عــــــــرض كـــــــتاب
رحلة مرتضى بن علوان إلى الأماكن المقدسة والأحساء والكويت والعراق (1120هـ/1709م)
أحمد عبدالهادي المحمد صالح * - 17 / 10 / 2007م - 10:54 ص - العدد (39)

دراسة وتحقيق للدكتور. سعيد بن عمر آل عمر
أحمد عبد الهادي المحمد صالح*
حج مرتضى بن علوان عام 1088هـ في بداية شبابه، وفي أثناء سيره كتب منازل الحاج كل منزلة باسمها من الشام إلى عرفات، وبعد رجوعه إلى وطنه أدرك أنه لم يتم عمله كما ينبغي أن يتم، فألزم نفسه -إن وفق للحج مرة أخرى- أن يتدارك ما فاته من ضبط للمسافة بين كل منزلة وحساب المسافة الزمنية، وبالتالي يتمكن من حساب المسافة الكلية من الشام إلى عرفات.
ولما وفقه الله سبحانه وتعالى للحج عام 1120هـ عمل بما قطعه على نفسه بتدارك ما تناساه في الرحلة الماضية، ولم يتوقف قلمه بتسجيل أسماء المنازل وعدد ساعات المسير إليها بل دون رحلته كاملة ونقل صور حية واقعية لما شاهده في منازل حجاج الشام وأثناء أدائه حج بيت الله الحرام وتشرفه بزيارته للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطيبين الطاهرين وشهداء أحد، ووصف الجانب العمراني والحالة الاجتماعية والظروف الاقتصادية لكل بلاد زارها، بعد ما توجه إلى شرق الجزيرة العربية بنية زيارة المراقد الشريفة في العراق.
المؤلف:
مرتضى بن علي بن علوان، جد بني المرتضى القاطنين دمشق عاصمة الجمهورية العربية السورية. وإليه تنسب هذه الأسرة. والمؤلف أحد أعيان دمشق بدليل قربه من الوالي أمير الحج الشامي وكما يظهر من الرحلة، وهو من المنتمين إلى البيت العلوي.  فقد ذكر عند زيارته الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء بالمدينة  المنورة >ودعنا جدتنا السيدة الجليلة صاحبة الفضل والفضيلة فاطمة عليها أفضل الصلاة وأتم السلام< والمؤلف الرحالة شيعي المعتقد والعقيدة مستنتجاً ذلك من كلامه عن أهل البيت عليهم السلام وزيارته لبعض أضرحتهم.
هذا ملخص ما كتبه المحقق في ترجمة المؤلف والذي بذل جهدا ملحوظا في كتابتها لشح المصادر في ترجمة صاحب الرحلة.
الرحلة:
بدأت الرحلة من مدينة دمشق في 26 من شهر شوال عام 1120هـ، الموافق 8 يناير 1709م إلى أن وصل هدفه وهو بيت الله الحرام مكة المكرمة مروراً بالمدينة المنورة، وبعد الفراغ من أداء فريضة الحج رجع إلى المدينة المنورة لزيارة الرسول الأكرم K، وبعد أن قضى فيها خمسة أيام توجه شرقاً إلى الأحساء مروراً بمنطقة نجد، ثم توجه إلى الكويت، وعن طريقها وصل إلى العتبات المقدسة في العراق. وعاد صاحب الرحلة إلى موطنه الأصلي دمشق في 19 من شهر رجب عام 1121هـ، الموافق 21 سبتمبر 1709م، لتكون مدة رحلته حوالي تسعة أشهر تقريباً. وسجلت الرحلة في ثمان وعشرين صفحة، وثلاثة وعشرين سطراً لكل صفحة، إلا أن الصفحة الأولى تحتوي على واحد وعشرين سطرا، والصفحة الأخيرة خمسة وعشرين سطراً، وعدد الكلمات في السطر الواحد، اثنتي عشرة كلمة تقريباً.
المحقق وعمله:
المحقق هو الأستاذ الدكتور سعيد بن عمر آل عمر. أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الملك فيصل بالأحساء. وقد عني بالمخطوط عناية خاصة من حيث التوثيق من نسبته ووصفه وبلغته التي كتب بها وبالأسلوب والمنهج الذي استخدمه الرحالة في مقدمة الكتاب، وحقق المخطوط وعلق عليه مع التزامه بترك المخطوط على صورته الأصلية، كما أن المحقق بين المعاني لبعض الكلمات الغامضة التي كتبها المؤلف بلهجته المحلية، وأشار إلى الأخطاء الإملائية مع التصويبات اللازمة في الهامش. وقد بذل جهداً في تعريفه بالبلدان التي مر عليها المؤلف والمواقع الهامة، ومنازل الحج. بقي أن أضيف أن الكتاب صدر لأول مرة عام 1418/1997م ضمن سلسلة إصدارات مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية التابع لجامعة الكويت. وأعيد طبعه ثانية عام 1425هـ/2004م مكتبة العتنبي.
