سير أعلام الزبارة 2 / 2
ماجد العويناني * - 18 / 10 / 2007م - 3:58 ص - العدد (38)

مضى الحديث في القسم الأول من هذه الدراسة حول ترجمة مجموعة من أعلام بلدة الزبارة في القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي، فدوّنا سيرهم باستخلاصها من ديوان ألمع شعراء البلدة الشاعر السيد عبد الجليل الطباطبائي حيث كانت له علاقاته الحميمة بتلك الشخصيات، وكان على اطلاع قريب من أحوالهم مما جعل من ديوانه وثيقة مهمة متفردة بكثير من جوانب تراجمهم، وهنا في القسم الثاني من الدراسة نتواصل مع معرفة سيرهم حيث نقف على مجموعة أخرى من أحوال أعلام الزبارة.
عثمان بن سند العنزي النجدي البصري:
ترجمه مؤلفا (البحرين عبر التاريخ) فقالا: >عثمان بن سند النجدي الوائلي البصري: شاعر أديب ومؤرخ قدير من نوابغ المتأخرين أصله من عرب عنيزة، ولد بنجد (1180هـ/1766م) وسكن البصرة وتوفي ببغداد (1242هـ/1826م)، ودفن بجوار معروف الكرخي.
كان ابن سند قاضي قضاة الزبارة، وفي البصرة عين مديراً لمدرسة فيها كان قد بناها محمود بن عبد الرحمن الرديني النجار البصري المتوفى سنة (1229هـ) والذي ولاّه ثويني بن عبدالله وأمّره على البصرة حامياً لها عن بني كعب.
من كتبه:
1- الغرر في وجوه القرن الثالث عشر نحا فيه منحى (سلافة العصر) للسيد علي خان المدني.
2- مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود: ضمنه أخبار الوالي التركي العثماني على بغداد داود باشا من عام (1188هـ) إلى عام (1242هـ).
3- منظم الجوهر في مدائح حمير.
4- نظم كتاب ابن هشام الأنصاري (مغني اللبيب) وكان في نحو خمسة آلاف بيت.
5- نظم كتاب (الورقات) للجويني.
6- شرح الجوهر الفريد على الجيد: شرح قصيدة له في العروض.
7- أصفى الموارد في أحوال الشيخ خالد وهو في ترجمة حياة الشيخ خالد النقشبندي.
8- تفهيم المتفهم وشرح تعليم المتعلم.
9- سبائك العسجد في أخبار أحمد نجل رزق الأسعد.
10- أوضح المسالك في فقه الإمام مالك.
11- الغرر في جبهة بهجة البصر: شرح لمنظومة له سماها (بهجة البصر) وهي في مصطلح الحديث(1).
أما في الديوان فإننا نطالع هذه العبارات: >الشيخ الكامل، والنحرير الفاضل، الأديب الأريب، والعريب الحبيب، ذي القول الأحد<، إنها عبارات وصف بها الشاعر الطباطبائي صديقه ابن سند عند تمهيده لمساجلة جرت بينهما في سنة (1238هـ) عندما زارا معاً شيخ شيوخ قبيلة المنتفق الشيخ حمود بن ثامر الشبيبي على شاطئ الفرات، وكان ابن سند -على ما يقول الطباطبائي- من عادته استعمال القهوة البنية، وما زال يؤمر له بها، فقال مخاطباً الطباطبائي ورفيقهما الشيخ علي بن الشيخ محمد صالح مفتي البصرة -إذ لم يكن معهم في الخيمة رابع- على جاري عادة الطباطبائي شعراً: >مِرا لي صاحبي بكأس قهوة< فبادر الطباطبائي بالأمر بها له، فقال ابن سند: لا بل أجز، فاستقاله الطباطبائي من إجازة البيت معتذراً ببعده عن عهد النظم وتركه له، فلم يقله ابن سند، فعلم الطباطبائي -كما يذكر هو- أن ابن سند أراد امتحانه، فيسِّر للطباطبائي أن قال مجيزاً لبيت ابن سند على البديهة: >كذوب التبر صافية بغدوة<، ثم سكتا، فقال ابن سند طالباً المساجلة، فحمى كل منهما، وعلى البديهة في ذلك المجلس تساجلا يقولان:
مِرا لي صاحبي بكأس قهوة
كذوب التبر صافية بغدوه
يطوف بها عليّ أغنُّ أحوى
كأن بخده والكف جذوه
رشيق القدِّ يحكي البان ليناً
كأن به، إذا ما ماس، نشوه
له لفتات أم الخشف ترنو
بعين تذكر العذري شجوه
أروم وصاله لتقر عيني
بغرة وجهه فيزيد زهوه
علقت به وغصن العمر غضُّ
يحركه الهوى العذري نحوه
فما صبري، وإن يعظم، جميلاً
لما استمسكت في حبي بعروه
ألا يدنو فيتحفني بعتب
أغيب به إذا ماذقت حلوه
قد استعذبت ما يجني دلالاً
فمهما زاد صداً زدت صبوه(2)
وقبل أن يجيز ابن سند البيت الذي كان من المفترض أن يلحق بركب هذه الأبيات دخل رسول الشيخ صالح بن الشيخ ثامر الشبيبي -أخي الشيخ محمود- يستأذنهم بقدومه زائراً لهم، فاشتغل كل منهم بالتأهب لقدومه، وانقطع الإنشاد والمساجلة بسبب ذلك.
