معرض الجزيرة العربية في الخرائط الأوروبية بين القرنين العاشر والثالث عشر الهجريين
عبدالباري أحمد الدخيل * - 2 / 11 / 2007م - 2:50 م - العدد (37)

خرائط المعرض:
برعاية أكاديمية الفيصل العالمية بقاعة العروض الزائرة في المتحف الوطني بمركز الملك عبدالعزيز التاريخي. أقيم مؤخراً معرض «الجزيرة العربية في الخرائط الأوروبية القديمة» نظَّمت هذا المعرض مؤسسة التراث، وتشكل الجزيرة العربية المسرح المكاني لخرائط المعرض، ويطابق هذا التحديد الجغرافي في الوقت الحاضر الأراضي التي تضم المملكة العربية السعودية التي تشغل أكثر من 80% من أراضيها، والجمهورية اليمنية، وسلطنة عمان، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، ودولة الكويت، ودولة قطر.
زمان الخرائط:
تغطي الخرائط الفترة الزمنية منذ نشر أول طبعة من خريطة بطليموس عن الجزيرة العربية سنة 882 (1477م)، حتى نهاية الربع الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، باختلاف موضوعاتها، وتعدد أشكالها، وتنوع أحجامها، أي أنها تبدأ مع بداية استخدام طباعة الخرائط بالنحت على الخشب، وتنتهي مع بداية استخدام الطباعة الحجرية، وهي الفترة التي يستخدمها كثير من هواة جمع الخرائط، لأنها تتصف بندرة الخرائط التي صدرت فيها.
 ومن المناسب جداً، وبمناسبة هذا المعرض أن نلقي بعض الضوء على الخريطة وتاريخ نشأتها عارضين واحدة من الخرائط القديمة عن الجزيرة العربية.
لقد حاول الإنسان منذ أقدم العصور أن يمثل المظاهر المحيطة به، من طرق وتلال وجبال وأودية، بطريقة تمكنه من فهم العلاقة المكانية بينها من مجرد نظرة سريعة، وقد أسفرت هذه المحاولة عن نشأة ما يسمى بالخريطة، ومن أبسط أنواع الخرائط تلك الخطوط التي كان يرسمها الإنسان على الأرض ليستطلع مع جماعته طريق رحلته التي ينشدها، ويحدد مساره قبل الانطلاق.
إن لفظ (الخريطة) في اللغة العربية له أصله في اللاتينية (Cartae) أو (Chartae)، وهو بمعنى لوحة الورق أو المعدن الرقيق، عليها مادة مكتوبة أو مرسومة، وهي توضح معلومات طبيعية تخص البحار والأنهار والبحيرات والجبال والغابات، وكذلك تبين المعلومات المتعلقة بما أحدثه الإنسان من طرق ومزارع ومناطق سكنية، وغير ذلك. وقد تصبح الخريطة بمرور الزمن وثية تاريخية يُستفاد منها في تحصيل كثير من المعلومات والحقائق عن الفترة التي صدرت فيها،كما يمكن أن تصبح ذات دلالات فنية معبرة عن عصرها، وما انطوى عليه من اتجاهات في ميدان الفن، لأن الفنانين مشاركون أصليون في رسم الخرائط، مما يعطيها فيمة فنية. إلى جانب القيمة العالية للمعلومات التي تشتمل عليها.
وعلى الرغم من تقدم الوسائل العلمية، والتطور في وسائل رسم الخرائط بالاعتماد على المسوحات والكشوفات و الطيران والأقمار الصناعية، إلا أن الخراط القديمة يظل لها طابعها الخاص، وأهميتها العلمية المتميزة، بوصفها وثائق نادرة.
الخرائط القديمة:
اتخذ رسم الخراط في القديم عدة أساليب، منها:
1. النحت على الخشب.
2. الحفر على الألواح المعدنية.
3. الطباعة الحجرية ( ليتوجرافي).
4. الرسم باليد على الجلد.
ويرجع الفضل في وضع الأساس الحالي لعلم الخرائط إلى الإغريق الذين عرفوا شكل الكرة الأرضية وقطبيها، وتمكنوا من تحديد خط الاستواء والمدارين، كما يعدّ العالم الجغرافي العربي الإدريسي من أشهر راسمي الخرائط، فقد قيل: إنه أعدّ سبعين خريطة، وأوضح فيها تقسيماته للأقاليم على كرة من فضة، ثو رسم خريطة للعالم على لوح كبير من الفضة.
خرائط الجزيرة العربية:
عُرفت الجزيرة العربية قديما بـ(بلاد العرب) وبالتحديد (بلاد العرب السعيدة)، طبقا للتقسيم الروماني. وهي الأراضي الواقعة ما بين البحر الأحمر غربا، والخليج العربي شرقا، وبحر العرب جنوبا، والحدود الجنوبية لصحراء الشام والعراق.