نماذج من الرحلة:
اقتطفت مقاطع من الرحلة ذات صلة بالجزيرة العربية، وجاءت على النحو التالي:
في بدر:
أن المؤلف يستمتع بشخصية قوية فمع الصعوبات التي واجهته في الطريق ما أن يصل إلى أي منطقة تجده يسارع لمعرفة معالمها العمرانية ونشاطها الاقتصادي، وفي بدر تجول فيها وكتب ما شاهدته عينه، فجاء فيما قال عنها: (دخلنا بدراً ودرنا في رحابها، فإذا هي بلد كبيرة عظيمة، فيها مسجد يقال له مسجد الغمامة... وزرنا شهداء بدر فوق المسجد المرقوم بحصة، وفي هذه البلدة سوق كبير... وفي السوق المرقوم قهوتان كالتي في مكة في محل المعابدة) ص73-74.
في مكة المكرمة والمدينة:
لم يذكر المؤلف عن المدينتين المعظمتين شيئاً جديراً بالذكر، ولم يتطرق لعمرانها بل اكتفى بسرد البروتوكول الديني المعتاد لكل حاج وزائر للنبي K، والزيارات التي قام بها لبعض الوجهاء من الأشراف.
في نجد:
وصف المؤلف الرحالة نجد: (بلاد عظيمة، رحيبة البقاع، عظيمة الاتساع، طيبة الهواء، لطيفة الماء والربى)، ثم عدد البلدان التي وصل إليها وهي نفي، وثرمدا، والعيينة وقال: أنها أعظم الثلاث، وأن فيها حمض الكباد والنفاث وهو من الحمضيات الصحراوية التي تكثر في الجزيرة العربية، وأما عن مائها فقال: (فلا تقاس بغيرها طيباً وصفاء وهضما)، وما أن شرب المؤلف من ماء العيينة وتعطر بنسيمها حتى استراحت نفسه فتحركت الغريزة الشعرية لدى الشاعر وتذكر الشعراء وقصائدهم فقال مرتجلاً أبياتا شعرية مطلعها:
لقد صرت في نجد فأين التلاقيا
ومن مخبر عني بما أنا لا قيا
وهذي ربى نجد التي عم ذكرها
وعرف شذاها في الأقاليم راقيا
انخت بها رحلي وشوقي مشوش
وجسمي نحيل والفؤاد مشاقيا
إلى أن قال في آخرها:
ولكن ذكرنا قول من قال قبلنا
مقال اعتبار في الحقيقة راقيا
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما
يظنان كل الظن ألا تلاقيا
ص91-95.
الرحالة في الأحساء:
أقام بن علوان في الأحساء خمسة وعشرين يوماً للعلاج من إصابة في رجله أثر سقوطه من على جمله في أرض الضواحي.