ولجودة المساجلة وقوتها الشاعرية وجزالة معانيها -على حدّ قول الطباطبائي- طارت كل مطار، و تخللت غالب المناطق هناك، فلما قدم الطباطبائي إلى البصرة زاره قاضيها السيد عبد القادر أفندي ابن عبيد الله أفندي الحيدري البغدادي، فسأله عن هذه المساجلة، فقال: نعم وقعت، فاستنشدها إياه، فأنشدها له وأعجب بها، وطلب منه أن يكتبها له.
وبعد أن صلى الطباطبائي العشاء نظم قصيدة امتدح بها القاضي -المذكور- مذيلاً فيها بمدح ابن سند، وفي صبيحة تلك الليلة أرسل لكل منهما نسخة منها ملحقاً فيها كتابة المساجلة، وقد قال في هذه القصيدة يصف المساجلة ويطري ابن سند مخاطباً القاضي:
إليك عجالة من صوغ فكر
تحلى بالخمول بغير هفوه
أشعتها تضئ الطرس نوراً
به حسن الثناء عليك كسوه
تفصل عقدها بالدّر لما
بها ساجلت نحريراً مفوَّه
خطيب مدره جمُّ الأيادي
حذا قس الأيادي قبل حذوه
أتى بدلائل الإعجاز نظماً
وفي نهج البلاغة أم ذروه
هو الحبر الإمام بكل فنٍّ
بحقٍّ صح للفضلاء قدوه
حوى عثمان أبكار المعاني
بديعات الجمال بمهر ثروه
إذا فزنا بلقيا البحر يوماً
سقانا من معين الفضل صفوه
حباه الله أفضل ما تمنى
وزوده التقى وسقاه عفوه(3)
وكان قبل هذا التاريخ -تاريخ هذه المساجلة- قدم الطباطبائي إلى البصرة سنة (1234هـ) وقد زاره كل صديق -كما يقول هو- ما عدا الشيخ ابن سند، فأنكر منه ذلك لكونه على خلاف العادة، فبعد مضي يومين من مقدمه كتب إليه رقعة تشتمل على هذه الأبيات الآتية وما يتبعها من المنثور معاتباً له في تأخر زيارته عن وقتها:
>يا تاج أهل الفضل عثمان يا
إمام من أملى ومن قد كتب
يا من شأى كل مبارٍ له
علماً وفي كل فنون الأدب
أنت خليق بالوفا سيدي
فلم جزاء الود منك الحرب
أن الجفا منك لقد بان لي
لا عن قلى لكن جهلت السبب
حاشا جناب الشيخ من ميله
لغير ظن الخير في ذي حسب
إذ إنه يعلم مني الصفا
والحب في الله وذا لم يشب
وشأن أهل العلم إعلاء ما
سُنّ وتمهيد دواعي القرب
كزورة القادم لا سيما
من ذي أخاء أو ولاء وحب
فكيف لا يثبت حقي ولى
مودة محكمة لا تجب
هذا وأني عاذر شاكر
فليكن الخلُّ على ما أحب
وأسلم منالاً كلما رمته
تولى حقوق الود عالي الرتب
ما أشتاق ولهان إلى قربكم
فعلل النفس بما قد كتب
سيدي -أطال الله بقاك، وقصر أمد من جفاك- أني مذ قدمت هذه البلدة قد حظيت بلقاء ذوي المودة، ولم افتقد سوى أعزهم عليّ، وأحبهم إليّ، ألا وهو جنابك الذي أخصبت بالفضل ربوعه، وأمدّ جداول الفصحة ينبوعه، ولم أدر ما حجب إشراق شمس طلعتك في هذا الناد، على أنه لم تغم عليك منا مراكز الوداد، فلولا إيثارك بفضيلة التقدم لوجدتني طليعة لمن يقدم، ولما جدَّ هيامي بك، وزاد حنيني إليك، أنبت هذه البطاقة لتؤدي السلام عليك، رجاء أن تكون مذكرة لعهود الإخاء، وموجبة لحصول اللقاء، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته<(4).
