اللهجات المحلية في الخليج (اللهجة في القطيف مثالا) (15)
السيد شبر علوي القصاب * - 2 / 11 / 2007م - 2:47 م - العدد (37)

الظروف
وهي في اللهجة قسمان: ظرف زمان، وظرف مكان كما هو شأنهما في اللغة، وأكثر الألفاظ الموجودة في الثانية موجودة في الأولى إلا قليلاً منها قد ناب عنها ألفاظ أخر، وبعض سقط من التداول، وبعض اختصت به الأولى دون الثانية.
 ومن ظروف الزمان في اللهجة: (حِينْ)، و(أَبَدْ)، و(وَقْتْ)، و(سَنَهْ)، و(شَهُِرْ)، و(سَبُوعْ) (إسبوع)(1)، و(يَُومْ)، و(لَِيلَهْ)، و(سَاعَهْ)، و(دَقيقهْ)، و(لَحْضَهْ) (لَحْظَهْ)، و(مُدَّهْ)، و(شَهْبُوبْ) (فترة قصيرة)، وأصله: شُؤبوب ويعني في الأصل: الدفعة من المطر، و(الْقَِيضْ) (القَِيظْ) (الصيف)، و(لِشْتَا) (الشتاء)، و(قبِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِْلْ)، وعكسه: (عُگُْبْ)، وهما أصلاً ساكنا الوسط، ويحرك الأول بالكسر، والثاني بالضم في حالة الوقوف على آخرهما بالسكون، ومنها: (لَِينْ)، و(لَمَّا)، و(إِدَا)، و(حَزَّهْ)، والحزة: الوقت، والحين، ومنه قول ساعدة بن العجلان الهذلي:
ورميت فوق ملاءة محبوكة
وأبنت للأشـهاد حزة أدعي(2)
ومنها: (الْبَارْحَهْ) ويعني: الليلة السابقة كما هو في اللغة، وبعض أبناء هذا الجيل يسقطون علامة التأنيث، فيقولون: (اِلْبَارِحْ) تأثراً بلفظ (امْبَارِحْ) المصري لظنهم أن الأول لهجة ركيكة، و(بَارْحَةْ أَمْسْ)، ومثله: (بَارْحَةْ لُولَىْ) وأصلها: الليلة البارحة الأولى، أي: الليلة قبل ليلتك بليلتين، حذف منها الموصوف، و(أل) التعريف من (البارحة)، وألف وهمزة الصفة (الأولى) للتخفيف فصار: (بَارْحَةْ لُولَىْ)، ومنها: (أَوَّلْ أَمْسْ)، وقد ينطق بصورة (أَوَّلَمْسَ): اليوم الذي قبل أمس، و(أَوَّلْ أَوَّلْ أَمْسْ): ما قبل يومك بيومين، ومنها: (صُبْحْ)، و(ضْحَى)، و(ضُْهُرْ) (ظهر)، و(عَصُرْ)، و(شَبَّةِ الشَّمْسْ): وقت الهاجرة، وهو الوقت الذي تتوسط فيه الشمس في كبد السماء، وتتوهج أشعتها، ويشتد حرها، و(ضَبَّةْ الْمُغْرُبُ): بداية حلول الظلام، ويراد به أول وقت المغرب، و(عْصَِيرْ مَاسِيِ (مْسَيَّانْ): وقت الأصيل، و(لِسْلُومْ) (السِّلُومْ): وقت غروب الشمس.
كما استعملوا (مِنْ) الجارة للزمان بدلاً عن (منذ)، و(مذ)، وقد سبق أن أشرت في الحلقة السابقة أن أهل اللهجة في هذه الناحية يتبعون مذهب أهل الكوفة الذين ذهبوا إلى أنه يجوز استعمال (مِنْ) الجارة في الزمان، كما يجوز استعمالها في المكان، ويدخل في هذا الباب قولهم: (مِنَ الْحِينْ وْرَايِِحْ) أي: من الآن فصاعداً، واتخذوا من اللفظ (تَالِيْ) ظرف زمان في مقام: في ما بعد، أو للآخر، نحو: (خَلِّهْ لَتَالِيْ)، وهو في اللغة لا يبعد عن هذا المعنى، فالتالي هو: الآتي بعد سابقه، وتَوالي كلِّ شيء: آخره(3)، وقد يأتي مضافاً إلى ظرف زمان فيكون نائب ظرف، نحو: (تَالِيْ اللََِّيلْ) بمعنى: آخره، ومنها (آخَرْ اِلْعَدَّهْ)، و(آخْرَتْهَا) أي: آخر الأمر، ونهايته.
أما ظروف الزمان المضافة إلى (إذٍ) الظرفية مثل: (وقتئذٍ)، و(ساعتئذٍ)، و(حنيئذٍ)، و(يومئذٍ) فتنوب عنها الظروف المضافة إلى ضمير الغائبة (ها) مثل: (وَقِتْهَا)، و(حَزَّتْهَا)، و(سَاعَتْهَا)، و(حِينَتْهَا)، و(يَُومْهَا)، أو المشار إليها باسم الإشارة (دِيكْ) (ذَاكْ)، نحو: (دِيكِ السَّاعْ)، و(دِيكَ الْحِينْ)، و(دِيكِ الْحَزَّهْ)، أما (أحياناً) فتنوب عنه: (سَاعَاتْ)، والأصل: بعض الساعات، نحو: (سَاعَاتْ يْمُرْ عَلَِينَا).
ومن ظروف الزمان التي تولدت في اللهجة بالتحوير، والتخصيص: (الْعَامْ)، أو (اللَّعَامْ) حذفت الصفة (الفائت)، أو (الماضي) لكونها معروفة، وبقي الموصوف، وانصرف في اللهجة للدلالة على العام الفائت، أو الماضي، وبقي على صورته هذه في لهجة ذوي الانتماء القبلي، وحذفت ألف أل التعريف منه، وأدخلت لامها في بنية الكلمة فصارت: (لَعَامْ)، لذا تضاف إليها أل تعريف جديدة لمعاملته معاملة النكرة في لهجة البقية فصار: (اللَّعَامْ)، ومنها: (أَوَّلْ اللَّعَامْ)، أو (أَوَّلْ الْعَامْ)، ومن ذوي الانتماء القبلي من يقول: (أَوَّلْةِ اِلْعَامْ)، بتأنيث (أول)، ويقصد بها السنة، أو العام الذي قبل العام الذي أنت فيه بسنتين، ومنها: (بَاچُِرْ) بمعنى: (غداً)، وهو في الأصل: (باكر)، أو الباكر صفة للصباح، ثم صرف عن معناه الأصلي ليعني اليوم الذي يأتي بعد يومك مباشرة، ومنه قولهم السائر: (كِلْ رِزْگْ الْيَُومْ وُْرِزْگْ بَاچُِرْ عَلَى اللهْ)، وقيل لليلة الآتية: (لَِيلَةْ بَاچُرْ)، وفي بعض النواحي كالآجام مثلاً يقولون: (غَدَا)، و(لَيلَةْ غَدَا) بدون تنوين، وهو (غداً) دخلت الألف المبدلة من التنوين للوقف في بنية الكلمة فصار (غَدَا)، ومنها: (كِلِّشْ)، وهو منحوت من: (كل شيء) ويعني: أبداً، أو للغاية، و(حَِيفْ) في لهجة الغالبية، ويعني: (في الحال)، أو (حالاً)، أو (الآن)، فيكون معنى (حَِيفِهْ جَايْ (يَايْ): لحينه، وساعته، أو الآن قد أتى، وعادة ما يلزم الإضافة إلى الضمائر المتصلة فيقال: (حَِيفْنِيْ)، أو (حَِيفِيْ)، و(حَِيفْنَا)، و(حَِيفْكمْ)، و(حَِيفِهْ) إلخ... ويشذ أن يضاف إلى الاسم الظاهر، والضمير المنفصل، فلا يقال: (حَِيفْ الْوَلَدْ جَايْ)، أو (حَِيفْ هُوْ جَايْ) (يَايْ)، كما يلزم أن يأتي بعد الضمير المضاف إليه اسم فاعل دائماً، ومن المحتمل جداً أن أصله: (حيث) وأبدلت الفاء بالثاء، وصرف من كونه ظرف مكان إلى ظرف زمان بمعنى: الآن، أو قريباً، قال الزبيدي في تاج العروس: حَيْثُ: كَلِمَةٌ دالَّةٌ على المَكَانِ؛ لأَنّه ظَرفٌ في الأَمْكِنَةِ، “كحِين في الزَّمانِ” وهو مَذْهَبُ الجُمْهُور، وحَكَى عليه جماعَةٌ الاتّفَاقَ، قال شيخُنَا: وقد خالَفَ الأَخفشُ، فادّعى أَنها تأْتِي وتَرِدُ للزّمَانِ، وأَقوى شاهِدٍ على دَلالَتِهَا على الزّمَان قوله:
حَيْثُما تَسْتَقِمْ يُقَدِّرْ لَكَ اللهُ
نَجَاحاً في غَابِرِ الأَزْمَانِ(4)
ويردافه (تَوْ)، والتَّوَّة في اللغة: الساعة من الزمان، وفي حديث الشعبي: ((فما مضت إِلاَّ تَوَّةٌ حتى قام الأَحَنفُ من مجلسه) )، أَي: ساعة واحدة، فيكون معنى (لتوه) أي: لساعته بمعنى لحينه، وقد يكون من قولهم: (جاء تَوّاً أَي: فَرْداً، أو إذا هو جاء قاصداً لا يُعَرِّجه شيء)(5)، ثم انصرف إلى هذا المعنى، وعادة ما يأتي بصورة المضاف إلى الضمائر المتصلة، ومنه الشعر المشهور المغنى في الكويت:
تَوْنِيْ عَرَفْتِكْ زَِينْ
تِلْعَبْ عَلَى الْحَبْلَِينْ
لكنك قد تسمعه مضافاً إلى اسم ظاهر، نحو: (تَوِّ النَّاسْ)، وذوو الانتماء القبلي لا يستعملون الظرف الأول (حيف)، وإنما يستعملون الظرف الثاني (تو)، وفي بعض النواحي كالقديح يستعملون الدأب الذي بمعنى: الشأن والديدن كظرف يعطي هذا المعنى، وسمعت أحدهم يقول: (دَابِهْ جَا) أي: لحينه قد أتى.
والظروف (بَعدْ)، و(حَِيفْ)، و(تَوْ) قد تلحقها نون الوقاية مع ضمير المتكلم فيقال: (بَعَدْنِيْ)، و(حَِيفْنِيْ)، و(تَوْنِيْ)، كما يقال: (بَعْدِيْ)، (حَِيفِيْ)، و(تَوِّيْ)، كما تقدم في الحلقة السابقة، وهذه ظاهرة عامة.
