الأوضاع السياسية في القطيف في العهد الأموي والعباسي
سلمان رامس - 18 / 10 / 2007م - 3:48 ص - العدد (38)

شهدت منطقة البحرين بوجه عام والقطيف بشكل خاص سلسلة من الأحداث المتواصلة في العصرين الأموي والعباسي، وكانت القطيف مركزاً مهماً لإدارة الأحداث خلال هذه الفترة لما لها من أهمية باعتبارها أهم حاضرة في بلاد البحرين قاطبة. ولذلك نجدها منطلقاً للكثير من الثورات التي قامت في وجه الحكم الأموي والعباسي، ومحط أنظار الكثير من القادة الذين تزعموا تلك الثورات والتي تفجرت كنتيجة حتمية للإجراءات التعسفية للدولتين الأموية والعباسية، ولشعور أهل هذه البلاد >منطقة البحرين< بالاستياء من الأوضاع القائمة في تلك الفترة الزمنية، وخاصة ما يتعلق بالإدارة المالية داخل الدولة الأموية والعباسية والاهتمام المبالغ والمفرط بمركز الحكم والعاصمة الإدارية وإهمال بقية المناطق ومنها بلاد البحرين.
وتعتبر حركة الخوارج وسيطرتهم على القطيف عام 67هـ أهم الأحداث التي شهدتها المنطقة حيث استطاع الخارجي نجدة بن عامر من السيطرة على القطيف بعد أن جهز جيشاً كبيراً قاده بنفسه من اليمامة، وبعد معارك طاحنة وشرسة استطاع نجدة بن عامر أن يحقق النصر فقتل الكثير ونهب وسبى(1).
وأقام نجدة بالقطيف وأخذ يبسط نفوذه فيها وحاول أن يتعقب فلول جيش عبد القيس. هكذا اختار نجدة بن عامر القطيف مركزاً لحكمه ومنطلقاً للسيطرة على سواحل الخليج العربي، فأرسل مصعب بن الزبير جيشاً قوامه 14 ألف فارس للقضاء على نجدة وأصحابه وتخليص إقليم البحرين من سيطرته، غير أن النتيجة جاءت لصالح الخارجي نجدة بعد معركة قوية استطاع نجدة بن عامر أن يباغت جيش بن الزبير والذي كان تحت قيادة عبدالله بن عمير الليثي، وانتهت المعركة بهزيمة عبدالله بن عمير. وبذلك ثبت الخوءارج أقدامهم في القطيف وأصبحوا أكثر قوة حتى إنهم طمعوا بالسيطرة على بقية الأقاليم الساحلية في الخليج العربي، فأرسلوا الجيوش من كاظمة(2) إلى عمان واليمن، بل وكان بإمكان زعيم الخوارج نجدة بن عامر أن يذهب إلى مكة للحج دون أي متاعب مما يعطي صورة واضحة للمساحة الجغرافية التي كان الخوارج يتحركون خلالها.
وبعد أن دب الخلاف داخل صفوف الخوارج، وانتهى الأمر بقتل القائد نجدة بن عامر، وتسلم أبو فديك القيادة تحولت عاصمتهم إلى جواثا، ودارت بينهم وبين الجيش الأموي عدة معارك حتى استطاع عبد الملك بن مروان أن يوقع بهم الهزيمة بعد أن أوكل أمر قتالهم لعمر بن عبدالله بن معمر والذي جهز جيشاً كبيراً قوامه 21 ألف مقاتل تمكن القضاء عليهم(3) وقتل قائدهم (أبا فديك)، ومن هنا أصبح إقليم البحرين تحت السيطرة الأموية التي واجهت الكثير من الاعتراضات في هذا الإقليم، فلم يكن أهالي البحرين عامة والقطيف خاصة على وفاق مع الحكم الأموي، وتناما عندهم الشعور بالمظلومية بسبب استنزاف الأموال الطائلة من المنطقة والتي تصب في خدمة العاصمة ومظاهر الترف والبذخ، ومن هنا جاءت الثورات، وقامت الانتفاضات يتبع بعضها بعضاً وقوبلت بأقسى أنواع المعاملة والإجراءات على يد الحجاج وغيره في العصرين الأموي والعباسي.
ومن أهم هذه الانتفاضات ما حدث عام 79هـ بقيادة ريان النكري في القطيف الذي بسط قوته عليها، ولم يستطع وآلي البحرين محمد بن صعصعة أن يسيطر على الوضع مما جعل الحجاج يرسل جيشاً بقيادة يزيد بن أبي كبشة عام 80هـ ودارت معارك عنيفة في القطيف انتهت بالقضاء على الثوار وصلب القائد الريان النكري لبث الرعب والخوف في نفوس الناس، ومع ذلك نجد ثائراً آخر وهو داوود بن محرز من عبد القيس من أهالي القطيف استطاع السيطرة على المنطقة، وأنزل المصلوبين، ودفن جثثهم غير أن الجيش الأموي استطاع أيضاً إخماد هذه الثورة بقيادة عبد الرحمن بن النعمان العوذي.
