الإفتتاحية
الإرهاب والفكر الإرهابي
التحرير - 12 / 10 / 2007م - 9:38 ص - العدد (45)

توفي الإسكندر سنة 323 ق.م في بابل بعد رجوعه من الهند وقد تنازع قواده على تركته بعد وفاته. وبدأت تضعف السيطرة المقدونية على بابل وبدأ السلوقيون يحكمون سيطرتهم على بابل وإيكاروس (جزيرة فيلكا). وهكذا تأسست الأمبراطورية السلوقية والتي أعتلى عرشها مؤسسها سلوقس الأول (311 ق.م - 281 ق.م). لا يعرف الكثير عن سياسة السلوقيين في الخليج العربي إلا أن الأرجح كانت سياستهم أستمرارا للسياسة التي بدأها الإسكندر. وتتحدث معظم الأخبار عن سفن السلوقيين العسكرية وعن نشاطها البحري في حوض البحر المتوسط. ويبدو أنهم أحتفظوا بأسطول في الخليج العربي لأغراض عسكرية فعند بليني يوجد مقطع موجز يوحي بوجود حضور بحري في الشرق في عهدي سلوقس الأول ونجله أنطيوكس (أنتيوكس) الأول Antiochus I (281 ق.م - 261 ق.م).
وقد أحدث السلوقيين تقسيما إداريا أختلف عن ذاك التقسيم الذي ورثه الإسكندر المقدوني عن الأخمينيين الفرس. فقد فصل السلوقيين بلاد بابل في أقصى الجنوب وحولوها فيما يبد إلى منطقة إدارية جديدة عرفت باسم أقليم أو مرزبانة البحر الإريثري. وقد كان الأشوريون والبابليون يطلقون عليها اسم أرض البحر.
وعندما تبوء عرش الملك أنطيوكس الثالث (223 ق.م - 187 ق.م) نشبت المعارك في بابل حوله. من تلك ثورة مولون مرزبان ميدية الفارسية والتي بدأت سنة 222 ق.م والذي تمكن في عام 221 ق.م من القضاء على بثيدياس Pythidias ساتراب (يقال أيضا إستيراتيجي أو مرزبان) البحر الإيريثري. إلا أن أنطيوكس الثالث تمكن من القضاء على ثورة مولون في عام 220 ق.م وقام بتعيين تيكون Tychon أحد ضباصه الموثوقين وبطل حملاته ليتسلم القيادة في مرزبانة البحر الإريثري. وهناك جدل حول الدور الحقيقي لتيكون والمطلوب منه أدائه إلا أن المرجح أن يقوم تيكون ببناء أسطولا يراقب به الخليج العربي عامة ولكي يسيطر على وجه التخصيص على التجارة البحرية مع الهند. فقد كان الأسطول السلوقي حتما موجودا في الخليج قرابة عام 205 ق.م. فعندما أنتهى أنطيوكس الثالث من حملة في الهند ذهب الملك بنفسه إلى الجرهاء (أو الجرعاء) في شرق شبه الجزيرة العربية لإخضاع أهلها ثم توقف بعدها في تايلوس (جزر البحرين) ولنا عودة لهذه النقطة لاحقا.
ويبدو أن السلوقيين قد سعوا لإقامة مركز بحري جديد عند رأس الخليج العربي فقد قام أنطيوكس الرابع (175 ق.م - 164 ق.م) سنة 165 ق.م أو 164 ق.م بإعادة تأسيس مدينة الإسكندرية التي بناها الإسكندر والتي أصيبت بأضرار بليغة من جراء فيضان. وقد أطلق عليها أسم أنطيوك (إنطاكية- كراكس) التي أصبحت عاصمة أقليم البحر الإريثري. ويحتمل أن تكون مهمة هذا المركز تقديم خدمات لعاصمة أمبراطوريتهم ولسفن التجارة البعيدة المدى وإستخدامه قاعدة للأسطول السلوقي.
وفي الفترة السلوقية يشوب تاريخ تايلوس الغموض فإننا لا نعلم إذا قام السلوقييون بحتلالها عندما كانوا يقيمون في إيكاروس (فيلكا). ولا نعلم إذا كانوا أستخدموا تايلوس كميناء للزيارة أو كميناء يفيدون إليه طلبا للأمان عندما يشعرون بالخطر بالنسبة للأسطول الذي أبقوه في الخليج والذي توجد بعض البيانات التي تؤكد ذلك. فبعض سكان الجزيرة كانوا يقرأون اللغة الأغريقية حيث تم العثور على عدة وثائق بهذه اللغة. وهناك عدة لقى وجدت توحي بأن جزر البحرين شارك بطريقة أو بأخرى في العالم السيلوقي.
