الصياغة في الأحساء
علي محمد المحمد علي * - 18 / 10 / 2007م - 3:46 ص - العدد (38)

مدخل
كنت منذ أمد بعيد، أود الكتابة عن (مهنة الصياغة في الأحساء)، لِما لهذا الموضوع من أهمية في الإشادة بمعالم التراث والاقتصاد في بلادنا الحبيبة. ورغم أنني كتبت عدة محاولات قبل سنوات عن تاريخ بعض الأسر الأحسائية التي زاولت مهنة الصياغة منذ القدم في منطقتي (الهفوف والمبرز) إلا أنني أحببت مواصلة المسير للكتابة بشكل أوسع عن (الصياغة) كحرفة يدوية. وعن تطور المهنة في المنطقة، والأسر المعروفة بالصياغة، وتاريخ هذه الأسر، وابرز رجالاتها المعروفين، ورغم تشعب الموضوع حاولت أن أشير إلى أهم النقاط فيه، وكانت دواعي الكتابة تكمن في الآتي:
1- أهمية صياغة الذهب في المنطقة قديماً وحديثاً.
2- مزاولة كثير من الأسر الأحسائية المعروفة لهذه المهنة قبل أكثر من قرنين من الزمن كما تشير بعض الوثائق التاريخية الموجودة بحوزتي.
3- ترابط هذه الأسر نسبياً واجتماعياً حتى عرفوا بلقب (الصاغة) مقابل كثير من الأسر الأحسائية من ملاكين ومزارعين، وأصبح هذا اللقب (الصاغة) عرفاً لهم أو ما يشبه العرف حتى في المناطق والبلاد الأخرى التي هاجروا إليها لعوامل متعددة كالبحرين والكويت.
تجذر المهنة في الأحساء
شغف الأقدمون بالبحث عن الأحجار الصلبة (الثمينة)، وكانوا يبحثون عنها في (قاع المجاري المائية) و(وسط الرمال) بسبب أن منظرها كان جميلاً برَّاقاً خلاباً وكانت ثقيلة الوزن.
وأكثر الأماكن الرئيسية التي يبحث عنها الناس في مجاري الأنهار والجداول، وفي التربة الحجرية والرملية المشبعة بالرطوبة، وفي صخور معينة. وكان الأقدمون يحصلون على ذهبهم من قاع الأنهار والمجاري المائية(1).
وباعتبار أن منطقة الأحساء من البلاد الغنية بثروتها الطبيعية كالمزارع اهتم أغلب سكان الأحساء بالزراعة، وقليل كان يعمل في التجارة كخياطة البشوت أو المهن المختلفة. وقد وجدت منذ القدم أسر عرفت بـ(أسر الصاغة) حيث كان يعمل أغلب أفرادها باستخراج اللؤلؤ من قاع البحار، ويقومون بتسويقه هنا وهناك، ثم اهتم هؤلاء بتجارة (الذهب) تصنيعاً وتسويقاً بدائياً، إلى أن عرفت هذه (المهنة) عند هذه الأسر كحرفة مثل باقي الحرف كالخواجة والنجارة وغيرها، واصبح رجالات هذه الأسر كما سنشير إلى ذلك يعتمدون على صياغة الذهب كفن يعتمد على الذوق والممارسة والخبرة. وهكذا نشأت هذه المهنة ثم تطورت على أيدي رجال عرفوا بأصالة المهنة، وسنذكر بعضهم على سبيل المثل لا الحصر فيما بعد، وكانت أعمالهم تقوم على:
1- صناعة (الكوابج) من عظام الحيوانات والطين.
2- صناعة (اللحام والهقل).
3- تستين الذهب (المراوح).
4- شراء (الأسيد) للأستفادة منه في صب الذهب.
وكانت تجارتهم تقوم على:
1- شراء البشوت والثياب المطرزة بالزري لاستخراج الذهب والفضة.