فبصرت عينه طبيعة المنطقة الزراعية وعمرانها الذي أسره وانجذب إليه واختزل في فكره إلى أن وصل دولة الكويت فقارن عمرانها بعمران الأحساء. فدون يراعه ما يروي ظمأ الباحث لصور ولو بسيطة عن فترة زمنية تكاد تكون مجهولة لقلة المصادر للباحث أو للقارئ لتلك الحقبة الزمنية. فوصف الواحة أول الأمر وصفاً مجملاً بما شاهدته عيناه مع بعد قلمه عن التملق بالمدح في غير موضعه أو القدح المسيء والذي لا محل له بين الواقع وأوراقه، فقال عن الواحة وعمرانها وأهلها: (بلدة عظيمة البناء، واسعة الرحاب كثيرة المياه، تشتمل على عيون جارية، وأبار معينة، ومساجد وعلماء صلحاء، ورعايا الجميع سمة العرب، محصولها النخيل وجل غلالها التمر مع الرخص). وبما أن الرحالة نزل الأحساء في فصل الصيف فلا شك أنه رأى وتذوق ما تخرج الأرض من خيرات فصل الصيف فقال عن محاصيلها: (وجل غلالها التمر، وهو رخيص، وأما الباذنجان فخلقة لطيفة شريفة كبير، يباع بالعدد، وأما القثاء فطويل سبط معوج يزيد طول كل واحدة عن الذراع، وخيراتها كثيرة لأهلها، والبرسيم يزرع تحت النخيل). وبعد أن ذكر اسم الطبيب الذي أشرف على علاجه ومن أي القرى رجع يصف الأحساء مرة أخرى فقال عن حيواناتها: (جميعاً من الإبل والبقر والحمير [تعيش] مع أهاليها أكلهم التمر غير أن البقر يحلون لهم التمر بالماء ويسقونه إياه والنوا يغلوا عليه في الماء حتى يلين ويجعلوه له علفاً). ولم يغفل المؤلف الحديث عن أهل الأحساء والانتماء الطائفي ومن المتولي أمرها وحاميها ومن النائب عنه فقال: (ويذكروا أن نصف أهلها شيعة ونصفها سنة ومتحدين اتحاد الأهل من غير عناد وكذلك قراها وكافلها وواليها وحاميها يقال له الشيخ سعدون من عرب خالد ووزيره شيعي يقال له الشيخ ناصر وأنه من أولاد مروان ابن الحكم، كما أخبرنا واجتمعنا ببعض أهل البلد من الفريقين وكل منهما راض عن الآخر). ثم تحدث عن نخيلها وكيفية زراعته، وعن اسمها القديم هجر وعن معنى الأحساء، وذكر سوقها الذي يقام كل خميس ولا زال مستمرا إلى وقتنا الحالي، وآخر حديثه عن لهجتهم: (ومن ألفاظهم المجمعين عليها أن يسموا باب المدينة الدروازة... والنار يسمونها ضو بجميع أصنافها كثيرها وقليلها وإذا سئلوا من بعضهم يقول يا فلان يا فلانة عندكم ضو). ص96-100.
إشارات على التحقيق:
لا شك أن قلم المحقق يقظ مع كل كلمة في المخطوط، واهتمامه بإحياء هذا المخطوط ملموس وواضح وبين، إلا أن الكمال ليس من طبيعة البشر، فقد سها المحقق في جانب ضروري يعد من أهم خطوات التحقيق، وتوضيح بعض المعاني التي أوردها المؤلف جانب آخر وذلك عدم استخدامه القاموس اللغوي، وسأشير هنا لبعضها:
1-من خطوات تحقيق أي مخطوط تقسيم المخطوط(1)، وترقيمه. أي أن المحقق يقسم المخطوط إلى فصول، ويقوم بتوزيع عناصر المخطوط عليها كعناوين لها. وهذا لم نجده في عمل المحقق بل ترك النص على صورته الأصلية، ومع ما وضعه من مبررات لعمله ص14، إلا أنه ترك فرصة ثمينة في اعطاء صورة اخراجية جمالية للعمل، بالإضافة إلى أنها من خطوات تحقيق المخطوط في حال لم يقم بذلك المؤلف بنفسه، وكانت لديه مجموعة من العناوين الجانبية، مثل: منازل حجاج الشام، الرحالة في الديار المقدسة، توجه الرحالة إلى الأحساء عبر طريق نجد، الرحالة في الأحساء، وصول الرحالة إلى الكويت. وهذا العمل يعطي تقسيما لطيفا يلمسه القارئ أثناء تصفحه للكتاب.
2- وضع علامات الترقيم كل في محله: كالنقطة في نهاية الجملة المفيدة، والفاصلة بين المعطوف والمعطوف عليه، والفاصلة المنقوطة، والشرطة، والنقطتان(2). وهذه من الخطوات الأساسية في تحقيق النص، فتضع القارئ أمام نص غير مشوش أو مرتبك. والمحقق ترك النص كما هو ولم يضع علامات الترقيم، وذلك للعذر نفسه الذي قدمه ببقاء النص على تمامه دون مساس منه.
