شيخ الشعراء بالقطيف أحمد سلمان الكوفي
محمد رضي الشماسي * - 17 / 10 / 2007م - 4:26 ص - العدد (40)

لعل الكتابة عن شخصية معاصرة لمن يكتب عنها لا تخلو من الحذر وشيء من التحفظ بسبب ما يحف هذا النوع من الكتابة، عادة، ولو بعض المجاملة، أو يكتنفه ولو قليل من الزلفى والمحاباة. هذا ما يراه بعض النقاد الذين خبروا الإنسان وألَمُّوا بأوشاجه النفسية، وأطنابه الاجتماعية.
لذلك أكون في حذر وتحفظ وأنا أكتب عن شيخ شعرائنا الأستاذ أحمد بن سلمان الكوفي الذي سار في عمر قرن من الزمن بدأه عام 1324 للهجرة، ولا يكاد يطرأ عليه عوامل الكبر وقد استشرف المائة إلا اللمم، كضعف في المشي، وقلة في الحركة، فهو جليس بيته المتواضع، ومجلسه البسيط المتقشف، البعيد عن أسباب الترف، والتمدن، مجلسه الذي يشبه كثيرًا مجالس من نقرأ عنهم من رجال العلم، والأدب في تاريخنا القديم، مثل الفراهيدي، والجاحظ، والمَّعرِّي، ومظهره في تقشفه يشبه حافظ ابراهيم، وأحمد الصافي النجفي في العصر الحديث.
شاعر انصرف عن مباهج الدنيا، وزهِد في زخرفها، عاش فيها عيشة الغرباء فاستراح لشعره، وأطمأن للكفاف في عيشه، رجل يعرفه الناس رفيعاً في تواضعه، كبيراً في خلقه، منكراً لذاته، يصدق عليه قول على محمود طه في قصيدته (ميلاد شاعر):
هبط الأرض كالشعاع السنيِّ
بعصا ساحر، وقلب نبيِّ
لمحة من أشعة الروح حلت
في تجاليد هيكل بشريِّ
جاء شاعرنا إلى هذه الحياة من غير زاد أدبي في أرومته، أو عدوى من نسب في حرفة الأدب، رجل عصامي يحمل فكر أديب، وخيال شاعر، وموهبةً نافذة.
عاش في محيط يفرض نفسه على ذوي النفوس المرهفة، والإحساس الشفَّاف، ولم يكن يعرف - وهو في عقده الثاني - حتى حروف الهجاء. خاض عباب البحر، وصارع أمواجه بحثاً عن للآلئه. شأنه، في هذا، شأن الكثيرين من أبناء الخليج العربي.
ولكن «تجري الرياح بما لاتشتهي السفن»؛ فلقد جرت الرياح العاتية، حقيقة، في شهر ربيع الأول من سنة 1344هـ فغرقت في بحر الخليج كثير من السفن، وهي السنة المعروفة لدى أهل الخليج بـ(سنة الطبعة). كان أستاذنا الكوفي في إحدى تلك السفن فشاءت الإرادةُ الإلهيةُ أن يسلم شاعرنا وكل رفاقه الخمسين، بعد ثلاثة أيَّام من الصراع الرهيب مع الموج والقرش.
دخلت هذه الحادثة في السيرة الذاتية لحياة الشاعر فنحت به نحو العمل المستقر؛ فمن صخب البِحار وأخطارها، إلى هدوء الديار واستقرارها. عمل في صناعة (التقطير) ماء الورد، وطلع النخل (ماء القروف)، وتركيب مشتقات الأزهار، والأعشاب المختلفة.
وهنا تبرز في سيرته الذاتية الملامح المستقبلية لحياة شيخنا الكوفي؛ فيظهر الكوفي الشاعر عوضاً عن الكوفي الغواص، أو الكوفي الصانع لماء الورد، يظهر الكوفي العلَم بدلاً من الكوفي النكرة.
يدخل في الوسط العلمي، فإذا هو أمام هيكل علميٍّ باذخ، تتناثر روافده، وتتعدد مسالكه. ينهض به صفوةٌ من العلماء، ونخبة من الأساتيذ يختلف إليهم طلابهم كاختلاف الظِماء إلى وردهم، فيجلس شاعرنا تلميذاً بين أيدي أساتذة أكْفَاء جعلوا من بيوتهم مدارسَ يعلِّمون فيها القراءة، والكتابة، وعلوم الشريعة، واللغة وأساليب الشعر، والأدب، وهي ما عرفت بـ(الكُتَّاب).
