التكـــــعيبية والسيريالية .. دراسة مقارنة
أحمد عبدالله العبدالنبي * - 17 / 10 / 2007م - 10:45 ص - العدد (39)

إن دراسة تأريخ الفن يحتاج إلى معرفة الدوافع الحقيقية التي أدت إلى ظهور هذه المدرسة أو تلك بناء على ما تقوم به من أسس نفسية وفلسفية وتكنيكية وتاريخية، كل هذا تجده عند دارستك لتاريخ الفن، ابتداء من دراسة الفنون البدائية، وانتهاء بالفنون الحديثة المعاصرة، ومن المدارس الحديثة (المدرسة التكعيبية والمدرسة السريالية) وهما من أهم المدارس الجديرة بالدراسة.
 وسيتم التعريف والوقوف على الجوانب التي أدت إلى ظهورهما وأهم هذه الجوانب هو التطور العلمي. فتطور العلوم الإنسانية خاصة السيكولوجية أوجدت المدرسة السريالية من خلال نظرية فرويد وتحليلاته وتفسيره للأحلام.
وعبر التطور المادي العلمي الذي غير مفهوم الرؤية البصرية الاعتيادية حيث بدأ الفنان ينظر للأشياء بنظرة جديدة غير مسبوقة بعد معرفة كنه الأشياء عن طريق الميكروسكوب والعدسات المقعرة والمحدبة، فوجد أن هناك أوجها للأشياء غير التي اعتاد رؤيتها وإن كان لا يستطيع رؤيتها إلا بالميكروسكوب.
وسيتم التعرض إلى أوجه التشابه والاتفاق بين هاتين المدرستين، وكذا أوجه الاختلاف والافتراق بينهما، وهذا يعتبر من أحد طرق التفكير الابتكاري الذي ينمي ملكة التفكير والتفريق بين المعارف وليس الحفظ والتذكر.
المدارس التشكيلية الفنية
إن المدارس التشكيلية الفنية هي الأسلوب الذي يتخذه الفنان في انجاز لوحته، أو لوحاته على وجه العموم، وهذه المدارس تظهر تبعا للتطور العلمي والإنساني والفلسفي والفني، فعندما عرف الفنان نظرية تحليل شعاع الضوء الأبيض إلى ألوانه السبعة: (الأصفر والبرتقالي والأحمر والأخضر والأزرق والبنفسجي والنيلي)، وهي ما تعرف بقوس الله، كما يسميه الإمام الصادق A، اتجه الفنان إلى مدرسة تتماشى مع هذه المعرفة فظهرت المدرسة التأثيرية وتلتها مدرسة ما بعد التأثيرية، وهذه المدرسة جعلت الفنان يرسم خارج المرسم، في أحضان الطبيعة متأثرا بالضوء وانعكاسه على الأشياء، بعد أن كان لا يبرح مرسمه، ثم بعد ذلك تطورت العلوم المادية والإنسانية، فظهرت المدرسة التكعيبية والسريالية كما ذكرنا.
المدرسة التكعيبية Cubism
نشأت التكعيبية بعد المدرسة التأثيرية سنة 1907م، كرد فعل من الفنانين التكعيبيين على المدرسة التأثيرية التي اعتمدت فلسفتها على النظرة المباشرة للأشياء وما تراه العين وتسجيله حسب تأثير الضوء والزمن على الأشياء، وكما ذكر الدكتور محمد عبدالمجيد في كتابه >التربية الفنية<:
>اهتمت التكعيبية بفكرة وحدة الصورة المرسومة على سطح ذي بعدين، وبتحليل الأحجام وعلاقتها. وحقق ذلك التكعيبيون بتعمدهم إهمال رسم الأشياء كما هي، والسعي لإيجاد التكوين الكلي للشيء المراد تصويره، ومع توضيح وضعه في الفراق وفي سعيهم لتحقيق هذا، فإن التكعيبيين قد جعلوا الصورة تحمل فكرة الشيء المرسوم وذلك برسمه من جهات متعددة في وقت واحد.
واسم التكعيبية كالتأثيرية والوحشية أطلق على الفنانين رغم معارضتهم الشديدة له. فقد عارض كل من بيكاسو Picasso وبراك Braque -وهم زعماء التكعيبية- هذه التسمية إلا أنهم لم ينجحوا في تغيير اسمها<.
