واحة الأحساء (1)
فاضل صادق العلي - 18 / 5 / 2008م - 1:50 م - العدد (12)

الأخوة مسؤولي مجلة الواحة

بالرغم من مشكلة شحّ المعلومات عن القطيف والأحساء، وبالرغم من دفق المعلومات الكبير الذي اضطلعت به (الواحة) منذ صدورها، فإن موضوعاً آخر أكثر أهمية يبرز في الوقت الحالي.. ذلك أن المعلومات التي تقدمونها، والوثائق التاريخية التي تنشرونها، لا تكفي لسدّ نواقص المعلومات في تاريخ المنطقة، إذ من الضروري أن يتم تنسيق المعلومات المنشورة، ودراستها، واستخلاص الآراء بشأنها، بما يفيد في تعزيز معرفة الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية لسكان المنطقة.

وحتى الآن، فإن جهداً كبيراً يبذل في تحصيل المعلومات والوثائق وترجمتها ونشرها، ولكن قليلاً من الجهد يبذل في التحليل والبحث، فمتى نرى نخلاً للمعلومات وتمحيصاً لها ووضعها في إطار الدراسات الأكاديمية أو شبه الأكاديمية.

أمامي وأنا أ:تب هذه الرسالة إليكم، كتاب (واحة الأحساء) لمؤلفه ف. ش. فيدال، والذي ترجمه الدكتور عبداللَّه ناصر السبيعي إلى العربية، فإن هذا الكتاب إضافة إلى ما حواه من معلومات مذهلة عن واحة الأحساء، فإنه في الوقت نفسه رسم صورة عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية في الواحة. أي أنه قدّم في مواقع عدة تحليلاً للمعلومات، مثلما تعب في تحصيلها ميدانياً، بالرغم من أنه لم يكن في الأصل باحثاً أو صاحب تخصص.

قرأت كتاب (فيدال) أكثر من مرّة وأظن أن الكتاب إن لم يكن أفضل ما كتب عن واحة الأحساء، فإنه على الأقل ضمن الكتب الأساسية الأولى عن الأحساء.. واعتقدت بأن مجلة (الواحة) وكتابها وقرائها، يمكن أن يقدّموا عملاً بحثياً جيداً، اعتماداً على ما يُنشر من معلومات، التي حُلّت مشكلتها إلى حين تقريباً، وبقي النقص واضحاً في الاستفادة من تلك المعلومات المنشورة في أبحاث مستقلة تكشف خبايا مجتمعنا في جوانب مختلفة.

إن المواضيع التي طرقها فيدال، تمّ طرقها في مجلة الواحة: مثل (العيون المائية، الموقع الجغرافي، النخيل وزراعتها، الحصون، وسائل النقل، المدن والقرى، الأوزان والمقاييس والمكاييل، الحرف، الآثار، السكان).. وغير ذلك من الموضوعات.. لكن فيدال تميز في بحث موضوع نظم الري وتحليل الوضع الاقتصادي وتعداد السكان، وأعطى للموضوعات الأخرى التي طرقها بعض التحليلات الجيدة.

من بين الموضوعات التحليلية التي قدمها فيدال التالي:

1- لماذا بقيت الأحساء مجهولة لغير أهلها؟ عدد فيدال جملة أسباب منها: عدم توفر الأمن، وأن الأحساء لم تكن الهدف النهائي لأي رحلة قام بها مستكشف بل كانت أشبه ما تكون بممر، وأن الذين مروا بها أصحاب تخصص فلم يغطوا سوى الموضوعات القريبة من تخصصهم، وأيضاً، هناك سبب أخير، وهو أن قرب الأحساء من الخليج أفقدها بعض الجاذبية كتلك التي جذبت آخرين إلى الربع الخالي.

2- مؤرخو الأحساء. فقد أعطى فيدال تصوراً عن المؤرخين الذين كتبوا عن الأحساء مع تقييم لأعمالهم، فقال مثلاً عن بلغريف أن معلوماته متقطعة وغير موثوق بها، وهي فعلاً كذلك، وهو كاذب لأنه لم يزر الأحساء وإن ادعى ذلك، وقال عن شيزمان أنه اهتم بالطيور بشكل أساسي، وأن ماكي أهم من يعتمد على روايته، وامتدح فيدال (لوريمر) رغم الأخطاء التي وردت في كتاب (دليل الخليج) ويبدو أن فيدال لم يدرك حقيقة أن لوريمر لم يزر الأحساء، وأن كل ما فعله هو جمع وتنسيق المعلومات والتقارير المتوافرة في الأرشيف التابع لوزارة الهند، وأن ما جاء به من صح أو خطأ، لا يعود إليه وإنما إلى المشاركين في (دليل الخليج) وهم يعدون بالمئات، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الموظفين السياسيين وغيرهم وعلى حقب متعددة من التاريخ، شاركوا في كتابة التقارير وإعدادها لمسؤوليهم.