انتظم شاعرنا في الحلقة الدراسية لفضيلة الأستاذ المرحوم الشيخ ميرزا حسين البريكي، فدرس بين يديه شيئاً من علم النحو والصرف، وشيئاً من الفقه، وتتلمذ في (المغني في علم اللغة) على يدي كل من العالمين الجليلين الشيخ محمد حسين آل عبد الجبار، والشيخ فرج العمران (رحمهما الله).
في هذا المحيط من الدرس، وفي محيط خلطائه من ناشئة الأدب يلتقي شيخ شعرائنا مع الشعر. ساعده على ذلك صلته الوثيقة بالعلامة الشيخ ميرزا حسين البريكي، واستفادته من مكتبته الزاخرة.
في ذلك اللون الماحل من الحياة أخذ شاعرنا يتجه نحو الاهتمام بشخصيته الأدبية من خلال الدرس والتثقيف الذاتي.
بدأ ينظم الشعر في نحو العشرين من عمره، بدأ هازلا في شعره، يقول القصائد المملحة، فيها الملحة الأدبية، والنكتة الاجتماعية، والطرفة الشعبية فمن بواكير شعره: قصيدته في (المستر كراين) أحد أثرياء أمريكا، وقد زار هذا العراق عام 1929م، وفي حفل تكريمي ألقى الشاعر العراقي معروف الرصافي قصيدة جاء فيها:
يا محب الشرق أهلا
بك يا مستر كراين
مرحباًبالزائر المشهور
في كل المدائن
مرحباً بالقادم المشكور
في هذه المواطن
قصيدة سياسية جميلة جاراها شاعرنا الكوفي بخفة روحها التي تتسق مع خفة وزنها. جاراها بلغة ممزوجة بالظرف، لائحة بالنقد الاجتماعي، والوضع الاقتصادي الهزيل في تلك السنين العجاف.
قال شاعرنا في قصيدته الهازلة:
يا مريد السوق أهلا
لترى مستر كراين
فإذا جئت فخبره بما
في السوق كائن
قل له فيها حوانيت
اتجارٍ ومخازن
وخبابيز تحوّر
خبزها فوق البشاخن
أفهذا عندكم في الغرب
يا مستر كراين؟
سمچ الصافي على أفنعـ
ـشر، وهم بيزات ما من
وعلى آنه صغيرة
بلغت سوق الرباين
والرطب غالي على آنه
مثل سعر التواين
وإذا الجوع سطا
بالضعف في وسط المصارن
فمن المسؤول عن
ذلك يا مستر كراين؟
وله مجاراة أخرى لأبي ماضي في بعض مقاطع قصيدة (الطلاسم):
ولقد قلت لنفسي، وأنا فوق العريش
أيما أفضل أكل العيش أم أكل الجريش؟
فأجابتني، وللضرس صرير ووشيش:
كل من الموجود، إني عن سواه لست أدري
كانت القطيف، في أيام صبا الأستاذ الكوفي، مدرسة دينية كبيرة تضم العلماء على اختلاف مراتبهم الفقهية. عاصر منهم مثل الشيخ علي أبي الحسن الخنيزي، والشيخ علي أبي عبد الكريم الخنيزي، والسيد ماجد العوامي، (رحمهم الله)، وكانت مجالس هؤلاء مثابةً للناس من علماءَ، وطلابٍ وأدباءَ، وشعراء، فاد شاعرنا من ذلك الجو العلمي أيما فائدة، فراح ينظم الشعر الفصيح أسوة بأترابه، وزملائه من ذوي المواهب الناشئة، فساهم في الحركة الأدبية في القطيف منذ ذلك التاريخ، أخذ يساهم في المناسبات المحلية من دينية وغير دينية في مراثي أهل البيت D، وموالدهم، وفي مناسبات علمائهم، إلى غير ذلك مما يطفح به ديوان شعره من شتى الأغراض الشعرية: الوطنيات، والإجتماعيات، والمدح، والرثاء، والموعظة، والحكمة، والغزل، وليست هذه وحدها كل الأبواب التي نظم فيها الشاعر، فتجربته الشعرية أكبر من أن تتسع لها هذه المجموعة من القصائد، وعمره الأدبي المديد، قد يربو على الستين، كان خلالها كثير العطاء، وفي عقود الشباب، والنشاط على وجه الخصوص، وهذا يعني أن الشاعر فقد الكثير من شعره. وخلطاء الشاعر وذووه يعلمون أنه قليل العناية بنفسه. وقليل الإهتمام بمظهره، ولديه من النكران لذاته، وتواضعه الشيءُ الكثير، فلا عجب، إذن، إن طوى شعره الضياع، وبدده الإهمال، وبعثره نكران الذات.