أخذت عجلة رسم خرائط للجزيرة العربية، وإضافة معلومات عليها، تسير ببطء خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، ثم زادت بسرعة أكبر خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين نتيجة للزيادة النسبية في الرحلات العلمية الأوربية إلى الجزيرة العربية، مما ساعد على تصحيح كثير من الأخطاء الجغرافية التي كانت شائعة، وإضافة معلومات جديدة إلى الخرائط، وكانت المعلومات عن الأجزاء الغربية منها أكثر وفرة ودقة من المعلومات عن أي منطقة أخرى، وذلك لأهمية تلك المنطقة التي تضم الحرمين الشريفين، ولاتجاه الرحلات السنوية إليها مخترقة هذا الإقليم من جميع الاتجاهات إلى وسطه.
مصادر كتابات الأوربيين عن الجزيرة العربية:
لقد تعددت دوافع الرحلات الأوربية إلى الجزيرة العربية، واختلفت بحسب الظروف السياسية والتجارية والعلمية السائدة، بالإضافة إلى الدوافع الدينية، سواء كانت رحلات الحج أو الرحلات بهدف التنصير، ورغبة المتخصصين في هذا المجال في الوصول إلى أسماء مواقع في الجزيرة وردت في الكتب الدينة النصرانية، لتوثيقها، والكتابة عنها، والبحث في آثارها.
أما الرحلات الأوربية العلمية المنظمة، فلم تأت إلا متأخرة، وقد بدأت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي، إذ أخذت المعلومات غير الدقيقة على خريطة العالم تتقلص، باستثناء قسم كبير من الجزيرة العربية بقي خاليا من المعلومات، أو وضعت عليه معلومات خاطئة، فأثار ذلك انتباه بعض العلماء والمهتمين بشؤون الجزيرة العربية في أوربا، فبدأت مرحلة الرحلة العلمية المنظمة إليها، والتي يعدّ “نيبور” ورفاقه روّادا لها، ويمكن تحديد مصادر كتابات الأوربيين عن الجزيرة العربية في الآتي:
1. أعمال الأوربيين الذين خططوا لزيارة الجزيرة العربية، والكتابة عنها قبل التوجه إليها، وهذه الكتابات تميل إلى الوصف العام، ويضعف فيها البعد العلمي.
2. أعمال الأوربيين الذين وجدوا أنفسهم يتجولون في بعض مناطقها، أو كما يطلق عليهم (رحالو المصادفة)، وهي كتابات عامة أو سطحية، وفي كثير من الأحيان غير دقيقة.
3. أعمال الباحثين الذين كتبوا عن الجزيرة العربية بناءً على معلومات حصلوا عليها من تقارير رحالين سابقين، أو من البحّارة والمبعوثين، وتشمل هذه المعلومات أيضا الروايات التي كان ينقلها الحجاج أو أهالي المناطق الداخلية عند وجودهم في الموانئ أو نقاط الاتصال.
4. أعمال المستكشفين، وهم الروّاد الذين استخدموا الأسلوب العلمي في التخطيط لرحلاتهم وتنفيذها ونشر نتائجها، وغالبا ما تكون معلوماتهم تفصيلية دقيقة. وأولى هذه الرحلات الاستكشافية العلمية رحلة (كارستن نيبور).
عوامل تأخر ظهور الخريطة في الجزيرة العربية:
تأثر إنتاج الخرائط في الجزيرة العربية قديما بعدد من الظروف والعوامل التي تميزها من بقية المناطق الأخرى، ويمكن إجمالها فيما يلي:
1. العوامل الطبيعية: تتصف الجزيرة العربية باتساع مساحتها، وقسوة ظروفها المناخية، وهذا ما أعاق مسح أراضيها، والتجول في مناطقها.
2. العوامل الاقتصادية: لم تكن الجزيرة العربية – في وقتها – منطقة جاذبة للاهتمام بسبب مواردها الاقتصادية.
3. العوامل الدينية والاجتماعية: كان يسود لدى العالم الغربي بعض الشائعات التي تروّج أن المسلمين يبيحون قتل غير المسلم، ويزداد هذا الشعور لديهم كلما اقتربوا من أقدس البقاع لدى المسلمين، لذلك نلاحظ أن معظم الغربيين الذين توغلوا في ديار الإسلام، دخلوا في الإسلام، أو زعموا الدخول فيه، واتخذوا أسماء عربية، مثل: بروتون: الحاج عبد الله الأفغاني، و دو مينجو باديا: الشريف علي بك عباس، وكورتلمون: عبد الله بن البشير.
4. العوامل السياسية والإستراتيجية: كانت الجزيرة العربية تعيش فترة من الفوضى والصراعات القبيلة، مما قلّل من إمكانات التجوال فيها لجمع المعلومات التفصيلية، ووضع الخرائط.

كاتب
322889