الحياة الاجتماعية في القطيف في القرن الرابع عشر الهجري
عبدالعلي آل السيف * - 17 / 10 / 2007م - 10:49 ص - العدد (39)

أيَّة منظومة بشرية تكوِّن مجتمعا، يحتاج إلى مقومات. الإنسان يملأ المساحة بالحياة؛ والدًا، وابنًا، وزوجًا راعيا، ومن الرعاية له موضعه منفعلا بغيره بجميع أوجه النشاط الاجتماعي.
الأرض الوعاء لهذا المجتمع: خضراء، أو قاحلة، في جبل أو وادٍ، على الساحل، أو في أعماق الصحراء.
القِيَم والموروثات الاجتماعية، والعقائد التي تنظم الروابط بين أهله، وأخيرا طبيعة النظام الحاكم.
إن معرفة الحياة الاجتماعية لمنطقة القطيف، في العقد التاسع من القرن الرابع عشر الهجري، تحتم علينا الإلمام بتلكم المقومات، أو بعضها على الأقل.
* * * *
أهل القطيف عربٌ يتحدرون - هم وأشقاؤهم سكان البحرين والاحساء (هجر) - من قبائل عربية أهمها عبد القيس وبكر وتميم، ومن داخلهم بالتزاوج من جيرانهم عربا وعجما على مر السنين، منذ ما قبل البعثة النبوية الشريفة والى يومنا هذا.
ومنذ عهود سحيقة، عرفت المنطقة بالمدنية والحضارة، والعلم والتعلم، والأدب بجميع فنونه، واستعاضت بالمدنية والدين ووشائجهما عن القبلية، التي أسقطها الإسلام، واعتبر الاعتداد بها من رواسب الجاهلية.
القطيف واحة زراعية كبيرة، وكانت سعفاتها مثلا يضرب، فيها من المياه الكبريتية الشيء الكثير، الذي جعلها قِبلة لمن أراد أن يستمير زادا، أو يستشفي من داء.
والقطيف ساحلية عُرِفت، منذ عَرَف الإنسان طريقه إلى البحر، بأسماكها ولؤلؤها.
إطلالة على المجتمع القطيفي، تجد بين ظهرانيه العالم والأديب، والشاعر النابه، والسياسي المحنك، والتاجر عريض التجارة، وأهل الصنائع، ورجال البحر، ورجال الحرث، وبينهم ينتظم أعداد هائلة من الفعلة والعمال.
العلم والتعلم قديم في المنطقة، وليس الشعراء والعلماء العبديون ببعيدين عن ذاكرة التاريخ.
موضع القطيف الاستراتيجي، على طريق التجارة الدولية، منذ أزمان سحيقة، تتصل بالهند وما وراءها شرقا وجنوبا، العراق والشام وما يقع شمالهما، الحجاز واليمن وما غربهما، تتصل بطرق برية وبحرية جعلتها قِبلة، وكان ذلك أحد أوجه التلاقح الحضاري، بينها وبين الأمم عربية وأعجمية على مر الدهور.
* * * *
القطيف أهلها شيعة اثنا عشرية منذ عرفت الإسلام على عهد الرسول الأعظم K، اخلصوا في تشيعهم فتلوَّن سلوكهم بهذا العقيدة.
إن جميع مظاهر الانتماء الشيعي في القطيف، هو ما تجده في أي حاضرة شيعية، الحسينيات وما يقام فيها من مآتم أهل البيت D، والحوزات العلمية معلمان رئيسيان تجدهما في كل زاوية من البلاد، أورث التشيع عادات وشعائر، تكاد تكون خاصة لهم وبهم، في أفراحهم واتراحهم، لا تجدها إلا في مجتمعات ذاب فيها غيرهم معهم، وانصهروا بها كما في بعض مناطق إيران والعراق وباكستان، أورثه التزاوج بين الشيعة وغيرهم.
ولكن تبقى هناك خصوصيات لكل مجتمع، تؤسس النظرة إليه في سلميَّته أو عدوانيته. إن أهم خاصة عرف بها المجتمع القطيفي، هو الطبيعة الهادئة المسالمة، غير العدوانية، وان جنحت لغير ذلك فلأسباب العسف الطائفي، والظلم المذهبي من أهمها.
