نتأكد من هذا عند تقطيع البيت هكذا:
حيازيمَـ/ ـكَلِلْمَوْتِ فإن المَوْ/تَلاقيكا
مفاعيلٌ/ مفاعيلٌ مفاعيلٌ/ مفاعيلٌ

(حيازيمَك) منصوب بفعل أمر مضمر تقديره: (اشدد). ولفظة (اشدد) في البيت توقع خللاً بزيادة في الوزن يسميه العروضيون: الخزم، فيكون هكذا:
اشدد/حيازيمـ/ـكللموت
فإن المـو/تَـلاقيكا
مستفـ/مفاعيلٌ/ مفـاعـيلٌ
مـفاعيلٌ/ مفاعيلٌ
فتأمل كيف وقعت اشدد المقابلة لـ(مستفـ) لدى التقطيع، خارج البيت، وهي أربعة حروف يتألَّف منها سببان خفيفان. ومع كل هذا الإضطراب الشنيع في وزن البيت فلا المنشد ولا المستمع يشعران بأيِّ نبوٍّ أو نشوز في إنشاده بسبب الألفة الناجمة عن التكرار، والتعود على السماع. ويبدو أن سبب الخطأ جاء من أن صدر البيت أصله مثل دارج، وهذا نصُّه: «اشدد حيازيمك للأمر)، وقد استخدمه الشاعر حاذفًا منه ما يلزم الوزن الشعري، ثم جاء أبو عبيد بن سلام (157 - 224هـ)، فخلط بين المثل المتداول نثرًا وبين الشعر، فرواه في أمثاله تامًّا كما يرويه الناس في المثل المنثور، موقعًا الخزم فيه دون وعي، ومما يدل على غفلته؛ روايته البيت على أنه حديث، وليس بيتًا شعريًّا. وهذا نص كلامه: «قال الأصمعي: وكذلك قولهم شد له حزيمه، أي تشدد لذلك واستعد له، ومنه الحديث الذي يروى عن علي...». ثم أتى بالبيت مخزومًا. وتابعه، في ذلك، المبرِّد 210 - 286هـ، في التعازي والمراثي، لكنه نبه إلى زيادة (اشدد) في كتابه الكامل في اللغة والأدب، كما أن ابن داود الأصفهاني (255 - 297هـ) صاحب الزهرة، قد نبه إلى الزيادة أيضًا، ومثله صنع أبو يعلي التنوخي (ت 487هـ)، في كتاب الوافي في علم العروض، حيث أورد البيت في باب المخزوم، وكذا محمود بن عمر الزمخشري 467 - 538هـ في كتاب الفسطاط في علم العروض، والمظفر العلوي صاحب نُضرة الإغريض في نصرة القريض (ت 656هـ). على حين لم ينتبه ابن حمدون صاحب التذكرة الحمدونية (495 - 562هـ) إلى الزيادة، وما زال صدر البيت ينشد خطأ إلى اليوم.
إشكالِيَّات
يريد المثقفون بهذه الصيغة التعبير عن معنى الإشكالات التي ترد على مسألةٍ مَّا، فيأتون بها منسوبة، وهذا خطأ، والصواب: إشكالات. أمَّا إشكاليات، فحقيقتها أنها تعني الأشياء أو الأمور المنسوبة للإشكالات لا الإشكالات نفسها. نلاحظ أنَّ العوام لا يستخدمون هذه الصيغة في حديثهم.
أصعدة
لا تمرُّ هذه الكلمة بأفواه العامة، ويستعملون بدلاً منها: جانب، وناحية، فيقولون: «راح يتكلم وياه في كل جانب من المسألة». أما المثقفون المتأنقون فيقولون: «يجب متابعة البحث في القضية على كل الأصعدة». الصحيح أن جمع صعيد: صُعُد، وصُعدات، كطريق، ووطرق، وطرقات، أما الأصعدة، فجمع صَعَاد، كسماد، وحذاء، ورداء، وقَباء.
أُضْحِيَة
العامة لا يستعملون هذه الكلمة، وإنما يستعملون بدلا منها: الضَّحِيَّة، وهي الذبيحة التي يضحى بها للهدي، والخطأ يقع عند المثقفين في قولهم: أُضحِيَة، بدون تشديد الياء.