وامتدح فيدال فيلبي لمعلوماته (المذهلة) رغم أنه لم يمض سوى يومين في الهفوف، وأشار إلى هاريسون وتويتشل وغيرهما، وقال بأن البقية كانوا سطحيين في النقل والتحليل. وعلى صعيد المواطنين قال بأن المعلومات التي تلقتها شركة أرامكو من أناس (اعتبرتهم أصحاب خبرة) تبين أنهم ليسوا كذلك!

وهنا يلاحظ أن مجلة (الواحة) لم تقدّم تقييماً لمعدّي التقارير التي تنشرها، وفي قليل من الأحيان تنقدها، أو تشير في الهامش إلى الأخطاء التي ترد فيها.

3- لم يسبق أن قدّم أحد تقديرات شبه دقيقة لعدد سكان الواحة وقراها كتلك التي قدمها فيدال، لأنه قام بالعمل مع فريقه (ميدانياً) ولاحظ هجرة السكان من الريف، وأن نسبة الشيعة إلى السنة قد تصل من 60 إلى 40، وأن الاختلاط بين السكان اعتيادي في المدينتين الكبيرتين، وفي القرى المختلطة يحدث أن يقرر فريق من السكان تأسيس قرية خاصة به! وقال: إن الهفوف تتمتع بقدر كبير من التحرر من الأحقاد المحلية بين الطائفتين، وقدّم فيدال تحليلاً لأوضاع السكان المذهبية والدينية، تحدث من المذاهب الأربعة، وعن أقسام الشيعة: الشيخية والأخبارية والأصولية، كما تحدث عن طريق بناء المنازل ضمن تقسيمات المدن والقرى.

4- تحدث عن دور ينابيع المياه ليس في تكوين حضارة الأحساء، حسب ما يقول فيدال، فحسب، بل وأيضاً تأثيره على النواحي الصحية والاجتماعية (الاستجمام).

5- بحث فيدال موضوعاً مهماً، وهو ملكيات الراضي الأراضي، الحكومية والأهلية، وتقسيماتها، وطرق البيع، والاستئجار، وتقسيمات الري وضوابطه، وبعد فيدال أول من قدّم -حسب علمنا- تحليلاً علمياً لمكونات المياه في الأحساء.. إلخ.

6- أشار فيدال إلى النواحي غير الاقتصادية لبساتين النخيل، مثل كونها مراكز التقاء اجتماعي، أو بمثابة أندية لطبقات اجتماعية، وأنها كانت مركزاً للاستجمام (لاتزال حتى الآن).

7- تحدث فيدال عن طبيعة الشخصية الأحسائية، التي تريد الاحتفاظ ببستان النخيل، حتى لو كان الشخص مستعداً لهجر القرية بحثاً عن فرصة عمل، والأحسائيون كثيراً ما يفعلون ذلك.

8- قدم فيدال تحليلاً أيضاً للنقل عند الأحسائيين وعدم اعتمادهم على العجلات رغم معرفتهم بها، فقال بأن النقل بالعجلات لا يحمل متعة النقل على ظهور الحيوانات، كما أن هناك مشاكل وجود الرمال التي تغوص فيها العجلات، ويضاف إلى ذلك توافر الحيوانات الرخيصة للنقل.

9- حلل فيدال بصورة عابرة المنتجات الزراعية في الأحساء، الفواكه والخضروات، والحبوب، وقال عن الأخيرة أن الأحسائيين لم يتوسعوا في زراعة الرز والقمح، والسبب يعود إلى الجدوى الاقتصادية، وأنهم كانوا يزرعون الرز والقمح بصورة أكبر في فترات منع الاستيراد كقيام الحروب. وفضلاً عن ذلك كانت زراعة الأرز تحتاج إلى عناية خاصة وجهداً شاقاً.

بلا شك فإن الطاغي في كتاب فيدال هو المعلومات، ولكن معلوماته كانت أكثر دقة من معظم الباحثين الذين سبقوه، أما التحليلات فجاءت بصورة عابرة، وأظن أن الإشارات التي وضعها كتحليل لبعض المعلومات تحمل قيمة علمية كبيرة، مع أن من الواضح جداً أن فيدال نفسه لم يكن باحثاً اجتماعياً، ولو كان كذلك لقدّم لنا كتاباً يبقى متربعاً في القمة لعقود عديدة.

218066