2- شراء الذهب القديم ويسمى بـ(الكسِر) - بكسر السين-
3- تسويق الذهب خارج منطقة الأحساء إلى المناطق الأخرى مما جعل بعض الأسر تهاجر إلى كثير من المناطق المجاورة بسبب عامل (التجارة) كما سنرى بعد قليل في الحديث عن هجرة أسر الصاغة منذ القدم وإلى اليوم. وهناك مصطلحات تخص أهل (الصاغة) أشرنا إليها سابقاً يعرفها أهل الفن نعرض لها بإيجاز:
- صياغة: تصنيع الذهب
- شريطي: بائع ذهب متجول
- كسِر بكسر السين: ذهب قديم 
- عسجد: ذهب باللغة العربية الفصحى انظر المعاجم اللغوية.
- قليت: ذهب مزور ومغشوش.
- تيزاب: مادة الأسيد
- مرواح: ذهب غير خالص
- ستان: سبيكة من الذهب الخالص.
- جرام: أو (قرام) g وحدة وزن الذهب.
وهناك مصطلحات كثيرة لكن للاختصار ذكرنا أهم هذه المصطلحات الخاصة.
أسر الصاغة في الأحساء
حسب التتبع الشخصي، والإستقراء حاولت جمع بعض الأسر التي عرفت منذ القدم بمزاولة هذه المهنة (الصياغة)، وإن كانت هناك أسر عرفت فيما بعد بمزاولة هذه المهنة لذا حاولت قدر الطاقة الإشارة إلى أبرز العوائل المعروفة في منطقتي (المبرز) و (الهفوف) التي زاولت هذه المهنة منذ أكثر من قرنين كما تشير بعض الوثائق التاريخية و السماع من كبار السن والى اليوم لا تزال هذه الأسر تزاول هذه المهنة.
الهفوف:
برزت في منطقة (الهفوف) من العوائل التي اشتهرت بصياغة الذهب:
1- آل سليمان: أصل الأسرة من (ربيعة)، ويتفرع منها (الدويل) (الغلام) (الزرقي) (السلمي).
2- البقشي: أصل هذه الأسرة يرجع إلى (بن فارس).
3- الباذر و البوجبارة: رفع الشيخ حبيب الجميع في مجلة (الموسم) بتاريخ 09/ 10/ 1411هـ في نسبة (الباذر) و(البوجبارة) الى البقشي وهذا غير صحيح كما يذكر بعض النسابة. ويتفرع منها (الخليفة) و(الوايل).
4- الخرس: أصل الأسرة من (بني وداعة) كما يقول الشيخ محمد جواد الخرس شفهياً.
5- الحسن بن إبراهيم: يتفرع من الأسرة (الوعيفر) (البن صالح) (المحمد صالح) (الديٌن) (البن عرب) (العيسى) الذين هاجروا قديماً من منطقة الهفوف إلى المبرز.
6- المسلم: أصل الأسرة من (ربيعة) وترجع إلى (بن فارس) في حي الفوارس.
7- الحواج: كانوا سابقاً من أسر الصاغة لكنهم تركوا مهنة الصياغة ومنها (البو كنان) و (الخواجة).
7- البوحمد: كانوا أيضاً من أسر الصاغة سابقاً(2).
المبرز:
برزت في منطقة (المبرز) من العوائل التي اشتهرت بصياغة الذهب:
1- المبارك: أصل الأسرة من منطقة (الطائف) الذين توطنوا منطقة (الحريق) ثم هاجر بعضهم قبل 200 سنة الى الأحساء ويتفرع منهم في الأحساء و الدمام (النمر) (الحمود) (الصائغ) (النجيدي) (الناصر) (العبد الله). ولا يزال كثير من هذه الأسرة يعيش في منطقة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية ويعرفون باسم (النجادة).
2- آل علي بن عبد الله: أصل الأسرة من (بني تميم)، ويتفرع منها: (السـمين) (الموسى) (الصاغة) (العبد الوهاب) (الميدان)(3).