اضطَر، واضطَرت
لا يستعمل العامة هذا الفعل، وبدلاً منه يستعملون اسم المفعول: مجبور، فالعامي يقول لك: «أنا مجبور أشتري الأرض لأني محتاج أبني بيت»، وهذا أصح من استعمال الخاصة، فهم يقولون: «اضطَرَّت القوات العراقية للإنسحاب من الكويت رغم قوة تجهيزاتها». والصواب: اضطُرَّت. بضم الطاء، بصيغة المفعول به والفاعل مجهول. لأن شيئًامَّا أو أحدًا مًا مستتر أوقع عليها الفعل (اضطر)، وليس هي التي أوقعته على نفسها. العلة أن الفعل (اضطر) متعد، وليس لازمًا.
أطياف
أدخل المحدَثون في اللغة العربية مصطلحات وصيغٍ وعباراتٍ كثيرة من لغات أجنبية، وهذا ليس عيبًا، في حد ذاته، بل هو إثراء للغة، وتوسيع لآفاقها بشرط أن يكون استعماله صحيحًا من جميع الوجوه اللغوية، وخصوصًا الناحية الدلالية. من تلك المدخلات الجديدة كلمة: أطياف، ويراد بها الشمول، أخذت هذه الكلمة من اللفظة الإنجليزية: Spectrum، ولها معنيان، أحدهما أعطي معنى: الطيف، ويراد به تلك الصورة اللونية التي تحدث عند مرور الضوء الأبيض بموشور أو حزمة مائية فينحل إلى ألوانه السبعة المعروفة وهي: الأحمر والبرتغالي والأصفر والأخضر ولأزرق والنيلي والبنفسجي، كالتي ترى في السماء عند ظهور قوس قدح. أما المعنى الثاني فهو سلسلة؛ أونطاق كما في جملة: A wide spectrum of Germs. ومعناها مقدار واسع من أنواع الجراثيم، ويستخدم المتأنقون، اليوم، عباراتٍ مقتبسة من هذا التركيب، فيقولون مثلاً: (شارك في الإنتخابات البلدية كل أطياف المجتمع). هذا التركيب لا يعرفه العوام، ولذا فهم سالمون من خطئه الذي يقع فيه المتأنقون، والصواب أن يقولوا: (شارك في الإنتخابات طيف المجتمع كله)، لا أطياف المجتمع، والعلة ببساطة هي أنك لو قمت بتمرير الضوء من ألف موشور، وألف حزمة مائية فإنك لن تظفر فيها جميعًا بلون واحد زائد على السبعة المذكورة.
الأعلام
لا يستعمل العامة هذه الكلمة إلا في مكانها الصحيح، وهو: جمع عَلَم، اللهم إلا من يقلد المثقفين. أما المثقفون فكثير منهم يقولون: «أصدر وزير (الأعلام) قرارًا بمنع الكتب والأفلام المنافية للأخلاق»، وهم يعنون: وزير (الإعلام)، بكسر الإلف، أما (الأعلام)، بفتح الألف، فهي جمع عَلَم: الرايات، والجبال، والأعيان.
أكِفَّاء، وكفوئين
هذه كلمة جهلها العامة فتجنبوها، وشُغِف بها الخاصة فقلبوها. وأوقعوا فيها خطأين، أولهما لفظي، والثاني نحوي، فالأول أنهم يستعملونها جمعًا لكفء وكفوء، والحال أن جمع هذين النعتين: هو أَكْفاءٌ، بفتح الأول والثالث وسكون الثاني، وكِفاءٌ، بكسر الأول وفتح الثاني، وأما أكِفَّاء، بكسر الكاف، وتشديد الفاء المفتوحة، فجمع كفيف، كأخلاء لخليل، وأوداء لودود، وهكذا، وأما صيغة الجمع السالم (كفوءين)، وهذه غالبًا مَّا يلجأ إليها العارفون بخطأ (أكِفَّاء)، ولا يعرفون الصواب في جمعها، فهم يخطئون في هذه أيضًا، والصواب هو جمع التكسير (أكْفَاء).
أكيد
كلمة Sure الإنجليزية لها معانٍ عدة، منها: (واثق)، وهو ما يعنينا هنا، فأنت عندما تسمع أحدهم يقول لك: «I am sure of American defeat»، فمراده أنه واثق، لكن خيبة بعض المترجمين وإفلاسهم اللغوي تصك سمعك بما هو أقسى من حجر أبي الحتوف، إذ يترجمها إلى: «أنا أكيد من هزيمة الأمريكان». العامي الأمي لا يقع في هذا الخطأ المنكر، مع أنه لم يتعود على استعمال كلمة (واثق)، لكنه لا يعجزه أن يعتاض عنها بصيغة فصيحة أخرى، فيقول: «أنا متأدك».
