رواية «أثر شرقي» لمحمد على الباشا بين الرمز والتجريب
الدكتور محمد زيدان * - 2 / 11 / 2007م - 3:48 ص - العدد (47)

- إمكانات الرواية المعاصرة:
سؤال بسيط يطرحه >ميلان كونديرا< حول فهم >الرواية< التي لا تفحص الواقع بقدر ما تفحص الوجود، والوجود -من وجهة نظره- ليس ما جرى، بل هو حقل الإمكانات الإنسانية، كل ما يمكن للإنسان أن يصيّره، كل ما هو قادر عليه. ويرسم الروائيون خريطة الوجود أثناء اكتشافهم هذه الإمكانية البشرية أو تلك، ولكن مرة أخرى أن توجد يعني أن تكون في العالم، يجب، إذن فهم الشخصية وعالمها بوصفها إمكانيات(1).
هذه الإمكانيات تتحول لدى الروائي إلى طروح وأسئلة، تكتشف مناطق واعية في الذاكرة الإنسانية، بل تحاول -كذلك- إعادة رسم الخريطة الفكرية للوجود، وربطها بالواقع، ليس لإعادة تنظيم ذاكرة الراوي وعلاقاتها بالوجود؛ ولكن لإعادة تنظيم الواقع وعلاقاته بالوجود، ومن هنا ينتج الوعي لدى الروائي من فهمه لذاكرة هذا الوجود من ناحية، وفهمه للتاريخ والواقع واستبطان الواقع وما يدل على ذلك من رموز.
لا نقول إن الروائي يكتشفها، بل هي موجودة، وما يفعله الروائي مجرد عملية إزاحة فنية عن أشكال وقيم وإمكانات تتصل بكل عناصر الحكاية، كما تتصل بذاكرة الراوي المعاصر وتنظيمه للمادة التي يتعامل معها. وعلى هذا الأساس تتعدد وجهات النظر داخل الرواية، كما تتعدد الرؤى والمداخل التي يمكن النفاذ منها للنص الأدبي الذي يصبح -بدوره- كائناً مستقلاً يحتفي بقوانين فنية خاصة، تتعالى -في كثير من الأحيان- على عناصر وقواعد النوع الأدبي الذي يمثله.
من هنا يمكن الدخول إلى العالم الكثيف الذي تمثله رواية >أثر شرقي< للقاص، محمد علي الباشا، وهي -من عنوانها وتقسيماتها- توحي بذلك الإسقاط المباشر على عالم الشرق الغني بانتصاراته وانكساراته، ورموزه وأحلامه وطقوسه الظاهرة والخفية وتناقضاته المأساوية، التي لم تؤثر فقط على حياة ساكنيه، وإنما امتد أثر الشرق على الكون كله. فبداية من الإهداء والعناوين التي اختارها لفصوله >السبر الأول - الثاني - الثالث< وليس لهذا أي أثر فني يذكر على النص، كذلك النصوص التي اختارها تومي -كما تشير فقرة >جان فيكتور<- إلى ذلك النوع من السرد القائم على الحالة الوسط بين >الحضور والتغييب<.
بين قراءة الرمز التاريخي، وفهم الواقع، ومحاولة الربط بين التاريخ والواقع في نوع من التناص المتداخل الذي لا يحفل بعناصر القص ولا بقوانين الحكاية.
2- الرمز والحالة
الرواية سرد يقف بين اللغة التراثية واللغة المعاصرة، كما تشير دلالات الألفاظ والرموز والأسماء التي اختارها المؤلف. سرد لا يمكن أن تصل من خلاله إلى منطق فني يعتمد عليه المتلقي في ربط أحداث، أو أفعال حكائية داخل النص، ولذلك محدد، كما يستعصي النص على التوصيف الحكائي؛ لأن اللغة تخلو من الإشارات أو الروابط التي تعين على وجود حكائية واضحة، وكأن الراوي أراد أن يرمي بكل إيحاءات ومدلولات كلمة >أثر< على النص، فالأثر لا يمكن أن يعطي رؤية شاملة للحالة، أو الموقف الذي ينحدر منه، كما لا يعطي الإشارات كاملة، فدائماً ما تكون الآثار لا تدل دلالة كاملة -أيضاً- على صاحبها، ودائماً كذلك هناك أشياء مطموسة تتجاور مع الأشياء الظاهرة، لكي يكون هناك ما يمكن أن نطلق عليه >المسكوت عنه< في التاريخ والواقع، وحتى في الأحداث التي يعاصرها الفرد، وجاءت إشارات المؤلف نفسه غامضة إلى درجة يستفز به المتلقي وهو يتحدث عن النظريات التي تفسر هذا الأثر:
النظرية الأولى: أن محتوى هذا الأثر وقع سنة 83 واختبأ في نفوس الناس.
