عرب الساحل الهولة ليسوا "حولة"
محمد بن يوسف الهاجري * - 17 / 10 / 2007م - 9:59 ص - العدد (39)

تمهيد
لقد عرفت الجزيرة العربية الكثير من الهجرات الجماعية الى الخارج منذ القدم، فهناك على سواحل البحر الأبيض المتوسط إلى بلاد الرافدين إلى شرق إفريقيا وشمالها، إما لظروف اقتصادية أو سياسية، وهي متطلبات أساسية لحفظ كرامة وأمن هذه الجماعات الشامل، وتلك الهجرات لها إيجابيات عديدة تعود بالنفع للمهاجرين، ومستضيفيهم. وعرب الساحل الشرقي للخليج العربي (الهولة) أحد هذه الجماعات التي نزحت من جنوب شرق الجزيرة العربية إلى الساحل الشرقي للخليج وامتهنت حرفة التجارة في الغالب، وكذلك صيد البحر، وربما القرصنة البحرية، بدليل أنها استحوذت على الشريط الساحلي للخليج العربي الذي يشمل العديد من الموانئ التجارية، أي إنها لم تتوسع إلى الداخل، وإنما بشكل طولي للسيطرة على منافذ التجارة. (لمزيد من المعلومات عن هذه القبائل النازحة وأسباب وتاريخ نزوحها يمكن الرجوع لكتاب عرب الساحل للأستاذ محمد دخيل العصيمي).
عن أسباب تسمية تلك الجماعة بالهولة ومفردها هولي فقد وردت عدة فرضيات منها، أن أساس الكلمة محرف من (الحولة)، بفتح الحاء، وبما أن العجم لا ينطقون الحاء فقد حرفت إلى هاء(1)، وهناك رأي آخر يقول: >إنَّ الهولة عرب كانوا يعيشون في صحراء الهول في أرض الجزيرة بين الموصل والرقة على ضفاف نهر الهولي، ثم انتقلوا إلى جنوب العراق، ثم التجأوا إلى مملكة هرمز في القرن العاشر الهجري<(2)، كما يفترض رأي آخر أنهم ربما نزحوا من نجد، بقرينة وجود جبل يسمى هولي ذكره ياقوت في معجمه. قال في تعريفه >هولي< بالضم، فُعلى من الهول، وهو الأمر الشديد، وهو جبل بنجد لبني جشم. قال أمامة بن مسعود الفقيمي:
وما نفسه في روضة من ظعائن
غدون على هولي بغير متاع
عليهن أسلاب الحريب بماله
فهن نصاً أو قد دعاهن داع
أو لعلهم يرجعون إلى أصول نازحة من (حولة)، فنسبوا إليها، وحولة مدينة بناحية سدير، وسط الجزيرة العربية، لها ذكر بدائرة المعارف الإسلامية، وصاحب هذا الرأي يستند إلى ما عرف من تكرار الهجرات من جزيرة العرب(3).
أما في كتاب >الخليج العربي في الخرائط التاريخية< (the gulf in historic maps 1493-1931) للدكتور سلطان بن محمد القاسمي(4)، وفي إحدى الخرائط التي خطها الرحالة الدنماركي كريستين نيبور (carsten niebahr) عام 1765م أشار إلى بر فارس غرب ايران بكلمة >بني هول< (Beni Hule)، وجعل حدودها الشريط الساحلي الشرقي للخليج العربي من أبو شهر شمالاً حتى كونك جنوباً بطول يقارب 100 كم، وعرض يصل في أقصاه إلى 15كم، وسطر أكثر من 20 مدينة ساحلية وميناء أهمها سيراف، بوشهر، كنكون، نخيلوه، لِنجة، وموغ، عدا الجزر القريبة من الساحل، كما أورد كلمة “ بني كعب “ ( Beni kiaB )شمال الخليج العربي إشارةً لسيطرة هذه القبائل على حكم تلك المناطق، وأورد أيضاً كلمة >بني ياس< (Beni Ass) في الجزء الجنوبي الشرقي للجزيرة العربية، ويرد كذلك في خرائط أخرى 1822- 1823م (نفس المصدر) كلمة بني خالد (Beni Khaled) اشارة لسيطرتها على الساحل الشرقي للجزيرة العربية، وكذلك كلمة بلدان بني شعب أو شعيب (Beldan Bni shap) في إقليم عمان على احدى الخرائط المؤرخة 1843م.
