لقاء خارج الوطن
العالم الأديب الشيخ يحيى الراضي
عبدالمحسن المطوع * - 17 / 10 / 2007م - 10:28 ص - العدد (39)

من اليقين عندما تلتقي بشخص شاعرنا يشدك تواضعه الجم، ويسلب اللب دفق كلماته التي لا يحتاج إلى ترتيبها لتتولد فكرته. فهي تنساب دافئة كماء الحوار وبسيلان رد غزالة. ومع ذلك يمتعك بوعي ثاقب لما يدور معه وحوله، وهل يحق لنا أن نربت على كتفه: أحسنت، وقد أسلم يراعه لبلاغة العربية، وحلق في فضاءاتها، وأثرته مواطن الاستيطان التي حل بها بهذا الزخم من مترادف الكلمات وكأن الجمال يتحور بين يديه إنسانا مرة، وطبيعة مرة، وفكرا مرة أخرى.
حين تنصت له عالما دينيا عينه الإنسان بمقومات الفطرة الإنسانية السليمة، ينهل بدقة العقل، ويمنح بدفق العاطفة، عرف نفسه في ديوانه أقدس الخطايا:
(وأحسبني لم أتمكن خلال هذه النصوص السافرة من ارتداء أي قناع إيهامي دون أن يعني ذلك بالضرورة كون النص صدى لتجربة واعتقاد، لأنني غير متجاوب أصلا مع المذهبية الواقعية للفن، ولا مع تنظيرات الالتزام الأدبي مهما كانت الدوافع والمنافع ليس اعتقادا بعدم ضرورة هذا النمط التوجيهي فحسب، وإنما اعتقادا بضرره على الأدب والقيم معا، لأن الفن بذاته من قيم الحق والخير والجمال، لا يحتاج إلى قائد أو شيخ طريقة مما يجعلني منسجما تمام الانسجام مع مقولة قديمة لأبي حامد الغزالي: إن القلب لا يدخل في ولاية الفقيه).
ولا تكتمل القصة مع الراضي، ولكنه أسس لخلودها بالطبع.
وللتعريف بالشاعر الشيخ يحيى الراضي فقد ولد في بلدته الحوطه بمدينة العمران عام 1390هـ، ويكنى >أبا هجر<. أنهى دراسته الابتدائية في بلدته (الحوطة) في مدرسة العمران الابتدائية بالأحساء، بعدها مباشرة ابتدأت رحلته للدراسة الدينية في إيران حيث بقي ثلاثة عشر عاما بين الدراسة والتدريس والإطلاع والعطاء الواعي(1). بدأت تجربته الشعرية في مدينة (قم) الإيرانية. له تجربة متقدمة في الخطابة ويظهر فيها اتجاهه الأدبي الانفتاحي بوضوح. الشاعر الراضي عضو في منتدى الأربعاء الأدبي الثقافي في دمشق منذ سنوات وقد كان من شعرائه الراحل السيد مصطفي جمال الدين. يتميز أسلوبه الكتابي والكلامي بالذاتية والرمزية والنقد واللطافة والعتاب والإثارة إلى حد الحكم بالشطح المعاكس أحياناً.ولا يزال شاعرنا أعزب إلى الآن.
مدخل
كم ذا سهرت لأسكر الصفحات من
نجوى اليراع فتستلذَّ حلالا
الحبر خمري، والدفاتر حانتي
و الشعر يورِد للظِّماء زُلالا
ونأيت عن وطني! لأسكن صفحة
بيضاء يملؤها الشعور مقالا(2)
* * * *
أنا في دمشق وكل أشـ
ـواقي لنادي الأربعاء(3)
عفواً إذا همس الضمير
بما يغض عن الثناء
فكأنما فتْح الفتوح
غدا يذاع على الهواء(4)
* * * *
أنا آتٍ فهيِّئي ليَ قبراً
أتمنَّى بين النخيل وفاتي(5)
هذا البوح الجميل، وهذا التغني المتوهج عشقاً -للوطن- لواحة النخيل والشعر (أحساء الجمال). هذا العشق المتدفق، والاشتياق، واللاحدودي إلى حيث تمني الموت بين النخيل الأحسائية، أمنيَّة الحياة لا حدود لها. كل هذا مع الغيرة للشعب والإنسانية مع نبرة الحزن والتشاؤم اللذيذ أحياناً، والتفاؤل وما سيتضح في ضوء هذه الأسطر جميعه يشكل ملامح شاعرية شاعرنا المهاجر. إنه شخصية تتمحور في أربعة أبعاد -كما أرى- وهي الفقه، الشعر، الأدب، الثقافة. وفي ذات الوقت هي واحدة التكون حيث أن حركتها الإنسانية المطلقة من نبض هذه الأبعاد المتعانقة المتعالقة.
