الشاعر جاسم بن محمد بن عساكر
ناجي بن داوود الحرز * - 2 / 11 / 2007م - 3:42 ص - العدد (47)

وُلِد الأستاذ جاسم بن محمد بن عساكر في بلدة (الجفـر) شرق الأحساء عام 1396هـ. أتمَّ دراسته الابتدائية والمتوسطة بمسقط رأسه، ثم التحق بالمعهد الثانوي التجاري بمدينة (الهفوف)، وتخرج فيه عام 1417هـ ليبدأ حياته العملية موظفًا حكوميّا.
لفت الشعرُ انتباهه مبكِّرا؛ فبدأ (يحتسي قهوة الشعر من فناجين العصر الجاهلي) - كما عبـّر هو عن بدايته – فكان، منذ ذلك الحين، يهتم، ويقرأ، ويحفظ كل ما يعجبه من شعر، فما إنْ بدأ موسم الشعر يتحفز بين جانحيه حتى كان عصرٌ ذهبي جديد للشعر قد فتح ذراعيه باتساع أفق الأحساء، فكان الأستاذ جاسم من رواد الأمسيَّات الشعرية التي كانت تقام لشعراء الأحساء هنا وهناك، فكان - كما قال - (يحضر أمسيَّاتهم الكثيرة، ويحفظ قصائدهم عن ظهر حب فنمَتْ بذرة الشعر في وجدانه).
وبحكم المجاورة، والمعرفة التصق شاعرنا (ابن عساكر) بشاعر الأحساء الكبير الأخ الأستاذ (جاسم الصحيح) ليصبح راويةً له؛ فقد كان يتلقف مسوَّدات قصائده ليبيضها هو على آلته الكاتبة - قبيل وصول الكمبيوتر إلينا - ثم ليحفظها عن ظهر قلب أيضاً، فكان لهذا الالتصاق الحميمي بعملاقٍ كجاسم الصحيح، ولانضمامه، كذلك، لـ(منتدى الينابيع الهَجَرية الأدبي) حيث نخبة شعراء الأحساء الكبار - أثرُهُ البالغ في تفجير إمكاناته الإبداعية إلى أقصى الجمال، فأتى بالعجب العجاب من القصائد الرائعة التي كانت، ومازالت، تتبارى في إضافة الألقاب والجوائز له.
ومن اللافت للنظر أن الأستاذ (ابن عساكر)، ورغم توحده الوجداني مع الأستاذ (جاسم الصحيح) إلا أنّ تجربته لم تصبح ظلاًّ لتجربة (الصحيح)، ولا نسخةً مقلدة عنها، ولا حتى في بداية مشواره الشعري، كما حدث مع عدد غير قليل من الشعراء الشباب، بل إن الغلبة كانت لقوة ملكته الشعرية، فكان شاعراً فذًّا متفردًا، ومنذ البداية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك؛ فقد استطاع الفوز بالجائزة الأولى في مسابقة أحد الأندية الأدبية، وترك لأستاذه (جاسم الصحيح) الجائزة الثانية.
ثم انطلق لينافسه في حصد الجوائز الشعرية؛ فقد فاز بالجائزة الأولى من كثير من المؤسسات الثقافية، كنادي الطائف الأدبي، ونادي تبوك، ونادي الباحة، ونادي المنطقة الشرقية، وجمعية الثقافة والفنون بالأحساء، وجمعية الثقافة والفنون بالرياض.
لشاعرنا حضور فاعل، ومميز، في المحافل الأدبية، والأمسيَّات الشعرية، كما نشر كثيراً من قصائده في الصحف، والمجلات، وشبكات (الإنترنت)، كما ظهر في عدد من البرامج، واللقاءات التلفزيونية، والإذاعية.
بقي شاعرنا متمسكاً، وإلى هذه الساعة، بميزان الخليل بن أحمد؛ فهو يُراوح بين القصيدة العمودية، وقصيدة التفعيلة، متدفقاً عبر رومانسية حديثة تُطرب النفوس، وتستثير الوجدان والخيال، وتُداعب المشاعر، وتهدهد القلوب الموجوعة، وتروي الأرواح الظامئة أينما احتاج الموقف للشعر؛ فقد غنَّى شاعرنا على أكثر من ليلى خلال سنوات قليلة بالنسبة لتجارب شعراء آخرين؛ غنى للحب، وللجمال، وللوطن، وللمبدأ، وللإنسان فأبدع، وجلّى.
يقول شاعرنا في قصيدته (وفتحتُ شباك الخيال):
شوقاً منايَ أنا نثرتُ شذا الحروف على مسائكْ
ثُمّ انطلقتُ بنشوتي، طيراً يرفرفُ في سمائكْ
طهراً أفتّتُ طينتي، حيثُ انتسبتُ إلى الملائكْ
ورسَمتُ شكلَ الشمسِ تستجلي التوهّجَ من بهائكْ
يا طالَمَا طَرّزتُ أفقيَ بالحنينِ إلى لقائكْ
وبَدا توهّجُ لهفتي، والشعر ُيصهرُها سبائك
وكأنّني صغتُ الخواطرَ وردتينِ على ردائكْ
ودخلتُ بستانَ الودادِ مُشذّباً كلّ الشوائكْ
فبرزتِ أجمل (لوزةٍ) في العشق أطمع لاجتنائكْ