مراحل التكعيبية:
يعتبر الفنان بول سيزان Paul Cezanne (1839 - 1906م) أبا الفن الحديث وهو أول من خطط للتكعيبية ومهد لها، فقد كان يكرر أن المخروط والكروي والاسطواني هي أشكال ينبغي على المصور أن يبحث عنها، فهو أول من لفت الانتباه للتكعيبية. وقد مرت التكعيبية بمراحل كما بينها د. محمد عبد المجيد، وهي:
1- التكعيبية البدائية (1906 - 1909م): وهي فترة التأثر بالفن والنحت الإفريقي الذي بسط الأشكال ولخصها في الأحجام الأساسية.
2- التكعيبية التحليلية (1909 - 1912م): التي توضح المظاهر المختلفة للشيء الواحد وتهمل المنظور وتستخدم التراكم، ومن هنا ظهر التركيم.
3- التكعيبية التركيبية (1912 - 1914م): وتترجم كل شيء مُشاهد إلى رموز بصرية، وتجعل لكل شيء رمزاً مقابلاً له. وبهذا تجعل الفن شيئاً موازياً للحقيقة أو للواقع، وليس انعكاساً أو تصويراً له.
بداية التكعيبية:
تعتبر لوحة بيكاسو الشهيرة فتيات آفينينون - 1907م، هي البداية الحقيقية للتكعيبية لا كما ذكر د. محمد عبد المجيد بأنها عام 1906م فلوحته التي تمثل فتيات يعرضن أجسادهن للبيع. (وهو يستنكر المتاجرة بالجسد)، وقد استطاع بيكاسو -ببراعة- أن يصور المنظر بانفعال فالوجوه تشبه الأقنعة الإفريقية، وهي قاسية التقاسيم، أشبه ما يكون بالباردة المشاعر، ومن سخريته بهذه الفتيات؛ فقد جعل ملامحهن قريبة الشبه بوجهه، وقسم اللوحة إلى ثلاثة أقسام طولية، فمن جهة اليسار امرأة متجهة بنظرها إلى اليمين، وفي الوسط فتاتان من أمام وفي الجهة اليمنى فتاتان متجهتان نحو اليسار وهن عاريات تماماً ليدلل على رذالة ما يقمن به. وفي بداية عام 1909م تعمق بيكاسو في التكعيبية وأطلق عليها النقاد التحليلية.
ومن أشهر لوحات بيكاسو لوحته الجرنيكا - 1937م التي تعبر عن وحشية الحرب.
وبيكاسو هو الأشهر في هذه المدرسة ويشاركه في أفضلية السبق من فناني فرنسا كل من >غريس< و>براك< و>أوزنفانت< و>جينيره< و>دلوني< و>ماركوسي< و>متزنجية< و>غليز< و>ولجر<. وفي ألمانيا ضمت هذه المدرسة >مارك< و>فينينجر< و>بوميستر< و>كندنسكي<.
وهؤلاء الفنانون هم من بدأ فلسفة هذه المدرسة رداً على الانطباعيين (التأثيريين)، ولا يقصدون -بالضرورة- هذه المدرسة بعينها، ولم يختاروا هذا الاسم لمدرستهم كما سبق ذكره، ففي هذا يقول بيكاسو: >حينما وُجِدت التكعيبية لم يكن لدينا قصد مهما يكن كائناً لابتكار التكعيبية.. أردنا ببساطة أن نعبر عما كان فينا.. لم يرتب واحد منا خطة للغزو.. وأصدقاؤنا الشعراء تابعوا جهودنا بانتباه ولم يلقونا<.
التكعيبية والقضايا الإنسانية:
تتميز التكعيبية بأنها تتناول قضايا الإنسان وآلامه وآماله ابتداء من أول لوحة فتيات آفينينون - 1907م، حيث معاناة الفتيات اللاتي يبعن أجسادهن، وما في وجوههن من أسى وانفعال، أو ما في لوحة الجرنيكا - 1937م من انفعالات وسخط على تدمير القاذفات النازية لمدينة جرنيكا العاصمة التاريخية لشعب الباسك عام 1936م حيث أدت هذه الحرب إلى قتل الآلاف من الضحايا، ومهدت للحرب الأهلية، وبالتالي للحرب العالمية الثانية، وقد اهتم بها بيكاسو وأصر على عدم العودة هو ولوحته طالما بقي فرانكو حاكماً.