آليَّات
هذه صورة من صور الخلط بين الشيء وما ينسب إليه لدى المثقفين المتأنقين، وأحسب أن ذلك هروب من الصيغ المباشرة. الآليَّة هي المنسوب للآلة، وليست الآلة نفسها، لاحظ أنهم لا يقولون: أدواتيات، ولا وسائطيات، ولا وسائليات، بل أدوات، ووسائط، ووسائل، وهي جميعًا من سنخ واحد. إذن فالصواب: آلات، كما يقول العامة، وليس آليَّات.
أُمْسِيَة
كاد وجه الصواب أن يغيب تمامًا في نطق هذه الكلمة وما ماثلها في الوزن، مما يستعمله المثقفون، فهم يقولون: «يحيي النادي الأدبي أُمْسِيَة شعرية ليلة غد، يشارك فيها عدد من الشعراء الشباب»، هكذا بفتح الياء غير مشددة، والصواب: أمْسِيَّة، بتشديد الياء وفتحها. العوام لا يستعملون الكلمة، ويستعملون بدلا منها: (سهرة)، لكنهم يقصرونها على السهرة الغنائية لأحد المطربين، أو على جلسة لفيف من الأصدقاء يتحدثون، أو ينشدون الأغاني في منزل أحدهم.
أمنيَة
العامة لا يستعملون هذه الكلمة، ويستعملون مكانها الفعل (أتمنى، واتمنيت)، والخطأ يقع عند المثقفين في استعمالها بتخفيف الياء، والصواب تشديدها.
أَناديك
يقول أهل اللغة: إن الفعل الرباعي حُكمُ مضارعِه أن يُضَمَّ أولُه، لكن اتفق العامة والخاصة في زماننا على فتح الأول في هذا الفعل. ولطالما سمعت بعض المذيعين يعلن عن تلاوة أحد الأدعية في افتتاح الفترة الدينية، قائلاً: والآن يُرفع على مسامعكم دعاء: «يارب أَناديك». سمعت مرة أحدهم ينادي صاحبه قائلاً: «أناديك، ماسمعت؟» والظاهر أن في هذا المنادى ظرافة، فأجابه: «آه لو قلتها قبل الغداء!». الصواب: (أُناديك)، بضم الألف لا فتحها.
أَنْهِيك
صيغة المضارع للفعل نهى: ينهى، بالقصر، لكن يتفق العامة والمثقفون في قولهم: «سوي كيف ما تريد، أنا لا آمرك ولا أنهيك». الصواب: أنهاك.
أَهُبَّة الاستعداد للسفر
بفتح الأول وضم الثاني، ثم فتح الثالث مشدَّدًا - لم أسمع هذه الكلمة على ألسن العوام، وإنما يستعملون بدلها: (متهيي) يبدلون الهمزة ياءً، و(مستعد، وعلى استعداد، وجاهز)، فيقولون: «متى تكون متهيي، أو مستعد للسفر، أو جاهز؟»، أو: «ما نا على استعداد اخرج هالحين». أما الدارج على ألسن بعض المثقفين فهو: «أنا على أهُبَّة الإستعداد للسفر». في هذه الصيغة خطآن؛ لفظي، ومعنوي؛ فاللفظي صوابه: أُهْبَة، بضم الألف، وسكون الهاء، ثم فتح الباء مخفّفة. أما المعنوي فهو أن (الأهبة) تعني الإستعداد، فقولهم: «أنا على أهُبَّة الإستعداد للسفر) لغو وفساد أسلوبي، تمامًا كالقول: «أنا على استعداد الإستعداد للسفر»، والصواب هو: (على أُهْبَة السفر)، أي على استعداد له.
أوعد
يتفق العامة والخاصة في الخطأ في هذه الصيغة، فيقولون: «أوعدني ما تتأخر عن سداد الدَّين الذي لي عليك»، أوعدَ تعني: هدد بشر، والصواب: عدني، في صيغة الأمر، أو الطلب، ووعدني، في صيغة الماضي، إلخ.