وفي عام 86هـ (705م) قام مسعود بن أبي زينب المحاربي بثورة ضد بني أمية وتمكن من طرد عامل بني أمية الأشعث بن عبدالله بن الجارود(4) وسيطر على البلاد غير أن هذه الثورة كسابقتها أُخمدت بعد أن استطاع عامل الأمويين في اليمامة تجهيز جيش كبير استطاع إلحاق الهزيمة بالثائرين(5). وبعد ذلك توالى عدد من الثورات التي لا تهدأ والتي تنتهي عادة بالقضاء على الثائرين والتنكيل بأهالي المنطقة واستخدام أبشع أساليب العنف والتعذيب(6).
ولم يكن العصر العباسي أقل ثورة من العصر الأموي، ولم يكن بنو العباس أقل قسوة على المتمردين، وذكر لنا التاريخ العديد من الثورات التي قامت في القطيف وبلاد البحرين ومن أهمها ما حدث عام 151هـ حيث أعلن إقليم البحرين التمرد، وقامت الانتفاضة بقيادة سليمان بن حكيم العبدي، واستطاع بنو العباس إخمادها بعد أن جهز المنصور جيشاً بقيادة والي البصرة، حيث استطاع من إلحاق الهزيمة بالثوار وقام الجيش العباسي بأعمال وحشية ضد الأطفال والنساء وأخذت الكثير من هن سبايا إلى المنصور.
وفي عام 190هـ (805م) قامت انتفاضة بقيادة سيف بن بكير، الذي تمكن من السيطرة على هجر، فوجه له الرشيد جيشاً تمكن من القضاء على التمرد في مكان يعرف بـ(عين النورة).
هكذا شهدت المنطقة الكثير من الانتفاضات والثورات ضد الحكم الأموي والعباسي وقد قوبلت بقسوة شديدة، وبأساليب وحشية بل أن بعض الحكام العباسيين يتعمد تنصيب ولاة حاقدين على أهل البيت لمعرفتهم بولاء هذا الإقليم لأهل البيت فنجد المتوكل العباسي(7) مثلاً يوليّ الخط مروان بن أبي الجنوب وكان ذلك مكافأة له على شعر قاله للنيل من أهل البيت D وذم شيعتهم وقد عرف المتوكل ببغضه الشديد لأهل البيت D.
وبعد هذه الفترة انشغلت الدولة العباسية بقيام حركة سياسية ثورية انقلابية امتدت من 255 - 269هـ كانت مليئة بمظاهر الرعب والهلع، وكانت العراق مسرحها الأول قام بها جماعة من الزنوج الأفارقة، وهم عبارة عن العبيد نتيجة لما لاقوه من معاملة قاسية في العراق لا تتناسب مع أدنى مستويات الإنسانية، إن هذه الحركة ذات الطابع المميز في التاريخ الإسلامي والعربي كانت بداياتها كما يذكر بعض المؤرخين من بلاد البحرين وانتقلت إلى العراق، حيث قامت الثورة بعد أن هزم قائدهم في البحرين على يد العريان.
وبعد هذه الحركة شهدت البحرين أكبر حركة سياسية دينية في التاريخ الإسلامي وهي حركة ذات طابع مميز أختلف عليها المؤرخون والكتاب والمفكرون بشكل غريب جداً، اختلط فيه الحق بالباطل، والصواب بالخطأ، والغث بالسمين حتى أصبحت من المواضيع الشائكة في التاريخ الإسلامي، ونقصد بها هنا حركة القرامطة (286هـ - 398هـ) وكانت القطيف أحد أهم أقطاب ومراكز هذه الحركة بعد أن احتلها القرامطة عام 290هـ. ولكون هذه الحركة ذات أهمية كبيرة ومليئة بالأحداث ولها أبعاد سياسية ودينية وفكرية فهي تحتاج إلى موضوع خاص بها سوف نتناوله إذا سمح لنا الزمان بذلك.
الهوامش:
(1) تاريخ ابن الأثير، ج4، ص21.
(2) بالقرب من الكويت.
(3) الخليج العربي في العصور الإسلامية، الدكتور محمد أرشيد العقيلي، ص118. انظر عبد الرحمن الملا، تاريخ الحركات الفكرية في شرق الجزيرة العربية وعمان، ص155.
(4) المصدر السابق، ص120.
(5) تحفة المستفيد، محمد عبدالله آل عبد القادر الأنصاري، ص78.
(6) الخليج العربي في العصور الإسلامية، الدكتور محمد أرشيد العقيلي، ص118. انظر عبد الرحمن الملا، تاريخ الحركات الفكرية في شرق الجزيرة العربية وعمان، ص155.
(7) القطيف واحة على ضفاف الخليج، محمد المسلم، ص206.

 

323531