ولوحات الفنانين الآخرين كذلك مليئة بالانفعال؛ فهاهو كندنسكي تشعر في لوحاته وألوانه باختلاجات واضحة تنقلك في أجواء غريبة، فتارة تصعد معها إلى عنان السماء وتارة تهبط أرضاً. حتى في اللوحات البسيطة تشعر بالأسى والألم من تقسيم شكل الإنسان أشلاء، ولهذا استهوت التكعيبية أغلب الفنانين ممن عاصرها أو لحق بها أمثال الفنان سلفادور دالي وغيره الكثير. وفي بداية عام 1909م تعمق بيكاسو في التكعيبية وأطلق عليها النقاد التحليلية.
المدرسة السريالية Surrealism
لمعرفة المدرسة السريالية لابد من معرفة الحركة الدادية، فالدادية حركة ضد الفن وضد الحضارة فقد اجتمع مجموعة من الفنانين في زيورخ إبِّان الحرب العالمية الأولى مثل >هوجو ابو< و>هانز آرب< و> ترستان تزارا< وقرروا رفض كل ما جاءت به الحضارات السابقة وأيدهم في ذلك كثير من الفنانين في الأقطار الأوروبية والأمريكية، وقد سخر هؤلاء الفنانون من الأعمال السابقة، حتى أنه قد عرضت لوحة للمونا ليزا بشارب رجل. وقد استمرت الدادية ابتداءً من 1915م إلى 1920م بداية ظهور المدرسة السريالية فالدادية هي البداية الحقيقة الممهدة للسريالية، ويرجع الفضل للسريالية إلى الشاعر الفرنسي أندريه بريتون الذي أطلق كلمة السريالية عام 1924م على المدرسة لتضع أسس وفلسفة السريالية امتداداً للدادية، وقد امتدت السريالية إلى جوانب عديدة كالمسرح والشعر والتصميم والتصنيع. وقد جاءت السريالية بناء على التطور الذي حدث في العلوم الإنسانية في علم النفس على يد فرويد.
مراحل السريالية:
لقد أخذت السريالية عدة أساليب:
- الأسلوب الأول: استخدمت طريقة لصق مواد البناء أو الجرائد على اللوحات حيث كان براك هو أول من ابتكر هذه الطريقة لأن والده كان يبيع مواد البناء، فأخذ هذه المواد والمعاجين ووضعها على اللوحات. وبيكاسو والفنان ماكس ارنست الألماني استخدما هذه الطريقة.
- الأسلوب الثاني: الرسم الخيالي، وفي هذا الأسلوب يرسم الفنان تفاصيل الشيء إلا أنه يبالغ في شكله، ويتضح هذا في أعمال >سلفادور دالي< و>ييفس تانجاي<.
- الأسلوب الثالث: الرسم الحر التجريدي. وهي طريقة يلجأ إليها الفنان في رسم ما يدور في مخيلته بترك يده مطلقة العنان تتحرك بتلقائية من غير تحديد مسبق لما يود أن يرسمه، ومن رواد هذا الأسلوب >أنتج اندريه ماسون<.
رواد السريالية:
يعتبر سلفادور دالي من أبرز السرياليين حيث تحول إلى السريالية عام 1929م، وجورجيو دي شيريكو، ماكس ارنست، وجوان ميرو، وبيكاسو، ومارجريت، ومارسيل دو شامب.
السريالية والعقل الا واعي:
يعتبر هبرت ريد في كتابه الفن الآن أن فرويد هو المؤسس الحقيقي للمدرسة السريالية لأنه وجد السبيل إلى تعقيدات الحياة في الأحلام، وقد أخذت السريالية منه هذا. وترى السريالية أن هناك ينابيع خفية في العقل الباطن، وأنه يمكن الوصول اليها إذا أطلقنا لخيالنا العنان، وتركنا أفكارنا حرة، وكما ذكرنا فإن السريالية نهضت على أنقاض الدادية التي ولدت في زيورخ عام 1916م، وماتت في باريس عام 1924م، حين أصدر الشاعر أندريه بريتون بيانه معلناً ولادة المدرسة السريالية التي تمتد حتى علم النفس والفلسفة، ولها صلة سياسية في الميدان الشيوعي. ومما يؤكد ارتباط السريالية بعلم النفس ما يقرره سلفادور دالي حين قرأ كتاب تفسير الأحلام للعالم فرويد، وكان من عمق تأثيره أن قال: (هذا الكتاب كان لي كأهم اكتشافات حياتي ). وبعد قراءته لفرويد بحوالي ثمانية عشر عاماً تمكن من لقائه عام 1938م في لندن. وقد كان سلفادور دالي وفرويد يلتقيان في تجربتهما مع الأب مصادفة عند التمرد على السلطة الأبوية.