البارح
البارح في اللغة: الريح الحارة التي تهبُّ من جهة اليمن، وفي اصطلاح أهل القطيف تعني الرياح الموسمية الحارة القوية التي تهب في برج السرطان بين شهري يونيه ويوليه، فتنضج البسر فيصير رطبًا. أما (البارح) بمعنى الليلة الماضية، فمن أخطاء المتأنقين من المثقفين، اقتبسوها من (امبارح) المصرية، ولا يقع الأميون في هذا الخطأ، بل يقولون: (البارحة)، فهم يغنون:
البارحة في النوم شفت ابدوية
مادري من العجمان لو دوسرية
بحريني
لم نكن نسمع بكلمة (بحريني) قبل انتشار وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة، وحتى في مصادر اللغة والأدب والشعر والتاريخ لا ترد هذه الصورة في النسب إلى البحرين، مطلقًا، وإنما المعروف: (بحراني) يتفق، في ذلك، العوام والخواص. لكن هذه الصيغة اختفت الآن، وأصبح الشاذ من يتلفَّظ بها، وما ذاك، في فهمي القاصر، إلا مظهر للجهل بفقه اللغة، فالأصل في البحرين، (البحران) معربًا، مضافًا إليها بلاد، أو أرض، فهي: بلاد البحرين، أو أرض البحرين، وإنما حُذِف المضاف لشهرته، وبقي حرف الجر (الياء) علامة عليه، كما هي عادة العرب في حذف المعلوم إذا تأكدت الدلالة عليه وهو ما يسمونه (حذف الاكتفاء)، فالنسبة إليها بحراني على الأصل (بحران)، وليس (بحرين) كما يتوهم المثقفون. بل إنَّ كتب اللغة ذهبت إلى أبعد من هذا التفسير بجزمها بأن البحراني نسبة إلى البحر مطلقًا (انظر هذه المادة في لسان العرب، والمحكم والمحيط الأعظم، والعين، واللسان، وأساس البلاغة).
بالرفاه والبنين
هذه صيغة دعاء تسمعها دائرةً على ألسنة العامة في مجالس عقد النكاح، واحتفالات الزفاف، وجلسات التهاني بالزواج، وهذه صيغة دعاء للعروسين. اقتبسه العامة من الخاصة. الرفاه: الرغد، ولين العيش. وهذا ليس هو المعنى المقصود في الفصحى، وإنما المقصود: بالوئام والسكينة والإتفاق، بين العروسين، من رَفأ الثوب، أي لأم خَرْقَه، وضم بعضَه إلى بعض، والصواب: بالرِّفاء، بكسر الراء، ثم إبدال الهاء همزة. الطريف أن بعض الخاصة يدرك أن صيغة (بالرفاه والبنين) خطأ فيتجنبها لكنه، مع ذلك، لا يسلم من الخطأ، إذ يقول: «بالرَّفاء والبنين» بفتح الراء.
البشْرَة
كذا ينطق بعض المتأنقين هذه الكلمة بسكون الشين خطأ، وهم يريدون بها ظاهر الجلد، والصواب: البَشَرة، بفتح الشين، كما ينطقها العوام.
بقَدر ما
«بقَدَر ما تكون أعمالك نافعة للمجتمع؛ بقدر ما يكون احترام المجتمع لك». تسمع مثل هذه العبارة من أكثر المتأنقين من المثقفين، وهذا التركيب يشبه صيغة: (كلما، كلما) التي سيأتي الكلام عنها لاحقًا، وإن كانت تختلف عنها في الإعراب من حيث موقع جملة الخبر، وجملة المبتدأ في هذه الصيغة. معنى هذه الجملة: أن احترام المجتمع لك يكون بقدر الأعمال النافعة التي تؤديها له. العامة لا تستخدم هذه الجملة في كلامها، وتستعمل بدلها: «إذا تحسن إلى الناس يحترمونك»، أو: «على مقدار أعمالك الطيبة للناس يحترمونك»، وهي، كما ترى، صيغة صحيحة ليس فيها الحشو الناتج عن تكرار عبارة (بقدر ما تكون) في صيغة المتأنقين. الصواب: (بقَدَر أعمالك النافعة للمجتمع؛ يكون احترامه لك).