ضعف الدولة السلوقية وظهور سلطات محلية في البحرين (مملكة هجر)
مرت الدولة السلوقية بفترات ضعف وأثناء هذه الفترات قامت سلطات محلية في شرق الجزيرة العربية والتي ضمت جزيرة تايلوس (البحرين) لسلطتها. وقد قامت هذه السلطات المحلية بإصدار عملاتها الخاصة التي حملت أسماء ملوكها وأسم مملكتها. وقد ظهر لقب ملك هجر على بعض تلك العملات. وقد دار جدل حول تحديد مكان مملكة هجر هذه إلا أن البحوث الحديثة ترجح أن مملكة هجر كانت تضم شرق الجزيرة العربية بالإضافة لجزر البحرين وجزيرة فيلكا. حيث تم العثور على العديد من العملات في هذه المناطق. وقد وجدت أعداد كبيرة من هذه العملات في الإمارات وعمان إلا أنه يرجح أن تلك لمناطق قامت بتقليد العملات السابقة ولم تكن ضمن أراضي مملكة هجر.
وجميع تلك العملات تعتبر تقليدا لعملة الإسكندر التي كانت متدتولة في الإمبراطورية السلوقية. سنقوم هنا بعرض سريع لتلك العملات ثم أستنتاج التسلسل لملوك تلك الفترة.
1- العملة الأولى ويعتقد ضربها عام 220 قبل الميلاد وهي تقليد لعملة الأسكندر ويظهر فيها راس هيرقليس لابس جلد أسد نيمي وعلى الظهر صورة أمرأة جالسة. وقد أستبذل أسم الأسكندر الذي كتب على اليمين باللغة اليونانية بالأسم أبياثا الذي كتب بحروف عربية جنوبية. وقد نقش أيضا أعلى القطعة الحرف ألف بالعربية الجنوبية.
2- العملة الثانية ويعتقد ضربها 190 قبل الميلاد وهي شبيهة تقريبا بالسابقة مع تغيرات طفيفة. وقد نقش عليها بحروف عربية جنوبية “حريثات (ربما تعني حارثة) ملك هجر”. وقد أستعيض بالنخلة عوضا عن الحرف ألف.
3- العملة الثالثة ويعتقد ضربها عام 160 قبل الميلاد وهي شبيهة بالعملة السابقة مع وجود النخلة بدلا من حرف الألف باللغة العربية الجنوبية. إلا أنه قد نقش عليها بحروف آرامية “أبوئيل بن تلبوش”.
يوجد هناك مجموعات أخرى من العملات الشبيهة والتي نقش عليها بحروف عربية جنوبية اسم الإله “شمس” والذي يكتب أحيانا مختصرا فيكتب فقط الحرف الشين بلغة عربية جنوبية.
و من خلال دراسة تلك العملات أمكن أستخلاص الجدول التالي الذي يبين تسلسل الحكم في شرق الجزيرة العربية وجزر البحرين:
 السنة
(قبل الميلاد) اسم الملك
1 220 - 200 أبياثا
2 200 - 190 غير معروف
3 190 - 170 حاريثات (حارثة)
4 170 - 160 غير معروف (ربما تالبوش والد أبوئيل)
5 160 - 140  أبوئيل

نلاحظ في الجدول السابق بعض الفراغات وهي الفترات التي قوية فيها السلطة السلوقية. ففي الفترة 200 - 190 قبل الميلاد كانت فترة أزدياد قوة الدولة السلوقية إبان تولي أنتيوكس الثالث الحكم والذي نعلم أنه في عام 205 قبل الميلاد قام بحملة كان مقدر لها أن تعيد فرض سلطته على الأجزاء الشرقية من أمبراطوريته. فقد توقف في الجرهاء حيث تم التوصل لحل دبلوماسي بينهما. وبعد ذلك توجه إلى تايلوس (البحرين) ومنها إلى إيكاروس (فيلكة) حيث أستعادها بالقوة. وهكذا فإن إعادة فرض سلطته مكنته من السيطرة على طرق التجارة الإقليمية مرة أخرى ومنع تداول العملة المحلية التي كانت تتحدى عملته. ولكن لم يستمر الأمر طويلا ففي نهاية حكم أنتيوكس الثالث وقبل وفاته عام 187 قبل الميلاد ضعفت السيطرة السلوقية على المناطق الشرقية مما أدى لظهور العملات المحلية مجددا. وعادت السيطرة السلوقية لتقوى في فترة تولي أنتيوكس الرابع (175 - 164 قبل الميلاد). وحلما توفى أنتيوكس الرابع في سنة 164 قبل الميلاد أختفى الوجود السلوقي من الخليج، وعادت العملات إلى الظهور من جديد. وكانت هذه النقود لاتزال تستوحي الأسكندر الأكبر وأستخدمت نفس نظام الوزن وأستمرت في البقاء حتى القرون الأولى بعد الميلاد.