وفعل التمرد في حياة دالي تكرر كثيراً؛ ففعل هذا مع والده، ثم كرر هذا الموقف التمردي الذي كان يرى فيه بطولة مرتين؛ مرة حين ثار ضد سلطة بيكاسو الفنية، وهو بالنسبة إليه أبوه الروحي، ومرة أخرى حين ثار ضد سلطة اندريه بريتون أبي السريالية، ومن قبل أيضاً ثار دالي على السلطة الأبوية في هيئة أساتذته داخل الأكاديمية، وطرد منها مثل ما طرد قبلاً من البيت، وليطرد فيما بعد من الجماعة السريالية. وقد ميزت حياته سمة الطرد الدائم).
وجه التشابه
بين التكعيبية السريالية
إن للمدرستين عدة أوجه للتشابه تلتقيان فيها على اختلاف فلسفتيهما من النقاط التالية:
أولاً: إن كلا المدرسين قويتان ولهما مكانتهما، فما أن نذكر المدارس الفنية، إلا ويتبادر إلى الذهن التكعيبية والسريالية، وقوتهما مستمدة أيضاً من روادها وشهرتهما فالكل يعرف بيكاسو، وسلفادور دالي، وبراك، ومارغريت.
ثانياً: إن المدرستين متقاربتان نسبياً إذا قيستا بعمر الحضارات والثقافات، فالتكعيبية سنة 1907م والسريالية سنة 1924م، ولا يوجد بينهما مدارس تفصلهما ذات شأن، إذا استثنينا الدادية التي يعدها البعض حركة جاءت تمهيداً للسريالية سنة 1916م.
ثالثاً: إن التكعيبية جاءت رداً على الرؤية البصرية في التصوير التي لجأ إليها الانطباعيون، ولم تعتمد المدرسة على الواقع كما هو، بل غيرت في الرؤية البصرية للأشياء بتحطيمها وتجريدها.
وكذلك السريالية حطمت الرؤية البصرية الواقعية للأشياء، فبالغت في الأشياء وحذفت، وتركت لخيال الفنان العنان بعيداً عن الواقع، وصارت الأعمال أشبه بالحلم أوالكابوس وإن أبقت على الواقعية في تصوير الأشياء.
رابعاً: إن التكعيبية جاءت نتيجة التطور الهائل العلمي الذي حدث في البصريات، واختراع المكبرات (الميكروسكوب)، والعدسات حيث ظهر أن الأشياء فيها زاوية أخرى لا يستطيع الإنسان رؤيتها إلا من خلال (الميكروسكوب)؛ إذن التكعيبية جاءت نتيجة تزامن التطور العلمي، وتمشياً معه، وبالتحديد التطور العلمي المادي.
وجاءت السريالية نتيجة التطور العلمي الإنساني؛ فمع ظهور النظريات النفسية على يد العالم (فرويد)، وما أحدثه من رد فعل تجاه تفسيراته للأحلام والعقل اللاواعي، صار لنظرية فرويد مجال خصب لانطلاق العقل في اللامعقول واللاوعي سواء في التصوير أو الشعر أو المسرح.
خامساً: إن كثيرا من رواد التكعيبية أنتج أعمالاً في السريالية مثل بيكاسو الذي يعد من السرياليين مع الاحتفاظ بحقه كونه من أسس التكعيبية، وكذا الحال فإن في السريالية أمثال سلفادور لجأ للتكعيبية، (فقد أقام سلفادور عام 1925م أول معرض خاص له في معرض >دالمار< ببرشلونة، وضم هذا المعرض سبعة عشر لوحة منها المنفَّذ بالأسلوب التكعيبي مثل >فينوس والبحار< 1925م وبدت فيها تكعيبية تحليلية).