ومن الظروف التي لحقتها (ما) المصدرية، التي بمعنى: (أن): (گَبِلْمَا)، ومنه قول الشاعر علي عبد الله خليفة من البحرين: (گَبِلْمَا لِرْطَبْ يْخَلُّصْ)، و(عُگُبْمَا)، و(بَعَدْمَا)، أما التي لحقتها (ما) الزائدة فمنها: (بَِينْمَا)، و(عِنْدْمَا) وينوب عنه في بعض الأحيان (لَِيمِنْ) التي أصلها (إلى من) بمعنى: إذا ما، ومنه قول الشاعر حسن خلف المرهون من أم الحمام:
وْيِأْنَسِ الْمُعْرِسْ إِلَى مِنْ تِسْأَلِهْ
مِبْتِسِمْ ثَغْرُهْ دَوَامْ تْحَصِّلِهْ
وقد يستعمل بدلاً عنه الظرف: (يوم)، وهذا الاستعمال متواتر في اللغة، وشواهده في القرآن الكريم كثيرة، ومنها قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيِبُونَ بِحَمْدِهِ(6)، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا(7)، أي: عندما، وقد ينوب عنه: (وقت)، و(حَزَّة) يأتي بعدهما فعل مضارع مسبوق بـ(ما) المصدرية الظرفية، نحو: (وَقْتْ (حَزَّة) مَا يِحْتَاجُوهْ)، أي: عندما يحتاجونه، وأما (طالما) فتقوم مقامه (يَامَا) التي قد تكرر للدلالة على الدوام، والاستمرار، فيقال: (يَامَا وُْيامَا)، ومنه قول الشاعر: (يَامَا بَدَلْتُوا بْسَلْوَاكُمْ وِلِيْ مِنِّكُمْ)، أو (چَمْ) (كم) الخبرية المكررة، أي: بصورة (چَمْ وُْچَمْ)، ولابد من تكرارها لتعطي هذا المعنى، ومنه قول الشاعر حسن خلف المرهون من أم الحمام:
چَمْ وُْچَمْ الدِّنْيا رَاوَتْنَا العِبَرْ
عِبَرْ عِدْنَا وْلِلأَسَفْ مَا نِعْتِبُرْ
وهذه المجموعة المنتهية بـ(ما) لا يلحقها إلا فعل أو ضمير منفصل.
ومن ألفاظ ظرف الزمان المحدثة: (بُكْرَهْ)، و(بَعْدَِينْ)، الداخلان عن طريق اللهجة المصرية، والشامية، وقد غدا الأول منهما مرادفاً، ومنافساً لـ(بَاچُِرْ)، و(غدا) المتقدمين، بينما هو في أصل اللغة يعني: أول النهار، وأما الثاني فلعل أصله اللفظ (بَعْد) المنون بالفتح، أي: (بعداً) لنصبه على الظرفية، ومنه قول الشاعر:
ونحن قتلنا الأسد أُسدَ خَفيِّةٍ
فما شربوا بَعْداً على لذة خمرا(8)
أميلت فتحة الدال نحو الكسرة، ومطلت فصارت ياءً، وحسب التنوين نوناً ساكنة إذ لا فرق بينهما إلا في الكتابة فصار (بَعْدَِينْ)؛ ويرادف حالياً (تالي) المتقدم.
ومن ظروف الزمان التي تولدت عن طريق الألفاظ المتجانسة: (گَِيضْ الگَيَّاضْ)، و(شْتَا الشَّاتِيْ)، أي: شتاء الشخص الشاتي، و: قيظ الشخص القيَّاظ، كما يعنيان: الشتاء الشاتي، والقيظ القائظ، ومنها: (صَبَاحُِكْ الصَّبَّاحِيْ)، و(غَبْشَةْ الغَبَّاشْ)، والغبش ظلمة آخر الليل، أي: في وقت مبكر جداً، و(بِنْچْ الْبَنِيچَهْ) أي: عز العز، ويراد بها الوقت الراهن، ومثله في الاستعمال، والمعنى: (حَزَّةْ الْحَزَّهْ) كقولهم السائر: (حَزَّةْ الْحَزَّهْ نْمِشْ لِخْضَابْ)، ومنها: (مُدَّةْ الْمَدِيدَهْ) أي: المدة المديدة، و(دَايِمْ الدَُّومْ)، و(لَِيلْ مَا طَردْ نْهَارْ)، و(أَبَدْ الآبْدِينْ)، و(دَهَرْ الدَّاهرِين)، وهذه الخمسة الأخيرة تعني الدوام والاستمرار، وأكثرها من اللغة.
يرد في اللهجة (دَُورْ كذا) نحو: (دَُورِ الْيَُومْ)، و(دَُورِ اللََِّيلَهْ)، و(دَُورْ أَمْسْ)، و(دَُورْ بَاچُِرْ)، و(دَُورْ وَرَا بَاچُرْ)، ولم أسمع بغيرها، والدور يعني ما يماثل اليوم من الأسبوع القادم، فإذا كان اليوم الخميس كان دوره يوم الخميس من الأسبوع المقبل؛ وتستعمل لفظة (بِنْچْ)، و(عِزْ) للدلالة على وقت الشيء، وقوته فيقال: (عِزْ لِشْتَا)، و(بِنْچْ لِشْتَا)، و(بِنْچِ الگَيضْ)، و(عِزِّ الْگَيضْ)، والبنك في اللغة بالضم: أصل الشيء وهو معرب، يقال: هؤلاء بنك الأرض أي: أصلها، وقال ابن دريد: كلام عربي صحيح، وتبنك في عزه، أي: تمكن(9)، فكلها تشير إلى هذا المعنى.
أما ظروف المكان:
فمنها الجهات الست: الجهات الأربع المعروفة بلفظها في اللغة، بالإضافة إلى: (فَوق)، ويرادفه (على)، وعكسه (حَدُِرْ) بمعنى: (أسفل)، كقولهم السائر: (فوگِشْ خَلَگَهْ وُْحَدْرِشْ خَلَگَهْ مِنْ وَِينْ يْجِيشْ اِلْبَِينْ يَا مْبَخْنَگَهْ؟)، وقد يرد بصورة: (حَدْرِيْ) خصوصاً إذا أضيف نحو: (حَدْرِيْ الْبَابْ)، وفي اللغة: حدر الشيء حدوراً أنزله من علو إلى أسفل، وفي الحديث الشريف: (لو حدرت صخرة على شفير النار لهوت قبل أن تقع في قعرها سبعين خريفاً)(10)، ومن ظروف المكان: (قُدَّامْ)، وينوب عنه: (وِجْهْ) (وَيْهْ) المسبوق بحرف الجر (فِيْ)، نحو: (فِيْ وُِجْهُكْ(وَيْهُِكْ)، ويقابله: (خَلْفْ)، و(وَرَا) (وراء)، و(يَمِينْ)، ويقابله: (شْمَالْ)، أو (يَسَارْ)، وقد يقال: (يَسِيرْ)، ومنها: (يَمْ) أي: بجانب عند ذوي الانتماء القبلي، و(صَُوبْ)، والصوب في اللغة: الاتجاه، والناحية، ومنها: (مَكَانْ)، و(حَُولْ)، و(حَوالَيْ)، ومثلهما: (دَايُرْ مَدَارْ)، ومنها: (دَاخِلْ)، وعكسه: (بَرَّا): خارجاً، و(سِيدَا)، وهو لفظ دخيل من اللغة الأردية ويعني إلى الأمام، أو بشكل مستقيم، أو رأساً، ويرادفه الآن (عَلَى طُولْ)، و(طَوَّالِيْ)، ومنها: (جهة)، ومثله: (طَرَفْ)، نحو: (أَنَا جَايِنُِّكْ مِنْ طَرَفْ فْلانْ)، ومنها: (مْقَابِلْ) (مْجَابِلْ)، ومثله: (عْدَالْ)، و(قبَالْ) (قبالة)، كما استعملوا لفظ (صف) العربي، و(سَِيدْ) من (سَايْدْ) (Side) الإنجليزي المسبوقين بـ(في) كظرف مكان بمعنى بـ(إزاء)، أو بشكل موازي، نحو: (فْلانْ گَاعِدْ فِيْ صَفّ فْلانْ)، أو (فِيْ سَِيدْ فْلانْ)، أي: بإزائه، أو بشكل مواز له، ومنها: (فِيْ طَوَلْ) أي: في اتجاه واحد، و(مِنْ رَاسْ رَافُِعْ)، بمعنى مباشرة، و(مِنْ فَُوگْ لَا فُوگْ)، بمعنى: راساً، أو مباشرة.
كان (خَلْفْ) يستعمل ظرف زمان أكثر مما يستعمل ظرف مكان، فإذا سمعت أحدهم يقول لصاحبه: (جِيتْ (يِيتْ) خَلْفْ فْلَانْ) فإنه يعني: جئت بعده مباشرة، وهذا الاستعمال معروف في اللغة شاهده آية في كتاب الله، وهي قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً(11)، فـ(خلفك) هنا: من يأتي بعدك، قال الزبيدي في التاج خلفه، أي: بعده، وبه قرئ قوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ إِلَّا قَلِيلاً، وهي قراءة أبي جعفر، ونافع، وابن كثير، وأبي عمر، وأبي بكر، والباقون خلافك، وقرأ ورش بالوجهين(12)؛ بيد أن (وَرَا) المضاف إلى ضمير متصل هو الأكثر استعمالاً، نحو: (رُوْحْ وَانَا جَايْ(يَايْ) وَرَاكْ).
وكان (تَحْتْ) يستعمل بمعنى: بجانب، أو بقرب، أكثر مما يستعمل بمعنى: (أسفل)، وكان (حَدُِرْ) هو المستعمل لهذا المعنى، وهذا الاستعمال له مسوغ، لأنه في اللغة قد يعني هذا أيضاً، لأننا لو تأملنا (من تحتها) في قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا(13)، فإنه لا يمكن أن يعني: (أسفل منها)، وإنما يعني (بالقرب منها)، أو (بجانبها)، وعندما سألت العلامة الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي عن هذا المعنى كتابياً علق عليه بقوله: (إنه استنتاج جيد مفيد) على سبيل التأييد، أما استعماله بمعنى: أسفل فهو قليل، وربما كان محصوراً بنصوص لأقوال سائرة، ومنها قولاهما السائران: (التَّحْتِيْ يَِصْبُرْ)، و(يَاكِلْ مِنْ فَوگْ وِيْخُرْ مِنْ حَدُرْ (مِنْ تَحَْتْ)، ومما يرويه أحد معارفي: كان عندنا مدرس من إحدى البلاد العربية، وكان كثيراً ما يقول: (أَنَا أَعْرَفْ كَلامْ الأَطِِيفْ (القطيف) كُلُّهْ، مَفِيشْ كَلِمَهْ تْفُوتْ عَلَيَّا مَعْرَفْهَاشْ) فقلت له: (يَا أَسْتَادْ اِنْتَ تْگُولْ تِعْرُفْ كَلامْ أَهْلْ الگَطِيفْ كِلِّهْ، بَعْطِيكْ جُمْلَهْ إِنْ چَانْ عَرَفْتْ مِنْهَا چِلْمَهْ وَحْدَهْ، فقال: (أَ هِيَّهْ؟)، قلت له: (السَّاعْ اِطَّاوَلْ الكَمْچَهْ دَكِّيْ تَحْتْ البِشْتَخْتَهْ حَدْرِيْ السَّجَمْ)، هَاهْ يَا أَسْتَادْ وَِيشْ عَرَفْتْ مِنْهَا؟)، فقال: (عِرِفْتْ مِنْهَا تَحْتْ بِمَعْنَى أَسْفَلْ)، فقلت له: (غَلَطْ، تَحْتْ بِمَعْنى: جَنْبْ)، فقال: (دِيْ مُشْ أَطِيفِيَّهْ (قطيفية)، قلت: (عِنْدُكْ الطَّلَبَهْ اِسْأَلْهُمْ: گَطِيفِيَّـ لُوْ مُوِ گَطِيفِـيَّهْ؟)، فقالوا بأجمعهم: (كَلامُك عَدِلْ، وْهَادِيْ گَطِيفِيَّـ وْنُصّ).