إن هذه الأبيات الشعرية والسطور النثرية تغنينا عن بيان بُعد العلاقة الحارة التي تربط بين الطباطبائي وابن سند، ولم كان يكن الثاني للأول من صدق المودة وخالص الوفاء حتى أنه لما افتقد زيارته له بعد قدومه للبصرة لم يصبر دون لقائه وما استطاع أن يصمد أمام الشوق لرؤيته، فبادره مبتدئاً، وعاتبه شاكياً.
ومن هذه الحادثة نعلم أن ابن سند منذ سنتها أو السنوات القريبة منها ابتدأ يستقر في مدينة البصرة.
الشيخ عبد العزيز الموسى الهجري:
هو الشيخ عبد العزيز ين الشيخ صالح بن حسين بن موسى، وهكذا ساق نسبه تمهيد قصيدة من قصائد الطباطبائي بغرض توضيح هذا النسب لقارئ الديوان حيث كان ذات النسب أحد أهداف الطباطبائي من إنشاء قصيدته إذ شجر فيها اسم الشيخ عبد العزيز واسم أبيه وجده وجد أبيه من أوائل الصدور نزولاً وأوائل الأعجاز صعوداً(5)، وبدورنا ننقلها هنا بكاملها تأكيداً لقارئ بحثنا على تسلسل هذا النسب:
علام الحب يهجرني علامه
يطيع القول فيّ بلا علامه
بلاني في هواه وصدّ عني
سيقضي بيننا حكم القيامه
دعاوي الحب مني صادقات
ودعوى الحق لم تقبل ظلامه
أتجزي بالوداد المحض هجرا
معنًّى فيك لم تجحد غرامه
لجورك في الهوى والصد شأن
نرى فيه المسالم ذا سلامه
على أني أقول وإن جفاني
بماذا شئت عذِّب لا ملامه
زفير الوجد يشهد لي بأني
نقي الحب والشجوى وسامه
يراني إذ براني الشوق هلا
يرق لصبه ويفي ذمامه
زها قلبي بحب ليت شعري
سبيل العشق صار به إمامه
بداء الحب أكلمني فها قد
حفا جفني فلن يلقى منامه
نعى صبري وهاج الوجد لما
نوى خلي بأن يطوي خيامه
صلى قلب المشوق وما دعاه
بنار البعد إذ زاد اضطرامه
إلى كم هكذا تصغي لواشٍ
حسود أورد المضنى حمامه
لئن قد جار عدواناً وظلما
لا شكوه إلى رب الشهامه
حليف الفضل خذن العلم حبر
أخي الأفضال من حاز الكرامه
بدت فيه الفضائل والمعالي
صغيراً حيث لم يلق احتلامه
نقي العرض محمود السجايا
نحاه الفضل كي يلقي لثامه
حوى المجد الأثيل أباً فجداً
نعيد المثل ما أعلى مقامه
سجيته التواضع لا لذل
زها فيه العلى فعلى سنامه
يرى كسب المفاخر فرض عين
يؤديه فالزمنا احترامه
نجيب كامل الأخلاق حسناً
زعيم بالمكارم والفخامه
بمرهف فكره الوضاح يجلو
عويص البحث كشافاً قتامه
نهاه راجح في كل أمر
له الخلق الأغرُّ وذو الوسامه
محاسنك البهية قد تسامت
أيا من حاز من فخر مرامه
ومن لم نلف قط سواه شخصاً
دعا لتذكر أيام رامه
سليماً دُمْ من الآفات طراً
بظه من أظلته الغمامه
يحفك يا أخي خفىّ لطف
على ما شئت كن تحمد ختامه(6)
فبمساعدة هذه القصيدة نتعرف على سلسلة نسب عبد العزيز الموسى الذي لم يمكننا منه تلميذه ابن سند حين قنع بنسبته إلى جده الثاني (موسى) بلا ذكر لاسمي أبيه وجده الأول(7).