سيطرة كراسيين على البحرين
في سنة 141 ق.م تم تعيين هيسبوسينز Hyspaosines (141 ق.م - 115 ق.م) ساتراب أقليم البحر الإريثري من قبل السلوقيين. هيسبوسينز يحمل أسما فارسيا وكان خادما مدنيا سلوقيا قبل أن يصبح ساترابا لهم. وقد استغل هيسبوسينز فرصة الأزمة التي كانت تمر بها الدولة السلوقية فأستقل بأقليم البحر الإريثري وأعلن نفسه ملكا عليه. وغير أسمه من أقليم البحر الإريثري إلى كاراسين أو ميسين (أو ميسان من الآرامية ميشان) ثم أعاد تأسيس عاصمته والتي كانت تسمى إنطاكية- كراكس وغير إسمها لتصبح سباسينو- كاراكس.وقد قام بإصدار عملات فضية تخمل اسمه. لا تذكر لنا المصادر التاريخية أي علاقة لهسبوسينز بالسلوقين أو البارثيين الفرس إلا أن تلك المصادر تذكر لنا العديد من النشاطات العسكرية التي قام بها وقد ضم العديد من المناطق التي كانت تحت سيطرت السلوقيين. من تلك المناطق تايلوس والجزر المحيطة بها والتي أصبحت جزءا من مملكته والتي ولى عليها ساتراب من قبله. هذا ما يثبته نقشا أغريقيا عثر عليه في البحرين بالقرب من قرية الشاخورة. وقد جاء في هذا النقش ما ترجمته:
“باسم الملك هيسبوسينز والملكة ثالاسيا والساتراب كيفيسيدوروس ساتراب تايلوس والجزر المحيطة يهدى هذا المعبد إلى ديووسكوري سافيورس”.
يلاحظ أن هذا النقش يمثل حجر الأساس لمعبد لم تحدد أبعاده أقيم في تايلوس تكريما للآلهة الأغريقية ديوسكوري سافيورس Dioscuri Saviours. وهذه الآلهة في الميثيولوجيا الأغريقية عبارة عن الأخوان كاستور وبولوكس وهما من ضمن الأشياء التي تحمي الملاحة في المنطقة وهذا يعطينا دلالة أن المعبد الذي أنشىء كان قريبا من مرسى للسفن. وأفضل مكان لذلك سيكون بالقرب من قلعة البحرين التي لا يبعد كثيرا عن الشاخورة حيث وجد هذا النقش بالإضافة أن موقع قلعة البحرين هو من أقدم المراسي في البحرين. ويعتبر هذان الأخوان في الشرق الأوسط كما في أماكن أخرى وحتى نهاية الفترة الهلنستية لهما ميزة رسمية وملكية وأغريقية. وأول ما أعطيت لهم هذه الميزة كانت من قبل السلوقيين وأستمر عليها البارثيين الفرس والبكتيرين.
نعود للنقش مجددا ونلاحظ فيه طريقة الكتابة الرسمية التي أتبعته العديد من الإمارات الهلنستية وذلك بأقتران أسم الملك وزوجته أي هيسبوسينز وزوجته التي تحمل الاسم الأغريقي ثالاسيا النادر بعض الشيء. ويوضح النقش اسم الحاكم المحلي لتايلوس وما حولها من جزر (أي أرخبيل البحرين) والذي يحمل لقب ساتراب satrap (بالأغريقي strategos) وهو يحمل أسما أغريقيا هو كيفيسودوروس Kephisodoros. ويبدو لنا أن سيطرة كاراسين على جزر البحرين ما هي إلا امتدادا للسيطرة السلوقية. وهذا يعيدنا لنقطة مرور أنطيوكس الثالث بتايلوس أثناء رحلته لشرق الجزيرة العربية والتي لا تحدثنا المصادر التاريخية عن هدفها. فيبدو أن ذلك لم يكن مرورا بل سيطرة أو إعادة سيطرة على الجزيرة.
وقد عاشت كراسين في ظل البارثيين الفرس، ونعمت بازدهار تجاري وبشهرة دائمة ثابتة لا تتناسب مع حجمها، وكانت أهم بند بابلي تقصده السفن محمّلة بالسلع الكمالية القادمة من الشرق خلال القرن الأول ق. م، والقرنين الأول الثاني الميلاديين. وكان تجار تدمر يمونّون بالبضائع الشرقية بلاد الشام ( سورية) الرومانية وعالم البحر المتوسط بعدها، فأسسوا مستوطنات دائمة في بابل وفولوجينوياس Vologesias، وسبازينوخاركس.
 وخلال تلك الفترة لا نعلم شيء عن جزر البحرين ونفترض أنها بقيت تحت سيطرت كاراسين والتي بدت بوضوح سيطرت البارثيين عليها في بداية القرن الثاني الميلادي. ففي عام 115 م أصبح أتامبيلوس السابع Attembelos VII (115 م - 117 م) حاكما على كاراسين وكان يميل إلى الرومان فما كان من الملك البارثي أوزرويس Osroes (108 م - 127 م) إلا أن قام بخلعه. وهكذا حكم البارثيين كاراسين بصورة مباشرة منذ 117م وحتى 130م عندما تم تعين ميردات Meredat (130 م - 151 م) أحد الحكام البارثيين حاكما لكاراسين. وفي أيام ميردات عادت تايلوس للظهور من جديد فيقدّم لنا نقش هام اكتشف عامي 1940/1939 خلال موسم تنقيبات تدمر، منظوراً مختلفاً تماماُ عن البحرين. وينتمي نصّ هذا النقش إلى مجموعة نصوص تدمرية معروفة بـ “ نقوش القوافل”، كّرم فيها مواطنو تدمر مواطناً لهم شهيراً، تقديراً لما أسداه من خدمات في تجارة القوافل بين تدمر وبلاد بابل. وفي هذه الحالة، يروي النص أن تجار تدمر في سباسينوكاراكس Spasinou Charax نصبوا سنة 131 ميلادية تمثالاً في تدمر تكريماً لـ أيارهاي Iarhai بن نبوزبد Nebozabad وقد اتصف هذا النص باهمية بالغة لأنه حكى بان أيارهاي خَدَمَ، فيما يقال،” مرزبان التلوانيين” عند ميردات،ملك سباسينوكاراكس”.