إلى أن يقول:
فخُذي هدايا العطرِ ترحلُ من دمايَ إلى دمائكْ
مهمَا قسا سوط الغيابِ فلن أشكّكَ في وفائكْ
هلْ كانَ صيفُكِ لا يغارُ إذا انتسبتِ إلى شتائكْ؟
وأرى الطيورَ إذا ارتحلتِ أسىً تهاجرُ من ورائكْ
وأنا أمير الشوق يصلبني الصباح على غنائكْ

ويقول في قصيدة (طيش وذكرى):
ذكرتكِ فابتدا طيشُ الأناملْ
يرقرقُ مهجتي فوقَ الرسائلْ
فتشربني السطورُ كأنّ مجرىً
على الأوراقِ يسكبني جداولْ
فأدخلُ في تجاويفِ القوافي
أجرّ معي منَ الذكرى قوافلْ
أعلّق فوقَ غصنِ (اللوزِ) إسمي
يصلي في تلهّفهِ النوافلْ
وأبحثُ عن خطاكِ لعلّ حقلاً
يدلّ عليكِ في أرجِ السنابلْ

إلى أن يقول:
وليسَ معي سوى ورق وحبرٍ
تشبّ على توثّبهِ المفاصلْ
إذا اعتنقتْ ضلُوع الشعرِ بيتاً
من الذكرى يُخالُ بها زلازلْ
وقدْ تأتينَ غارقةَ التجلّي
على ممشاكِ تحتفلُ الخمائلْ
تلفّينَ الوجودَ وشاحَ حسنٍ
بأفقِ الوعدِ من نسجِ الجدائلْ
وتزهرُ في فؤادكِ أمنياتٌ
لها من طبع سوسنها شمائلْ
ويقول في حبيبته (الأحساء) من قصيدة بعنوان (حيّاكِ عني الهوى):
حياكِ عنّي الهوى يا فتنةَ الرائي
تحيّة الوالهِ المشتاقِ للنائي
حياكِ عنّي بريدُ الصبحِ يحمله
مع النسيم عليلاً نفحُ أشذاءِ
قطفتُ كلّ حروفِ العشق يانعةً
وجئتُ من ألِفٍ أسعى إلى ياءِ
إلى أن يقول:
أحساءُ والشعرُ في أسمى مراتبهِ
كابٍ تعثّر في مدحٍ وإطراءِ
ماذا سأكتبُ يا حبّي ويا أملي
ما ضمّت الأرضُ؛ أجدادي وآبائي
تجود كفّايَ لو أسطيعُ موهبةً
كفٌّ بروحي وكفٌّ بالسُويداءِ
وإن تعذّر ما أهديتُ من مِنَحي
خذي إليكِ رخيصاً كلّ أعضائي
يكفي بأنّيَ لا أنفكّ منتسباً
إلى ثراكِ وأنّي كنتُ (أحسائي)