س1- نود التعرف على المنابع الثقافية في مساركم الشعري الأدبي.
ج: يمكن تحديد هذه المنابع بثلاث مراحل:
الأولى- كانت ثقافة كشكولية بجميع المعلومات عبر مطالعات مستمرة جعلتني أشعر أنني قد أذوب وسط هذه التراكمية، فكان لا بد من مرحلة جديدة؛ مما دفعني إلى تغيير محتويات مكتبي.
الثانية- الإهتمام بالدراسات النقدية الجادة من مناهج البحث الفقهي المتميز بإشكالات دقيقة.
الثالثة- مرحلة أسعد للتوغل فيها! بتوفيق المولى سبحانه، وهنا لا بدَّ من المشاركة في المقروء والمسموع، لا بالتلقي والنقد فقط، وإنما بالإجتهاد والإنتاج. لكني أعاني - إلى الآن - في المسار الثقافي من التأرجح بين الفكري والفقهي والأدبي؛ مما قد يضطرني للتخصص بالابتعاد قليلاً عن الأدب.
س2- ماذا عن كتابتكم الأولى في الشعر؟
ج - كانت مكتبة والدتي، والقصائد المنبريَّة هما المحفز الأول للهم الشعري؛ فقد كتبت بالعامية، ثم أعرضت عنها مبكِّرا إلى الفصحى، وأتذكر من البدايات:
وتظلُّ ترشف كأس وجدك
تلهو عن الدنيا ببعدك
متمرِّداً فوق الجميع
فمن ترى يدنو لمجدك؟
وعلى أي حال ما زال شعري دون مستوى الطموح.
س3- من أين تستوحون كتاباتكم؟
ج: أستوحي الكتابة من هذا الوجود الفسيح، ولكن أهم معالم الإيحاء ثلاثة:
أولاً- ذاكرة الطفولة، وهي شلال من الصور المتدفقة بالإلهام.
ثانيا- معاناة الغربة، وهي لا تنقضي، ولله الحمد، وهل من مزيد؟
ثالثا- الإطلاع المتنوع - كما ذكرت في الإجابة الأولى - مما يجعلني أنظر الموجودات برؤية فنية خاصة حتى في المشاهد المأساوية.
س4- ما الذي تكتبون بالإضافة إلى الشعر؟ وهل لكم مؤلفات مخطوطة ؟
ج - لا أجد فائدة من ذكر عناوين محددة ما دامت هذه الكتابات (رهينة المحبسين): أزمة المال وأزمة النشاط، لكنها بشكل عام خارجة على طريقة التجميع الذي هو عبارة عن جهد عضلي دون إبداع، وما أتطرق إليه يتناول قضايا حيوية سواء على المستوى الفكري، مثل: التعصب، والحداثة، والتبليغ، أو على المستوى الفقهي، مثل: صلاحيات الفقيه، وإشكالية الخُمس. أما الشعر(6) فلا أسعى لطبع ديواني لأنني لست شاعراً متفرغاً للشعر، ولا أكرِّس له اهتمامي الأكبر؛ للإنشغال بالدراسة الفقهية، والمتابعة المتجددة، وعلى كل حال يوجد لديَّ ثلاثة أعمال جاهزة تنتظر النشر، ولم أبحث عمن.... ثم أن كتاباتي - بصراحة – قلقة، غير واثقة من ذاتها.