على صعيد آخر يشتبه مؤلفا (البحرين عبر التاريخ) فيكرران ترجمته بعنوان (الشيخ عبد العزيز ين موسى الهجري) ومرة بعنوان (عبد العزيز بن صالح الموسى)(8)، وليس يخفى أن العامل في هذا الاشتباه هو الجهل بالنسب الدقيق له، فتارة اعتقد مؤلفا الكتاب أن (موسى) هو والده مع أنه جده البعيد، وتارة أعادا الجد البعيد لقباً وذكرا اسم أبيه من دون المعرفة بأنهما يترجمان لشخص واحد، وربما العامل الآخر الذي ألقى بهما في هذا الاشتباه اختلاف مصدر كل من الترجمتين، فإن مصدر ترجمة العنوان الأول هو كتاب (سبائك العسجد) لابن سند، أما مصدر الترجمة الثانية فهو الأستاذ حمد الجاسر في مجلته (العرب).
الشيخ عبد العزيز الموسى نعت في تمهيد القصيدة بـ>الشاب الظريف، والكامل الغطريف<، و القصيدة أنشأها الطباطبائي في عام (1212هـ)(9)، فوصفه حينها بـ>الشاب< يجعلنا نقول أنه عندما ما توفي بعد عشر سنين أو إحدى عشر سنة -على حسب اختلاف الترجمتين المذكورتين له في (البحرين عبر التاريخ)(10)- كان كهلاً، ولربما لم يبلغ الخمسين عاماً، وذلك إذا قلنا أنه وقت نعته بـ>الشاب< كان في ثلاثينيات عمره، وإلا إذا كان في عشرينياته فهو توفي ولم يبلغ الأربعين سنة.
ذكر ابن سند أن الموسى كان شاعراً وأديباً، رحل إلى البصرة وبغداد والحرمين، وتأدب على ابن خنين المالكي وعبدالله البيتوشي الكردي ومحمد بن عبد اللطيف الأحسائي، وهبط الزبارة فداع علمه وانتشر أدبه، وصاحب ابن رزق.
ويقول ابن سند أنه قرأ عليه النحو والصرف وشرح سقط الزند للمعري وبعض دواوين العرب وسمع منه القرآن برواية حفص عن عاصم وذلك في الأحساء،ـ وأن له منظومة في حروف المعاني وشرحها، وأنه درس لديه شرحه لمنظومته -هذه-(11).
كان الصديقان الطباطبائي والموسى -كما يظهر جلياً- في سن متقاربة ومن جيل واحد تربطهما صحبة وثيقة كان للزيارة محل سكناهما دخل قوي في تكوينها، وكانت تدور بينهما المطارحات الأدبية الشعرية قدم لنا ديوان الطباطبائي واحدة منها، وقد اشتعل فتيل قريحتهما فيها بأواخر عام (1214هـ)، وكانت هذه المطاردة طويلة النفس، انتهج فيها الشاعران أسلوب التلغيز والتغمية، وقد أججها الموسى بلغز في لفظ (حرب) تشكل من سبعة أبيات، فأجاب الطباطبائي في رابع ذي الحجة سنة (1214هـ) بعشرة أبيات، وفي اليوم التالي يعاود الموسى التلغيز وفي هذه المرة يكون مداره لفظ (شطب) والأبيات عشرة، ويجيب الطباطبائي في يوم ورود اللغز إليه -وهو نفسه يوم تلغيزه- وكان الجواب في خمسة عشر بيتاً، ثم كتب إليه الموسى ثلاثة أبيات ملغزاً في كلمة (مسباح) فيجيبه شاعرنا الطباطبائي بخمسة أبيات.