النظرية الثانية: أنه وقع قبل الهجوع الثاني للملكة >ماب< الجنيَّة التي تسيطر على أحلام الرجال، ولا تزال أحداثه وردود فعله مستمرة.
النظرية الثالثة: أن العالم موعود به ولم يرَ النور بعد(2).
أما العهد وهو السبر الثالث، فهو الحالة التي تتمثل في النص الخارج من مدلول كلمة >أثر< ليتعدى هذا المفهوم أيضاً، وتصبح الحكائية التي يجب أن يتوقعها المتلقي مجرد ظلال ورموز، وتحل محلها اللغة الواصفة الخالية من الأحداث، وإن داخلها ذكر الشخصيات والإشارات الحكائية، فهم يخدم مفاهيم قارة في ذاكرة الروائي لا يمكن الأفصاح عنه بسهولة، ولنأخذ مثالاً على هذه الإشارة الحكائية التي تتضافر مع السرد لإنتاج الحالة الذهنية الرمزية التي يريد المؤلف وضعنا فيها:
>أيها السادة الكرام، يطيب لي أن أحكي لكم
من بطلنا الهمام، فارس الحرب والسلام
ومن حارب بالسيف ورشق بالسهام، هابته الأعاظم،
وجزرت من أجله الجماجم، الذي ساقه القدر،
يتفيء الحجر والمدر، لنراه...
... جاث، والفيء القمري ينسرد من حوله،
محتف بجسد ترابي، تداعبه أنامله، يبكي مغمغما
(قتلوك وما عرفوك، على الدنيا بعدك العفا).. شخصان
ينظران من وراء أحد الأسوار، تخامرهما الريبة، وسط
نظرات شرهة، تنغرز في الرجل، تعد حتى حبيبات
الرمل المتناثر بين أصابعه، تساءلاً فيما بينهما..
ترى من يكون؟ ألا يخاف الشرطة؟ أم إنه من
عيون هامان القاروني؟ لكن كفن موسى يفوق
سعره الألف دينار، وقوت المجالس يلاك بأن
الأرض تلفظ موتاها كيوم ولدتهم أمهاتهم.. أتراه؟!
جلد الأرض المتعري يسبق خطاهما نحوه، ممتطين الهويني
والحذر، نحيبهما يتصل بأسماعهما >أبتاه< حفيف
أقدامهما يدب في أذن الرجل..<(3).
منولوج خارجي طويل يحاول هذا النص أن يؤديه بصيغة الراوي العلم >الواصف< الذي يتنصل من فاعلية اللغة الأولى، وهي التوصيل المنطقي للمعنى، والولوج إلى ما يشبه عالم الأحلام. ملاحظات واعية للوجود والواقع، مع محاولة ربط هذه المحاولات بمعادلات موضوعية من الشخصيات التاريخية والتناصات المتعددة(4).
وهو بذلك (أي المؤلف) يقع في مفارقة بين مدلولات كلمة >أثر< وبين ما قدمه في العهد (السبر الثالث)، إذْ قدّم مواقف -من الناحية الشكلية- كاملة، وقدم توصيفات -من الناحية الظاهرية- منسجمة، وهذا يتعارض مع خصائص >الأثر<.. على الأقل من الناحية الموضوعية، إلا إذا أراد أن يحول الواقع -من خلال فعل السرد- إلى أثر، وأن يوقع المتلقي، في أتون بحر من السخرية، بكونه يحيل هذا العالم الشرقي إلى أثر، وكأننا غير موجودين، أو تحولنا كلنا إلى >أثر شرقي<.
3- الشخصيات بين التناص والواقع
هناك الكثير من الشخصيات في النص تحتفي بدلالات قديمة جديدة، وتراثية موحية في آن واحد مثل:
- ابن كثير الحواس.
- هامان القاروني.
- ميمون.
- الوزير ابن يقطين.
- الفارس ذو العباءة الحمراء.