3- ذكر المحقق في الهامش معنى كلمة (أعطانها) ص57 يعني ما صاحبنا من تعب خلال سيرنا بتلك الأماكن صعبة المسلك. وجدت أن المعنى بعيد عن ماعناه المؤلف! ولكي ابعد إي لبس في فهم المعنى استعنت بـ لسان العرب لفتح مغلق اللفظ فكانت مادة عطن... حديث علي، كرم الله وجه: أَخذت إِهاباً مَعطُوناً فأدخلته عُنقي؛ المَعُطون: المُنِتُن المَنمَرِقُ الشعرِ، وفي حديث عمر، رضي الله عنه: دخل على النبي، صلى الله عليه [وآله] وسلم، وفي البيت أُهُبٌ عَطِنة، قال أَبو عبيد: العَطيَنةُ المُنتِنِة الريح. ويقال للرجل الذي يُستَقذَر: ما هو الاَّ عَطِنةٌ من نَتِنه(3). فيظهر أن المؤلف يقصد بـ اعطانها أي ريحها الفاسدة المنتنة، وهو يشير إلى القناق القبيح الذي أشار له أو الدواب، والتردد بسبب كثرة الضمائر. ولضيق المساحة أورد كلمات ذكر المحقق معانيها لم يستعن بقاموس لغوي من أجل توضيح معانيها، مثل: القناة ص58، خان ص59، التبريكة ص61، عضاضة ص63، بنقب ص64.
4- في هامش رقم (1) ص100، ذكر المحقق أن كلمة (مشاهدة)، أي سكان النجف. والصواب سكان مشهد خراسان بإيران وفيها دفن الإمام الثامن علي بن موسى الرضا A(4).
5- ورد في ص102 في أصل نص المؤلف كلمة (مسجد كونان)، والصواب (مسجد كوفان)، بالكوفة(5).
6- ورد في ص104 في أصل النص كلمة (لذلك الحايد)، والصواب (لذلك الحائر) وهو موقع حضرة الإمام الحسين A بكربلاء.
7- ورد في أصل النص ص104: زيارة الإمامين المعظمين أئمتنا العاظمين. والصواب: زيارة الإمامين الكاظمين(6).
8- في ص106 قال المحقق في هامش رقم (3): ويقوم الشيعة بزيارة قبره لصلته بالخليفة الرابع علي بن أبي طالب –كرم الله وجه-. مع أن هذه حقيقة إلا أن الشيعة تعد الإمام موسى الكاظم الإمام الثامن من الأئمة الاثني عشر، وابنه الجواد الإمام التاسع؛ فيزورونهما لأنهما من الأئمة.
9- ورد في النص ص107: ورحم الله من عمّر. ومن ثم ذكر المحقق أن بعد الكلمة فراغ. والراجح أن تكون العبارة كالتالي: ورحم الله من عمّر هذا البناء.
خاتمة:
في رحلة غاية في الروعة والجمال في مضامينها التاريخية، وان لم تكتمل كعقد يزدان به كل من ينظر إليه، فبعض المنازل ذكرها المؤلف استطراداً أو تحدث عنها من زاوية معينة وتجاهل باقي خصائصها وميزاتها وحتى بعد قضائه حج بيت الله الحرام وتوجهه إلى الأحساء لم يكتب قلمه أسماء كل المناطق التي نزلها والتي ذكرها، وإنما اكتفى بذكر اسمها أو ما حل له فيها، ويبدو أنه ضاق ذرعاً من صاحب القافلة ومن معه من زملاء الرحلة بالإضافة إلى تغير الطقس، ومع ما ذكرت لا تخلو هذه الرحلة من فوائد تاريخية عظيمة تخدم الباحث والمنطقة وخصوصاً أنها حظيت بتحقيق من أستاذ ذي تخصص صاحب إمكانات علمية أضفى لمسات ساعدت على فك النصوص والمواقع والبلدان التي ذكرها المؤلف في النص الأصلي، وأضاف بمقدماته و هوامشه مع حفاظه على النص كما هو ليستمتع القارئ بلهجة الكاتب وأسلوبه، لا يسعني إلا أن أقول هذا هو السبيل الأمثل لإحياء تراثنا وخصوصاً من قرأ مجهود المحقق في التثبت من أصل المخطوط ونسبته إلى المؤلف، فالأمل منشود لكل من يحقق مخطوطا أن يتمتع بشخصية الأستاذ المحقق لتوجهه للمادة المكتوبة دون النظر إلى بلد الكاتب وهويته الطائفية، أو ماذا قال ولم !...
الهوامش:
(1) إعداد البحث العلمي. الدكتور غازي حسين عناية ص116.
(2) المصدر السابق ص117.
(3) لسان العرب ج13 ص286 مادة عطن.
(4) راجع موسوعة العتبات المقدسة، لجعفر الخليلي. (خراسان قديماً) ص195 إلى 294. ودائرة المعارف الأسلامية الشيعية، حسن الأمين. ج10 ص205 إلى 249.
(5) راجع دائرة المعارف الشيعية. حسن الأمين ج10 ص35-47.
(6) راجع موسوعة العتبات المقدسة. جعفر الخليلي. قسم الكاظمين.

 

كاتب
323559