وقفات مع ديوان (ربّما أمل)
للشاعر سعود الفرج
عقيل بن ناجي المسكين * - 2 / 11 / 2007م - 3:55 ص - العدد (47)

صدر هذا الديوان بطبعته الأولى 1427هـ، 2006م عن دار أطياف للنشر والتوزيع بمدينة القطيف شرق المملكة العربية السعودية، للشاعر سعود الفرج، وهو من الشعراء والكتّاب السعوديين، وقد صدر له من الكتب (شعراء مبدعون من الجزيرة والخليج)، وكتاب (شاعرات معاصرات من الجزيرة والخليج) أما من الشعر فديوان (بوح الشعور)، وإصداره الجديد هذا الذي بين أيدينا وهو ديوان: (ربَّما أمل)، وقد احتوى على سبعٍ وأربعين قصيدةً، بعضها جاء عموديًّا، وبعضها جاء من شعر التفعيلة، وتوزَّعت موضوعاتها بين العاطفي والوطني والاجتماعي والوصف، والإخوانيات، وما ينتمي لشعر الرحلات، وفي بعض القصائد ضمّت المضامين السياسية بشيء من التأملات في الواقع التي تعيشه الأمة، وفي جميع قصائد الشاعر تتضح النزعة الإنسانية، ولاسيما وقد بدأ ديوانه بكلمة يقول فيها: “ الخاطرة والشعر تعبير إنساني تشترك فيه البشرية جمعاء”.
 كما أنّ الشاعر يعتزُّ، أيما اعتزازٍ، بالشعر، ويعتبره معيناً لا ينضب كما قال في أوّل الديوان:
ربما تختنق الأصواتُ من بعد الظهورِ
ربما لا تَفضحُ الناسُ بها عمقَ الشعورِ
ربما لا تُرسل الزهرةُ نفحاً من عطورِ
إنما لا ينضبُ الشعرُ على مرِّ العصورِ
وهذا المعنى صحيح بموجب مقاييس الكم، أما بمقاييس الإبداع فإن المتخصصين من الأدباء، والنقاد المتشددين لهم الكثير من الشروط، والقيود على الشعر لا أعلم هل أنزل الله بها سلطاناً أم لا.
وبتصفح هذا الديوان سيلاحظ المتلقي أن الشاعر أكثر فيه من الاتجاه العاطفي، والغزلي، وهذا ربما يكون دليلاً على أن الشاعر له ارتباط وثيق بالمضمون العاطفي والغزلي على المستوى الشخصي، مما انعكس بشكل واضح على إبداعه الشعري، ولا أعلم هل إن الشاعر كانت له تجارب حقيقية في الحب والغزل أم إن خياله الخصب هو الذي أمدّه بذلك، حيث أورد الشاعر في هذا الجانب خمس عشرة قصيدة، ثم يأتي الشعر الوجداني والتأملي في المرتبة الثانية حيث أورد الشاعر في هذا الجانب أثنتي عشرة قصيدة، وفي المرتبة الثالثة يأتي الاتجاه السياسي حيث أورد فيه سبع قصائد، ثم الاتجاه الاجتماعي حيث أورد خمس قصائد، وبعده الرحلات حيث أورد فيه خمس قصائد أيضاً بعضها قصير، ثم الوطنيات قصيدتان، وفي المرتبة الأخيرة الخمريات حيث أورد قصيدة واحدة فقط، وكأنه جاء بها على استحياء، رغم أنّ المتلقي الواعي والناقد يمكنهما تأويل هذا المنوال الشعري بألف تأويل آخر، ولا يمكن حمله على الحقيقة، ولاسيما من يعرف سلوك الشاعر وبعده عن تعاطي هذا المنكر، والجدير بالذكر أن هذه المضامين قد تتداخل على مستوى النص الواحد، وجاء هذا التقسيم للقصائد على أساس البروز الواضح، والجلي للمضمون المحدد دون غيره.
ومن نماذج الشعر العاطفي والغزلي قوله في قصيدة (نفحة من طيوب):
ويسكرني فيكِ هذا الجمالْ
وهذا الحياءُ وهذا الدلالْ
تخدّرني نفحةٌ من طيوبٍ
فأرشفُ منها الهوى والزلالْ
إنه تعبيرٌ يحمل في طيّاته تأثيرات حسّية تَبهرُ الشاعر، فالجمال والطيوب أشياء مادية حسّية بصفتها الظاهرية، كما تحمل الصورة تأثيرات معنوية تبهر الشاعر أيضاً كالحياء والدلال رغم أن لها انعكاسات حركية على قسمات الوجه ونظرات العيون، وهو أسلوبٌ دقيقٌ في إيصال الصورة التي ينشدها الشاعر للمتلقي.
أما من تأملاته ووجدانياته قوله في قصيدة (هذا العنا):
أرى البحر بزرقتهِ
كسماءٍ صافيةٍ
تتناثرُ فيها الغيومْ
أقف صامتاً
أمام هديرِ أمواجِهِ
مُطلاً من نافذتي الموحشةِ
عبرَ إطارِها الثابت
أتتْ من هناكَ
تجذبني نفحةٌ
فيرتجفُ قلبي سراً
حتى ليكادُ أن يخطفها
ويضع حدًّا لهذا العنا، المتسربلِ
في غابةِ جسدي