3- المحمد علي: أصل الأسرة من (عبد القيس) وقد هاجر قسم كبير منها إلى دولة الكويت قبل 120 عاماً كما تشير بعض الوثائق التاريخية، ويتفرع منها: (العطار) (العلي) (الصايغ) (العبد المحسن)(4).
4- الناصر: أصل الأسرة من (عبد القيس)، ويتفرع منها (الأربش) (الدجاني) (الحمد) (الدوخي) (الخليفة) (العبد العزيز) (البو بريه) (خريبط).
5- المهنا: أصل الأسرة من (بني تميم)، ويتفرع منها: (المؤمن) (العيسى) (بو دحيم).
وكان الصاغة يعيشون في منطقة المبرز منذ القدم في (الشعَبة القديمة).
هجرات أسر الصاغة
هاجر قسم كبير من أبناء الصاغة إلى كثير من المناطق المجاورة أو دول الخليج، وسوف نذكر بعض العوائل التي هاجرت قديماً وحديثاً:
1- دولة الكويت: من العوائل التي هاجرت إلى دولة الكويت قديماً أسرة (المحمد علي) قبل 120 عاماً وقد سمي حي كامل باسم (فريج الصاغة) بالقرب من قصر السيف داخل السور الأول(5). ومن العوائل: (آل علي بن عبدالله) منها (آل موسى) وكذلك منها (المهنا) (الخرس) (المؤمن) و(الأربش) و(خريبط).
2- مملكة البحرين: من العوائل التي هاجرت الى مملكة البحرين منذ القدم أسرة (الحواج) (الميدان).
3- المناطق المجاورة: هاجرت حديثاً من الأسر الى مناطق داخل المملكة أسرة (النجيدي) و (الحواج) الى شمال البلاد كـ(الخفجي) (رفحاء) (عرعر) و(طريف)، وهاجرت الى منطقة الدمام عاصمة المنطقة الشرقية أغلب أسر منطقة (المبرز)
أمثال (المبارك) و(آل علي بن عبد الله) و(المحمد علي) و (الناصر) و(المهنا)، وتفرعت أيضاً منها إلى المناطق القريبة مثل بقيق هاجر إليها (البوبريه) ومنطقة الثقبة (الأربش) و(الدجاني) ومنطقة الجبيل الصناعية (آل السمين) و(المحمد علي) وبعض الأفراد من جميع العوائل.
وإلى اليوم ينتقل كثير من أبناء الصاغة الى ربوع المملكة شمالاً وجنوباً وغرباً، ويسكن منهم الكثير في المنطقة الوسطى من أجل لقمة العيش.
تجارة الذهب
تأخذ تجارة الذهب أشكالا مختلفة من حيث البيع والشراء، وقد كان أفراد هذه الأسر يعملون في صياغة الذهب بالإضافة الى خياطة البشوت لارتباط هذه المهنة بـ(الزري) المذهب. وكانت للصاغة اليد الطولى في الإرتقاء بهذا الفن الأصيل، والخبرة المتينة، ومن أشكال الصياغة التي كانت سابقاً معروفة ( المرتعشة) و (كرسي جابر) وكان من رواد هذه الأشكال كما ينقل الآتية أسماؤهم:
1- المرحوم الحاج عبد الحميد الدجاني الناصر.
2- المرحوم الحاج موسى بن عبد الله المحمد علي.
3- المرحوم الحاج عايش العبد الوهاب آل علي بن عبد الله.
4- الحاج ياسين آل سمين آل علي بن عبد الله (معاصر).
ومن رواد الصياغة سابقاً في منطقة (الهفوف) الآتية أسمائهم:
1- المرحوم الحاج حسين بوجبارة وأولاده.
2- المرحوم الحاج حسين البقشي وأولاده.
3- المرحوم الحاج عبد الرسول المسلم.
4- المرحوم الحاج أحمد بن علي آل موسى.
5- المرحوم الحاج محسن الباذر.
6- المرحوم الحاج حسن الخليفة(6).
ومن رواد الصياغة في منطقة (المبرز) الآتية أسمائهم:
1- المرحوم الحاج محمد الصاغة آل علي بن عبد الله.