إن تغلغل الفكر الشيعي في نفوس أهل القطيف، وطبيعة نشاطهم الاقتصادي؛ التجارة والزراعة والصيد واستخراج اللؤلؤ، وهذه أنشطتهم الرئيسية تستدعي هدوءًا في التعامل، وقبول الآخر - فان فكر أهل البيت D لا يرفض الآخر ولا يجنح لغير السلم أبدًا، ويؤثر الابتعاد عن الحروب والفتن والهزات الاجتماعية.
هذه الطبيعة المسالمة، امتحنت كثيرا فقبلت المواجهة باقتدار، لكنها حين تنتهي ألازمة، تعود إلى تلكم السجية الوادعة. فتَشيُّعها وضَعَها في أتون المواجهة، ابتداءً من الدولة الأموية، ثم تداعيات ملاحقات العباسيين للفكر الشيعي وأئمته ورجاله، حتى وصلت الملاحقة إلى جبال الأطلس، في أقصى الغرب الإفريقي، واغتيل ثلاثة من آل البيت يمثلون ثلاثة أجيال: الجد والابن والحفيد إدريس الجد وإدريس الابن وإبراهيم الحفيد، كلهم من سلالة الحسن عليه السلام، فكيف بالقطيف، وهي على مرمى حجر من عاصمة الخلافة، والتاريخ حفظ لنا الكثير من ذلك. ولعل ذلك جعلها مركز تجاذب، بين الدولة وبين بعض مناوئيها، إن صدَّقنا ما قاله التاريخ، وكم دَبَّجت الأهواء أخبارا وحوادثَ ما انزل الله بها من سلطان.
وتأتي الدولة العثمانية، وتكون المنطقة مسرحا لأحداث جسام بينها وبين الطامعين فيها من الغرب، ومن سكان المنطقة الخوالد أولا، ثم الدولة السعودية الأولى، فالثانية. الدولة العثمانية وشيخ الإسلام، كبير علمائها كانت له فتوى باستباحة دم الشيعي وماله، على اثر الحرب الطاحنة في غير موضع من امتدادها الجغرافي مع الدولة الصفوية الفارسية الشيعية، وانتهت الحرب بينهما وبقيت هذه الفتوى.
وحين دانت القطيف لحكم الدولة السعودية الأولى والثانية، كان فكرُها الفقهي والعقدي، فكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الذي يرى الشيعة كفارا مشركين بالشرك الأكبر حينا، وبالأصغر حينا آخر، حسب درجة التكفير عند المفتي، وكانت حقبة سوداء مظلمة مرت بها البلد، اجبر الناس فيها على إخفاء شعائرهم، فكانوا يقيمون مآتمهم في سراديب لا تطل على الطرق، إيغالا في التكتم والسرية.
ولم يكن حالها مع الدولة الثالثة في بداية تكونها، بأحسن من سابقتيها، فالفتوى الشهيرة ضدهم حاولت أن تغري بهم الملك في وقته عبد العزيز، باستتباتهم وهدم أماكن عبادتهم، وإجبارهم على التخلي عن فكرهم، والا فالتهجير سيكون قدرهم، إن لم يلبوا هذا الأمر. ولكن حكمة الملك عبد العزيز، أنهت هذه المواجهة، وتنفس بذلك شيعة القطيف الصعداء، وتلا تلك الأزمة انفراجا جعل الحياة المذهبية ممكنة في ظل هذا الحكم.
* * * *
أهل القطيف في سبيل معاشهم، يمكن ملاحظتهم على ثلاث فئات؛ أصحاب رؤوس الأموال، وأصحاب الصناعات، والتجارة، والزراعة، والصيد، والعمال. هذا كله في عالم الرجال شانها شان حواضر الإسلام التي تمنع المرآة من الانخراط في العمل العام.
أهالي القطيف ينتظمون في سكناهم في حاضرتها القلعة، وما حولها من أحياء سكنية؛ المدارس، مياس، الدبابية، الكويكب، باب الشمال، ألجراري، الشريعة. وبلدان أبعد، ولكنها تعتبر محيطة بالقطيف الحاضرة؛ الجش، الملاحة، أم الحمام، الجارودية، الخويلدية، حلة امحيش، الشويكة، التوبي، ألبحاري، القديح، العوامية.
وللقطيف امتداد للجنوب، حيث سيهات والعليوات القاطنين في عنك، والى الشرق حيث تاروت بقراها، والى الغرب بلدة الآجام، وأخيرا في شمالها تقع صفوى، وتبعد كل منها عدة كيلومترات معدودة، وإلى الغرب من صفوى عديد من القرى النائية مثل أم الساهك والخترشية والدريدس والرويحة وأبي معن، وإلى الشمال شعاب.