أما (وَرَا) (وراء) إذا جاء بعده ظرف زمان كان يعني ظرف زمان بمعنى (بعد) نحو: (وَرَا بَاچُرْ)، و(يَِومْ وَرَا يَِومْ) أي: بعد غد، ويوم بعد يوم، ولم أسمع له إلا هذين المثالين.
ما ينوب عن الظرف في اللغة ينوب عنه في اللهجة كالمصدر الدال على تعيين وقت، أو مقدار، أو المضاف إلى الظرف مما دل على كلية أو جزئية، أو الصفة، أو اسم الإشارة، أو العدد المميز للظرف، أو المضاف إليه، ومن أمثاله في اللهجة: (كِلَّ)، أو (كِلِّهْ)، ويعني: دائماً، أو كل وقت، ومنه قول بعض السيدات من المنامة البحرين:
خْصُوصَهْ يَا خْتِيْ مْنِ الْغَبْشَهْ
سَـاهْيَـهْ وُْكِـلَّهْ أَفَكُّـرْ(14)
ويلزم استعماله للمذكر، والمؤنث، والجمع، والمتكلم، المخاطب، والغائب حالة واحدة، كما تلزم لامه الفتح، والهاء الحادثة فيه من فتحة اللام، للدلالة على المحذوف، إلا إذا كان مضافاً فإنه يوقف عليه بالسكون، نحو: (كِلْ سَاعَهْ)، وتفتح كافه عند تكراره مع الظرف (حين)، فيقال: (كَلْ حِينْ كَلْ حِينْ)، وقد ينحت بصورة: (كَحِّينْ كَحِّينْ)، ويماثله كلمة (دقيقة) المسبوقة بحرف الجر (الباء) و(أل) التعريف، أي بصورة: (بالدقيقة)، نحو: (فْلانْ بِالدَّقِيقَـ يِتِّصِلْ)، والأصل والمعنى: (كل دقيقة)، أي: كل حين يتصل، أما (ذات) فتنوب عنه (أدناة) وهو مؤنث (أدنى) نحو: (أَدْنَاةْ يَِومْ)، (أَدْنَاةْ سَاعَهْ)، بمعنى: أقرب، كما ينوب عنه: (مَرَّهْ)، و(رَدَّهْ)، و(دَُورَهْ)، و(نَُوبَهْ)، وهي في الأصل مسبوقة بما يوازي (ذات) في المعنى، ولكنه حذف لكونه معروفاً بكثرة الاستعمال، وبقي ما بعده ليقوم مقام الاثنين مجتمعين، ويختص (مرة) دون الثلاثة الأخرى بمجيئه مسبوقاً بـ(في)، أو (فيه) فيؤدي هذا المعنى نحو: (فِيْ مَرَّهْ) أي: ذات مرة، وقد ينوب عنه الظرف (يوم)، المسبوق بـ(إلى) المحذوف الهمزة نحو: (لا يَومْ)، أي: ذات يوم، ومنها: (تيِكَ الْحِينْ(تِيكَحِّينْ) أي: ذاك الحين، ومنها: (غَِيرْ وَقْتْ)، و(غَِيرْ سَاعَهْ)، فعندما يقولون لك: (خَلِّهْ لَغَِيرْ وَقْتْ)، أو (لَغَِيرْ سَاعَهْ) فإنهم يعنون بذلك: خله لوقت آخر غير هذا الوقت، أو ساعة غير هذه الساعة، ومن ألفاظ الظروف المبهمة أو المبعضة: (سَنَهْ مِنْ هَلِسْنِينْ)، و(يَِومْ مِنْ هاَلْأَيَّامْ) غالباً ما ينطق: (يَِومٍ هَلَيَّامْ)، أو (يَِومْ مِلَّيَّامْ) للتخفيف، ولم أسمع لهم على هذا النسق منها إلا هذين المثالين وحسب، فلم أسمع: (عَامْ مِنْ لَعْوَامْ) أو غيره، ومنها: (دِبْ الدَّهُرْ)، أي: طول الدهر، وهو إما أن يكون مقلوباً، ومحوراً عن: أبد الدهر، أو من: دأب الدهر أي: جريانه واستمراره.
بعض الظروف مما يشترك بين الزمان والمكان مثل: (بَعَْدْ)، و(بَِينْ)، و(عِنْدْ)، أما الظروف المركبة فمنها: (فَوق حَدُِرْ)، و(لَِيلْ نْهَارْ)، (ضْهُرْ نْهَارْ).
وبعض الظروف قد تسبقها بعض حروف الجر، ومنها على سبيل المثال: (متى)، و(أين)، و(هنا)، و(فوق)، و(تحت)، و(حَدُرْ)، و(اِلآن)، و(اَلْحِينْ) يسبقها: (إلى)، و(من)، أما (عند)، و(قبل)، و(بَعدْ)، (خلف)، و(ورا)، و(عقب) فيسبقها (من).
الظرف في الأصل موقوف عليه بالسكون إذا كان غير مضاف، أما إذا أضيف فإن آخره قد يتبع حركة الحرف الذي بعده من الكلمة المضاف إليها، نحو: (بَعْدَ الله)، و(تَحْتِ الْبَابْ)، و(تَحْتُكْ)، ففي الأولى جاءت الدال مفتوحة تبعاً لحركة أول لفظ الجلالة، وفي الثانية جاءت التاء مكسورة لاتباعها بحركة أل التعريف التي تنطق مكسورة في لهجة الغالبية، وفي الثالثة مضمومة لأن الكاف من حروف الاستعلاء التي تؤثر في ضم ما قبلها في لهجة كثير من النواحي كما تقدم، أما الظرف المتبوع بـ(مَا) فإن آخره يبقى ساكناً حتى لو أضيف إلى ما بعده.
ما فيه قاف في الأصل مثل: (دقيقة)، و(القيظ)، و(قبل)، و(فوق)، و(مقابل)، و(قبال) ينطق بالكاف، أو الگاف الفارسية أو التميمية، أما مثل: (قدام) فينطق: (گِدَّامْ)، و(كِدَّامْ)، و(جِدَّامْ)، و(دِزدَامْ) بحسب اختلاف اللهجات (مع كسر أوله)، أما (وقت) فهو متذبذب بين القاف، والكاف، والگاف، ولكنه بالكاف أكثر استعمالاً لسهولة النطق.
اسما الإشارة للمكان
المقصود باسمي الإشارة للمكان في اللغة هما: (هنا) للقريب، و: (هناك) للبعيد، وهو كما ترى هو (هنا) زيد فيه الكاف ليدل على البعد، وصور الأول في اللهجة كالتالي:
الصورة الأولى: (هْنيْ) بإمالة ألفه إلى الياء، أو إبدالها ياء، وقد تلحق هاء السكت آخره ليصبح: (هْنِيهْ)، وهي لهجة الكتلة المركزية، ولهجة دارين، والزور، وسيهات، وعنك العليوات، والملاحة، والجش، وأم الحمام، وهي لهجة بعض بلدان الخليج مثل: الكويت، والبحرين.
الصورة الثانية: (هْنَا)، وقد تبدل ألفه هاء سكت، فيقال: (هْنَهْ)، وهي لهجة: صفوى، والآجام، والعوامية، والقديح، والبحاري، والتوبي، والخويلدية، والجارودية.
وقد سمعت من أكثر من واحد من أهل سنابس، وتاروت الديرة وما حولها، والربيعية: أنهم: ينفردون عن بقية نواحي الواحة باستعمال الصورتين المتقدمتين معاً، غير أنهم يفرقون في الاستعمال، فإذا أراد أحدهم الإشارة للمكان القريب على وجه التحديد وضع إصبعه، أو ما يقوم مقامه وقال: (هْنَا)، أو (هْنَه)، وأما إذا أراد الإشارة للمكان القريب غير المحدد اكتفى بالإشارة إليه بحسه قائلاً: (هْنيْ)، أو: (هْنِيهْ).
الصورة الثالثة: (هْنَيَّا) بصورة المصغر، وقد تبدل ألفه هاء سكت، فيقال: (هْنَيَّهْ)، وفي ما يبدو أنه يوازي اسم المكان (هُنا) المشار إليه بهاء التنبيه، أي بصورة (هَهُنا) للدلالة على شدة قرب المكان المشار إليه، كما أن وروده بصورته المصغرة هذه في حد ذاتها دالة على هذا المعنى من دون شك.
أما اسم المكان الثاني: (هُنَاكَ) فهم متفقون فيه على صورة واحدة، وهي: (هْنَاكْ).
والصور الثلاث للاسم الأول: (هنا)، وصورة الاسم الثاني (هناك) تبدأ في اللهجة بالساكن على عادة أهل اللهجة، لأنها مبدوءة بضمة بعدها فتحة، وقد تقدم الحديث عن هذه الظاهرة في الحلقة الرابعة من هذا البحث(15)، وقد مال منتهجو الحداثة إلى نطقهما بصورة: (هِنَا)، و(هِنَاكْ)، لأن الصور المتداولة، باتت في نظرهم سوقية لا تناسب روح العصر؛ والصورتان المحدثتان وإن كانتا جامعتين للناس على نطق واحد، فهما ليستا أصيلتين، وإنما هما دخيلتان من اللهجة الشامية، والمصرية، فلا هم أبقوهما على حالهما كما ينطقان في لهجتهم، ولا هم ردوهما إلى صورتيهما في اللغة فقالوا: (هُنا)، و(هُناك).
وقد تولدت من صورتيهما المسبوقتين بحرف الجر (من) لابتداء الغاية صور على طريقة النحت للاختصار فحذف منها الهاء، وأدغمت نون الحرف في نونيهما، وحذفت إحدى النونين من: (هْنَيَّهْ) فصارت على التوالي: (مِنِّيْ)، و(مِنِّيهْ)، و(مِنَّا)، و(مِنَّهْ)، و(مْنَيَّا)، و(مْنَيَّهْ)، و(مِنَّاكْ)، أما الذين يستعملون هذه الصور فهم عينهم الذين يستعملون الصور قبل دخول (من) عليهما، وحصول النحت، فأهل: (هْنيْ)، و(هْنِيهْ) هم أهل: (مِنِّيْ)، و(مِنِّيهْ)، وأهل: (هْنَا)، و(هْنَهْ) هم أهل: (مِنَّا)، و(مِنَّهْ)، وأهل(هْنَيَّا)، و(هْنَيَّهْ) هم أهل: (مْنَيَّا)، و(مْنَيَّهْ)، أما: (مِنَّاكْ) فهي عند الجميع، ومنه قولهم: (وَحَقْ دَاكْ وْدَيَّاكْ، وُِالِّليْ عَبَرْ مِنَّاكْ).
العدد وألفاظه
يمكن تصنيف العدد في اللهجة من حيث الوضع إلى أربع مجموعات:
(1) أصلي مثل: (واحد)، (افنين)، (فلافة) إلخ.....
(2) ترتيبي، وهو ما دل على رتب الأشياء، مثل: (أول)، (ثاني)، و(ثالث)، إلى العاشر، وألفاظه المؤنثة من (2)، إلى (10) تتم بزيادة تاء تأنيث على صورة المذكر، أي: كما هو في اللغة.
ولم أقف على صورة لعدد ترتيبي في اللهجة من واحد، فلا يقال: (الحادِي)، أو (الحادي عشر)، أو (الحادي والعشرين) مثلاً، وإنما يقال: (الأول) في المنفرد، و(الْوَاحِدْ) في المركب والمعطوف، وإن وجدت فهي محصورة بنص موروث وحسب، وهو قولهم: (گَلَبْهَا حَادِيْ فَانِيْ)، كما تستعمل في وصف اليوم الأول، أو الليلة الأولى من الشهر، فيقال: (اِلْيَِومْ حَادِيْ فِيْ الشَّهُرْ)، و(اللَّيَِلَهَ حَادِيْ فِيْ الشَّهُرْ) بلفظ واحد.