2- المرحوم الحاج حسن العيسى الحسن بن إبراهيم.
3- المرحوم الحاج الوجيه حسين بن أحمد المحمد علي.
4- المرحوم الحاج يوسف بن علي المحمد علي.
5- المرحوم الحاج عبد الوهاب بن حسين النجيدي.
6- المرحوم الحاج ناصر المبارك.
ومن المعاصرين الآن في منطقة المبرز (الشعبة القديمة) الحاج عبد المجيد العيسى الحسن بن إبراهيم الذي اشتهر بصنع (الخناجر) وكذلك المرحوم الحاج أحمد حسن الدجاني الناصر الذي اشتهر بمعرفة (الفصوص).
وبسبب تطور المهنة، وعهد الطفرة، ابتدأ عصر جديد لعالم الذهب والمجوهرات، وعندما انتقل أغلب أهالي مدينة (المبرز) كما ذكرنا سابقاً إلى مدينة (الدمام) عاصمة المنطقة الشرقية وانتشرت المصانع، والورش، وفتحت المحلات التجارية على مستوى المملكة، دخلت في هذا المجال العمالة الأجنبية ولم يبق من الصواغ القدماء إلا النزر اليسير مثل باقي الحرف الأخرى.
تسويق الذهب
يتم تسويق الذهب على النحو التالي:
1- البيع والشراء: وحدة وزن الذهب بــ(الجرام) ويختلف سعر الذهب من وقت لآخــر حسب ارتفاع مؤشر الأسواق العالمية، وحركة الأسهم هبوطاً وارتفاعاً.
2- البائع المتجول: منذ القدم كان الصاغة ينقلون بضائعهم من مكان إلى آخر كبلاد الحجاز والرياض والمناطق الشمالية والجنوبية، وبعض دول الخليج ويسمى البائع المتجول بـ(الشريطي) عند الصاغة.
تطور صناعة الذهب في المملكة:
بسبب تطور أوضاع البلاد وبحصول الطفرة الاقتصادية التي مرت بها البلاد قبل عقدين من الزمن تطورت صناعة الذهب بشكل كبير ودخلت الأسواق العالمية، وكما أشرنا سابقاً انتقلت أغلب أسر الصاغة الى (الدمام) وبدأت نهضة جديدة في عالم الذهب والمجوهرات، وأنشأت مصانع كبيرة على مستوى المملكة والخليج، ومن أبرز هذه المصانع على سبيل المثال في منطقة الدمام:
1- مصنع (الجزيرة) من تأسيس الحاج عبد الغني بن عبد الله المهنا وإخوانه.
2- مصنع (شمس) من تأسيس الحاج عبد الله بن محمد المحمد علي و أولاده.
3- مصنع (قمر) من تأسيس الحاج محمد بن موسى المحمد علي وأولاده.
4- مصنع (غسان) من تأسيس الحاج غسان بن عبد الغني النمر واخوانه.
ومن أكثر هذه المصانع شهرة مصنع (غسان) الذي توفرت فروعه في بعض مناطق المملكة والخليج.
ولازال تجار الصاغة البارزين يعملون بكل جهد واهتمام لتطوير صناعة الذهب في البلاد، ولذلك تطورت هذه المهنة كثيراً، وأصبحت من المهن المهمة داخل المملكة وخارجها.
الهوامش:
(1) الذهب اكتشافه استخراجه تصنيعه   ص7 بتصرف.
(2) استفدت هذه المعلومات من النسابة الحاج محمد حسين الرمضان.
(3) نقلاً عن كتاب دليل وشجرة آل علي بن عبد الله
(4) نقلاً عن كتاب دليل وشجرة المحمد علي  ط 1995م 
(5) نقلاً عن كتاب دليل وشجرة عائلة المحمد علي ص3
(6) نقلاً عن والدي الحاج محمد بن يوسف المحمد علي (حفظه الله).

 

كاتب
323531