تمثل كل بلدة مجتمعا له بعض التمايز في بعض عاداته ولهجته، تفرض ذلك طبيعة الحياة، مع اشتراكهم جميعا في الثوابت العامة لسكان القطيف.
كل مجتمع له قيادة ويمثلها أسرة أو أسرٌ لها الريادة، وتتحمل أعباء مجتمعها أمام الحكام والآخرين، وتستمد ذلك من مقومات المال والجاه والعلم أو منها معًا. يلتزم لها الآخرون بالطاعة، ولكن من غير أن تتحول هذه العلاقة إلى نوع من التصرف المطلق في مصائرهم، فالترابط بين جميع الأسر سمة ظاهرة في تعاملهم مع بعضهم البعض، لم تتلوث النفوس بالطبقية البغيضة، وإن وجدت بعض ملامح خافتة في علاقة الملاك بالفلاحين في بعض المناطق، ولكن ذلك يذوب في المناسبات الدينية، وأداء الشعائر، وحفلات الزواج ومناسبات العزاء.
إن الطبيعة التجارية، والإنتاج الزراعي والصيد واستخراج اللؤلؤ يحتاج إلى التمويل، ولعدم وجود مؤسسات تقوم بهذا التمويل عن طريق القروض، كان يقوم بهذا الدور من تتوفر لهم الإمكانات المالية بحيث يوفرون لمحتاج التمويل حاجته، وكان هاجس الدَّين حاضرا عند المتداينين؛ فانه يتم أغلبه على شكل بيع الخيار لعقار، أو ما تصح المناقلة فيه بين المتعاقدين، ولقد عرفت القطيف التورق بالتعامل في بيع وشراء السلع طريقا من طرق توفير هذا التمويل.
إن الطبيعة الاقتصادية في البلد أوجدت قوى محركة للسوق؛ فالملاك للأراضي الزراعية، يقابلهم الفلاح أو الأكَّار والمتضمن (المستأجر للنخل)، وعمال النخلة في مراحل دورتها الإنتاجية، من الترويس إلى الصرام والسلق (طبخ البسر وهو نوع من المنتج يطلبه أهل الهند).
وفي عالم الصيد اللؤلؤ يكون تاجر اللؤلؤ على قمة هذا الهرم، ويأتي بعده الطواش (الذي يشتري اللؤلؤ من الغواصين في عرض البحر)، وينتظم في هذا العمل آخرون، الغيص (الغواص)، والسَّيب (وهو الموكل بسحب الغواص وإخراجه من البحر)، والنهَّام (الذي ينشد أغاني الغوص أوقات الإستراحة من العمل) وكبيرهم النوخذة.
الخبرة ومعها صناعة ما يحتاجه الناس في حياتهم، وما ينتظم بين كل هؤلاء، مما يدخل يوميات الناس كبارا وصغارا ذكورا وإناثا؛ المعلم والمعلمة والملا (خطيب المنبر الحسيني)، والتاجر والبياع والصفار والحداد والدلال والحمار والراعي والخياط... الخ.
* * * *
القطيف وأختاها البحرين والأحساء، إلى القرن الثالث عشر الهجري، تقريبا، كانت تعيش حياة متشابهة، وإن اختلفت البحرين بوجود البريطانيين فيها، إلا أن وجودهم لم يؤثر في طبيعة الناس. هذا التشابه يكون قويا جدا في نمط الحياة بين القطيف والبحرين، أكثر للقرب الجغرافي، وللامتداد السكاني بين المنطقتين.
كثيرة الأسر التي تنتشر بين القطيف والبحرين إلى يومنا هذا، امتدادا ظهر في الأسر، فهذه الأسرة منقسمة بين البلدين، وعلى مستوى الدرجة الأولى، ولعل التزاوج بين البلدين أوجد هذا الانقسام: فأولاد القطيفية بقوا مع أمهم في القطيف، ولم يرافقوا أباهم البحراني، وهكذا العكس، والنزوح لأسباب عدة، من أهمها الأذى الطائفي الذي ذاقه أهل القطيف والبحرين في فترات سابقة، جعل هؤلاء ينزحون إلى الضفة الأخرى طلبا للأمان.