(3) توزيعي، ويتم بتكرار لفظ العدد الأصلي مرتين كـ: (وَاحِدْ وَاحِدْ)، (افْنَِينْ افْنَِينْ)، (فَلَافَهْ فَلَافَهْ)، أما الصور المعدولة عن صورته الأصلية في اللغة كـ(مثنى)، و(ثلاث)، و(رباع) فغير واردة في اللهجة أصلاً.
(4) كسري، ويذكر فيه العدد الصحيح أولاً ثم يذكر الكسر كما في اللغة، فيقال: (وَاحِدْ وُْرُبعْ)، (افْنَِينْ وُْنُصْ).
أما من حيث البنية فيصنف إلى أربع أيضاً:
(1) مفرد من (1) إلى (10).
(2) مركب من (11) إلى (19).
(3) معطوف من (21) إلى ما لا نهاية.
(4) عقود من (10) فما فوق، أي كما هو في اللغة.
وكانوا يطلقون كلمة: (لَكْ) على ما يساوي (المائة ألف)، وهي كلمة هندية بهذا المعنى، أما (المليون)، وما فوقه فلم يكونوا يعرفونه، وإنما دخل اللهجة حديثاً من المدارس النظامية، ومن أين لأحدهم هذا المبلغ في ذلك الزمان، وحتى لو حصل له ما يوازيه فإنه يقول: (عَشَْرةْ لْكُوكْ) مثلما كان العرب في سالف عهدهم يسمون المليون: (ألف ألف)، مما يدل على أنه محدث حتى في اللغة، وكان منهم من يحلو له أن يعبر عن العدد (1000) بـ(عَشُِرْ مْيَـ)، وإذا تضاعف قال: (عِشْرِينْ مْيَـ)، وإذا كان العدد مؤلفاً منه، ومن غيره من المئات، أو العشرات، أو الآحاد قال: (احْدَ عْشَرْ مْيَـ وكذا) مثلاً، وهي لهجة مقصورة على فئة معينة من باعة التمر، والأغنام، ونحوهم، وربما كانوا قد تواضعوا عليها في الأصل على سبيل التعمية والكناية، ثم صارت عادة متبعة عندهم.
والعادة المتبعة في اللهجة عند قراءة العدد أن يبدأ بالأكبر، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، فالعدد (6450) مثلاً يبدأ بالآلاف منه، ثم المئات، ثم العشرات، فيقال: (سِتَّةْ آلافْ وَأَرْبَعْ مْيَـ وْخَمْسِينْ)، بينما الطريقة المثلى لقراءته في اللغة أن يبدأ: بالآحاد الصغرى إلى الكبرى، لكنه يجوز العكس(16)، وعليه فإن الطريقة المتبعة في اللهجة لا غبار عليها، غير أن أهل اللهجة يفترقون عن أهل اللغة في تقديم الآحاد في القراءة على العشرات في ما كان معطوفاً، فالعدد (625) يقرأ هكذا: (سِتْ مْيَـ وُْخَمْسَـ وُْعِشْرِينْ)، بينما قراءته في اللغة على الطريقة الثانية هكذا: (ستمائة وعشرون وخمسة).
وأما من ناحية التمييز:
* فللعدد (1) يكون بصورة المفرد، وللعدد (2) يكون بصورة المثنى، وقد يكون بصورة الجمع، وهما يوافقان المعدود تذكيراً، وتأنيثاً كما في اللغة، سواء أكانا مفردين، أم معطوفاً عليهما، نحو: (بَابْ وَاحِدْ)، و(دَارْ وَحْدَهْ)، أما من (3) إلى (10) فهو بصورة الجمع دائماً سواء كان مذكراً أم مؤنثاً، ويعود التمييز بصورة المفرد للأعداد من العدد (11) إلى ما لا نهاية، وهو في كل الأحوال موقوف بالسكون على آخره لسقوط الإعراب من اللهجة كما سبق التنويه عنه سلفاً، وأهل اللهجة يتبعون الطريقة في اللغة وراثة عن آبائهم في جعل المعدود يسبق العدد مع (واحد)، و(اثنين)، فيقولون: (رْيَالْ وَاحِدْ)، و(رْجَالْ افْنَِينْ)، أو (رَجَّالَِينْ افْنَِينْ) (رجلين اثنين)، ولا يقولون: (وَاحِدْ رِيَالْ)، أو (اثْنَِينْ رْيَالْ)، وهي الطريقة التي شاعت الآن في أوراق الدعاية والإعلان التي جاءت من الترجمة عن اللغات الأجنبية، وإذا كان معدود (اثنين) اسم مقدار، كفئة من النقد، أو وحدة زمن كالساعة، أو وحدة وزن، ونحوها، فقلما يتبعونه بالعدد، وإنما يكتفون بالمعدود في صورته المثناة فيقولون: (رْيَالَِينْ)، و(سَاعَتَِينْ) وحسب، ولا يقولون: (رْيَالَِينْ افْنَِينْ)، أو: (أَرْيِلْ افْنَِينْ)، أو (سَاعَتَِينْ فِنْتَِينْ)، إلا إذا أرادوا تأكيد المعنى في ذهن المخاطب، نحو: (رَجَّالَِينْ افْنَِينْ) (رجلين اثنين)، أو لمجيء المعدود بصورة الجمع، فالإتيان بالعدد يحصره، ويحدده، نحو: (رْجَالْ افْنَِينْ)، فلولا وجود لفظ (افْنَِينْ) لم تعرف كم عدد الرجال.
* من (3) إلى (10) كما هو في اللغة العدد يخالف المعدود من حيث التذكير، والتأنيث.
* من (11) إلى (19) العدد يلازم صورة واحدة يستوي فيها المذكر، والمؤنث، أي: تصلح للاثنين كما سيأتي بيانه لاحقاً، كما يحصل مثله في الأعداد المعطوفة من (21) إلى (99) فيقال: (خَمْسَـ وُْعِشْرِينْ رَجَّالْ)، و(خَمْسَـ وْعِشْرِينْ مَرَهْ)، بينما تمييز العددين (11)، و(12) في اللغة يوافق المعدود، ويخالفه من (13) إلى (19)، والجزء الأول من الأعداد المعطوفة يخالف المعدود في اللغة فيقال: خمسة وعشرون رجلاً، وخمس وعشرون امرأةً.
* أما العقود من (20)، إلى (90)، وكذا لفظتا (100)، و(1000) لا يتغير لفظها في التذكير، والتأنيث، فيقال: (عِشْرينْ وَلَدْ)، و(أَرْبُِعِينْ بِتْ(بِنْتْ)، و(مْيَةْ نَاگَـ)، و(أَلْفْ بَعِيرْ)، وتمييزها يكون مفرداً، كما هي في اللغة.
* تتفق اللهجة مع اللغة في كون الوصف المصاغ من العدد على وزن اسم الفاعل في اللهجة من (1) إلى (10) يطابق الموصوف فيقال: (الْبَابِ الرَّابعْ)، و(الدَّارِ الْخَامْسَـ)، وبعد ذلك تنفرد عنها بوصفه بالعدد الأصلي، ومن الملاحظ أن الساعة وأجزاءها توصف في اللهجة بالعدد الأصلي من (1) فما فوقه، فيقال: (السَّاعَـ وَحْدَهْ)، و(السَّاعَـ سِتْ وْدَقِيقَهْ)، حتى لو أريد عدد الساعات على سبيل المبالغة، نحو: (السَّاعَهْ مْيَـ) (مْيَهْ)، في مقابل اللغة التي تستعمل العدد الترتيبي في هذا الموضع، أما لبيان عدد الساعات المستغرقة في إنجاز عمل ما ونحوه إذا أشير لها باسم الإشارة (هذي) فهنا يؤتى بالعدد الترتيبي كما هو في اللغة، فيقال: (هَادِيْ السَّاعَـ السَّاتَّهْ وُِاحْنَا گَاعْدِينْ فِيْ هَالْمَكَانْ)، وهو هنا لا يعني ترتيب الساعة المذكورة، وموقعها من اليوم، وإنما يعني بيان الساعات المستغرقة، لكنه قد يستعمل في هذا المقام العدد الأصلي، إذا أريد بيان عدد الساعات، ولم يرد الترتيب، فيقال: (هَادِيْ سِتْ سَاعَاتْ)، و(أَخَدْنَا فِيهْ سَبْعْ سَاعَاتْ)، ومما يلاحظ أن منتهجي الحداثة يستعملون هنا العدد المميز للمذكر، فيقولون (مثلاً): (السَّاعَـ سِتَّهْ)، وهي ليست بذات أصالة، وإنما هي دخيلة من اللهجة المصرية، والشامية.
* لتعريف اسم العدد المفرد مضافاً إلى معدوده ثلاث صور، فنحن نقول في تعريف (خمسة كتب): (اشْتَرَِينَا لِكْتِبْ (الكتب) الْخَمْسَهْ)، و(اشْتَرَِينَا الْخَمْسَةِ الْكُِتُِبْ)، و(اشْتَرَِينَا خَمْسَةْ الْكُِتُِبْ)، وإذا لم يضف إلى معدوده دخلت عليه أل في التعريف: (الأَرْبعَـ)، (الأَرْبَعْ)، و(الرَّابعْ)، و(الرَّابْعَـ)، والمركب يعرف جزؤه الأول، نحو: (لِحْدَ عْشَرْ رَجَّالْ (رَيَّالْ)، و(لِحْدَ عْشَرْ مَرَهْ)، والعدد الترتيبي يدخل على جزأيه فيقال: (الرَّابُِعْ وُِالْعِشْرِينْ)، وتتفق اللهجة مع اللغة في هذه الموارد إلا في موردين، الأول: حينما تتعدد الإضافة هنا فيكتفى في اللهجة بتعريف المضاف إليه، فيقال: (عَوَّدْنَا عَلَِيكْ الْأَرْبَعَةْ آلآلافْ رْيَالْ)، بينما يكتفى في اللغة بتعريف المضاف إليه، والثاني في العدد المعطوف إذا كان بصورة العدد الأصلي حيث يكتفى في الأولى بتعريف الجزء الأول منه، وتمييزه بدلاً عن جزئه الثاني، نحو: (بِعْنَا الأرْبَعَـ وُْعِشْرِينْ لِكْتابْ)، وقد يأتي بصورته المعروفة في اللغة، فيقال: (الأرْبَعَـ وُِالْعِشْرِينْ).
ألفاظ الكسور
والمعروف منها مايلي:
* (نصف) وينطق: (نُصّ)، لأن الفاء ساكنة مهموسة جاورت الصاد، وهي ساكنة فصارت ثقيلة في النطق، فأدغمت فيها للتخفيف فصارت: (نُصّ)، كما في قولهم السائر: (نُصْ لِمْيـَ خَمْسِينْ)، أما إذا جاء اللفظ بصورة: (نَصِيفَهْ) فإن الفاء تظهر ومنه قولهم السائر: (رَاعِيْ النَّصِيفَهْ رَابُِحْ)، والنصيفة لهجة في النصف، وهي مؤنث النصيف، قال ابن منظور في لسان العرب: ((قال أَبو عبيد: العرب تسمي النِّصف النصيف، كما يقولون في العُشر: العَشِير، وفي الثُّمن: الثَّمِين) )(17).
* (ثلث)، وينطق في اللهجة بكسر أوله، وإسكان ثانيه وكان بنو تميم، وربيعة يقولون: (الثُلْث) بإسكان اللام إلى (العُشْر)، على ما يذكره النحاس(18).