وهي رموز دالة على حالة الانكسار التي يعيشها المجتمع العربي، والتي يعبر عنها النص من خلال احتفائه بالزمان والمكان (الغائبين، الموجودين) فكل زمن يصلح أن يكون هو الزمن التأسيسي للنص، وكل مكان يمكن أن يكون (بغداد - القدس - القاهرة) بالإضافة إلى الكثير من الأسماء العربية التي تحيل إلى دلالات تناصية تنسجم مع واقع النص (سكينة - العباس - أكثم بن أبي صغرة) وهي فاعلة في مدى قصير يقع بين الأناشيد الشعبية التي يسوقها المؤلف -وتخدم الحالة الأصلية- وغير فاعلة في السياق العام، بمعنى أنها واقعة تحت طائلة الحالة التي رسمها المؤلف، فكل الشخصيات منكسرة أو هي في طريقها للانكسار، أو طاغية طغياناً يؤدي إلى الانكسار.
تكثر بشكل لافت التناصات التي تصور الطغيان، وهو طغيان الحالة التي أراد المؤلف أن يقدم هذا المنولوج الطويل عنها:
>تسع آيات والماء يصورها طوداً عظيماً، أغرى
اللاحقين بالخائفين فأغرقهم، وابن الماء على الماء
يناجي بحمد السماء على إنقاذ شعبه، وكأن للماء
في حياته سراً عظيماً، بالأمس كانت حياته رهينة
بسلة تتقاذفها الأمواج، واليوم حياة شعبه رهينة
بأن ينفلق له البحر عن طريق يابس إلا من الضحاضيح
التي وشمت أرجل الأفاقين شاهداً وحُجّة عليهم
آن عبادة العجل بعد برهة من النجاة(5).
إن هذا السرد يصلح للقصائد الملحمية التي تضفر التاريخ بالواقع بالرؤى الحلمية بمنطق الوعي واللاوعي الذي يعتمد على ذاكرة مليئة بالكثير من الأحداث والرموز والحالات والشخصيات التي تشير إلى ضياع هوية الإنسان أمام بئر عميق يسمى وجوداً عربياً لا نقف فيه على شيء ولا يحيل فيه شيء إلى شيء، هذه سمة >الأثر الشرقي< الفعل من الشخصية الواحدة لا يحيل إلى فعل من الذات نفسها، والجمل السردية لا تحمل منطق الرواية، بل تحمل منطق الشعر السردي الملحمي، الذي لا يبوح بكل شيء، وإنما بالإشارات، وفي رأيي أن المؤلف قصد من ذلك إلى:
1- الإحالة إلى حالة الغياب العربية بهذا النوع من السرد القائم على التماهي بين إنجازات وتاريخ الرواية.
2- تتعدى الرواية منطق التناص، وتجعل منه لوحات متداخلة لا تحيل إلا على ما تمثله من قيم تصورية تحتفي ببلاغة الموقف القصير.
3- التصورات التي يقدمها النص تصورات تنتمي لروح الشعر، باعتبار حالة التكثيف التي اعتمد عليها من جلب معطيات دلالية تحتفي بالمشاعر ولا تحيل، مباشرة، على مواقف إنسانية تنتمي للسرد.
4- التجريب السردي غلب على روح الرواية وخرج بها عن المسار الذي يؤهلها للتأثير في المتلقي.
ومن هنا يمكن أن نقول: إن الرواية مهما تذرعت بالفنّ وقوانينه، لابد أن تترك مساحة زمانية ومكانية يتنفس بها النص والمتلقي في آن واحد، وبدون هذه المساحة يحيل النص إلى قوانين تتعالى حتى على وجود الإنسان، ولذلك فإن العصر يحتاج إلى المواجهة الصارمة التي تدعو إلى الالتزام بقواعد الفن.
الهوامش:
(1) ميلان كونديرا، ترجمة بدر الدين عرودكى، المجلس الأعلى للثقافة، 2001م، ص33.
(2) محمد علي الباشا، أثر شرقي، بيروت، ط2003م، ص14.
(3) المصدر السابق، ص21.
(4) مارسيل مارين، النقد التحليلي النفسي، ت. د. رضوان ظاظا، (مدخل إلى مناهج النقد الأدبي) عالم المعرفة، 1997، ص86.
(5) الرواية، ص75.

 

شاعر وناقد، مصر.
323531