ولاتترك لنا نقوش القوافل التدمرية أي مجال للشكّ بأن تجارة تدمر مع كاراسين أحرزت نجاحاً عظيماً. بالتالي، ما دامت العلاقات التجارية وثيقة بين كاراسين ومجتمع تدمر، يصعب أن يفاجأ الباحث إٍذا استخدم ملك كاراسين مواطناً تدمريا في منصب سياسي، وسمّاه مرزبان التلوانيين. والتلوانيون سكان تيلوّه أو تيلوس، وهو بوضوح اسم “ تايلوس” بصيغته الآرامية.وهكذا، يبدو أن البحرين كانت في القرن الثاني الباكر الميلادي لا زالت ولاية في مملكة كاراسين.
تشير النقوش الإغريقية البارثية المكتشفة حديثاً في سلوقية دجلة، إٍلى أن (ميردات) ينتمي إلى أسرة بارثية رفيعة المنزلة فهو أبن ملك ملوك قديم، وعلى هذا الأساس، يعتبر عضوا في أسرة نخبة من البارثيين. وهكذا مادام ميردات وأسرته عنصرا في الأسقراطية البرثية الحاكمة فيعتبر بارثيا تسلّم عرش كاراسين، ومثّل حكمه امتداد تأثير البارثيين في كاراسين وفي الخليج العربي.
وقد حقق ميردات الكثير من الإنجازات فقد مد سيطرته حتى عمان وسكت العملات بأسمه ونقش على تلك العملات ميردات بن فوكورس ملك الملوك وملك عمان.
لكن لم يلبث حظ ميردات السعيد أن تبدل فقد نشب فيما يظّن نزاع بين ميردات وبين أسر أخرى من النبالة البارثية. فأزاحه عن عرش كراسين الملك البارثي فولوجاسيس الرابع Vologases IV بعد مرور عشرين عاماً على ورود اسمه في نقش عثر عليه في تدمر، ثم لم يسمع عنه شيء فيما بعد. ومنذ ذلك الوقت، تأسس نفوذ سياسي بارثي غالب في الخليج العربي الأوسط.
تايلوس عند الكتاب الكراسينيين
وخلّفت سيطرة كراسين على البحرين تراثاً فكرياً ضئيلاً، لكنه هام. فاثيناوس Athenaous، الذي عاش في القرن الثاني الميلادي يذكر في كتابه “ مأدبة السفسطائيين” DeipnosophistaiK، مقطعاً طويلاً يصف فيهبارثية بالتفصيل، حررّه إٍيزدورس الكاراكسي، الكاتب الكراسيني الشهير، وتحدث فيه عن صيد اللؤلؤ في مياه تايلوّس. ونحن نورده كاملاً فيما يلي:
يقول إٍيزدورس الكاراكسي في وصفه فرثية: تقع إحدى الجزر في الخليج الفارسي، الذي يعثر فيه على الكثير من اللؤلؤ، وتحيط بها أطوال مصنوعة من القصب يغطس منها الغواصون في البحر حتى عمق 20 قامة، ويجلبون من قعره محاراً تتألف الواحدة منه من صدفتين. ويزعمون أن المحارة تنتج أصغر الصّدف،عندما تكثر العواصف الرعدية والأمطار الغزيرة، ويحصلون منها على معظم اللآلئ وأجودها وأكبرها. وفي الشتاء يغور المحار عادة في ثقوب قعر البحر، بينما يسبح هنا وهناك طيلة الليل فاتحاً صدفيته، ومغلقا إٍياهما في النهار. وعندما يلتصق المحار بالحجارة والصخور في وقت هيجان الأمواج، يترسّخ ثم يتثّبت، وينتج اللآلئ، والتي تنشا من شيء عالق في لحمه، يتغذّى به. وتنمو في فم المحارة وتمتلك مخالب تدخل بها الغذاء فيه. وتشبه السرطان الصغير، وتسمى “حارس المحار”. ويغرز لحمها كالجذر وسط الصدفة. وتتكّون اللؤلؤ قربه، وتتشكل في الجزء الصلب من الصدفة، وعندما يحيط اللحم باللؤلؤ، يتوقف نموّها، ويحبوها القمر مزيداً من الشفوف والصفاء. وعندما يعيش المحار في قعر البحر، ينتج أصفى اللآلىء وأكبرها، إلا أن العائم منه على وجه الماء ينتج لآلىء صغرى رديئة اللون، لأن أشعة الشمس تؤثر فيها. ويتعرض غواصوا اللؤلؤ إلى الخطر، عندما يمدون أيديهم مباشرة إلى المحارةالمفتوحة، لأن أنفراج صدفتيها يطبق على أصابعهم في الغالب ويقطعها فيهلكون في مكانهم أحيانا. إلا أن الغواصين الذين يقتلعونها يمدون أيديهم تحتها من جهة واحدة، فينتزعون الأصداف بسهولة من الصخور.