* (رُبْعْ) تسمعه محركاً وسطه بالضم، أي بصورة: (رُبُعْ) في لهجة ذوي الانتماء القبلي، وسيهات، وأم الحمام، والجش، وعنك العليوات، وساكن الوسط في لهجة البقية، وقد ورد محرك الوسط في بيت من أهزوجة معروفة في القطيف والبحرين، وهي: (حَاگُولْ مَنَِّينْ وْرُبُعْ مَا يِگْدَرْ يْگُومْ)، وهي لغة أهل الحجاز على ما يذكره النحاس(19)، ومنه قوله تعالى: ﴿(وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَا تَرَكْتُمْ(20)أما الإسكان فهي لغة بني تميم وربيعة كما تقدم في الحديث عن الثلث.
أما البقية منها فلا ذكر إلا لما كان شفعياً، مثل: (سدس)، و(ثمن)، و(عشر) وتنطق على التوالي على وزن فعيل أي: (سَدِيسْ)، و(فَمِينْ) (ثَمِينْ)، و(عَشِيرْ)، وذي صور معروفة في اللغة قال ابن منظور في لسان العرب: (وبعضهم يقول للسدس: سديس كما يقال للعشر: عشير، وعن أبي عبيد: الثمن، والثمين واحد، وهو جزء من الثمانية(21)، وما كان وتراً كـ(خمس)، و(سبع)، و(تسع) فليس له وضوح في اللهجة، وغالباً ما كان يقال): (وَاحِدْ مِنْ خَمْسَـ)، (وَاحِدْ مِنْ سَبْعَـ)، (وَاحِدْ مِنْ تِسْعَـ)، بيد أني سمعت من أحد المطلعين من يذكر أن التسع يستعمل بلفظ: (تَسِيع) أيضاً عند قسمة الحصص، أما (الخمس) بهذا اللفظ فهو محصور بالفريضة الإسلامية، وعلى العموم فإن استعمال ألفاظ الكسور هذه منحصر بحالة انفرادها، أما استعمالها في العدد الكسري فهو أمر غير شائع، بل ربما يكون غير وارد أصلاً، فلا يستعمل منها إلا الثلث، وأقسامه، والربع وأقسامه، فلا يقال: (وَاحِدْ وُْخُمْسْ)، ونحوه إلا ما ندر.
ظواهر تتعلق بطريقة
نطق بعض الأعداد
* العدد الاصلي (1) المؤنث ينطق بصورة: (وَحْدَهْ) (وَحْدَ) بدون ألف تبعاً لظاهرة تقصير الكلمات طلباً للخفة وهي صورة شائعة في معظم البلدان العربية.
* العدد الترتيبي (أول) المعرف بأل ينطق (لَوَّلْ)، نحو: (أَهِلْ لَوَّلْ) أي: أهل الزمن الأول، كما يقال: (الأَوَّلِيْ) بلفظ المنسوب للأول، ومنه قولهم السائر: (لَوَّلِيْ مَا خَلَّىْ لَلتَّالِيْ شِيْ)، ويقصد به السابق على وجه الحقيقة، أما (لُولَى)، بمعنى الأولى فلا يأتي بهذا اللفظ إلا صفة لليلة قبل السابقة فيقال: (بَارْحَةْ لُوْلَىْ)، وهي لغة صحيحة، قال ابن جني في الخصائص: وينبغي أن تكون قراءة أبي عمرو: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا لُولَى على هذه اللغة(22)، أما إذا كان منفرداً فلا يأتي إلا كالمنسوب للأول فيقال: (الأَوَّلِيَّهْ)، أو (لَوَّلِيَّهْ) كقولهم عند التخويف: (رَاحَتْ فِيكْ لَوَّلِيَّهْ).
* العدد (2) المثنى المؤنث ينطق دائماً: (فِنْتَِينْ) بدون ألف، ومنهم من يقول: (فِتَِّينْ) بإدغام النون في التاء، ومن أهل هذه النواحي من يقول: (هِنْتيَِنْ) بإبدال الثاء هاء، وعلى الصورة الأولى جاء قول الأم لطفلها عندما ترقصه: (اللِّيْ مَا يْگُولْ لُِكْ عَِينِيْ يِعْمَى مِنِ الْفِنْتَِينِ)، وكان التميميون يقولون: (ثنتان) بينما يقول الحجازيون (اثنتان)، وعلى الأولى جاء قول الشاعر:
وكلمتها ثنتين كالماء منهــما
وأخرى على لوح أحر من الجمر(23)
وقد استنتج الدكتور ضاحي عبد الباقي محمد من خلال مقارنته للغة الحجازية، ولغة بني تميم مع اللغات العربية القديمة أن الصيغة التميمية: (ثنتين) أقدم من الحجازية (اثتنين)، حيث قال: >ويرجع هذا القدم أننا لو اتجهنا إلى اللغات العربية القديمة، والألسنة السامية نجدها تستعملها بدون همزة، بل إن هذه الهمزة لا تلحق المذكر (اثنين)، فيقال في اللغات العربية الجنوبية: (ثنى) للتذكير، و(ثنتى)، و(ثتي)، في بعض الأحيان للمؤنث<(24).
* صورة العدد (2)، وصورة العقود من (20) إلى (90) تلزمان حالة واحدة، وهي التثنية والجمع بالياء، لالتزام صورة المثنى، والجمع بالياء في اللهجة كما تقدم.
* ياء العدد (2) تنطق بسكون بيِّن في لهجة أهل تحقيق الحركات، أما في لهجة أهل إمالة الحركات فهي ممالة نحو الفتحة لإشرابه بصوت الحركة التي قبله، وهي النون، كما تقدم في الحلقة الأولى من هذا البحث.
* غالباً ما يتعرض العدد (ثلاثة) للاختصار بالنحت عند ذكره مقروناً بتمييزه ولاسيما في ما مضى فيقال: (فَلَةِ أَرْبَاعْ)، أو (فَلَتَّرْبَاعْ)، و(فَلَتَّرْيِلْ)، أي: ثلاثة أرباع، وثلاثة ريالات، وهذه الصورة كانت هي الأكثر تداولاً في السابق من الصورة الكاملة له دون اختصار.
* كانوا لا يعرفون العدد الترتيبي (السادس)، و(السادسة) إلا بلفظ: (السَّاتْ)، و(السَّاتَّهْ)، أما الصورة المذكورة المعروفة في اللغة فلم يكونوا يعرفونها إلا عندما دخل التعليم النظامي إلى الواحة، وحتى لو ذكر العدد بلفظ السادس فإنه ينصرف إلى الصف السادس الابتدائي، وخلاف ذلك فإن الصورة القدمى هي المستعملة لخفتها، وهي لغة عربية صحيحة فقد جاء في المنجد (السات): لغة في السادس، وقال السيد مرتضى الزبيدي في تاج العروس عن الليث في التهذيب: الست، والستة في التاسيس على غير لفظيهما، وهما في الأصل: (سدس)، و(سدسة)، ولكنهم أرادوا إدغام الدال في السين، فالتقتا عند مخرج التاء، فغلبت عليها كما غلبت على العين في لغة بني سعد، فيقولون: (كنت محهم) في معنى معهم، وبيان ذلك أنك تصغر ستة: (سديسة)، وجميع تصغيرها على ذلك، وكذلك الأسداس، وعن ابن السكيت: يقال: جاء فلان سادساً، و(سادياً)، و(ساتاً)... قال: ومن قال: (سادساً) بناه على السدس، ومن قال: (ساتاً) بناه على لفظ: (ستة)، و(ست)، وأصله: (سدس) فأبدل السين تاء، وأدغم فيه الدال(25).
* بما أن الأعداد الترتيبية من (1) إلى (10) مصاغة على وزن الفاعل فما كان منها منتهياً بحرف استفال كانت عينه مكسورة، وما كان منتهياً بحرف استعلاء، أو عينه مجاورة لحرف استعلاء كانت مضمومة، ومن خلال استقراء هذه الصور وجدتها مكسورة العين عدا عن عددين اثنين، وهما: (الرابع)، و(العاشر) فإنهما مضموما العين التي هي الباء لمجاورتها للراء، وانتهاء الثاني بالراء لأنه من حروف الاستعلاء فتسمع: (الرابُعْ)، (العاشُر)، أما الصورة المؤنثة منه فكلها ساكنة العين فيقال: (الرابْعَـ)، (الخامْسَـ) إلخ...
* ينفرد بعض النواحي كسيهات، وأم الحمام، والجش بنطق (سبع) محرك الوسط بالكسر، فيقولون: (سَبِعْ)، بينما لهجة البقية بالسكون.
* ينفرد أهل الحاضرة (القلعة)، وتاروت (الديرة، وما حولها)، وسنابس بفتح الصوت بعين العددين (سبعة)، و(تسعة) مثلما ينطق البقية عين: (قصعة)، و(صفعة) في اللغة، لأن العين معدودة في لهجتهم من حروف التفخيم.
* الأعداد من (3) إلى (10) تجري على وتيرة واحدة عند أهل الإمالة، وهي إمالة فتحة الحرف السابق لتاء التانيث الموقوف عليها بالهاء نحو الكسرة، ويوافقهم البقية في ما عدا (4)، و(10) فإنهما ينطقان بفتح الحرف الذي قبل هاء التأنيث بالصوت لمجاورة عين الأول للباء المفخمة لمجاورتها للراء، ولأن ما قبل هاء التأنيث في الثاني راءً، وهو من حروف الاستعلاء.
* العدد (8) في صورته المؤنثة ينطق: (فَمَانْ) (ثَمَانْ) بدون ياء، وبالوقوف على النون بالسكون، وقد جاءت هكذا بدون ياء في شعر قديم بلا نسبة:
لها ثنايا أربع حسان
وأربـع فثغـرها ثمـانُ
والشاهد فيه قوله: (فثغرها ثمان) حيث حذف الياء، من (ثماني)، وذلك لغة(26).
* العدد (10) وفيه صورتان: (عَشَرَهْ) بتحريك الشين بالفتح، و(عَشْرَهْ) بسكون الشين، وهما متداولتان جنباً إلى جنب، وبصفة عامة، وليست أحدهما عند ناحية دون أخرى، فتسمع الفرد منهم حيناً يقول: (عَشْرَهْ)، وتسمعه نفسه حيناً آخر يقول: (عَشَرَهْ)، أما (عشر) فهي محركة الوسط بالضم، والأصل فيه الكسر، لكن مجاورته للراء وهو حرف استعلاء حوله إلى الضم.