وهكذا نرى الموسى في كل هذه المطارحة السجالية كان السائل المهاجم المختبر المباري بالتعمية والتلغيز والطباطبائي يجيب ويدافع عن قوته الذكائية ومثبتاً لصاحبه مقدرته الشعرية، إلا أن الطباطبائي لم يبق الوضع على ما هو عليه وكأنما لم يرق له استمراره، فقلب المعادلة ليصبح هو السائل المهاجم الملغز، وليمسي الموسى مجيباً مدافعاً عن مستوى فهمه وعلو كعبه في الأدب، فها هو الطباطبائي في نفس الشهر يكتب سبعة عشر بيتاً للموسى ملغزاً في لفظة (عصى) وينبري الأخير للإجابة في سبعة عشر بيتاً كذلك.
ثم ترجع المعادلة إلى ما كانت عليه، فيلغز الموسى كلمة (نجم) في أبيات أربعة، ويجيب شاعرنا الطباطبائي بستة أبيات، ويلغز الموسى ثانية بستة أبيات في لفظة (قبا)، فأجاب الطباطبائي بأبيات تسعة، ثم يغير المعادلة مرة أخرى، فيكتب للموسى لغزاً في تسعة أبيات حول كلمة (برد) فحلّه الموسى بأبيات ثمانية.
وتنتهي المساجلة بتسعة أبيات يكتبها الطباطبائي للموسى يبدو أنها تلغيزاً أيضاً، غير أننا لا نجد جواباً عنه من الموسى(12).
إن التلغيز يصعب على المرء اعتباره ترفاً فكرياً بقدر ما يعتبر سبباً يدفع الأدباء للارتقاء بمستواهم الأدبي، وإحماءً للقريحة الشعرية عندهم فضلاً عن كونه محكماً لاختبار موهبة الذكاء وكشفاً عن مدى دقة الملاحظة لدى أطراف العملية التلغيزية، والحال أن الشعر الحاوي على التلغيز لا يعني أنه لا يحوي أغراضاً أخرى كالمدح أو الذم أو العقيدة أو التعليم اللغوي والفقهي وغيرها أو التغزل والتشبيب، بل أنه لا يخلو أحدها من غرضين أو أكثر من الأغراض التي ينشدها الشعراء في روائع أعمالهم الشعرية، أقول ذلك تنزيهاً لهذين الشاعرين -الذين أطالا في السجال اللغزي التعموي- عن التسفيه أو الحط من قدر ما تساجلا فيه، وعلى ذلك يمكن لمن يريد أن يدرس أدب الموسى الرجوع إلى هذه المطارحة اللغزية لمعرفة جانب من أدبه الذي نعت به حيث من المحتمل أنه لا يجد له غيرها مما جادت به قريحته وحفظ عن عوادي الزمن.
ابن فيروز:
هو الشيخ محمد بن الشيخ عبدالله (ت1175هـ) بن الشيخ محمد (ت1135هـ) -أول قاض في الكويت- ابن فيروز.
تصل إلى هذا التسلسل لنسب ابن فيروز من خلال ديوان الطباطبائي عبر ثلاث أرجوزات، إحداها تحكي طلب الطباطبائي إجازة رواية كتب السنة والعلم من ابن فيروز، وأخرى أرجوزة للأخير لبى بها طلب الأول، وثالثة الأرجوزات من الطباطبائي عملها إجازة في الرواية منه لعبد الله بن أحمد بن عتيق الأحسائي، ففي الأرجوزة الأولى يقول الطباطبائي في صدد مدحه لشيخه ابن فيروز:
أقرّ بالفضل له الأعادي
فالحاضر انقاد له والبادي
عنيت من علياه لن تضاهى
شيخي مولاي سمي طه
من اصطفى من آل فيروز الكرام
هو ابن عبدالله ذو المجد الهمام(13)
ويقول ابن فيروز ذاكراً اسمه في أرجوزته التي أجاز بها الطباطبائي:
ثم ابن فيروز محمد الأقل
من جلَّ ذنبه ومولاي أجل(14)
ويرتجز الطباطبائي في إجازته لعبدالله بن عتيق الأحسائي:
وكل ما في ذا المجاميع التي
ذكرتها أرويه بالتثبت
فليروه عني عبدالله
عن شيخنا المحرر الأواه(15)
إلى أن يقول مصرحاً باسم شيخه المجرد ألا وهو:
محمد هو ابن عبدالله
من آل فيروز عظام الجاه(16)
ويقول في موضع آخر منها:
والنحو والتصريف والمعاني
وكل علم رامه المعاني
نرويه عن أربابه بالسند
أجازه عن شيخنا محمد
هو ابن فيروز ربيع المجتدى
لا زال في كل الأمور منتدى(17)
وبالاستعانة بهذه الأجزاء من الأراجيز الثلاث يكون لدينا هذا النسب: محمد بن عبدالله بن فيروز، ويذكر ابن سند أن عبدالله والده الشيخ محمد بن فيروز(18)، فإذا ضممنا ما توفره لنا هذه الأراجيز وما قاله ابن سند تتسق سلسلة نسب ابن فيروز كما رتبناها أولاً.