القطيف، حتى دخول الملك عبد العزيز، كانت مع الأحساء خاضعة للنفوذ العثماني، وكانت في حضارتها، وبنيتها الاقتصادية المتينة ورخائها المشهور، جعل منهما درة في التاج العثماني، حظي من أبناء القطيف برتبة الباشوية الحاج منصور بن جمعة رحمه الله، ومن قبله جده لامه الزعيم أحمد بن مهدي بن نصر الله كانت له صِلات عميقة بالآستانة.
إن موقع القطيف القيادي، في أواخر الدولة العثمانية، وأوائل دخول الملك عبد العزيز، خلق زعامات وطنية، فكانوا وجه البلاد المشرق، وفي كل شبر من البلاد؛ ففي القلعة أسر عريقة تعاطوا الشأن العام بإخلاص وتفان، وذاكرة التاريخ تحفظ لهؤلاء صفحات من نور، فمن العلماء، الشيخان الخنيزيان الشيخ علي ابو عبد الكريم والشيخ علي ابو حسن، والسيد ماجد ألعوامي، رحمهم الله، ومن الإداريين والسياسيين العمالقة الحاج عبد الله بن نصر الله، والحاج علي الفارس M.
وكان سلمان بن عبد الهادي علما بارزا في صفوى، يشاركه رجال كان لهم في العمل العام مشاركة، مثل الحاج حسين بن صالح رحمهم الله جميعا.
وفي العوامية الشيخ محمد بن نمر، والحاج محمد حسين الفرج، وفي سيهات الشيخ علي الشيخ جعفر ابو المكارم، والحاج حسين بن نصر، وفي تاروت كانت الزعامة الدينية للشيخ عبد الله بن معتوق، والزعامة والوجاهة للعلامة الشيخ منصور بن عبد الله آل سيف رحمهم الله جميعًا.
وتحضرني حكاية، سمعتها من المرحوم الحاج علي مكي المعلم، يرويها عن والده رحمه الله، ولعلها تكون في نهاية العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة من القرن الثالث عشر الهجري، في منطقة شمال قلعة تاروت، وتمثلها الآن ارض الجبل والخارجية والمنطقة الزراعية شمالا منها، كان أكثر العاملين في هذه الحقول من المشتغلين بطلب العلم، وإذا عنَّ لأحد مسالة شرعية كان يقصد العلماء في حقولهم، وكان الواحد منهم يجيب السائل عن مسألته ثم يعود إلى عمله. هذه الحكاية تعطينا مثالا عما كانت عليه القطيف من مكانة علمية حتى عهود قريبة من وقتنا هذا.
* * * *
فليس تسمية القطيف، في العقود المنصرمة من هذا القرن الهجري الرابع عشر وحتى العقد السابع منه بالنجف الصغرى، الالانها استحقت ذلك بجدارة، فهي للعلم وللعلماء واحة تليدة، وغزيرة بالمتخرجين منها علماء وشعراء، بلغ صيتهم إلى خارج نطاق هذه المنطقة إلى إيران والعراق، فشهرة الخطي الشيخ جعفر، والشيخ سليمان الماحوزي M طبقت الآفاق.
وهذه الحركة العلمية في القطيف كان سببها الكبير، انتماؤها للمذهب الشيعي، الذي يرى في علمائها والمجتهدين منهم امتدادا لائمتهم من أهل البيت سلام الله عليهم.
فكان التعليم الديني منذ الصغر والى الشيخوخة والهرم، لازمة لدى قُطاع كبير من أهل القطيف، يلتمسون فيه القربة لله تعالى، واكتساب الأجر الجزيل.
وكانت القطيف قد تضيق على تطلع بعض طالبي العلم، فكانوا يشدون الرحال إلى أي مكان يدركون أن فيه من يروي ظمأهم إلى التعلم، إلى البحرين إن كانت ضالتهم فيها، والا فإلى العراق أو إيران، فهما قبلتا كل شيعي للعلم والزيارة.
لعدم وجود سلم تحدده سنين معدودة في طلب العلم، وقد تمتد إلى سنين، قد تكون عقودا ثلاثة أو أقل أو أكثر، تحتم على الطالب أن يتزوج من هنا أو هناك إذا هاجر وهو بعد عازب، وبهذا وجد رافد جديد لثقافات وعادات وأعراف وخصوصيات هؤلاء الداخلين، في حياة أهل القطيف عند عودتهم إليها، ومعهم جيل جديد تتقاذفه قيم وعادات وأعراف وخصوصيات أبيه القطيفي وأمه العراقية أو الإيرانية.
