الحاج محمد تقي آل سيف
ريادات مبكرة
عبدالعلي آل السيف * - 2 / 11 / 2007م - 3:39 ص - العدد (47)

إن ساحل الخليج الشرقي للجزيرة العربية، وبالتحديد المنطقة التي تمثلها القطيف بداية القرن الرابع عشر الهجري وحتى منتصفه كانت ثرية برجالها، وبإنتاجها من البَرِّ ومن البحر، غير فترات كانت تؤرخ بأنها سنين حاجة وضيق.
والقطيف، من شمالها إلى جنوبها، كانت بها من البيوتات لها شأن في وسطها الاجتماعي بسبب رصيدها العلمي الممثل في علمائها ودورهم في الشأن العام، أو رصيدها الاقتصادي ومكانتها في النشاط الإنتاجي وقتها؛ في البحر اللؤلؤ استخراجاً وتجارة، أو البر من زراعة وتجارة.
آل سيف من تلك الأسر التي توزعت بين شطري البر بين تاروت والقطيف رصيدها من العلماء الأعلام عبر أجيال غير منكور سواء في شق القطيف، أو شق تاروت، وكذلك تصدرها في النشاط الاقتصادي لا سيما شق تاروت، إن سمعة الحاج سلمان ابن عبد الله آل سيف في القطيف والبحرين والهند كبيرة، وكان نشاطه الرئيسي تجارة اللؤلؤ، وكان يعينه على ذلك شقيقه الحاج علي بن عبد الله آل سيف، وكان الجانب العلمي والقيادي يتمثل في شقيقهم الثالث الشيخ منصور آل سيف.
لم يطل العمر بالأخ الأكبر الحاج سلمان، ففارق الدنيا ولم يدرك الكهولة، بَعْدُ، وحلَّ شقيقه الحاج علي في العمل، ووظف فوائد تجارة اللؤلؤة في توسيع ممتلكات الأسرة من النخيل والأراضي الزراعية، التي كانت الوقود لنشاط مترجمنا الحاج محمد تقي رحمه الله.
الحاج محمد تقي - في أول دخول شركة أرامكوا (شركة الزيت العربية الأمريكية) للتنقيب عن الزيت واستخراجه في المنطقة الشرقية. كان شابًّا، قويًّا، ذكيًّا، طموحاً، وظف كل ذلك مع السيولة التي هيأها له والده الحاج علي (رحمه الله) في وضع اللبنات الأولى لنشاطه مع شركة أرامكو، وكانت له ريادة في نشاطات جديدة لم تكن معهودة من قبل.
كان الناس يستوردون حاجاتِهم من مواد الغذاء من البحرين، ومن ذلك الدقيق (طحين الحنطة) عن طريق البحر، وفي سفن بدائية، فأوجد طاحونة ليوفر هذه المادة الغذائية من غير أن تتعرض للتلوث من البحر والنقل – ولعل الحاجة الى هذا الدقيق في عمله كان دافعا آخر لهذا النشاط - وكان موضعها في المدارس في القطيف وكانت تدار بالحيوان لعدم توفر الكهرباء، أو آلات ميكانيكية أخرى لإدارة عجلتها.
كان من أوائل من أسس الأفران الحديثة لتلبية حاجات شركة أرامكو من أصناف الخبز الغربية، التي لم تكن معهودة في بيئتنا، وثنَّى بتجهيز مخبز حديث آخر لعمل منتجات فائقة الجودة مثل (الكيك) في محل مجهز تحت إشراف الشركة وتوجيهها، وكان المخبزان في منطقة رحيمة.