لقد تعرض ابن سند لحياة ابن فيروز باقتضاب شديد وقال: إن ابن رزق عندما كان في الزبارة أرسل إليه -وهو في البصرة- هدايا، ولما قدم للزبارة من البصرة اجتمع بابن رزق ثم سيره بمركبه إلى أبي شهر عام (1219هـ)، وذكر أن ممن أخذ عنه الحساب والفقه والآداب والفرائض محمد بن علي بن سلوم، وأنه توفي ببلدة الزبير سنة (1212هـ)(19).
أما الطباطبائي فقد عبَّر عن مشاعره اتجاه شيخه ابن فيروز، وهي مشاعر تعكس إلى درجة بعيدة جوانب من أحوال وشخصية ابن فيروز، فهو يرى فيه العالم الذي أحيا دوارس العلم وأشاد ما تهدم من بنيانه، فنراه يذكره بقوله:
من أصبح العلم به مشيداً
إذ كان قبل ركنه تهددا
فقد أعاد رسمه وأحيا
وكان مَيْتاً عُدّ بين الأحيا(20)
وأخذه منه الإجازة في رواية الحديث يشهد على طول باعه في حفظ الأثر، وهو يصرح بذلك حين قال فيه عند مدحه لرواة السنة الشريفة وحملتها:
وتابعيهم ورثوا علوما
للأنبيا جاءت بها قديما
من حرس الدين بهم عن الغير
فاحتفظوه سيما أهل الأثر
وكان منهم واحد الزمان
الفائق الأمثال والأقران(21)
إن إحياءه لحلقات العلم وتنشيطه سوق المعرفة لأنه:
قطب ذوي التحقيق والعرفان
طابت له شوارد المعاني(22)
بل إنه:
إمام أهل العلم في زمانه
لكونه فاق على أقرانه(23)
ومن هنا تكون منية طالب العلم أن ينتهي في الدراسة إليه والحضور في حلقات دروسه:
جدد أمر الدين بعدما وهى
فهو الذي اليوم إليه المنتهى(24)
وما اقتصر شد رحال طلاب العلم إليه من العرب فقط، بل حتى طلاب العلم من العجم كانوا يرحلون إليه:
من لم يزل به محطَّ الركب
فيرتوي من عجم وعرب(25)
ويأتي الطباطبائي ليعطي رسماً بيانياً عن مستوى تعليمه لطلابه، فإن التلميذ عنده يرتقي في مدارج العلم العليا بسرعة خلال زمن وجيز بلا تطويل وتمطيط، وذلك لأن أنفاس الشيخ ابن فيروز أنفاس مباركة ميمونة وبذلك أشتهر، ولهذا ما تعلم عنده طالب علم وفشل ولم يحصل من المعرفة ما رام ورغب، وبسبب ذلك كثر العلماء الفضلاء الخليقون الذين تخرجوا على يديه:
تلميذه يأتي على التحصيل
بسرعة من غير ما تطويل
أنفاسه ميمونة مشتهره
ما خاب قط طالب قد حضره
فكم ترى للشيخ من خريج
في علمه ذي خلق بهيج(26)
ولعل ما يفصح عن طبيعة ابن فيروز التعليمية وبوضح ما جبل عليه في التركيز على تفهيم طلابه ما يلقيه عليهم من دروس قوله نفسه موصياً تلميذه الطباطبائي:
وأن يعين طالب العلم بما
أمكن حتى يَدريَن ما فهما(27)