سادساً: أن مواضيع المدرستين تركز على الإنسان وقضاياه وهو قاسم مشترك بينهما، حتى التسمية تجدها تؤكد هذا، فأول لوحة للتكعيبية هي (فتيات آفنينيون) 1907م، وكذا بقية الأعمال مثل لوحة مالفيش (امرأة ذات دلاء مليئة بالماء)، ولوحة غريس (مهرج مع جيتار)، ولوحة بيكاسو (امرأة تحمل مروحة) ولوحة (امرأة جالسة تقرأ كتاب). ولهذا نرى هيئة الأمم المتحدة اهتمت بلوحة جرنيكا لبيكاسو كونها تمثل المعاناة الإنسانية، والسريالية أيضاً تناولت الإنسان في قضاياه مثل لوحة (الفاصوليا تفور غضباً) لسلفادور، و(الزرافة محترقة وتجربة القديس انطوان) وغيرها الكثير من أعمال سلفادور، وتلاحظ أن التسمية فيها حس سريالي أيضاً ولوحة (النموذج الأحمر) لمارغريت، ولوحة (الرحلة اللانهائية) لدوجريكو جيورجيو.. وهكذا..
أوجه الاختلاف
بين التكعيبية والسريالية
وكما توجد أوجه تقارب بين المدرسة التكعيبية والسريالية، توجد أيضاً أوجه اختلاف بطبيعة الحال، وهذه الأوجه هي:
أولاً: ابتداء من الاسم فالتكعيبية تعبير مادي له علاقة بالأشكال الهندسية، والتكعيبية لا تنطلق بعيداً عن الواقع الملموس وإن كسرت قيوده. فهي لا تتعدى الأرض، بينما السريالية تحلق بك في السماء، وفي أعماق الإنسان بل في أعماق تفكيره، وهي بذلك تنسجم مع المسمى تماماً. بمعنى أدق فلوحة جرينكا وإن كانت تتناول المعاناة الإنسانية فإن رموزها وعناصرها كلها على قاعدة واحدة ومباشرة، بينما لوحة (تجربة القديس انطوان) لسلفادور تحلق بك في عنان السماء من حيث الفكرة والتكوين والخيال الجامح.
ثانياً: التكعيبية محصورة في التصوير التشكيلي، فلا نجد مسرحاً تكعيبياً أو شعراً تكعيبياً أو حتى نحتاً تكعيبياً. بينما السريالية أكثر شمولية فهناك الشعر السريالي، والمسرح السريالي، والأدب السريالي بل والأثاث السريالي، والتصميم السريالي، وهكذا...
ثالثاً: التكعيبية ليس فيها إحساس بالعمق، فأعمالها تكاد تكون كلها مسطحة، بينما الحال في السريالية مخالف لذلك، وأجمل ما في السريالية هو الشعور بالبعد، والتأكيد عليه بل الإحساس بضخامة الأشياء مقارنة بعضها البعض، واتخاذ نسبة 1 : 5 في أرضية العمل للدلالة على السمو والارتقاء والإحساس بالبعد.
رابعاً: التكعيبية قامت عن طريق الفنانين أنفسهم عندما ثاروا على الانطباعية. وحتى من وضع أساسها هو فنان تشكيلي بينما السريالية قامت عن طريق علماء غير تشكيليين، فمؤسسها هو الشاعر (اندريةه برتيون)؛ إذن التكعيبية تعتبر نمطاً من أنماط التصوير، بينما السريالية تعتبر مدرسة متكاملة تشمل جميع مجالات الأدب والفنون.
خامساً: خطوط الأعمال التكعيبية قاسية وحادة، وعادة مستقيمة، وهي تذكرنا بالزجاج المحطم بينما خطوط الأعمال السريالية تتماشى تبعاً للموضوع، وفيها حس سريالي وانسيابية وشفافية.
سادساً: التكعيبية تأخذ الشكل الطبيعي، وتحطمه، وتضيع معالمه بالتحليل أو التجريد، بينما السريالية تأخذ الشكل الطبيعي وتبالغ فيه أو تحذف منه، ولكن مع الاحتفاظ بأصل الشيء، وإعطاءه الإحساس الواقعي من إضاءة، وظل، وبعد.
سابعاً: الأعمال التكعيبية تخاطب العين، وقلما نجد أعمالاً تخاطب العقل. بينما الأعمال السريالية تخاطب العين والعقل والمشاعر وتترك للمشاهد متعة التحليل والتفكير والانبهار والاستمتاع في آن واحد.