كان من أوائل من أدخل زراعة أصناف الخضار التي تحتاجها شركة أرامكو لتقديمها إلى عمالها الأجانب، وكانت تمثل جزءاً من نظامهم الغذائي، ولم تكن من الأصناف المعهودة التي تزرع في المنطقة من قبل، وكان يقوم بذلك تحت إشراف الشركة ومساعدتها الفنية والمادية، وإني أحرر هنا واحدة من أفضاله على جميع المزارعين حيث طلب من شركة أرامكو توسيع إشرافها على من يرغب من المزارعين وإمدادهم بالبذور والأسمدة، بل وحتى الآلات الزراعية حسب مساحة كل حيازة والإشراف الزراعي بواسطة مهندسين زراعيين أجانب في أول الأمر، ثم مهندسين سعوديين بعد أن وفرت لهم التعليم اللازم، وقد سبقت بهذا النشاط الدولة بعقود. وكان إنتاجه الزراعي يوفِّر للشركة ما تحتاجه ويطرح الباقي للبيع في السوق.
ولا ينسى الناس أول مشروع لتربية الدواجن في أوائل الثمانينات من القرن الهجري المنصرم، وهو المشروع الذي أسَّسه، وكان ذلك بتوصية من شركة أرامكو لتزويدها باللحوم والبيض، وبتوجيه فني منها وموضعه كان في صفوى.
تعهد بتوفير الكيروسين لجزيرة تاروت، وكان يحضره في براميل بواسطة السفن إلى مرسى (الزور) ثم ينقله بالدواب ليوفر للناس وسيلة الإنارة والطبخ. ولعله كان يحصل عليه ضمن تعامله مع الشركة، وهو المتعاقد معها في توفير خدمات زراعية وغذائية متعددة.
أما الشأن العام، والعمل في ما يوفر للبلد القطيف الخير فقد كان مع أعيان القطيف المعاصرين له المحرك لجميع ما توفر للقطيف من سبل العيش الكريم في جميع أوجه الحياة التي تمس حياة الانسان، وكانت لهم صِلات حميمة بجميع المسئولين في المنطقة والرياض يوظفونها في خدمة وطنهم القطيف.
لعل الكثير منا غابت عن ذاكرته، الآن، مشاهد المعاناة التي كان يقاسيها سكان جزيرة تاروت؛ (تاروت ودارين وسنابس والزور) حتى منتصف القرن الماضي قبل أن يتم ربط الجزيرة بالقطيف بالجسر الحالي، فقد كان السبيل الوحيد للخروج من الجزيرة إلى خارجها يتم إما بالسفن، في حال المد، أو بالعربات التي تجرها الدواب، في حال الجزر، وإن شئنا الدقة فبكلتا الوسيلتين معاً في آن واحد، فسكان الجزيرة - في حالة مدِّ البحر - عليهم أن يمتطوا الدواب إلى مرفأ دارين حتى يركبوا البحر إلى القطيف أو البحرين، أو إلى القطيف في حالة الجزر، عبر المخاضة المعروفة بـ (المقطع)، والعكس صحيح للقرى الساحلية في حالة الجزر عليهم ركوب الدواب كذلك لعبور المقطع إلى القطيف، ولك أن تتصور كم كانت هذه الوسيلة شاقة ومضنية، وكم من الوقت تستنفد؟ لقد أنهى الجسر الذي يربط جزيرة تاروت بالقطيف كل تلك المعاناة، ونسيها الناس حتى أصبحت في ذمة التاريخ. هذا الجسر الذي يربط تاروت بالقطيف الآن لم يكن سيرى النور، ويريح الناس من ذلك العناء، لولا دعوة الحاج محمد تقي لوزير المالية حينها ابن سليمان، وكان (رحمه الله) قد أوعز للشخص الذي استؤجر لنقل الوزير على العربة التي يجرها الحمار أن يوطئه كل طريق صعب ليذيقه عناء الطريق، فيحس معاناة السالكين لهذه الطريق كلما راموا سفراً للقطيف لعلاج أو عمل أو تجارة أو زيارة أو سفر - شاهدت ذلك وأنا في مقتبل صباي، وأبى الوزير العودة على نفس الطريق لما لاقاه من عناء في قدومه فوفرت له إمارة القطيف وسيلة النقل البحري عن طريق مرسى السفن بدارين، وقد أرغمه ذلك على الانتظار حتى اكتمال المد وتتمكن السفينة من الإبحار.