ولم تنحصر جهود ابن فيروز في إطار الإنهاض بالتعليم في منطقته، وإنما خرج عن هذا الإطار إلى ما هو أوسع منه وأرحب، إلى إصلاح المجتمع والدين وتنقيتهما مما يشينهما من بدع وظلالات، لذا نرى الطباطبائي يشيد بما صنع وبذل على هذا الصعيد قائلاً:
من لم يزل يذب عن ذا الدين
بكل نص قاطع مبين
فطالما أطفا لهيب البدع
إذ كلُّ أشوس وأروع(28)
من جهة أخرى ينتقل الطباطبائي ليلقي الأضواء على زاوية أخرى من زوايا شخصية ابن فيروز ليتكلم عن كرم شيخه ابن فيروز وسخاء ضيافته ومجيء الوفود من بعيد البلاد إلى بابه يسترفدون عطاءه:
رحب الثناء واسع العطاء
للمجد يبني في دها البلاء
ما خاب قط من أتاه راجياً
فكم أنال خيباً وعافيا
ترى الوفود عنده أفواجاً
لرفده قد قطعوا الفجاجا(29)
لأجل كل هذا جلس ابن فيروز على قمم الفخر، وارتقى رؤوس العلا، واستوى على هامات المجد، فما كان من ساسة عصره وقادته إلا الإذعان له، واعترف بفضله المعادي فضلاً عن المحب الموالي، و التزم بأقواله وآرائه أهل الوبر والمدر، ولا أرى في ذلك مدعاة للتشكيك، إذ العالم إذا بلغ أقاصي العلم والفضل وعمل صالحاً كان له ما قال الطباطبائي. فلنأت لنقرأ ما قال عن الشأن الاجتماعي لشيخه:
من ارتقى هام العلا والفخر
فأذعنت له دهاة العصر
أقرّ بالفضل له الأعادي
فالحاضر انقاد له والبادي(30)
وما يزيد قول الطباطبائي في هذين البيتين تأكيداً تردده -أعني الطباطبائي- في طلب الإجازة من ابن فيروز مع أنه كان يفكر فيها منذ مدة طويلة، إذ هيبة ابن فيروز تجعله يحجم كلما أراد أن يقدم على طلبها منه، ولكنه أخيراً جمع قوى قلبه وتجاسر على طلبها، لندلف إلى أبياته التي تأخذنا إلى وصف حالته -هذه- حيث يخاطب بها ابن فيروز ملتمساً منه الإجازة:
بالسوح منكم قد حططت الرحلا
مستظمئاً فامنن وقل لي أهلا
وإنني منذ زمان غابر
راج ولكن لم أكن بجاسر
متى أرد أن يعرض الخطاب
أصد إذ مجلسكم مهاب
وها أنا ارتكبت سوء الأدب
لكنما مولاي يعفو كالأب
فجد عليَّ سيدي بكلما
رويته عن السراة العلما(31)
إن الإجازة التي أعطاها ابن فيروز للطباطبائي في أرجوزة شعرية قد فرغ منها في يوم الخميس الخامس والعشرون من شهر شعبان لعام الحادي عشر والمأتين والألف، يقول ابن فيروز عند ختمه أرجوزته مؤرخاً لها:
في خمسة من قبلها عشرون تم
يوم الخميس ما هنا من منتظم
من شهر شعبان لحادي عشرا
مع مأتين بعد ألف حررا
من السنين أي سنين هجره
أزكى الورى طراً بغير مريه(32)
وعليه تكون الإجازة قد كتب أرجوزتها ابن فيروز للطباطبائي قبل وفاته التي كانت في عام (1212هـ) بسنة واحدة، ولعلها هي آخر إجازة يجيزها لأحد من أهل العلم.