س5- يظهر، من بعض قصائدكم، التأثر بنزار قباني. كيف ذلك؟
ج - أولا أتحفظ على عبارة التأثر لأن الإنسان يتأثر بكل ما حوله، وما حولي من المظاهر الشعرية كثيرة. نعم، لا أخفي الإعجاب بشاعرية نزار قباني بغض النظر عن هفواته التي أعرفها، ولا أخفي حزني لوفاته، فقد بكيت فنًّا ممتازًا. بهذا المعنى أنا متأثر بنزار، وبالمعري، وبابن عربي، ودرويش... الخ، وقد أميل مع المعري أكثر من المتنبي دون تقليد أحد.
س6 - علمت أن لكم قراءات نقدية، ودراسات شعرية، ما هي؟
ج - الكلام في هذه القراءات لا يزال مبكراً، ولا يخلو من نرجسية؛ لأن ما كتبت في هذا لا يعدو الإنطباعية مع الاعتقاد أن النقد الأدبي يتكلف التعقيد بكبرياء، وتلبس دور الأستذة. لذلك فالكثير من النقد تكلف. بالنسبة لي الآن أهم بالنقد الفكري، وعندي دراسة حول جدلية العلاقة بين الفقهي، والشعري، ودراسة في شعرنة الفكرة.
س 7- كيف تنتظرون إلى ما يسمَّى (قصيدة النثر)؟ وهل يتناسب هذا الإصطلاح مع هذا النص؟
ج - يظهر أن القدماء كانوا أكثر حداثة من المعاصرين عندما قالوا: (لا مشاحة في الإصطلاح)، وهكذا أفهم تسمية قصيدة النثر؛ لأن هذا النص الفني يحتوي على عناصر شعرية لا توجد في غير الشعر، ومن ناحية أخرى فهذا النص لا يحوي موسيقى إيقاعية كالتي في الشعر العمودي، أو التفعيلة (الحر)، ومن هنا يسمى النص (قصيدة النثر). المهم أن قصيدة النثر إثراء للأدب: فيها الجميل، وفيها الهابط.
س8- إلى أي حد تأتي فائدة الشعر للمجتمع في رأيكم؟
ج - أعتقد أن أقصى ما يطلب من الشعر هو الإمتاع بالمعنى النزيه للإمتاع؛ الذي يحمل - بطريقة لا مباشرة - تهذيباًُ للذوق، وإحساساً بالجمال. بالإضافة إلى قيمة باطنية تكمن في الشعر هي الوظيفة التطهيرية. فكما تطهر الدموع أدران الإثم، والعقد النفسية؛ فإن الشعر يطهر العواطف بفيض جمالي يظهر الإنسانية بأحسن صورها، وأي فائدة أعظم من الحس الجمالي، وتهذيب الذوق؟
س 9- إذن أنتم تنكرون الفائدة الثقافية، والتوعوية للشعر؟
ج - الشعر ليس وسيلة تعليم، ولا تأريخ. نعم، هو تهذيب للوجدان، وقد يحمل ثقافة لكن دون مباشرة أو تخطيط لضم المعلومات؛ ولهذا فإن هذه المنظومات في العلوم كألفية ابن مالك، وجمع أسماء الإعلام، والقرى، وحتى جمع تواريخ الموالد، والحوادث هي نظم ليس فيها من الشعر غير الوزن والقافية، وهذا لا يكفي لصدق الشعر بدون صورة فنية.
س 10- هل معنى كلامكم التهوين من أهمية الشعر القديم الذي كان يهتم بالتاريخ؟
ج - بالطبع لا. فقد يكون الشعر القديم وثيقة تاريخية، لكنه لم يكتب بالأساس للتأريخ، والتوثيق؛ بل كان انفعالات وردت فيه الحوادث والأسماء والمعالم بعفوية، ثم استفدنا نحن فيما بعد من الدلائل التاريخية فيه.
س 11- كيف تنظرون إلى الصحافة المعاصرة، وأثرها الثقافي؟
ج - رغم ما يبدو من تنوع وفير في عشرات الدوريات لكن هناك سلبية تتمثل بفقد المركزية، هل تعلم أن الصحف الثقافية العربية تقارب المائة دورية؟ هذا غير الصحف العامة التي تخصص صفحة ثقافية أو صفحات.