حلف تنوخ
خلال الفترة التي اشتد فيها الصراع بين الدولة البرثية وبين الرومان وانشغال كل منهما بحروبها مع الأخرى حدث انفراج في الوضع السياسي في المنطقة، نتيجة الفراغ الذي كانت تملؤه الهيمنة الأجنبية، فتقاطرت عليها القبائل العربية، وبسطت سيادتها عليها، فيحدثنا الطبري وابن الأثير ان بني معد بن عدنان ومن كان معهم من قبائل العرب حين كثروا وضاقت بلادهم (تهامة) عن استيعابهم، وفرقتهم الحروب قدمت منهم قبائل ونزلوا البحرين أيام ملوك الطوائف الذين ملكهم الاسكندر المقدوني، وفرق البلدان فيما بينهم بعد مقتل دارا (داريوش الثالث آخر ملوك الدولة الاخمينية)، وكان بالبحرين جماعة من الازد استوطنت البلاد قبلهم، ومن بين تلك القبائل القادمة قبيلة قضاعة، ويتزعمها مالك وعمرو أبناء فهم ومالك بن زهير، وقبيلة قنص ويرأسها الحيقار بن الحيق، ولحق بهم قطفان بن عمرو بن الطمثان وصنح بن صنح بن الحارث في قبيلة أياد، وانضم إليهم جماعة من قبائل العرب، فعقدوا بينهم حلفا، وتعاقدوا على التناصر والتآزر فيما بينهم، وتحالفوا على التنوخ (أي المقام) فعرفوا باسم تنوخ، وكأنهم قبيلة واحدة، وصاروا يدا على الناس، ثم انضم الى الحلف جذيمة الابرش زعيم الازد، بدعوة من مالك بن زهير القضاعي الذي صاهره وزوجه أخته لميس، فتوثقت الروابط بين تلك القبائل العربية فتمت لها السيادة على بلاد البحرين.
وفي هذه الأثناء قدمت قبائل بني عبد القيس من تهامة بقيادة عمرو بن الجعيد المعروف بالافكل، الى بلاد البحرين، فتصدى لها جماعة من قضاعة واياد لطردها من أراضي المنطقة، فحملت على اياد إحدى قبائل بني عبد القيس، التي يرأسها سعد السعود الشني وفتكت بها فتكا ذريعا، حتى كادت تفنيها، غير ان حشودا من عبد القيس هبت لنصرتها فحملت على قضاعة، فهزمتها شر هزيمة، ثم مالت على اياد فاصلتها قتلا ذريعا، وألحقت بحلف تنوخ هزيمة منكرة، حيث انسحبت فلولهم ليلا الى العراق، ومنذ ذلك الحين تصدع حلف تنوخ في بلاد البحرين، ولم يبق منه الا قبيلة اياد التي تفردت بالسيطرة على البلاد، وقد استطاعت قبيلة عبد القيس التغلب عليها أخيرا بعد حرب ضروس، وأسفرت عن هزيمتها وجلائها من المنطقة، حيث تمت لقبيلة عبد القيس السيطرة على بلاد البحرين.
ومنذ ذلك الحين تصدع حلف تنوخ بالبحرين، بانسحاب قضاعة، وعلى رأسها مالك وعمرو أبناء فهم بن تيم الله وجذيمة الابرش زعيم الازد ومغادرتهم البلاد الى الانبار والحيرة بالعراق حيث كونوا فيما بعد الدولة اللخمية والتي عرفت بعد ذلك بدولة المناذرة.
الدولة الساسانية
حملة أردشير بن بابك وتأسيس الأمبراطورية الساسانية
وفي تلك الأثناء بدأ الضعف يسود الإمبراطورية البارثية وتحولت الإمبراطورية إلى دويلات يحكمها ملوك مستقلين فيما عرفوا بملوك الطوائف.
وهكذا تهيأت الفرصة لأردشير بن بابك (224م - 241م) سنة 226م ان يقضي على الدولة البرثية وعلى ملوك الطوائف، ويوحد إيران، ويؤسس الإمبراطورية الساسانية القوية، التي أصبحت منافسة للإمبراطورية البيزنطية الرومانية والتي سيطرت على أجزاء من الشرق الأوسط،وبدأت تتقاسم معها النفوذ على الأرض العربية، فكانتا تشكلان معسكرين شرقي وغربي.
ويحدثنا الطبري ان أردشير بن بابك غزا بلاد البحرين، فحاصر ملكها سنطرق فلم يستسلم، وأصر على المقاومة، حتى أنهكه الجهد، فرمى بنفسه من أعلى الحصن فهلك.
ويوحي هذا الخبر أن البارثيين كانوا يسيطرون على شرق الجزيرة العربية في زمن أجتياح اردشير لأن سنطرق أسم بارثي بارز.