ابن فيروز أخذ العلم على العالم الشيخ عبدالله بن محمد بن عبد اللطيف الأحسائي الشافعي، فهو يقول في تعداد شيوخه:
شيخي التقي ذي المقام الأرفع
المتقن البر الإمام الشافعي
الشيخ عبدالله ذي القدر المنيف
ابن محمد بن عابد اللطيف(33)
والطباطبائي في إجازته لابن عتيق يذكره أولاً بين شيوخ شيخه ابن فيروز:
وشيخنا له شيوخ عدّه
عنهم روى وكلهم أمدّه
فمنهم الندب الأمير الألمعي
الشيخ عبدالله صافي المشرع
نجل محمد بن عابد اللطيف
سليل أمجاد ذوي العلم المنيف(34)
ومن شيوخ ابن فيروز الشيخ محمد سفر والشيخ أبو الحسن السندي المدني، وقد ذكرهما أثناء سرده لشيوخه:
والفاضلين أي محمد سفر
من منهم ينبوع علم انفجر
والبحر بحر العلم ذي القول الحسن
والفعل شيخي سيدي أبي الحسن(35)
ويذكرهما الطباطبائي في أرجوزته لابن عيتق وسط قائمة شيوخ شيخه بعد أن ذكر ابن عبد اللطيف الأحسائي:
ومنهم البرُّ محمد سفر
كلاهما يروي عن الشيخ الأغر(36)
ويقول:
ومن شيوخ شيخنا أبو الحسن
للسند يعزى المدني المؤتمن(37)
ورابع من أدرجه ابن فيروز في شيوخه الشيخ سعد المالكي المعروف بـ (ابن عزوقة)، يقول ابن فيروز:
الشيخ سلطان إمام الطبقة
عنه روى شيخي أي ابن عزوقه
المالكي سعد وعنه أروي
أي الجبوري روى ما يحوي(38)
أما الطباطبائي، فيقول:
ومن شيوخ شيخنا ابن عزوقه
سعد سقاه الله رحماً مغدقه
عن الجبوري هو البغداي
سلطان ذي الفضل المبين البادي(39)
وآخر شيوخه الذي ختم به القائمة كان والده الشيخ عبدالله بن الشيخ محمد بن فيروز وعليه تتلمذ في الفقه، قال في أرجوزته:
وفقه مذهب الإمام أحمد
أخذته من والدي وسيدي
اسكنه ربي أعلى منزلي
جوار أحمد النبي المرسل(40)
ودراسته مذهب الإمام أحمد بن حنبل يخلق فينا الظن بأنه كان حنبلي المذهب، وما يؤيد هذا أصله النجدي(41)، ذلك لأن مذهب ابن حنبل أكثر انتشاراً في نجد من بقية المذاهب.
الهوامش:
(1) البحرين عبر التاريخ: 2/235.
(2) لكون هذه القصيدة تساجلية قد أجاز فيها الشاعران أحدهما الآخر، فإن صدور أبياتها لابن سند، وأعجازها للطباطبائي.
(3) الديوان/49 - 52.
(4) الديوان/221.
(5) أي أن تقرأ في القصيدة الحرف الأول من كل كلمة من الكلمات الأولى في صدر البيت نزولاً من أول بيت إلى ما يليه فيجتمع لديك هنا في هذه القصيدة تسلسل نسب الشخص الممدوح -عبد العزيز بن صالح بن حسين بن موسى-.
من جهة أخرى، تقرأ الحرف الأول من كل كلمة من الكمات الأولى في عجز البيت ولكن صعوداً من البيت الأخير إلى ما قبله فيجتمع لديك هنا نفس الاسم بتسلسله النسبي.
(6) الديوان/4.
(7) انظر: البحرين عبر التاريخ: 2/ 213.
(8) نفس المصدر: 2/231، 234. ولأجل هذا الاختلاف لن نتبع في ترجمة (الموسى) منهجنا الذي سبق وأن سلكناه في التراجم الأخرى حين التزمنا بنقل محتوى ما كتب حول هذه الشخيصات من كتاب (البحرين عبر التاريخ).
(9) الديوان/4.
(10) ويبدو أن الاختلاف -هذا- جاء نتيجة تصحيف في الرقم الآحادي بين 2 و3.
(11) البحرين عبر التاريخ: 2/231.
(12) للاطلاع على قصائد المطارحة الشعرية، اقرأ: الديوان/ 285 - 292.
(13) الديوان/185.
(14) الديوان/129.
(15) الديوان/192.
(16) الديوان/192.
(17) الديوان/193.
(18) راجع: البحرين عبر التاريخ: 2/222.
(19) نفس المصدر السابق.
(20) الديوان/185.
(21) نفس المصدر السابق.
(22) نفس المصدر السابق.
(23) الديوان/192.
(24) الديوان/185.
(25) الديوان/186.
(26) الديوان/192.
(27) الديوان/131.
(28) الديوان/185.
(29) نفس المصدر السابق.
(30) نفس المصدر السابق.
(31) الديوان/186.
(32) الديوان/132.
(33) الديوان/132.
(34) الديوان/192.
(35) الديوان/130.
(36) الديوان/192.
(37) الديوان/193.
(38) الديوان/130.
(39) الديوان/193.
(40) الديوان/130.
(41) البحرين عبر التاريخ: 2/222.

 

كاتب
322889