بعدما كان القارئ سابقاً يتابع مقالاً معيناً، أو كاتباً معيناً في صفحة معينة أصبح يلزمه الآن متابعة العشرات من الصحف المتسابقة في هرولة ثقافية، ولا بد من إيقاف هذه الهرولة بمتابعة صحفية ثقافية تمثل كل قطر، وأيضا أخرى مركزية تلتقي فيها الأقلام، لكن كيف يتحقق ذلك؟ الجواب في جهود المعنيين فقط.
س 12- ماذا تتوقعون لمستقبل الشعر العربي؟
ج - التناسل، والإستنساخ لأعداء الشعراء قد يوحي بمستقبل زاهر للشعر العربي لكن الشواغل الكثيرة بالإضافة إلى التهميش الإعلامي حيث يوضع الشعر في درجة أدنى من منجزات حذاء اللاعب، ودندنة مطربة. كما أن الشعر أخذ يتقوقع في شرنقة النخبة بعيداً عن شوارع الجمهور الموحية بصدق، وعلى فكرة هذا يعانيه الشعر في أنحاء العالم، وقد يكون الحل في هبوط الشاعر من برجه العاجي، مع إعادة النظر في العلاقة مع الجمهور.
س 13- لكن، ألا ترون أن الجماهيرية كثيراً ما تؤدي إلى السطحية في الشعر؟
ج - لا. أبداً. شتان بين الوضوح الجماهيري، وبين السطحية. كان نزار واضحاً، ولم يكن سطحياً، وهكذا كان المتنبي قبل ألف عام، مع ما في شعرهما من مباشرة، لكن التوفيقية بين الوضوح والسمو الفني من مميزات المبدع الناجح الذي يضع في اعتباره هموم أمة، ولغة اتصال، وما الطريقة الفنية إلا مغناطيس جذب مؤثر. نعم، بعض النصوص تحتاج إلى تأملات لكنها بالتالي مفهومة ولو بعد تفسيرات.
س 14- إلى من توجهون كلمة الختام ؟
ج - لا شك في توجيه الكلمة عبر الأثير (الورقي) إلى الأحساء؛ فهي مخزون جمالي لم تسلط عليه الأضواء، وأعتقد أن في الأحساء ثقافة بكر، وفيها فن يشع أينما تلتفت العين، وتحت كل نخلة ترقد فكرة علينا إيقاظها ولو بالوخز والتوبيخ حتى لا تغطي الأحساء أنقاض من العقارات وسمسرة السوق. لقد قلت للأحساء في مقطوعة (قصيدة) أذيعت في لقاء عبر قناة دبي الفضائية أتذكر منها (بدون ترتيب):
أحساء قد سئم الرقا
د وما سئمت من الثواء
أسرجتِ ليل التائهيـ
ـن وتيه ليلك لا يضاء
تبقين صائمة الطموح
بحيث لا يجدي بقاء
صوفية في معبد الحر
مان روضها الشفاء
قولي، بربك، خشعة
هذا التصوف أم رياء؟
الهوامش:
(1) أول أمسية خاصة أقامها كانت في ملتقى الينابيع الهجرية للشعر في مزرعة (القارة) في 14/10/1421هـ وكذلك أقيمت له أمسية جماهيرية بالتعاون مع نادي المنصورة في 10 / 1426 هـ في المنصورة.
(2) من قصيدة أرسلها إلى الشاعر جاسم الصحيح مع رسالته الأولى إليه في التاريخ السابق
(3) نادي الأربعاء / منتدى الأدبي.
(4) الأبيات الثلاثة من قصيدته تغريبة شوق قالها في 1418هـ ثم إرسلها إلى الكاتب وزملائه أعضاء هذا المنتدى
(5) هذا البيت كتبه في تقديمه (لغة الشموس) المجموعة الشعرية الأولى التجريبية لـ>عبد المحسن< في 3/ 1418هـ التي راجعها في 1426هـ وأضاف إليها لتصبح ديوانه الثاني >لغة الشموس الوردية<.
(6) لكنه بعد ذلك طبع عدة دواوين ابتداءً من (أقدس الخطايا) إلى (جواز سفر) من عام 2000 – 2004م.

 

كاتب
302166