البلاد
هذه أيضًا مما نسي الخاصَّةُ وجهَ الصواب فيه، فهم إنما يعنون بـ(البلاد): المفرد، فتسمعهم يقولون: «سوف تقوم البلدية بتنفيذ العديد من المشاريع في البلاد هذا العام». وواضح أن هذا الخطأ قد تسلل إلى العربية منذ زمن بعيد فقد روت مصادر الأدب العربي عن جمل السلمية، وهي شاعرة جاهلية، قولها:
«بلاد بها حلَّ الشباب تمائمي
وأوَّل أرضٍ مسَّ جسمي ترابُها»
الصواب هو: (البلد)، كما قال ابن الرومي:
«بلدٌ صحبت بها الشبيبة والصبا
ولبست ثوب اللهو وهو جديد»
أما (البلاد) فهي جمع بلد. قد يقال إن هذه شاعرة جاهلية، فكيف يكون ابن الرومي أصحَّ لغةً منها، والجواب إنَّ أخطاء الجاهليين أكثر مما نتصور لو لا القداسة التي أعطيت للقديم، وهذه مسألة ليس هنا محل التفصيل فيها. (انظر الوساطة بين المتنبي وخصومه لعلي بن عبد العزيز الجرجاني). العامة تستعمل كلمة (البلاد) بمعنى الحاضرة، فيقولون: «متى بتروح لبلاد)؟ ومن هنا جاء اسم البلاد، لحي القلعة في القطيف، والبلاد القديم في البحرين (أوال)، و(البلاد) في الأحساء. فكأن هذا من باب قولهم (مصر)، وهم يعنون القاهرة، والشام، وهم يعنون دمشق.
التاء المربوطة في أواخر الأسماء
التاء المربوطة من الحروف المراوِغة في العربية، بسبب اختلاف صورتها بين الكتابة والنطق، فصورتها أن تكتب هكذا: (ة)، لكن النطق بها يختلف باختلاف حالتها؛ فإذا جاءت محرَّكةً بضم أو فتح أو كسرٍ، سواء كانت منوَّةً في تلك الحالات أو غير منوَّنة؛ فحكم النطق بها يكون في صوت التاء، نحو: (الصلاةُ جامعة)، أو (صلاةٌ تامَّة)، وهكذا. لكنها في حالة الوقف عليها يتعين أن تنطق بصوت (هاء) ساكنة، مثل: (حان وقت الصلاه)، أو يجب على المسلم أداء الزكاه)، ولا يناقض هذا وجوب كتابتها (ة) مربوطة. والغريب أن متأنِّقة اليوم قد أجمعوا على التنكر لهذه القاعدة، فصاروا ينطقونها بصوت (التاء) مطلقًا، فلا تسمع منهم إلاَّ مثل: (حان وقت الصلات)، وإن كتبوها (الصلاة). أغلب العوام لا يخطئون كالمتأنقين.
تَذعر
الذُّعر: الخوف، والفعل ذَعَر، متعدٍّ: خوَّف، وأفزَع. ولكن خطباءنا ينشدون حُداءً منسوبًا للطرماح نصه:
يا ناقتي، لا تَذْعَري من زجري
وشَمِّري قبل طلوع الفجر
بخير ركبانٍ وخير سفْر
آلِ رسول الله آل الطهر
ينبغي الإنتباه إلى أنَّ الفعل (ذعر) متعدٍّ، أي إنه يقع على مفعول غير من فعله، فهو ليس من جنس خاف، وفزع، فهذان فعلان لازمان يقع أثرهما على الفاعل. إذن فقولهم لا (تَذعري) بالبناء للمعلوم خطأ، والصواب: لا (تُذعري) بالبناء للمجهول.
تُرى
لا يستعمل العامة هذه الكلمة إلا بفتح التاء، ويأتون بها مفتوحة الأول للتوكيد فيقولون: «تَرى انت زودتها»، و«تَراك زودتها»، و«أشوف زودتها»، و«أشوفك زودتها»، بمعنى واحد، وهو: أرى أنك تجاوزت الحد. وهو الصحيح. أما المثقفون من خطباء وشعراء، فينطقونها مضمومة التاء، ويأتون بها في معنى الإستفهام الإنكاري، في مثل إنشادهم قول إبراهيم الطباطبائي:
يا هل تُرى جاء من دارينَ جالبُه
فكلما هبَّ علويُّ الصَّبا عبقا؟
أو إنشادهم قول السيد إبراهيم صادق:
فهل يا تُرى من عودة ينطفي بها
لهيب اشتياق ألهب القلب لافحه؟
التعليل أن هذه صيغة نداء حذف منها المنادى على تقدير: (هل ترى يا رجل)، وضم التاء يحيلها إلى صيغة المبني للمجهول، وهو خطأ، والصواب فتحها كما تصنع العامة.