والخدمة الصحية هو الذي طلبها بإلحاح، ولما وافقت وزارة الصحة تعللت بعدم توفر محل للمستوصف وسكن للطبيب، فقام هو بتوفيرهما من ماله الخاص، ثم واصل مطالبته بالمستشفى، وتكللت مساعيه بالنجاح، فبنيَ المستشفى بالربيعية. كل هذا الجهد وغيره كان معه أفاضل من البلد ممن كانت لهم اليد الطولى في ما نحن فيه الآن.
وكثيرة هي أيادي الحاج محمد تقي مما لم أعِه ولا أحصيه. أما الجانب الروحي من نشاطه فقد تمثل في نشاطات عدة:
كان له حس في الاستفادة من الأوقاف (أوقاف الأسرة كانت تحت يد الشيخ أحمد ابن الشيخ منصور آل سيف (رحمه الله)، وكان جزء كبير منها أوقافا حسينية)، فقد وظف علاقاته التي بناها في أسفاره للدول الإسلامية والشيعية منها على الخصوص، وما كان يجده هناك من تطور للمنبر والعطاء الحسيني في استقدام الخطباء من العراق منذ نهايات السبعينات من القرن الهجري المنصرم، فاستمع الحاضرون من هؤلاء الخطباء في مجالس العزاء إلى فن جديد من الأداء لم يكن معهوداً من قبل إلا في حدود ضيقة وكم هائل من الثقافة والمعارف.
وكان يتحمل جميع مسئولية استقدام الخطيب من العراق تحديداً، ويوفر له السكن الملائم، ووسيلة التنقل إلى مجالسه في القطيف وسيهات وصفوى وغيرها وحتى في حدود تاروت بين مناطقها المتعددة حتى مغادرته إلى بلده معززاً مكرماً. استمر ذلك إلى بداية القرن الجديد الخامس عشر الهجري.
كانت صِلاته بالعلماء والكتاب والمراجع زاداً منحه قوةَ تحمُّل أعباء إيصال الكتب إلى المنطقة، وكان يوزع بعضها مجاناً استفاد منها الكثيرون، ولعلها -في رأيي المتواضع- من أحد أسباب الهجرة الجماعية لمجموعات من الشباب بعضه مؤهلاته فوق المتوسط، وبعضهم ترك وظيفته، وهاجر لطلب العلوم الشرعية في أواخر القرن الهجري الماضي، وبالتحديد في العقود الثلاثة الأخيرة منه، وبدايات هذا القرن إلى الحوزات العلمية في العراق والكويت وإيران. وأسجل هنا شهادة من العلامة الشيخ علي العصفور (حفظه الله) – أحد علماء البحرين - إن الحاج محمد تقي كان وراء إنشائه المركز الديني الكبير في (علي كرا)، واحدة من حواضر الهند، ولا زال المركز يؤدي عمله إلى الآن، وإن أقعد المرض الشيخ العصفور عن مسيرته فيه فترك خلفه الطريق ممهداً لمن يتابع قيادته لهذا المركز.
كان يلح على المحيطين بمراجع التقليد في العراق وإيران بزيادة جرعة الوقاية من الأفكار الدخيلة حينها، الفكر اليساري والقومي العنصري بالإيحاء لمن يكتب الكتب والدراسات وإصدار الدوريات وتوزيع ما يكتب على الشباب يحصنون أنفسهم بها من تلك الأفكار.