من ذلك يتضح أن >بني هول< اسم لقبيلة كانت تسيطر على الساحل الفارسي أو مجموعة قبائل وعشائر تجوب وتسكن تلك المنطقة، ولا يوجد أدنى شك أن كلمة >هولة< مشتقة من >بني هول< والاسم أسقط على الخارطة للدلالة على سيطرة هذه القبيلة وتزعمها للمنطقة الموسومة باسمها بما فيها المدن والعشائر القاطنة بها.
مما يعني أن كلمة >هولة< مشتقة من اسم وليس فعل من >حولة<، فكلمة >بني هول< تشير إلى اسم قبيلة منسوبة إلى اسم فرد علم بارز ينسب إليه أبناؤه وجماعته كما هو متعارف عليه في الترميز والإشارة إلى القبائل العربية، الحاكمة منها وغير الحاكمة، على سواحل الخليج العربي وغيرها. فغالباً ما تعرف المناطق بأسماء حكامها أو القبائل المسيطرة عليها، وبما أن المكان المشار إليه هو نفس المكان الذي نزح منه الهولة إلى داخل الجزيرة العربية في هجرة عكسية، وليس بالضرورة أن يكون جل سكان تلك المنطقة من بني هول، وإنما قد يكون البعض من الخاضعين لنفوذهم كما هو الحال في قبيلة بني خالد المسيطرة على شرق الجزيرة العربية على اختلاف قبائلها.
 لذلك أرى أنه لا يمكن أن تكون >هول< هذه اسم لموقع جغرافي أو فعل مشتق من التحول، ولكن الغريب أنه لم يشر أحدٌ من الرحالة أو الجغرافيين الأجانب إليهم -بني هول- قبل أو بعد نيبور أي انه الوحيد الذي أشار إليهم، وكان قبل ذلك يطلق على العرب القاطنة على الشريط الساحلي الشرقي للخليج العربي في الخرائط الأجنبية باسم مستوطنات عربية، والمعروف تاريخياً أن الوجود العربي على هذا الساحل أسبق من ذلك بكثير.
نلاحظ في مجموعة من الخرائط المنشورة (نفس المصدر السابق) إلتفاف القبائل العربية على معظم محيط الخليج العربي من القرن السابع عشر وحتى القرن التاسع عشر الهجري.
في الختام يبقى أن نعرف من هو السيد >هول< متى ومن أين أتى وماهي الظروف التي أدت لانتقاله إلى هذه الرقعة من الأرض، وهو رأي قابل للنقاش، لذلك لا بد من البحث في تاريخ تلك المنطقة، وأصول الأسر الحاكمة التي حكمت تلك المناطق وهي فترة ليست بالبعيدة، ولا يستبعد وجود وثائق تعين في هذا المجال، كل هذه الأسئلة تحتاج لإجابة نطرحها على المؤرخين والنسابة وبالأخص من أهل الشأن أي عرب الساحل.
الهوامش
(1) العصيمي، محمد دخيل، عرب الساحل.
(2) القاسمي - د. سلطان بن محمد، بيان الكويت. الشارقة 2004م.
(3) رأي خاص (غير منشور) بالأستاذ السيد عدنان العوامي.
(4) The gulf in historic maps – 1493 - 1931 Edited by sultan Bin Muhammad AL-Qasimi phd

 

باحث آثار
322876