ويقول في مكة المكرمة من قصيدة (محفل من نسيج النور):
سعياً، قصَدتُكِ للهدايةِ مصدرَا
تحدو بـيَ الآمالُ:يا أمَّ القرى
وشددتُ حبلاً من حبالِ عقيدتي
حولي، لأغدوَ بالكمالِ مخصَّرَا
يتشوّقُ الإيمانُ بينَ أضالعي
عزماً يرمم ما تهدّمََ من عُرَى
ووطأتُ تربَكِ فاستحلتُ بأكملي
قلباً من الهدْي الرشيدِ مُجوهرَا
(وقبضتُ من أثَرِ الرسولِ) بشارتي
لَمّا أتى نحوَ الأنامِ مُبشّرَا
أقفُو خُطى (جبريلَ) تزهو مثلمَا
عقدٍ من الشُهُبِ الوِضَاء تنثّرَا
تذكو بيَ الأشواقُ مثلَ مولّعٍ
وطأَ الثرَى المشتاقَ فانتبهَ الثرَى !
وكشفتُ ستراً عن جنانِ (مُحمّدٍ)
لَمّا تفايضَ بالشمائلِ أنهرَا
حيثُ الرسالةُ وهْيَ أقدسُ منبعٍ
من كفّهِ فوقَ الضلالةِ قد جرَى
فتفتّقتْ صمُّ الجبالِ سنابلاً
من رحمةٍ لّما رُواهُ تفجّرَا

ويقول في رثاء ولده البكر (محمد) البرعم الذي اختطفته سيارة طائشة ذات فجيعة، وكأن القدر أراد أن يعتصر فؤاد هذا الشاعر حتى في كأس الأسى والفجيعة المريرة من قصيدة نازفة له بعنوان (أعدتُ إلى الله أغلى الهبات):
رَسَمتُكَ في دفترِ الأمنياتْ
حديقةَ وردٍ بشكلِ الحياةْ
وأطلقتُ قلبي بِها بلبلاً
يلوّنُ عُمري صدى أغنياتْ
ورحتُ أرشُّ على سفحِها
رحيقَ الأبوّةِ عذبَ الصفاتْ
وفجّرتُ من لهفتي منبعاً
من الشهد يجري معيناً فُراتْ
فأورَق صدريَ عُشَباً على
رُبَاها وأزهرَ قلبي نباتْ
إلى أن سرَتْ باللظى نفحةٌ
عليها فأحرقَتِ السُنبلاتْ!
و جزّ الخميلةَ من جذرهَا
مقصُّ المآسي فصارتْ فتاتْ
هُنا انعتَقَ العطرُ من وردهِ
وفرّتْ على وجههَا السوسناتْ
وغادرتِ الطيرُ أعشاشََها
غداةَ تسلّتْ بِها العاصفاتْ
وقوّضَ نبعُ المُنى رحلَه
صبيحةَ قالوا: محمّدُ ماتْ
كأنّ الذي مدّدوهُ أنا
ونادَوا عليهِ: الصلاةَ الصلاةْ
* * * *
محمّدُ يا لحنَ أنشودةٍ
تردّدها في المساءِ الرعاةْ
و يا جملةً في كتابِ الأسى
بكسرِ المنى أعربَتْها النحاةْ
تعطّلَ صوتي حداداً على
فراقكَ وانشلّ صوتُ النعاةْ
وراحتْ خيولُ الأسى داخلي
تحومُ على القلبِ بالولولاتْ
أراقبُ حتّى انتهاءِ الطريقِ
وأبحثُ فيمَا نأى منْ جهاتْ
أرى كلّ طفلٍ علَى بابهِ
سواكَ، إذا عادتِ الحافلاتْ
فأسفَح قلبي على آهةٍ
وأندكُّ لا قوةً لا ثباتْ
تغربتُ عن هيكلي أجرداً
كأني سطورٌ بلا مفرداتْ
فإن بعثرتكَ الليالي على
رصيفِ المنايا ودربِ الشتاتْ
جمعتُك في باقةٍ من حروفٍ
تغلفّهَا أدمعي الهاطلاتْ
هكذا تربع شاعرنا، وبجدارة، على مقعد وثير مع الطليعة من شعراء الأحساء، وتألق حتى وصل بوحه وشجاه أقاصي الخليج كله.
مع كل أمنيات التوفيق له بالمزيد من الألق.

 

شاعر وكاتب
232301