فعرفت القطيف بذلك أنواعًا من السلوك، في الملبس والمشرب والمأكل، وبعض عادات التعامل مع الآخرين (اللباقة). أما اللغة فالأثر ظاهر في الكم الكبير من الألفاظ الفارسية التي تعامل بها الناس في أحاديثهم.
* * * *
ومنذ منتصف القرن الهجري الرابع عشر، وبدخول الشركات البترولية للتنقيب عن الزيت، كان من كوادرها مثقفون عرب، والعالم العربي تهب عليه رياح من الأفكار الحديثة لم تعهدها ديارنا، أفكار تدغدغ عقول وقلوب الشباب قومية ويسارية. أول ما مست هذه الأفكار الشام ومصر، ومن رحمهما خرجت جميع الحركات التي غيرت وجه العالم العربي، وان كانت قد اختُرِقت من بعض القوى الاستعمارية في حينها.
إن التواصل الثقافي مع المدن العربية التي تشع فكرا، وتلفظ مطابعها دوريات ومجلات وصحف وكتب، ومع المثقفين العرب الذين أتوا مع شركات البترول، ونفوس شباب القطيف التواق لكل جديد، ساعد على انتشار هذه الأفكار، ولكنها لم تصل إلى درجة الاعتناق العقائدي، وإنما أشبه بالقبول بها كأفكار جديرة بالعلم، لاسيما وان القادة المصلحين اخترمتهم يد المنون تباعا، منذ أوائل العقد السادس الهجري، ومن بقي لم يكن الباعَ الطويل لتحصين العقول من هذا الغزو.
وما إن أطلت الصحوة الدينية برأسها، حتى ولت هذه الأفكار إلى غير رجعة. كان للبعث الديني في النجف وقم ولبنان الأثر الكبير في بناء خطاب ديني حديث وعلمي، يملأ الفراغ السابق، وبذلك انحسرت هذه الأفكار سواء كانت يسارية أو قومية، تحت وطأة الإفاقة العقائدية، واستعادة الشباب أصالتهم الفكرية الدينية، ونشأ، بذلك، تمسك بالمذهب بشكل قوي، ساهم في خلقه الكم الهائل من المؤلفات العقائدية الحديثة، التي روي بها ظمأ الشباب لمثل هذه المؤلفات، وسط هجمة طائفية بغيضة تهدف إلى زعزعة الفكر المذهبي في نفوس أبنائه.
هذه المستجدات كان لها أثر في القطيف، حيث انخرط عدد هائل منهم لطلب العلم الحديث، مستفيدين من المنح الدراسية التي كانت توفرها الحكومة، وشركة ارامكو لخريجي الثانوية بنين وبنات، ولجوا عالما غريبا في مهجرهم الجديد، خارج القطيف، وبعيدا عنه، في أمريكا، وأوروبا، ولبنان، ومصر، غير ذلك من أنماط حياتهم، واكتسبوا عادات وممارسات لم تكن في بالهم قبل تغربهم. إن أهم ظاهرة نرصدها، هو قبول أسر أن تتولى بناتها العمل في وظائف إدارية في الحكومة وشركة ارامكو، سابقة بذلك بنات المناطق الأخرى.
* * * *
إن الحس الديني الذي يمجد الصدقة، والعون والاحتساب، عميق في نفوس أهل القطيف، فكان التكافل الاجتماعي قديم بين السكان، فالزكاة والخمس يغطي جانبا كبيرا من حاجات المحتاجين. يضاف إليها واحدة من نشاطات الحسينيات المهمة، وهي جعل الوجود الجماهيري في المناسبات الدينية، في صورة ما يهم الناس واحتياجاتهم التي لا يقدرون على الوفاء بها، والطلب من الحاضرين المساهمة في العون على علاج المريض، وإغاثة المحتاج، وتوفير السكن لغير القادر عليه، وتزويج العازب غير القادر على تزويج نفسه، وغير ذلك من وجوه العون الذي يعتبر من أهم صور التكافل الاجتماعي.
وبذلك عاشت القطيف. لم تحتج إلى روافد خارجية في إعانة محتاجيها، حتى تم تأسيس الجمعيات الخيرية، فكانت السباقة في إدراج نشاطها التكافلي في هذه الجمعيات، مع بقاء الصور السابقة في أداء عملها، لأن أهل القطيف يعتبرونها سمة في مجتمعهم المترابط، وهي وصية أئمتهم، وهي من تعاليم الدين الحنيف، وإمام الهدى الرسول الأكرم محمد K.

 

باحث وأديب
323555