وقد أقام أردشير بسرعة وجودا سياسيا ساسانيا في شرق الجزيرة العربية بعد افتتاحه إياها. فيخبرنا شهريها - أيا - إياران وهو عمل صنف بين عامي 774م - 775م أن أردشير عين المدعو أوشك Osak مرزبان هجر - للجيشين على بحيرة العرب. وقد ربط البعض أسم أوشك بالاسم العربي “أوس”. ويرجح البعض أن أوشك يقارن بالأسم الفارسي هاوشيينها Haousiianha والمعروف بصيغ متنوعه مثل أوشنك / ق. فلو أعتبر الأسم فارسيا عندئذ يوحي بوضوح أن أردشير عين فارسيا ليخدم مرزبانا في شرق الجزيرة العربية ويبدو تعينه منطقيا.
ومع أن الطبري لا يذكر شيئا عن تعيين أردشير مرزبانا في الهجر إلا أنه يقول أن أردشير بنا مدينة في موقع الخط في البحرين. وقد قرىء أسم تلك المدينة التي أسسها أردشير بقراءات متنوعة مثل باسا أردشير ، وبانيات أردشير، وبيروز أردشير، وبيت أردشير، وباتن أردشير. ولعل بيروز أردشير أقرب للعقل وتعني “أردشير الظافر أو المنتصر”.
حملة سابور (أو شابور) الأول
كان أردشير قبل وفاته سنة 241م قد جدد الحرب مع الرومان وبعد أن تسلم الحكم أبنه سابور الأول (241م - 272م) سار على نهج والده فسير الجيوش لضم أماكن جديدة لمملكته فغزا جنوب الخليج العربي وأفتتح العديد من القلاع. ويقول الدكتور پيروز مجتهدزاده أن سابور الأول قد دخل جزر ميشماهيك (البحرين) بجيوشه لطرد المعتدين منها قبل أن يتوجه إلى جنوب الخليج.
وقد أحكم الساسانيين في هذه الفترة سيطرتهم على الدولة اللخمية وصيرتها حليفة لها. جاء في مخطوطة شهريها - أيا - إياران أن “سابور نجل أردشيبر بنى حاضرت هيرت (الحيرة) وعين مهرزاد مرزبان هيرت على بحيرة العرب”. وفي عهد سابور أيضا تبوء بني لخم مركزهم الممتاز كتابعين للملك الساساني. وتشير المراجع العربية أن سكان الحيرة أعتبروا عمرو بن عدي أول حاكم لخمي.
 والثابت أن حكم ملوك دولة اللخميين بدأ بعمرو بن عدي اللخمي (265م - 295م). وقد تزامن حكمه مع حكم شمر يهرعش (270 - 300م) أحد ملوك اليمن، الملقب بملك سبا وذي ريدان وحضرموت، والذي أرسل قوات توغلت في شبه الجزيرة العربية، وتذكر بعض المراجع أن هذه حملة عسكرية على شرق الجزيرة العربية ويرجح آخرون أنها بعثة دبلوماسية حميرية إلى طيسيفون وسلوقية وهي على الأرجح لإقامة علاقات مباشرة وهي موثقة في النقش المعروف لدى العلماء بـنقش (شرف الدين 31). وقد سلكت هذه البعثة الطريق المعروفة بطريق الرضراض أو طريق الحصى.
 ومن المشهور حسب أقوال المؤرخين أن إقليم البحرين كان خلال تلك الفترة تحت حكم اللخميين حلفاء الإمبراطورية الساسانية. ولقد كان للساسانيين بدورهم نفوذ على ملوك هذه الدولة وهو نفوذ يمتد تارة ويتقلص تارة أخرى تبعا للظروف ولشخصيات الملوك من الطرفين.
ومثلما كان اللخميون يخدمون الساسانيين حكاما على القبائل العربية في مملكتهم، كذلك كانوا يراقبون تلك القبائل بإقامة شبكة علاقات مع شيوخ مخلصين، ويكافؤونهم بإعطائهم الإمتيازات. وفي الحيرة ذاتها، أن الردافة تعطى لشيوخ القبائل المواليين والردافة أسمى درجات المناصب الوظيفية وكانوا يجلسون على يمين الملك اللخمي. ومن القبائل التي خصت بالردافة بني يربوع من تميم. وهناك أيضا الصنائع وهم أقرب خدم الملك منه وكانوا ينتمون لبكر بن وائل. وهناك الوضائع وهم حاميات الثغور. وهناك الرهائن وهم ينتمون لشتى القبائل الموالية ممن أحتجزوا رهائن في الحيرة لفترات مدتها ستة أشهر لضمان أمتناع قبائلهم المفترض أنها صديقة عن القيام بهجمات.
و كان الشيوخ الموالون يعينون في المقاطعات القبلية الواقعة خارج الحيرة عملاء على أراضيهم ذاتها. وهكذا مارس اللخميون رقابتهم على جزيرة العرب الشرقية ، بتحميل زعماء القبائل المسؤولية بتلك الطريقة.