تعرف على
استعمال العامة لهذه الصيغة أصح من المثقفين، فهم يقولون: «إذا اتعرفته أخبرتك عنه»، أما المثقفون فيقولون: «إذا تعرفت عليه أخبرتك عنه». الفعل: تعرف متعد بنفسه، وتعديته بحرف الجر (على) خطأ.
التعرِفة الجمركية
العوام يتابعون المثقفين في خطئهم في هذه الكلمة، ويقصد بها النشرة التي تبين الرسوم والضرائب، أو الرسوم والضرائب ذاتها. الصواب: التعريفة الجمركية، من التعريف بالشيء.
تَعني، ويعني
لا يخطئ العوام في استعمالهم هذه الكلمة، فهم لا يوردونها إذا قصدوا معنى العناية والإهتمام، بل يعنون بها (المعنى) حقيقة، فيقولون: «يعني ما انتَ رايح له؟» أي تقصد أنك لست ذاهبًا، أو تعني من انت؟ أي من تقصد؟ والمرأة تقول لابنتها: «يعني ما تبغي تتزوجي»؛ أي تقصدين أنك لا تريدين أن تتزوجي؟ أما المثقفون المتأنقون فلا يفرقون بين (تَعني) و(يعني) بفتح التاء، أو الياء، وكسر النون فيهما معًا، إلا في أذهانهم. الكلمة في هذه الصورة يراد بها: تقصد ويقصد، ولكنهم يعنون: تُعنى، ويُعنى، بضم الأول وفتح الثالث، أي تهتم وتعتني، فتسمعهم يقولون: «افتتحت في المستشفى عيادة تَعنِي بالأمراض النفسية»، أو «لا تخلو عواصم الدول من مركز يَعنِي بشؤون الشباب».
تَوَفَّى
يتفق العامة والخاصة في الخطأ في هذه الصيغة، فيأتون بها في صيغة الفعل اللازم، والفاعل المعلوم. فإذا سألت أحدهم عن حال أبيه، وأنت لم تكن علمت بوفاته؛ فسيجيبك بأسى: «تْوَفَّى، الله يرحمه». وعن المرأة يقولون: «توَفَّت الله يرحمها». ويصرِّفون منه اسم فاعل: (متوفِّي، ومتوفيَة). معنى الفعل (تَوفَّى) مسندًا للفاعل: أخذ حقَّه وافيًا، والصواب: أن يقال: تُوُفِّي، وتُوُفِّيت، إذا كان القصد (مات، أو ماتت) بصيغة المفعول به، والفاعل مجهول.
ثمَّ
لهذه الكلمة صورتان في النطق الفصيح. الصورة الأولى: تُفتح فيها الثاء، وفيها تكون اسمًا يشار به إلى المكان البعيد، بمعنى (هناك)، وهو ظرف لا يتصرَّف، ولا يتقدمه (ها) التنبيه، ولا يلحق به كاف الخطاب، ويجوز أن يزاد فيه تاء، فيصير (ثَمَّة)، ويوقف عليه بهاء السكت: (ثَمَّهْ)، ومن أمثلة هذه الصورة قوله تعالى: (ولله المشرقُ والمغرب فأينما تُولوا فَثَََمَّ وجه الله(. هذه الكلمة لا يستعملها العوام، والخطأ فيها إنما يشيع بين المثقفين، فتسمعها على ألسنتهم، دائمًا مضمومة الثاء، أي بالصورة الثانية: (ثُمَّ). فيقولون: «كان فريق السباق قد تجاوز النقاط المحددة كلها، ومن ثُمَّ وصل إلى خط النهاية». في هذه الصورة تكون (ثُمَّ)، أي ضم الثاء، حرفَ عطفٍ، وليس اسمَ إشارة، فلا يكون لحرف الجرِّ (مِن) أيُّ معنى. لمعاني حرف العطف (ثُمَّ)، بضم الثاء، تفاصيل كثيرة حسب مواقع الكلمة من الجمل ليس هنا محل تفصيلها، فكل القصد هو بيان وجه الصواب فيها.
حاجيات
يستخدم العامَّة كلمة حاجات، وأغراض، وحوائج، ولوازم للتعبير عما يريده المتأنقون من معنى كلمة (حاجيات). حاجيَّات نسبة إلى حاجات وليست الحاجة عينها، واستعمال العامة في دارجتهم أفصح من لغة الخاصة، ومثل هذه كثير؛ كأخلاقيات، وآليات... إلخ.

 

مدير التحرير
328244