يُلاحظ الدمج، هنا، بين مظاهر الطبيعة واحتداماته النفسية في صورة وجدانية، وقد أعطى الشاعر لهذه الصورة حركة استمدها من صوت الموج ونفحات البحر، وكأنّه يقارب بين حركة النفس وما يجول فيها من الهواجس وما يشعر به من العناء وبين تلك الحركة الطبيعية في البحر وهدير أمواجه وصوت نفحاته ونسماته. ومن شعره السياسي قوله في قصيدة (البوصلة):
عندما ألقي نظرةً
على خارطةِ العالم،
وأجوسُ ربوعها
يشدّني شعب (الميكادو)
و (بان كو) العظيم
عندها ترتفع البوصلةُ
وتتألق
وعندما ترتدُّ قاقلةً
إلى حدودنا العربية
تشهقُ غَرَقا
والشاعر بهذه اللفتة أو الشّظية السياسية، ربما يورد مقارنة بين ما وصلت إليه بعض الدول الآسيوية ناهيك عن دول أوروبا وأمريكا، من التطوّر الحضاري بمختلف مستوياته الإنسانية، وعندما يعود الشاعر إلى الدول العربية يجدها في قاع الحضيض، ولكن الشاعر جاء بهذه الحقيقة بالاسلوب الرمزي، حيث وظّف البوصلة لتقول هي هذه الحقيقة.
 أما في الاجتماعيات فنمثل لها بقصيدة (المرأة المتميزة) التي يمكن تصنيفها ضمن الشعر العائلي أو الأسَرِي، وقد أهداها الشاعر إلى مصدر إلهامه زوجته الفاضلة زكية بنت منصور آل الشيخ، ويقول في بدايتها:
جاءت زكيةُ تزدهي
شوقاً بأنغامِ النشيدْ
نشوى بأمجادِ الوطنْ
في يومِ عيدْ
من حولِها الأترابُ
يُرسلنَ التهاني
ويرَونَها رمزاً لتحقيقِ الأماني
وبمثل هذا الشعر الأسَري الاجتماعي يمكن للشاعر أن يُبحر في كثيرٍ من المعاني والصّور، ولكن البعض من الشعراء قد يحجمون عن ذلك على اعتبار أنها حياة شخصية لا يودون إقحامها في الشعر، ولكن أكثر الشعراء أيضاً أبدعوا في هذا الجانب مثل الشاعر نزار قباني في قصيدته الشهيرة (بلقيس)، وبعض لفتات الجواهري في إحدى قصائده التي يتحدث فيها عن المرأة، وشاعرنا الفرج يتحدث هنا عن شريكة حياته بمعانٍ إنسانية لا دخل للغزل الحسي فيها، لأنه أراد أن يعكس صورة عن إنسانيةِ شريكة دربه وطريقتها المثلى في الحياة باعتناق الأمل والتفاؤل وتحقيق الأمنيات.
وفي الرحلات نمثل بقصيدته (أوال) التي قال من ضمنها:
يا ليلةَ السّيفِ هل لا زلتِ فاتنةً
حققتِ حلماً عصيًّا هامَ في سمَرِ
وكم تغنّى بليلِ الحبِّ مربَعُنا
فمرَّ بي ألفُ صيفٍ حنَّ للمطرِ
والشاعر هنا يتحدث عن إحدى ليالي السّمر التي يستجمّ فيها الإنسان – أي إنسان – من هموم الحياة ومرارة الواقع، وجزيرة أوال (البحرين) بشكل عام لها من الجمال ما لها، وقد مال الشاعر في هذه القصيدة إلى بعض الوصف، أما في هذين البيتين فهما يفسّران تفسيرات كثيرة والمعنى الحقيقي كما يقولون: (في قلب الشاعر)، إلا أن مفاتيح الصورة واضحة في دلالات الكلمات التالية (ليلة – حققتِ حلماً عصيًّا – سمرِ – ليل الحب)، والله العالم.
وفي الوطنيات كانت قصيدة (بلدي) أقرب إلى الوجدان – في رأيي – من أي قصيدة وطنية أخرى للشاعر لأنه يعكس حقيقة يشعر بها الجميع، حيث يقول من ضمنها:
بلدي وهذا أفقها يتجدّدُ
بلدٌ بها راحَ الزمانُ يمجّدُ
ويسترسل إلى أن يقول:
هذي بلادي والجميعُ يُحبّها
لكأنها فوق الزمانِ الفرقدُ
كلّ الحضاراتِ التي في عصرنا
لولا كنوزُ تُرابِها لا تصمدُ
والبيت الأخير يقرر حقيقة تثبتها الأرقام والإحصائيات قبل أن يثبتها الشاعر في قصيدته بأكثر من نصف قرن.

وأخيراً نمثل بهذه الأبيات من خمريته (معاناة) التي قال فيها:
قلتُ يا هذا اسقنيها دونَ مَزجٍ
هاتها قبل فواتٍ
إنه الصبحُ أتانا
هتكَ الصبحُ صباها والعطبْ
لا أرى السلوة إلا خمرةً
هي دائي واللهبْ
قال لي الصاحب: يا هذا، حرامٌ
قلتُ: أدري، إنها عارٌ ونارٌ
إنما يا سيدي لا أستيطعُ العيشَ
من دونِ نخبٍ
فلقد جرّعني السادةُ كاساتِ العنا
قد حجروا عني هاتافات الخُطَبْ

ولا تخلو هذه الخمرية من الإسقاطات على الواقع المرّ الذي تعيشة الأمة، بحيث يصبح الفرد في وادٍ كلّه يأس وهروب، وأصحاب القرار في وادٍ آخر، فالخمر هنا رمزٌ واضح لليأس والهروب من هذا الواقع المرّ بدليل قول الشاعر: (فلقد جرّعني السادة كاسات العنا.. قد حجروا عني هتافات الخطب).

 

عضو هيئة التحرير
323558