تولدت في اللهجة للأعداد المركبة من (13) إلى (19) صور مختصرة بالنحت، وغدت هي المستعملة بصفة دائمة دون الأصل لخفتها، وقد حصل إبدال لتاء التأنيث في الجزء الأول منها فتحولت إلى طاء، كما تحولت سين الأعداد ذات السين إلى صاد لمجاورتها للطاء المتحولة في الوقت الحاضر على الغالب فتسمع: (فَلَطَّعِشْ)، (أَرْبَاطَعِشْ)، (خَمُصْطَعِشْ) إلخ... بينما كانت من قبل بالتاء، ومنهم من يجعل ثاء العدد (12) المبدلة إلى التاء طاءً فيقول: (اِطْنَعِشْ)، وهي مما تسرب من اللهجة المصرية، والشامية، وفي ما يلي هذه الصور بما فيها الطارئة:
اِحْدَعِشْ>إِدَعِشْ>هِدَعِشْ>اِحْدَعْشَرْ= أحد عشر (إحدى عشرة)
اِفْنَعِشْ >اِفْنَعْشَرْ>اِثْنَعِشْ>اِطْنَعِشْ= اثنا عشر (اثنتا عشـرة)
فَلَتَّعِشْ>فَلَتَّعْشَرْ>فَلَطَّعْشَرْ>ثَلَطَّعِشْ= ثلاثة عشر (ثلاث عشرة)
أَرْبَاتَعِشْ>أَرْبَاتَعْشَرْ>أَرْبَاطَعِشْ= أربعة عشر (أربع عشرة)
خَمُسْتَعِشْ>خَمُسْتَعْشَرْ>خَمُصْطَعِشْ= خمسة عشر (خمس عشرة)
سِتَّعِشْ>سِتَّعْشَرْ>سِطَّعْشَرْ>سُِطَّعِشْ>صُِطَّعِشْ= ستة عشر ((ست عشرة)
سَبَاتَعِشْ>سَبَاتَعْشَرْ>صَبَاطَعِشْ= سبعة عشر (سبع عشرة)
فَمَنْتَعِشْ>فَمَنْتَعْشَرْ>فَمَنْطَعِشْ>ثَمَنْطَعِشْ= ثمانية عشر (ثماني عشرة)
إِسَّاتَعِشْ>إِسَّاتَعْشَرْ>تِسَاطَعِشْ>تِسَعَاطَعِشْ=  تسعة عشر (تسع عشرة)

واو العطف في الأعداد المعطوفة اذا كانت هذه الأعداد من (21) فما فوق غير معرفة بأل فإنها تنطق بسكون مائل نحو الضم كما لو كانت تنطق بصورة (اُوْ)، فيقال مثلاً: (وَاحِدْ وُْعِشْرِينْ)، و(خَمْسَـ وُْسِتِّينْ)، ويستثنى من ذلك العدد (40) فإن هذه الواو معه قد تنطق بالفتح لاحتساب همزته همزة وصل، وتكون صورته هكذا: (وَرْبُِعينْ) بالإضافة إلى نطقها على النحو المتقدم، أما إذا كان المتعاطفان معرفة، أو كان الثاني منهما معرفة فإنها تنطق بضم مائل نحو الكسرة نحو: (الأرْبَعَهْ وُِالْعِشْرِينْ)، و(أَرْبَعَهْ وُِالْعِشْرِينْ).
* منهم من يحلو له أن ينطق باء العدد (40) بالضم والتفخيم فيقول: (أَرْبُعِينْ)، وهي ليست لهجة ناحية دون أخرى، وإنما هي مسألة فردية تجري على غير العادة.
* العدد (80) ينطق في لهجة ذوي الانتماء القبلي (ثمانين) كما هو في اللغة، و(فمانيين) في لهجة البقية بزيادة ياء ثانية بعد يائه عما في اللغة رجوعاً إلى الأصل، لأن أصله (ثمانية)، أو (ثماني) + الياء والنون للجمع فصار (ثمانيين)، ثم حذفت إحدى الياءين في اللغة للتخفيف فصار (ثمانين)، وهذا الحذف جار ومطرد مع المعتل الآخر عند جمعه جمعاً سالماً مثل: (قالي)، وغالي) اللذين يصيران في الجمع: (قالين)، و(غالين) بحذف الياء الأولى للتخفيف، والأصل: (قاليين)، و(غاليين)، ولعل أهل اللغة عاملوا (ثمانين) على هذا النحو.
* كل عدد لم يتبعه تمييز، وانتهى في اللهجة بتاء تأنيث فإن تاءه تنطق هاء كالهاء الصامتة في اللغة الفارسية، نحو: (نامه) بمعنى: رسالة(27)، أو كما ينطق المؤنث الموقوف عليه بالهاء فلا تظهر إلا الفتحة التي قبلها، وهذه الفتحة غالباً ما تكون ممالة نحو الكسرة، فيقال في خمسة: (خَمْسَِهْ)، أو (خَمْسَِـ)، ويتبعه العدد المعطوف عليه نحو: (أَرْبَعَِـ وُْنصْ)، و(أَرْبَعَـ وُْعِشْرِينْ)، وهذا أمر وارد في اللهجة أيضاً فقد قال ابن عقيل في كتابه المساعد: (وإمالة الفتحة قبل هاء التأنيث في الوقف مطردة) (28)، أما إذا كان العدد مفرداً، وتبعه تمييز فإنها تظهر تاءً ساكنة، نحو: (خَمْسَةْ أَوْلَادْ).
* العدد (100) ومضاعفاته ينطق بالسكون في أوله، وتسهيل الهمزة إلى ياء، أي بصورة: (مْيَهْ)، كما يلزم العدد الذي يميزه من مضاعفاته من (300) فما فوق إلى الـ(900) مفصولاً عنه بالسكون في آخره فيقال: (فَلَافْ مْيَهْ)، (سَبعْ مْيَـ).
* يكثر استعمال الأداة (إلا) للدلالة على عدم بلوغ العدد حد التمام، وهي ظاهرة لغوية صحيحة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا، وعندما سألت العلَّامة الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي عن هذا الاستعمال كتابيًّا علق عليه بقوله: >هذا الاستعمال موجود في اللغة، وإذا لم يوجد، فاستعمال القرآن الكريم أقوى حجة على صحته، وجوازه لأنه الأفصح، والأولى بالإتباع<، وينحصر استعماله في اللهجة مع الكسر في ما نقص عن الثلث، فما دونه، فيقال: (وَاحِدْ إلا رُبُْعْ)، ولا يتكرر تمييز العدد في هذا المقام، بل يكتفى بذكره مرة واحدة سواء في الأول أو الآخر، أو يؤتى بما يدل عليه كأجزاء النقد، والساعة، ووحدات الوزن، ونحوه، فيقال: (أَلْفْ رْيَالْ إلا مْيَـ)، أو (أَلْفْ إِلا عَشَْرةْ أَرْيِلْ)، و(سَاعَـ إلا دَقيقـ)، وقد يترك التمييز كلية إذا كان معلوماً، فيقال: (أَلْفْ إلا مْيَـ) وحسب.
أسماء الكنايات:
ويقصد بها: (كم) الخبرية، و(كذا)، و(كيت)، (كأين)، (وذيت)، و(بضع)، وفي الحقيقة إن ألفاظ هذه المجموعة ليست في اللهجة كما هي في اللغة، فالثلاثة الأخيرة لا تعرفها اللهجة، و(كذا)، و(كيت) تختلف وظيفتهما في الأولى عنها في الثانية، وليس منها ما يستعمل لغرضه المحدد في اللغة إلا الأولى: (كم) الخبرية، وتسمى بهذا الاسم لأنها تستعمل في الكلام الخبري ولتمييزها عن (كم) الاستفهامية التي تستعمل في الكلام الإنشائي، وتسمى التكثيرية، لأننا نكني بها عن العدد الكثير، ومن حقها الصدارة (أن نبدأ بها الجملة)، و(كم) لها صدر الكلام؛ استفهامية كانت؛ أو خبرية، فلا تقول: (ضربت كم رجلاً) (29)، و(لا ملكت كم غلمان)، بينما في اللهجة قد تتأخر عن أول الكلام، ومنه قول الملا عبد الله المعبر من الكويكب بالقطيف:
انْهَضُوا نَهْضَـ وُْجَمْعُوا كَمْ رِيَالْ
هَـايْ سَاعـَهْ تُعَـدْ مِنْ سَاعاتْهَا
وتنطق: (چَمْ) بالجيم الفارسية المثلثة (الچاء) في لهجة الغالبية، و(تَسمْ) بسين مكسكسة في لهجة ذوي الانتماء القبلي، ومميزها في اللهجة غالباً ما يكون مفرداً، وقد يأتي مكرراً بلفظه بصورة المتعلق له بحرف الجر الباء، نحو: (چَمْ وَلَدْ بْوَلَدْ مَا فِيهْ خَِيرْ)، ولا يكون جمعاً إلا إذا تكرر المميز بصورة المتعلق له على النحو المتقدم، نحو: (چَمْ نَاسْ بْنَاسْ رَاحَوْا وَلَا جَوْا (يَوْ)، وهذه الباء قامت مقام واو العطف، والأصل فيهما: (ولد وولد)، و(ناس وناس)، أما في اللغة فلم أهتد فيه إلى رأي ثابت من حيث كونه مفرداً دائماً، أو جواز الوجهين المفرد، والجمع في حدود ما تيسر لي من مصادر، وحسبك شاهداً على قولي هذا: أن صاحب الوحيد في النحو والإعراب قال: يليها اسم مفرد ولم يزد، بينما صاحب القواعد الأساسية قال: >وحكم مميزها أن يكون مفرداً أو جمعاً نكرة، مجروراً بإضافتها إليه<(30).
وقد يتم الفصل بينها وبين تمييزها (في اللهجة) بـ(من)، نحو: (چَمْ (تسَمْ) مِنْ چَدَّابْ (تسَذَّابْ) فِيْ النَّاسْ) أي: كم من كذاب في الناس، أو يجعل في آخر الجملة مفصولاً بشبه جملة، وبـ(من)، نحو: (چَمْ (تسَمْ) فِيْ النَّاسْ مِنْ چَدَّابْ (تسَذَّابْ) )، أي: كم في الناس من كذاب، إلا إذا كان الفاصل فعلاً متعدياً فيتعين إثبات حرف الجر (من) لمنع الالتباس بالمفعول، نحو: (چَمْ (تسَمْ) گَرَِيتْ مِنْ كْتَابْ)، وهذا أمر سائر في اللغة أيضاً، وقد تكرر في اللهجة تكرار عطف: (چَمْ وُْچَمْ)، فتكون بمعنى (طالما) كما تقدم، ويحذف منها (من)، وتمييزها، ويتبعها فعل: (چَمْ وُْچَمْ سَوَّيتْ لِهْ)، أي: كم وكم من جميل... وقد تأتي منونة فيحدث تداخل في النطق مع صورتها الساكنة المشفوعة بـ(من)، وفي هذه الحالة يجب الاستغناء عن حرف الجر (من) تجنباً لثقل النطق، فيقال: (چَمٍ (تسَمٍ) كْتَابْ)، لأنك لو لم تحذفه وقلت: (چَمٍ (تسَمٍ) مِنْ كْتَابْ) لتكرر المقطع (مِنْ مِنْ)، الأول: ناتج عن ميم (كم) وتنوينها، والثاني: عن حرف الجر نفسه، فهذا التكرار ليس وارداً في اللهجة أصلاً لهذا السبب، وقد ينوب عنها في اللهجة لفظ (گَدْ) بمعنى (مقدار) المسبوق بالمقطع (اش) من (أي شي)، ومنه قول الشاعر علي بن حسن الدرازي من سنابس تاروت: (عِنْدِيْ جَارْ اشْگَدْ أَدِكْرُهْ مْشَارْكنِّيْ فِـ اللِّعِبْ)، أي إلى كم أذكره، أو كم أذكره، أما (كيت) فاستعمالها في اللهجة لغرضها في اللغة محدود بأسلوب الحديث الأدبي، وقد تكرر مزج: (كيت كيت)، أو تكرار عطف: (كيت وكيت)، و(كذا) وظيفتها الرئيسية في اللهجة للتمثيل، والتشبيه بالمشار إليه القريب، ولا تستعمل بلفظها لغرض الكناية كما هي في اللغة إلا في أسلوب الحديث الأدبي، سواء كانت مفردة، أو مكررة، أو عندما تأتي مكررة بإحدى صورها المتداولة في اللهجة، فمن حق هذا المجموعة أن تدعى بأسماء الكناية والتمثيل، أو التشبيه بعد إضافة الألفاظ المشابهة لهذه المجموعة في الوظيفة والأداء تحرياً للدقة، ومطابقة الواقع، أما الاسم الثاني (كذا) ففيه ثلاث صور:
الصورة الأولى: (چِدِيْ) بجيم فارسية مثلثة (چاء) وإمالة ألفها إلى الياء، أو إبدالها ياء، وهي لهجة الكتلة المركزية، ولهجة سيهات، وأم الحمام، والجش، والملاحة، وعنك العليوات، والزور، ودارين، وقد تلحق هاء السكت آخرها: (چِدِيهْ)، وهذه الصورة معروفة أيضاً في عدد من نواحي الخليج مثل: الكويت، والبحرين، ومن الشعر المغنى: (وَتَالِيهْا يَا رُوحِيْ چِدِيهْ اسَّوِّيْ فِينِيْ).