إلا أن هذا النظام بين اللخميين والساسانيين واللخميين في جزيرة العرب الشرقية لم يؤد وظيفته دوما بهدوء على مر الزمن. ويهمنا الا ننظر إلى هذه العلاقة على أنها علاقة مستقرة تماما.
حملة سابور الثاني (ذو الأكتاف)
وبعد وفاة عمرو بن عدي عام 295 م تولى الحكم ابنه امرؤ القيس بن عمرو(295 م - 328 م)، وهو غير أمرؤ القيس الشاعر، الذي كان معاصرا من ملوك الفرس نرسيس (293م - 302م). وفي عام 297م وقع نرسيس معاهدة صلح مع روما البيزنطية وقد أجبر من خلالها عن التخلي عن أقسام كبيرة من الأراضي وبخاصة قلاع الحدود الإستراتيجية الكبيرة في بلاد مابين النهرين الشمالية. وبالتالي أصبحت حدود الساسانيين الشمالية مكشوفة إلى حد خطيرمما حثهم على الحرص على الحصول على أمن إضافي بعيدا باتجاه الجنوب. ويعتقد أن معاهدة الصلح هذه مكنة أمرؤ القيس من إقامة علاقات متوازية مع الجانبين.
وكان أمرؤ القيس يحلم دائما بتوحيد العرب في دولة واحدة ويكون هو ملكا عليها وقد مهد لذلك الهدف بمحاربة القبائل العربية أولا وإخضاعها داخليا لسلطانه. وفي عام 309م واتت امرؤ القيس فرصة أخرى حينما توفى هرمز الثاني بن نرسيس (302م - 309م) الذي لم يخلف وريثا لعرش الساسانيين ولكن كانت إحدى زوجاته حاملا فأوصى بالملك من بعده للحمل الذي في بطنها. فولدت غلاما هو سابور الملقب بذي الأكتاف. وبايعته الفرس حين ولادته ولم يزل صغيرا، فاختلت شأن الإمبراطورية الساسانية إلى حين وطمع فيها من جاورها. فاستغل امرؤ القيس تلك الفرصة وأخذ يعمل على إنشاء الدولة العربية التي كان يحلم بها. ولما دانت له القبائل العربية أوعز إلى عبدالقيس ومن يسكن البحرين من قبائل العرب بمهاجمة سواحل فارس فعبروا الخليج بسفنهم. وفي هذا يقول ابن الأثير: وسمع الملوك أن ملك الفرس صغير في المهد فطمعت في مملكته العرب والروم معاً، ولما كانت العرب أقرب إلى بلاد فارس سار جمع عظيم منهم في البحر-وبينهم من بني عبدالقيس بالبحرين- إلى بلاد فارس وسواحل أردشيرفره، وغلبوا اهلها على مواشيهم ومعايشهم واكثروا الفساد.
ويرجح كذلك أن امرأ القيس قد أمر اياد بالإغارة على سواد العراق. وفي ذلك كتب ابن الأثير أيضا: وغلبت اياد على سواد العراق واكثروا الفساد فيهم، فمكثوا حينا لا يغزوهم أحد من الفرس لصغر ملكهم وهذا دليل آخر على خضوع بقية القبائل العربية لسلطان امرئ القيس.
ولما ترعرع سابور ذو الأكتاف وبلغ من العمر 16 سنة تولى أمور مملكته فبادر إلى إصلاح أوضاعها الداخلية بسرعة، ثم تطلع إلى استرجاع حدود إمبراطورية أسلافه. ولهذا شرع بتوجيه جيوشه ضد العرب أولا فجهز إليهم العساكر وعهد إليهم أن لا يبقوا على أحد ممن لقوا منهم. فتحركت جيوش سابور تجاه عاصمة الدولة العربية في الحيرة سنة 325 م واشتبكت مع العرب في حروب ضارية. ولما كان الفرس اكثر تنظيما وأقوى سلاحا استطاع سابور أن يحتل الحيرة منتصرا وولى عليها أوس بن قلام بعد أن تقهقر امرؤ القيس بجنوده تجاه إقليم البحرين. ثم تبعه سابور وأسرف في القتل في الخط وهجر حتى سالت دماء العرب على الأرض. ويصف لنا الطبري ذلك حيث يقول:
“ثم سار بهم فأوقع بمن انتجع بلاد فارس من العرب... وقتل منهم أبرح القتل وأسر أعنف الاسر وهرب بقيتهم ثم قطع البحر في أصحابه فورد الخط واستقرى بلاد البحرين يقتل أهلها ولا يقبل فداء ولا يعرج على غنيمة ثم مضى عليه وجهه فورد هجر وبها ناس من أعراب تميم وبكر بن وائل وعبد القيس فأفشى فيهم القتل وسفك فيهم من الدماء سفكا سالت كسيل المطر حتى كان الهارب منهم يرى أنه لن ينجيه منه غار في جبل ولا جزيرة في بحر ثم عطف إلى بلاد عبد القيس فأباد أهلها إلا من هرب منهم فلحق بالرمال ثم أتى اليمامة فقتل بها مثل تلك المقتله ولم يمر بماء من مياه العرب إلا غوره ولا جب من جبابهم إلا طمه ثم أتى اليمامة فقتل من وجد هنالك من العرب وأسر ثم عطف نحو بلاد بكر وتغلب فيما بين مملكة فارس ومناظر الروم بأرض الشام فقتل من وجد بها من العرب وسبى وطم مياههم وأنه أسكن من بنى تغلب من البحرين دارين - واسمها هيج - والخط ومن كان من عبد القيس وطوائف من بنى تميم هجر ومن كان من بكر بن وائل كومان وهم الذين يدعون بكر أبان....”