كيف استقبل فنانونا المدرستين التكعيبية والسريالية ؟
1- المدرسة التكعيبية:
بطبيعة الحال الناس يحبون كل جديد وحديث، خاصة الفنانون لان الفنان يبحث عن اللافت للانتباه، من هنا كان هناك تفاعل مع المدرسة التكعيبية من قبل فناني الخليج إلا أن هذا التفاعل يبقى في نطاق ضيق ومحدود إذا ما قورن بالمدرسة السريالية، ففي الإمارات العربية المتحدة تأثر الفنان حسن الشريف بالتكعيبية ومن أعماله (العرس) وغيره، وغيره من فناني الإمارات.
وفي مملكة البحرين نرى الفنان الكبير عبد الله المحرقي، ومن أعماله (المعلمة) و(صناعة الخوص) والفنان عبد اللطيف محمد مفيز ولوحته (تكوين بنائي) و(طبيعة صامتة) وغيرهم.
أما في دولة الكويت فنجد ممن تأثر بالمدرسة التكعيبية الفنان عبدالله سالم ففي أعماله (تجريد منازل من البيئة) و(تجريد منظر من البيئة) وتكوين تجريدي) نجد الحس التكعيبي واضحا، علما أن تسمية أعماله تحمل لفظة تجريد.
وفي المملكة العربية السعودية نجد هذا التأثير في جميع المناطق ففي المنطقة الشرقية نرى أغلب أعمال الفنان علي هويدي تكعيبية، ونرى أيضا أعمال الفنان عبد الرحمن السليمان في بداياته قد أنتج أعمالا تكعيبية مثل لوحة (منازل شعبية)، و(عمارة إسلامية)، و(مساجد) وغيرها، وأعمال الفنان أحمد السبت يكثر فيها الحس التكعيبي، وبعضها تكعيبي محض مثل لوحة (امرأة في الطريق)، ولوحة(خياط البشوت) لأحمد عبدالله العبدرب النبي، والفنان توفيق الحميدي أنتج لوحة (الفروسية) بالتكعيبية إلا أنه يميل للسريالية أكثر ويجد فيها نفسه فجوائزه التي حصل عليها من السريالية.
 وفي المنطقة الوسطى تجد أعمال سمير مرزوق الدهام يغلب عليها الحس التكعيبي مثل لوحة (الحارة وزيارة العصر) وغيرها، أما أعمال محمد عبد العزيز المنيف فكلها تكعيبية وان كان فيها الحس الواقعي، والفنانة هدى العمر ولوحتها (أبناء الرمال)، وفي المنطقة الغربية نرى أعمال الفنان فؤاد طه مغربل تنتمي للتكعيبية مثل لوحة (الحمامة)، والفنان محمد سيام ولوحته(العرضة السعودية)، وفي الجنوب تجد لوحة الفنان محمد حسن عسيري (تكوين إسلامي)يؤكد هذا التأثير.
 وفي العراق نرى تأثر الفنان بالتكعيبية فلوحة (نخيل وبيوت وقارب) للفنان فرج عبـو توضح هذا التأثير، وغيره من الفنانين ممن تأثروا.
 وفي سلطنة عمان نرى حمد ناصر الهنائي في لوحته (الفتاة والأرجوحة) تأكيد لهذا التأثير.
2- المدرسة السريالية:
 وكما للمدرسة التكعيبية من تأثير وانعكاس على الفنانين فإن للمدرسة السريالية نفس هذا التأثير وأكثر، ففي مملكة البحرين نرى الفنان عبد الله المحرقي ولوحته (معاناة بحار). أما الفنان أحمد باقر فكلها يغلب عليها الحس السريالي مثل لوحة (أشخاص في السوق) وغيرها.
وفي الكويت تجد أغلب الفنانين قد تفاعلوا مع هذه المدرسة، فالفنان سامي محمد كل أعماله التي فيها معاناة الإنسان سريالية بلا استثناء، والفنان حميد إسماعيل خزعل، أسلوبه سريالي مثل لوحة (إخطبوط وسلحفاة)، والفنان خليفة القطان ممن ينهج هذا الاتجاه السريالي فلوحته (القطرات الثلاث) توضح هذا التوجه.