الصورة الثانية: (چِدَا) بجيم فارسية مثلثة (چاء)، وألف، وقد تبدل ألفها هاء سكت (چِدَهْ)، وهي لهجة عدد من النواحي مثل: صفوى، والآجام، والعوامية، والجارودية، والخويلدية، والقديح، والتوبي (بإمالة فتحة الدال الى الكسرة، والألف إلى الياء).
الصورة الثالثة: (تِسدَا) بسين مكسكسة، وألف، وقد تبدل ألفه هاء سكت (تِسدَهْ)، وهي لهجة ذوي الانتماء القبلي، والصور الثلاث مكسورة الأوائل، وبِدال مبدلة من الذال.
ومميزها يكون مفرداً دائماً، ولا تستعمل غالباً إلا معطوفاً عليها بمثلها، نحو: (جَانِيْ كَدَا وُْكَدا زَايُرْ)، وينوب عنه في اللهجة أحياناً لفظ (گَدْ) بمعنى (مقدار) المسبوق بهاء التنبيه وأل التعريف، نحو: (اشْتَرَاهْ بْهَالْگَدْ رْيَالْ)، وقد تكرر تكرار عطف فيقال: (هَالْگَدْ وُْهَالْگَدْ رْيَالْ).
ولهذا الاسم غرض آخر، وهو معنى: احتمال حدوث الشيء، أو بمعنى: فجأة، وبدون سابق إنذار، كقول أحدهم: (مْخَلِّيْ الْكَاسْ مُطَّرُّفْ چِدِيْ طَاحْ وِانْكَسَرْ؟!)، أي: كيف تضع الكأس متطرفاً ماذا لو سقط فجأة وبدون سابق إنذار، وفي حال تكراره هو و(كيت) فإنهما يستعملان للكناية عن الجمل في الحديث، وإشعاراً لطول الكلام، أو الحدث، نحو (فَلانْ گَالْ: كَِيتْ، وُْكَِيتْ)، و(سَوَّىْ چِدِيْ وچِدِيْ)، أي: كما هما في اللغة، وقد يستعمل الثاني على هذا النحو للكناية أو التمثيل عن الشيء الواقع بين نقيضين، ويحصل هذا في الجملة الخبرية الخالية من الفعل فعندما يقال: (فْلانْ چِدِيْ وچِدِيْ)، فإنهم يعنون أنه بين أمرين بين هذا الأمر وذاك، كأنهم يريدون أن يقولوا (فلان فيه جانب حسن، ولكنه لا يخلو من الصفات الرديئة) مثلاً.
وقد أبدلها منتهجو الحداثة بـ(كِدا) بكسر الكاف المتسربة من اللهجة الشامية والمصرية، وتستعمل للتشبيه في أصلها، وكثر الراغبون فيها هذه الأيام، لأن الصور المتداولة عندهم سلفاً باتت في نظرهم سوقية لا تناسب روح العصر، فلا هم الذين أبقوها على حالها كما تنطق في لهجتهم، ولا هم الذين ردوها إلى صورتها في اللغة فقالوا: (كَذا) بفتح الكاف.
أما علم العاقل فيكنى عنه بـ(فلان)، كما يكنى عن علم العاقلة بـ(فلانة)، لذلك لا تقبلان التعريف لدلالتهما على علم ومؤنث، نحو: (جَتْ (يَتْ) فْلانَهْ بِتّ (بِنْتْ) فْلانْ أَخُوْ فْلانْ)، أما إذا أريد الكناية عن الاسم الكامل لشخص (اسمه، واسم أبيه، ولقبه)، أو وصفه بصفته المعلومة قيل: (فْلانْ بْنْ فْلانْ الفُلانِيْ)، أو (فْلانْ آدَمِيْ)، وللكناية عن الشيء، أو الحاجة المعلومة يقولون: (الْحَاجَةْ الفُلانِيَّـ)، و(الشَّيْ الفُلانِيْ)، ومثاله على الأول: (طَاوِلْنِيْ الْحَاجَةْ الفُلانِيَّـ)، وقد يقرن (فلان) بـ(فَلَتَّانْ) كناية عن تعدد الأشخاص، كقولهم: (وَِيشْ عَلَِينَا مِنْ گََُولَةْ فْلانْ وُْفَلَتَّانْ)، كما اتخذ أهل اللغة من الاسمين (زيد)، و(عمرو)، رمزاً لهذا الغرض، وحذا حذوهم في هذا المقام أهل اللهجة، شاهدهم القول السائر: (غَابْ زَِيدْ حَضَرْ عَمْرْو امْبَدَالِهْ)، وقد يقرنون (زيداً) بـ(عبيد) لذات الغرض، فيقولون: (مَا عَلَِينَا لَا مِنْ زَِيدْ وَلَا عْبَِيدْ) (وَلَا مْنْ عْبَِيدْ)، ويستعمل أهل اللهجة عبارة: (شَهُِرْ زَمَانْ) للكناية عن فترة زمنية على وجه التقريب فيقولون: (اصْبُرْ عَلَِيهْ شَهُِرْ زَمَانْ).
أما النقص الحاصل غير محدد المقدار في العدد فيكنى عنه بلفظ: (شِيْ) أي: شيء، مستثنى بالأداة (إلا)، وقد يستعمل لفظ (كسور) فيقال: (أَلْفْ إِلا شِيْ)، أي: إلا شيئًا قليلاً، أو (أَلْفْ إِلا كْسُورْ)، أما العدد الكسري فيكنى عن الكسر غير محدد المقدار بـ(شْويَّهْ) فيقال: (أَلْفْ وُِشْوَيَّهْ)، وقد تستعمل هنا (كْسورْ) المتقدمة فيقال: (أَلْفْ وُِكْسُورْ)، و: (أَلْفْ إلا كْسُورْ).
أما أسماء التمثيل أو التشبيه فهي:
* (كذاك)، وهو كما ترى (كذا) لحقت به الكاف للدلالة على التشبيه، أو التمثيل بالشيء البعيد، وله في اللهجة صورتان:
الصورة الأولى: (تِسدَاكْ) بسين مكسكسة مكسورة، وهي لهجة ذوي الانتماء القبلي.
الصورة الثانية: (چِدَاكْ) بجيم فارسية مثلثة (چاء) مكسورة، وهي لهجة البقية.
* هكذا، وهو كما ترى (كذا) المشار إليه بها التنبيه، وله في اللهجة ثلاث صور:
الصورة الأولى: (هَچِّديْ)، وقد تلحق هاء السكت آخرها فتصير: (هَچِّدِيهْ)، وهي لهجة أهل النواحي المنوه عنهم في صورة: (چِدِيْ)، و(چِدِيهْ).
الصورة الثانية: (هَچِّدَا)، وقد تلحق هاء السكت آخره فيصير: (هَچِّدَهْ)، وهي لهجة أهل النواحي المنوه عنهم في صورة: (چِدَا)، و(چِدَهْ)، (مع إمالة الدال والألف في لهجة أهل القديح).
وهاتان الصورتان تولدتا كما ترى من هاء التنبيه، وأل التعريف، و(چِدِيْ)، أو (چِدِيهْ)، أو (چِدَا)، أو (چِدَهْ) المتقدمة، وبما أن الجيم الفارسية المثلثة (الچاء) فيهما قريبة من الشين في المخرج، فقد عوملت معاملة الشين، ولذا عدت اللام هنا شمسية، لذا صارت هذه الجيم مشددة لإدغام اللام فيها على النحو الذي لو وضعت الشين مكانها في الصورة: (هَچِّدِيْ) لصارت: (هَشِّدِيْ)، وهي بلاشك حالة شاذة، لأن اللام مع هذه الجيم في الأصل تعامل كاللام القمرية.
الصورة الثالثة: (هَالْكِدِيْ)، وقد تلحق هاء السكت أخره فيصير (هَالْكِدِيهْ)، وهي لهجة انفردت بها بعض النواحي مثل: سنابس، وصفوى، ومنهم من يقول: (هَالْكِدَا)، أو (هَالْكِدَهْ)، وقد تكون هذي الصور محدثة، وليست أصيلة، أراد منتهجوها تجنب الوصم بالركاكة فحولوا چاءها إلى كاف، كما فعلوا بسوابقها: (چدي)، وأخواتها، وربما انبرى شخص من أبناء الجيل السابق فقال: كيف حكمت بإنها ليست أصيلة، ونحن لم نطلع على الدنيا إلا ونحن نسمعها، ونتداولها؟! وأقول له: هل سألت أحداً من سلفك لتتأكد من أنها موجودة في لهجتهم أم لا، حتى تحكم بأصالتها؟!
* (مثل)، ويجمع على (مِثْلاتْ)، وينطق: (مِفِلْ)، و(مِفْلاتْ) بالفاء في لهجة الغالبية، وتترادف صورة المفرد له مع صورة الجمع إن شاء المتحدث قال: (مِفْلُِكْ)، وإن شاء قال: (مِفْلاتُِكْ).
* (عِينَة)، و(العينة) هي: العينة بمعنى: النموذج، والمثال، وقد يقال: (امْعِينَةْ) والأصل: (من عينة)، فحذفت نون (من) اختصاراً فصار بهذه الصورة، ومثاله: (امْعِينَةْ هَدَا)، أو (عِينَةْ هَالْمَكَانْ)، وهو نادر الاستعمال قلما تسمعه اللهم إلا من أفواه المسنين.
* (تَهِيَّة)، وأصلها: (تهيئة) أي: (كهيأة)، والْهَيْئَةُ في اللغة: صورةُ الشيءِ وشَكْلُه وحالَتُه، أدغمت الهمزة طلباً للخفة في الياء التي قبلها فصارت (تَهِيَّة)، ومثاله: (تَهِيَّةْ هَالْبابْ)، وهو والإثنان اللذان قبله لا تأتي إلا مضافة، وهو الآخر نادر الاستعمال الآن مثل سابقه، وهما في الأعم الأغلب لا يستعملان بهذا المعنى للعاقل.
* (لَون): بمعنى مثل، وهو موجود في اللغة بهذا المعنى، واستعماله شائع في لهجة: ذوي الانتماء القبلي، وصفوى، والآجام، والزور، ودارين، والجارودية، وأم الحمام، والجش، والملاحة، وعنك العليوات، وسيهات، ولا يؤدي هذا المعنى غالباً في لهجة من ذكرت إلا إذا جاء معرفاً بـ(أل)، ومسبوقاً بهاء التنبيه، أي بصورة: (هَاللَّونْ).