والمساهمة في طباعة بعض ما ينفع الشباب من بحوث وكتب كان له في ذلك باع طويل، وكلما تحدثت معه تجد مجمل حديثه عن الشباب، وما يعانون من تقصير في التوعية، وضرورة تحصينهم مما يراد لهم أن يعتنقوه من أفكار لا تتفق وديننا الحنيف سواء كان هذا الشباب في المنطقة أو حتى المبتعثين في الخارج كان يتراسل معهم بالكتب أو يعطيهم ما يحمله معه دائماً إذا كانوا في دولة يزورها حينها.
هذه العطاءات الخيرة وفرتها له أرضية أسرية، فوالده الحاج علي بن عبد الله آل سيف كان واحداً من اللصيقين بأخيه الشيخ منصور، وهو من أقطاب العلم والعمل الاجتماعي، وكان مجلسهما مجلس العلماء الأعلام يحطون رحا لهما إذا أتوا تاروت زائرين منذ بداية عودة هؤلاء الأعلام للقطيف في أوائل القرن الرابع عشر الهجري. وكان الحاج محمد تقي غير بعيد عن هذه الأجواء يسمع ويرى عمه وهو ينافح دفاعاً عن أهل القطيف حين أصابتهم مصيبة التكفير، ويساند الإمام الخنيزي رحمه الله في دعوته الإصلاحية الكبرى في التقليد والعقائد.
والدته السيدة العلوية تاجة السيد مهدي آل درويش سيدة شريفة معلمة خطيبة كانت لها هيبة عظيمة ومكانة سامقة امتدت إلى (الزور) و(دارين)، وكان مجلسها مجلس ذكر دائم ومأتمها مشهور والمتعلمون على يدها كثيرون ذكراناً (حسب العمر الذي يسمح بالتعلم لدى امرأة) وإناثاً، ويكفي أنها كانت تطبب الكثير ممن يسألونها ذلك وترقيهم بالرقية الشرعية بالقرآن الكريم.
وفي منتصف عمره وجد في القطيف الأصدقاء الذين كانوا يشاركونه العمل العام فرغب أن يقيم قريباً منهم - كان يقضي ليلة في تاروت وأخرى في القطيف - وتزوج ابنة العلامة الشيخ ميرزا حسين البريكي رحمه الله، وكان هذا السبب دفعه إلى الحياة قرب من بقي من العلماء الأعلام بعد أن اخترمت يد المنون الحجج العظام بين 1362 وبين 1373هـ وفيها استمرت روافده وثقافته الدينية في التواصل والنمو، كانت مع ما سبقها المؤثرات الكبيرة على شخصيته ومكوناتها الدينية.
إن الوله بالعمل الديني والرغبة في التصدر في كل عطاء يزيد الحالة الإيمانية والانتماء كان محرِّكه في الدعوة للهجرة لطلب العلم، ويكفي أن جميع أولاده دفعهم لطلب العلم الديني ومنهم الدكتور الشيخ توفيق، ومنهم العلامة الخطيب الشيخ فوزي، والعلامة الشيخ محمود آل سيف: وبقية أنجاله وجوه في المنطقة.
إن هذا العطاء لم يتوقف، وإن أبناءه وضعوا لبنات جيدة في العطاء الديني فمنهم المفكر والبحاثة، ومنهم الخطيب المتمكن الشيخ فوزي ويشاركه الخطابة أخوه الشيخ محمود وقد ورثوا من أبيهم التفاني في الشأن العام والعمل لرفعة البلد وتحقيق ما تصبوا إليه أنفسهم لرفعة وطنهم وهاهم يطبعون الكتب ويوزعونها للاستفادة منها إحياء لذكر والدهم (رحمه الله) وإحياء لسيرته العطرة.
وفي يوم الثالث والعشرين من شهر جمادى الثانية عام 1415هـ ودعه أحبته وأصدقاؤه وفقدوا فيه العامل النشيط في الشأن العام، والمؤمن العامل بكل ما أوتي من قوة في الدعوة الى الدين حسب طاقته، وما أوتي من علم.

 

باحث وأديب
203365