إن المتصفح لديوانه سيلمس في كل قصيدة تجربة شعرية، فهو قد امتزج بوطنه روحياً واجتماعياً، فأعطاه الكثير من أشعاره في مواكب الأسى، ومحافل الفرح.
الكوفي شاعر كلاسيكي صرف لم يبدُ في أي من شعره خروج على هذه المدرسة، ولعله الشاعر الوحيد بين من بقي من جيل الرادة الذين ظلوا محافظين على هذا النمط من الشعر، نقرأ له مثلاً قصيدته (قلعة القطيف)، وهي من القصائد الحديثة التي نظمها عام 1405 للهجرة مجارياً فيها قصيدة علي بن المقرب العيوني في القطيف والأحساء:
دع الكاعب الحسناء تهوي ركابها
وتبني لها في حيث شاءت قبابها
ومنها في وصف قلعة القطيف:
فيا راكبًا وجناء تستغرق البُرَى
ويطوي الفيافي مطوها وانجذابها
أقم صدرها قصداً على الخط واحتقب
رسالة ودٍّ أنت عندي كتابها
فحين ترى الحصن المعلاَّ مقابِلاً
ويبدو من الدرب الشمالي بابها
فَلِج بسلام آمنا، تلق بلدة
مقدسة الأكناف، رحباً جنابها
فنجد الكوفيَّ يقول مجارياً:
أتت بعد ما شابت، وولى شبابها
ترجِّي احتراماً أو يعز جنابها
فبالأمس كانت للضياغم غابةً
بهم كان محمي الجوانب بابها
غدت روضةً معطارة ذات بهجةٍ
فصوَّح منها زهرها وملابها
أو مثل قوله في قصيدة (يا شيخنا)، وهي من القصائد الحديثة أيضاً:
شعري يُنوِّه باسم خير ديار
هذي القطيف مبوَّأ الأخيار
يلقى الحزينُ إذا رآها بهجةً
فكأنَّه في روضةٍ معطار
من تحتها الأمواه تجري أنهراً
تسري، وينعشه شذا الأزهار
ومثل قصيدته في رثاء الإمام الخوئي (أعلى الله مقامه):
ما للعوالم ضجَّت، كلها شجن؟
وعم كلَّ البلاد الهمُّ والحزن؟
وذي النوادي لماذا هُيِّئَت؟ ولمن
هذا تعطلت الأعمال والمهن؟
قالوا أبو القاسم الخوئِيْ قضى فبكت
لهول مصرعه الأمصار والمدن
هذا الشعر يتسق في لونه، وسماته مع ما نظمه في مطلع حياته الأدبية مثل قصيدته:
حمدت الذي يدري بما في السرائر
وعما مضى قِدْمًا، وعن كلِّ غابر
ومثل قصيدته:
واصلت من هيَ المنى والهناء
بعد طول النوى وزال العناء
ومثل قوله:
حيَّا عِهادُ المزن ذا المعهدا
وأخضر من بعد الهمود الصعيد
فالنمط الشعري لدى الكوفي واحد، لا تتعدد فيه الخطوط، ولا تتمازج فيه الألوان، ومع أن شاعرنا عاصر من شعرائنا ممن تطلعوا إلى آفاق أرحب، فنهجوا المدرسة الرومانسية، أو مزجوا هذه بالكلاسيكية، فتأثروا، وأثَّروا، وصار لهم طابعهم الشعري المميز، إلا أنه وقَف عند حدوده التقريرية في إطار المدرسة الكلاسيكية التي ارتضاها لنفسه.