* (نَمُونَهْ): وهو لفظ فارسي ينتهي بهاء صامتة، وإذا أتبع بما بعده تحولت إلى تاء لمعاملته معاملة اللفظ الأصيل في اللغة، نحو: (نَمُونَةْ فَلانْ مَا تْحَصِّلْ)، وقد عرب في اللغة إلى (نموذج)، أو (أنموذج) بمعنى: (شكل)، أو (مثال)، واستعماله مع: (مثل)، و(زي) الآتي عام للعاقل، وغير العاقل، ومع الاسم، والفعل، والضمير المنفصل، والمتصل.
* (رنگ) بالگاف الفارسية، وهي الآخر لفظ فارسي، ويعني في الأصل: اللون، لكنه قد يستعمل في اللهجة أيضاً بمعنى مثل، ويختلف في الأداء بحسب المؤدى إليه، فإذا استعمل لغير العاقل كان بمعنى: (مثل)، أو (لون)، أما إذا استعمل للعاقل فغالباً ما يعني الجنس، فإذا سمعتهم يقولون: (وَِيشْ رَنْگكْ انْتْ؟ اِنْتَ مِنْ الْبَشَرْ لَُوْ مَنْزُوخْ مِنْ بِدّ النَّاسْ؟)، فهم يريدون: ما جنسك أنت؟ أنت من البشر أم مسخ آخر؟
* (شروى)، وشَرْوى الشيء: مثلُه(31)، وغالباً ما يأتي معطوفاً عليه بـ(مفل(مثل)، وبصورة المضاف إلى ضمير المخاطب المتصل فيقال: (مِفْلُِكْ (مِثْلُِكْ) وُْشَرْوَاكْ)، وهو محصور الاستعمال للعاقل في مقام المقارنة للمماثلة في الصفات الخلقية الحميدة، فلا يستعمل في ما سواها من الصفات الخلقية المذمومة فلا يقال: (وَاحِدْ بَلِيدْ مِفْلُِكْ وُْشَرْوَاكْ)، وإن قيل في الانتقاص: (مَا يْهِمْنِيْ مِفْلُِكْ وْشَرْوَاكْ)، فلأن الصفة لم تذكر صراحة، كما لا يستعمل في الصفات الجسمية، أو الصفات العلمية، أو العملية المكتسبة فلا يقال: (وَاحِدْ مَتِينْ مِفْلُِكْ وُْشَرْوَاكْ)، أو (مُهَنْدِسْ مِفْلُِكْ وُْشَرْوَاكْ)، أو (حَدَّادْ مِفْلُِكْ وُْشَرْوَاكْ)، واستعماله محصور بالضمير المتصل، وبالأخص المخاطب: فيقال: (شَرْوَاكْ)، و(شَرْوَاكمْ)، ولا يستعمل مع الفعل، أو الاسم الظاهر، أو الضمير المنفصل، فلا يقال: (شَرْوَى فِعِلْ فْلانْ)، أو (شَرْوَى فْلانْ)، و(شَرْوَى انْتَ) بدون ضمير متصل، بل يقال: (شَرْوَاكْ اِنْتَ) للتأكيد.
* (مِعْبَاةْ) بمعنى: مثل، ومقابل، وهو في أصل اللغة يعني المجازاة والمؤاخذة بالمثل من الفعل (عَابَى)، ومنه قولهم السائر: (يَا رَبِّيْ لا تْعَابِيْ صَغِيرْ بْكَبِيرْ وَلا كَبِيرْ بْصغِيرْ)، ثم انصرف للدلالة على المماثلة بمعنى (كما)، أو (مثل)، ولا يأتي بعده إلا فعل ماض، أو مضارع مسبوق بـ(ما) التي بمعنى (الذي)، ومثاله على الأول: (مَعْبَاةْ مَا سَوَِّيتْ فِيكْ مِنْ خَِيرْ تْعَامِلْنيْ هَالْمُعَامَلَهْ؟!).
* (شَكِلْ) بمعنى مثل، وهو في الأصل ساكن الوسط، ويحرك بالكسر في حالة الوقوف على آخره بالسكون، وهو حديث الاستعمال نسبياً إذا ما قيس بغيره من الألفاظ السابقة، ومثاله: (شِكِلْ هَادَا)، أي: مثله، واستعمله أبناء هذا الجيل بالإضافة إلى استعماله السابق بمعنى الجنس، أو الصورة، كقولهم حين الشتم (يِلْعَنْ) (إِلْعَنْ) شَكْلُكْ) أي: جنسك، وصورتك.
* (إِشْعَدَالْ) المتكون من المقطع: (اِشْ) من (أي شيء) والفعل (عَدَا)، وحرف الجر (لـ) مقروناً بضمير مناسب، وهو في الأصل للاستفهام الانكاري بمعنى: ماذا جرى أو حدث لـ ؟ لكن أهل سيهات قد يستعملونه أحياناً للتشبيه والتمثيل المقرون بالاستفهام نحو: (هَادَا مَدْرِيْ اشْعَدَالِهْ؟! وُْهِيهْ مَدْرِيْ اشْعَدَالْهَا؟!) بمعنى ما أدري ما شكله؟ وما شكلها؟ أو كيف صورته؟ وكيف صورتها؟ بينما يستعمل البقية عدا ذوي الانتماء القبلي اسم الاستفهام: (چَِيفَهْ) أي: كيف مع هاء السكت الذي هو في الأصل للسؤال عن الحال في هذا المقام، نحو: (رَِيِحَتِهْ چَِيفَهْ صَايْرَهْ؟! أي: رائحته كيف شكلها؟
* (عْبارَهْ) والعبارة في الأصل من العبرة، والاحتساب، أو العد، لكنها قد تستعمل في هذا المقام أحياناً بمعنى: (أشبه ما يكون)، أو (كأن)، نحو: (عَبَارهْ مَنْتَ مَوْجُودْ وِيَّانَا)، وقد يعقبها حرف الجر (عن) نحو: (مَرهْ عْبَارهْ عَنْ رَجَّالْ(رَيَّال)، أي: أمرأة تعادل رجلاً، أو تعد رجلاً.
* (زَيْ)، وأصله (زِيْ) المعرب بكسر الزاي، وهو مما كثر استعماله في الآونة الأخيرة بعدما سقط مثل: (تَهِيَّةْ)، و(عِينَةْ) من التداول، أو ما قل استعماله مثل: (رَنْگْ)، و(نَمُونَهْ).
وقد تسبق بعض هذه المجموعة (هاء) التنبيه للإشارة، فيقال: (هَاللَََََّونْ)، و(هَالشِّكِلْ (هشكل)، و(هَالنَّمُونَهْ)، و(هَالزَّيْ) فتعطي معنى (هكذا)، وتفترق بقية هذه الأسماء عن الاسم (هكذا) بصوره المتعددة أن الأول لا يتكرر في اللهجة إلا تكرر مزج، بينما البقية تكرر تكرار عطف، أما (كذاك) بصورتيه الواردتين فيلزم حالة الإنفراد ولا يتكرر في الجملة أبداً.
وهذه الأسماء (أعني هكذا وأمثاله) إذا جاء أحدها منفرداً ولم يتبعه شيء من الكلام كان في الغالب للتشبيه المقرون بالإشارة بمعنى: هذا الشكل، أو هذا النحو، أو هذا المثل، أما إذا تكرر كان للكناية عن الجمل في الحديث مثل: (كذا وكذا)، و(كيت وكيت)، ومثاله على (لون): (هَاللونْ وُْهَاللونْ)، إلا أنه لا يخلو من اقترانه بالمعنى الأول في آن واحد، أما (كذاك) بصورتيه الواردتين فغرضه محصور بالتشبيه، المقرون بالإشارة وحسب.
أما كاف التشبيه فهي غير معروفة بلفظها، إلا إذا كانت ضمن أسلوب أدبي، أو قول سائر مثل قولهم: (أَضُكْرُهْ كَمَا أَضْكُرْ اللهْ رَبِّيْ)، وتقوم مقامها هاء التنبيه فيقال: (هَاللَّونْ)، و(هَالشِّكْل (هشكل)، (هَالنَّمُونَهْ) إلخ.. فتعطي معنى (هكذا)، والأصل: كهذا اللون، كهذا الشكل.. إلا أن الكاف، واسم الإشارة (ذا) حذفا للتخفيف فقامت مقامهما هذه الهاء، كما يقوم مقامها (مِثْل)، أو (على)، ومثاله على الثاني قولهم السائر: (اِلْحَبْ يِطْلَعْ عَلَى بَدْرُِهْ)، أي: كبدره.
وقد تحذف الأداة ليدل عليها المشبه به من مثل: (شِغْلْ)، و(فِعِلْ)، و(سْواةْ)، و(سَوايَا) جمعها، و(صَنْعْ)، ومثاله على الآخرَين: (مَا حَدْ سَوَّى سَوايَاكْ)، وقولهم في التهديد (أَرَاوِيكْ صَنْعْ اللهْ)، والأصل مثل سواياك، ومثل صُنع الله.
الهوامش:
(1)  هكذا كان ينطقه الغالبية، وما زال أكثرهم، وهي لغة صحيحة وأن كانوا ينطقونه بالفتح لكراهتهم الضم، فقد جاء في تاج العروس من جواهر القاموس: (الأسبوع من الأيام، قال الليث: ومن الناس من يقول: (السُّبوع بضمها، والأخير بلا ألف) .
(2) الأصالة العربية في لهجات الخليج (مرجع سابق) ص 42.
(3) لسان العرب مادة: (تلو) .
(4) تاج العروس من جواهر القاموس مادة: (حيث) .
(5) لسان العرب مادة: (توا) .
(6) الإسراء الآية 52.
(7) مريم الآية 33.
(8) المفصل في شواهد النحو الشعرية (مرجع سابق) ج 1 ص 325، ويروى: (بَعْدُ) بالبناء على الضم.
(9) لسان العرب مادة: (بنك) .
(10) البصائر والذخائر لأبي حيان التوحيدي ج 1 ص 13.
(11) يونس الآية 92.
(12) تاج العروس من جواهر القاموس، مادة: (خلف) .
(13) مريم الآية 24.
(14) تنفيه الخاطر (مرجع سابق) ح 2 ص 136.
(15) مجلة الواحة (مرجع سابق) ع: 25، الربع الثاني 2002م، ص 115.
(16) القواعد الأساسية (مرجع سابق) ص 244 الحاشية.
(17) لسان العرب مادة: (نصف) .
(18) لغة تميم (مرجع سابق) ص 296.
(19) نفسه.
(20) النساء الآية 12.
(21) لسان العرب، مادة: (سدس) ، و(ثمن) .
(22) الخصائص لابن جني، ج 3 ص 91، تحقيق: الشيخ محمد علي النجار، مط: دار الهدى، بيروت لبنان، ط: 2، لا تا.
(23) المعجم المفصل في شواهد النحو الشعرية (مرجع سابق) ج 1 ص 442.
(24) لغة تميم (مرجع سابق) ص 404.
(25) المنجد في اللغة، وتاج العروس من جواهر القاموس، مادة: (ست) .
(26) المعجم المفصل في شواهد النحو الشعرية (مرجع سابق) ج 3 ص 1279.
(27) مفتاح اللغة الفارسية (مرجع سابق) ص 32.
(28) ظاهرة التأنيث بين اللغة العربية واللغات السامية دراسة تأصيلية ص 32، د./ اسماعيل أحمد عمايرة، مط: مركز الكتاب العلمي، عمان الأردن، ط: 1، س: 1407هـ.
(29) شرح ابن عقيل (مرجع سابق) ج 2 ص 423.
(30) الوحيد في النحو والإعراب (مرجع سابق) ص 48، والقواعد الأساسية (مرجع سابق) ص 242.
(31) لسان العرب، مادة: (شري) .


 

باحث
323554