وقد قام بيوكامب وروبين بإدخال تعديل على نص الطبري بحيث أصبح النص “وأنه أسكن من بنى تغلب من البحرين دارين - واسمها هيج - والخط” بحيث أصبح يقرأ دارين وسماهيج (جزيرة المحرق من جزر البحرين كما سنوضح ذلك لاحقا) وذلك أن هيج غير معروفة أطلاقا. وقد تم قبول هذا التعديل من قبل باحثين أخرين من أمثال دانيال بوتس وبذلك يكون عندنا دليل على سيطرة الساسانيين على جزر البحرين والتصرف بها. ليس هذا وحسب بل ويبدو أن الساسانيين أستخدموا جزر البحرين كبوتقة صهر أو إندماج عرقي.
وهناك دليل آخر يجعلنا نميل لقبول ذلك التعديل وذلك بمقارنة الأماكن التي ذكرها الطبري بأماكن ذكرت في نص قديم وهو وصف جغرافي للإمبراطورية الساسانية والوارد في تاريخ أرمينية ، تأليف موسيس الخوريني والذي يعتبر وثيقة مهمة ، يحتمل أن تعكس التنظيم السياسي في جزيرة العرب بين 750-800 ويهمنا بصورة رئيسة بسبب الولايات التي قيل إنها تدخل في القسم الجنوبي من الإمبراطورية فقد أتى في قائمة تلك الولايات “الهجر” و“بنيات أردشير” أي الخط و“دير” أي دارين و”ماشماههيك” أي سماهيج. وتلك الأسماء هي ذاتها التي ذكرها الطبري حيث ذكر هجر ثم دارين والخط وسماهيج.
وقد تمكن سابور أيضا من هزيمة أمرؤ القيس واثر تلك الهزيمة التحث امرؤ القيس إلى دولة الروم في الشام وعلى رأسها قسطنطين الكبير الذي تحالف معه فأسكنه حوران على أطراف مملكته وبما أن قسطنطين هو أول من تنصر من ملوك الروم واول من عمل على تنشيط الحركة التبشيرية واجتهد في تنظيمها ونشرها، فقد اعتنق امرؤ القيس النصرانية أيضا. وقبل ذلك كان هذا الأخير وثنيا يدلنا على ذلك اسمه امرؤ القيس أي خادم القيس، والقيس اسم لصنم من أصنام العرب التي كانوا يعبدونها.
وبعد أن مات امرؤ القيس في الشام ودفن على حدودها حيث يوجد قبره ظل بنوه لمدة سنتين خارج الحكم إلى أن نشبت الفتنة في الحيرة عام 330 م حينما قتل جحجبان بن عتيق اللخمي أوس بن قلام الذي أوردنا ذكره. ويحدثنا المؤرخون بأنه بعد أن يئس أبناء امرئ القيس من مناصرة الروم لهم عادوا بزعامة عمرو بن امرئ القيس إلى حكم الحيرة بعد مقتل أوس. وذلك لان الفرس اتصلوا بهم ليحاربوا معهم ضد الروم. وهكذا اصبح حكم اللخميين خاضعا أيضا لسلطان الفرس ونفوذهم الذي كان يشتد حيناً ويضعف حينا أخر قياسا لشخصية الملوك من الطرفين، أو لقرب وبعد أي إقليم من عاصمتهم. وعليه نرجح أن إقليم البحرين كان خاضعا لنفوذ اللخميين التابعين، كما هو معروف، بدورهم للإمبراطورية الساسانية، ولم يكن حكم الأخير على البحرين حكما مباشرا إلا في بعض الفترات.
ويهمنا أن نشير إلى أن الثعالبي يقول أن سابور لم يزحف على اليمن لأن ملوك هذه البلاد كانوا موالين له. ولا يشستبعد أن تكون السفارة التي أرسلها شمر يهرعش إلى سلوقية وطيسيفون في القرن الثالث المتأخر والتي ذكرناها من قبل قد تسببت بإقامة علاقات دبلوماسية بين مملكة سبأ وذو ريدان وبين الساسانيين.
وهناك ثغرة تمتد لأكثر من قرنين عن العلاقة السياسية الفارسية اللخمية في جزيرة العرب الشرقية من الفترة التي أعقبت تدخل سابور الثاني 325م وحتى عام 531م عندما أرجع الملك الساساني كسرى الأول السلطة اللخمية إلى المنطقة. إلا أن النفوذ الساساني تعاظم في ذلك الفاصل الزمني عن طريق الكنيسة النسطورية.

232037