أما فنانو المملكة العربية السعودية فهم كغيرهم أحبوا المدرسة السريالية وافتتنوا بها؛ ففي المنطقة الشرقية كان الفنان عبد الحميد علي البقشي في السبعينات من أوائل من انتهج السريالية، وأصبح لأعماله صدى قوي خاصة وانه يملك النضج ومقدرة في السيطرة على الألوان قلما يمتلكه غيره، وحتى تسمية أعماله لا تخلو من الحس السريالي مثل لوحة (الصمت الثرثار)، مما حدا بسمو الأمير محمد بن جلوي أمير الأحساء بتوجيه العناية والاهتمام به والحرص على مشاهدة أعماله، أما الفنانون احمد السبت ومحمد الصندل واحمد المغلوث فقد أنتجوا أعمالا سريالية مع الاحتفاظ بكل واحد منهم بطريقته وأسلوبه القوي في فنه، والفنان توفيق الحميدي تأثر بالسريالية فله أعمال كثيرة من هذه المدرسة مثل لوحة (بدون اسم 2)، والفنان سامي الحسين بسرياليته انطق الحجارة وادخل الحياة في الأغصان الميتة كما في لوحته (الأغصان البنفسجية)، وأحمد العبدرب النبي أنتج أعمالا من هذه المدرسة مثل لوحة (الديمترون) وغيرها، والفنانة تغريد البقشي وفقت أخيرا في أعمالها الفنية والتي تظهر فيها معاناة المرأة آلامها وآمالها بجو سريالي تميزت به من تجريد المرأة من مقومات قوتها وجمالها الأيدي وشعرها الذي تتباهى به الأنثى، والفنانة مريم الجمعة يظهر ويتضح الحس السريالي أيضا في أعمالها يتجلى ذلك بمعرضها الأخير (بريد) في غالري شدا بالرياض، والفنانة بدرية الناصر التي أبدعت أعمالا جميلة بالسريالية مثل لوحة (خارج الذاكرة)، والفنانة حميدة السنان وأعمالها المتميزة بالسريالية مثل لوحة (تكوين)، وأعمال الفنان عبد الرحمن السليمان الأخيرة وان كانت من المدرسة التجريدية إلا إنها لا تخلو من الحس لسريالي الجميل الذي يحلق بك في فضاءات حالمة مثل لوحته (فضاء) وهذا أحد أنماط المدرسة (السريالية التجريدية)، والفنان عبد الحميد بوحمد اتخذ السريالية أسلوبا له كما في لوحته (رؤية 2)، وغيرهم من فناني الشــرقية والذين لا يتسع المجال لذكرهم.
وإذا ما انتقلنا إلى المنطقة الوسطى وجدنا نفس التأثير فهاهي الفنانة هدى العمر تتسم اغلب أعمالها بالحس السريالي مثل لوحتها(تكوين بحري )، والفنان صالح خطاب يتسم أسلوبه بالسريالية المختزنة فهو يذكرنا بأسلوب الفنانة (مارغريت) حيث قوة الفكرة كما في لوحته(الغض>2<)، وكذلك نهج الفنان فهد الربيق الأسلوب السريالي في أعماله الأخيرة بعد أن كان يميل للأسلوب الواقعي، أما الفنان إبراهيم النغيثر فيدخل على واقعيته الحس السريالي الجميل كما في لوحته (حلم).
المراجع:
1- بل، كلايف. الفن نقله إلى العربية عادل مصطفى، الطبعة الأولى. بيروت: دار النهضة العربية.
2- بيكاسو، فاطمة علي. القاهرة: دار أخبار اليوم 1997م.
3- دالي، سلفادور. فاطمة علي. القاهرة: دار أخبار اليوم 1997م.
4- ريد، هيربرت. الفن الآن، ترجمة فاضل كمال الدين، الطبعة الأولى. الشارقة: دار الثقافة والأعلام 1421هـ.
5- الحيدري، بلند. زمن لكل الأزمنة، الطبعة الأولى. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1991م.
6- فضل، عبد المجيد. التربية الفنية مداخلها، تاريخها، وفلسفتها، الطبعة الثانية. الرياض: النشر العلمي والمطابع بجامعة الملك سعود 1420هـ.
7- فيشر، آرنست. ضرورة الفن.  مختارات من أعمال الفنانين التشكيليين في دول الخليج العربي.  الرياض: مكتب التربية العربي لدول الخليج 1406هـ.

 

فنان تشكيلي
203365