الأديـــب والقلـــق
مبارك بوبشيت * - 2 / 11 / 2007م - 4:00 ص - العدد (47)

غريب أمر الأديب؛ إنه في حالة توتر دائم، وذلك لأنه يتطلع دوماً إلى مُثُلٍ اجتماعية عُلْيا، وهذا التطلع بجعله في حالة عدم اتزان، وبالتالي يكون، على مدار الساعة، قلقاً متشوِّقاً إلى ما في خياله من عالم أفضل؛ فتتحفَّز لديه الموهبة، وتتراكض الدماء في شرايينه وأوردته، واضعة إيَّاه تحت ضغوط حضارية، وواقعية، ومستقبلية، تثمر أدباً طموحاً ينظر إلى المستقبل بعين التفاؤل، وينظر إلى الحاضر بعدم الرضا. توقفت، كثيراً، عند جملة قرأتها لأحد أدباء العربية يقول فيها: «إن الفنان هو الشخصية التي تحاول تعديل مسار الحضارة، لتعودَ بها إلى جادة الصواب، وأن تعدل من سلوك أبناء الحضارة الذين لا يتوانون عن تشويه وجه الطبيعة بما يستحدثونه من أشياءَ ومخترعات تفسد جمال الطبيعة». إذن؛ فالأديب ليس إنساناً عاديًّا؛ لأن سلوكه ليس عاديًّا بسبب ذلك الطموح الذي يجعله لا يرضى بواقعه، ويؤمن إيماناً قاطعاً بأنه بالإمكان أفضل مما كان.
الأديب - بموهبته وذهنيته المتوهجة - تؤلمه حالتان في المجتمع؛ حالة الجوانب السلبية، أو المظلمة، أو الهدامة التي لو أهملت لقضت على المجتمع، والحالة الثانية هي أن الإنسان لديه طاقة، وطاقة متجدِّدة بإمكانه، بواسطتها، أن يتجاوز واقعه، ويرتقي أكثر من درجة، في سلم الصعود الإنساني نحو الكمال.
إنه يؤمن بالتغيير، دوماً، نحو الأفضل، ولا يرى ما حققه هو أو مجتمعه إلا وسيلة، أو خطوة، نحو مستقبل أرقى وأفضل، حتى أوصلت مثل هذه الظاهرة عند الكثير من الفنانين إلى عدم الرضا عما سبق أن تعبوا في إنتاجه.
ورد في بعض الآثار أن رساماً وقَف أمام رسمه يوماً وبكى بكاءً مُرًّا بمجرد أن وضع عدة عمله جانباً وراح يتأمل عمله. بكى، ولما سأله أحد تلامذته عن سبب بكائه قال: «لقد انتهيت. لقد وصلت إلى خط النهاية من فني، ولذا أعتبر هذا إيذاناً بنهاية حياتي»، فانتفض تلميذه هلعاً وقال: «لماذا؟ قال الفنان: لقد أعجبتني الصورة إلى حدٍّ كبير، ومعنى ذلك أنني لن أستطيع أن أبدع خيراً منها، ومعنى ذلك النهاية.
عزيزي القارئ...
الطموح والموهبة طاقتان متجددتان فمتى ما أعجِبت بنفسك فاعلم أن هذه الطاقة قد أعطت ما عندها، وبدأت في التلاشي، وبالتالي فاقرأ على نفسك السلام.. والسلام.

 

* كاتب
216906