في ديوانه لفتات اجتماعية تبرز في قصيدة (ماضي الزمان وحاضره)، وقصيدة (الأسعار) يعالج فيهما مسالة الفقر، والمجاعة التي عمت البلاد في سنة 1365هـ، وقد عُرفت لدى الأهلين بـ(سنة البطاقة)، وذلك في أثناء الحرب العالمية الثانية يقول في إحداهما:
فيا لك من عام بئيسٍ مضيَّقٍ
به الرزق حتى من ذوي البيع والشرا
كفى الناس فيه أزمةً أنه أتى
بتاريخ (يوم كالح الوجه أغبرا)
إلى أن أتاح الله للخلق رحمة
وبدَّل بعد العسر يسراً ميسرا
وأجرى عيون النفط سحًّا فغمَّرت
جميع البرايا بالرفاء، وبالثرا
ويقول في أخرى:
إلام نحن رخا الأسعار ننتظر؟
رحماك ياربنا؟ قد مسَّنا ضرر
مال وما لجميع الناس من وَزَر
إلا إليك فأنت الكهف والوَزَر
ضاقت على البائس العافي معيشتُ
وناله البؤس حتى مسه الضرر
إن جد في حركات الكد مكتسباً
لم تبقَ من كسبه عين ولا أثر
والغزل عند شيخ شعرائنا هو غزل مذيَّل بالحب الطاهر لأهل البيت الطاهرين D الغزل عند شاعرنا ديباجة ساخنة لحب عنيف يذوب هو في وهج طهارة أهله، وقدسيتهم، حب أهل البيت D يشغل قلب الشاعر وهو يقول:
ريم له الحسن الجلي
رضابه كالعسل
وشادن مبتدر
يفك ختم (البُطُل)
قلت: أدر كؤوسها
وهاتها بالعجل
خمراً بنادي طرب
ألا اسقني، قم غن لي
مثل الحميا ريقه
بها شفاء العلل
فكم جنيت الورد من
وجنته بالقبل
من خده أقطفه
بالفم لا بالأنمل
فاعجب لورد كلما
شممته لم يذبل
ضممته وضمني
على فراش الجذل
هذا الغزل الجميل يقرنه بقوله:
يا قلب دع عنك الهوى
وخلِّ عشق الهزل
واترك سبيل الغي واسـ
ـلك مسلك الرشد الجلي
إلى أن يقول:
لو لا علي المرتضى
دين النبي لم يكمل
إني لأرجو في غد
أمناً بحبي لعلي
صلى عليك الله
ما ذكرت وسط المحفل
وفي الديوان أبيات ومقطوعات تتوزعها أغراض متنوعة ضمنها بعض تجاربه الشخصية، وعلائقه الإجتماعية.
هذا الشاعر الذي برز في الساحة الأدبية منذ أكثر من ثمانين عاماً ظلَّ مع كبر سنه، وهو على عتبة المائة يؤثر في وسطه الأدبي من جيل الشباب، حيث يغشى هؤلاء الشباب الشعراء مجلسه، فيعرضون عليه بضاعتهم من محاولات
ناضجة، أو ما دونها، فيصحح، ويصوِّب، وينقد، ويقرظ، محاولاً في ذلك أن يرتفع بمستوى المواهب الناشئة إلى أعلى مرتقى هيأه لها استعدادها الذاتي، تسعفه في ذلك ذاكرة قوية قل نظيرها.
فُقد ديوانه، حسب ما أفادني، فاستطاع أن يستعيده، أو جله من ذاكرته.
ذكرنا في جملة ما أشرنا إليه من خصائص هذا الشاعر نكرانه لذاته، فهو على رغم ما سطره لوطنه من مدح وإشادة ربما رأى فيها البعض مدعاة للتباهي إن لم نقل المنَّة والدَّل على أوطانهم نراه ينكر ذاته مقرًّا لأبناء وطنه بأنهم أولوه فوق ما يستحق فيقول في إحدى القصائد يخاطب بني وطنه:
بني وطني، أنتم نوابغ عصركم
بكم تتباهى الخط يا أنجم العصر
بني وطني، أنتم رفعتم مكانتي
وأعليتم ذكري على مستوى قدري
والحقيقة أن أبناء وطنه أعلوا مكانته، وأجلّوه، واحتفوا به حيًّا فأقاموا له حفل تكريم بهيج، ليلة الجمعة 12/12/1415هـ، وحين اختاره الله إلى جواره، في ليلة الجمعة 4/8/1420هـ، أقاموا له محفل تأبين مساء الثلاثاء 14 رمضان بمناسبة مرور 40 يومًا على وفاته توالى على منصته أخدانه من الشعراء والأدباء، ونتمنى من مجلة الواحة أن تطالع قراءها بملف تخصصه لذينك الإحتفالين. تغمد الله الكوفي بواسع رحمته، وأسكنه فسيح حنانه.

 

أستاذ اللغة العربية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران - السعودية
302166