عبد الرحمن المريخي.. ذلك الإنسان.. الإنسان..
محمد الجلواح * - 12 / 10 / 2007م - 3:33 م - العدد (45)
ذات مساء.. كان عبد الرحمن المريخي نجمنا في جمعية الثقافة والفنون بالأحساء: .. فهتفنا له معا بمشاعر واحدة ونحن ننتشي لحظات تكريمه: أيها الفَذّ الذي جئنا له نرفعُ التكريمَ: حقاً قد وجب وبه تُكرمُ (هجرٌ) كلَّها وله ما بيننا أعلى الرُّتَبْ يا (أبا منذرِ) ردّدنا معاً حينما شعرك كالعطر انسكب..: >بـِدونك، لا مُواني تْبِينْ ما حطّت هوادج فَـَـيـّـَـة اعيونك بدونك..: الضَّحى فوق الثرى أقْفر ما مسح طين التعب ما وِطت شمس الوله جُوفْ الصَّخب عانقت لون الدخان غربة اشفاتي شريدة، ضحكتي.. عيّت تبان..< ** أنت (طفلٌ أخضرٌ)** في حقلنا ولهذا فيكَ قد زان الطرب! ** هكذا غنينا مع الأخ والصديق والأديب والشاعر والفنان، ورفيق الدرب، والمُعَلّم، والإنسان الأستاذ عبد الرحمن المريخي.. حين كان يحيطنا فنه وحضوره وفكره ورؤيته الحالمة لبناء طريق للجـَمـَال.. كان الموت.. غائبا.. بل ميــّـتا. في ذلك المساء وما بعده من أيام وأماس قادمة.. ـ آه... أصحيح أن الموت قد حضر فأخذ هذا الفذ عنا ومنا.. ؟ ـ نعم صحيح.. ـ إذن لابد أن تتحول كل الكلمات إلى تأبين ورثاء ووداع ودموع واستدعاء ذكرى.. ـ عبد الرحمن المريخي.. كان حاضرا ولازال.. ـ كل فرد في الجمعية والوسط الثقافي والفني كان يحظى باهتمام خاص منه، حتى يكاد أن يكون ذلك الاهتمام له وحده من (أبي منذر).. هكذا كنا نشعر.. ـ ولن أبالغ إن قلت أنه قد منحني مكانة متميزة في نفسه الكريمة، ولهذا فقد هدّني رحيله حتى العظم. فكم هي الحروف قزماء لتأبينه، وكم هي المشاعر سوداء لغمض عينيه، وكم هي الأشياء داكنة لفراقه. كان ـ يرحمه الله ـ كأحدنا فينا.. لم نر منه إلا سناً ضاحكاً، وكان يقابل الأشياء بحزم وجد مشوب بابتسامة هادئة.. بل لا أبالغ إن قلت: إنني تمسكت بابتسامتي بعد الانصهار العملي معه، ثم الانصهار الشخصي بعد ذلك. ـ في إحدى المرات اتصل بهاتف المنزل (قبل أن يأتي البيجر والجوال)، فاستقبلت الرد زوجتي، فقال لها بكل عفوية واحترام: يا سيدتي أم جلواح من فضلك توسطي لنا يا أختي الكريمة عند أبي جلواح لنراه قريبا فقد غاب عنا طويلا، واشتقنا له، ولا حيلة لنا بلقائه إلا عن طريقك. وكنت خارج المنزل فأخبرتني زوجي وقالت بحزم وتأكيد:.. الليلة تذهب لأبي منذر لتراه. دون تأخير. وحين دخلت الجمعية.. استقبلني الحبيب بتكبيرة ثم قال: الحمد لله لقد نفعت واسطة البيت .. وسأستخدم هذه الورقة في كل مرة..!! ـ كان ـ يرحمه الله - يعمل كل ما في وسعه ليرى أصدقاءه ويجدد بهم عهدا.. في كل مرة وبين أوقات متقاربة.. وأذكر أنه في أمسية أقمناها في الجمعية عن (دور الأسرة في تطوير المجتمع) في منتصف الثمانينيات الميلادية المنصرمة، كنت مسؤولا عن تقديم الفقرات، وتنقــّـل الضيوف القادمين من خارج الأحساء إلى الأماكن المقرر لهم زيارتها.. فقال لي أبو منذر، وكان حينها يكنى بـ (أبي عذاري) (اسم ابنته الكبرى)، ولم يكن الأستاذ منذر قد جاء بعد.. قال يا أبا جلواح.. أنت الوحيد الذي سأترك لك هذه المهمة لتأخذ ضيوفنا إلى (جبل القارة).. فقلت له: سأترك الضيوف في الجبل، وأعود، فقال: سنكون كلنا مع الضيوف في الجبل.. فهل ستضيع نفسك معنا..؟!! ـ سأبقى أذكره شاعراً تقاسمتُ معه فن الكلمة وحلقنا معاً في أجوائها، وشاركته أكثر من أمسية شعرية وثقافية في الأحساء وخارجها.. ـ عبد الرحمن المريخي.. يا من جعلتني أعجن دموع الفقد مع حروف الرحيل..أرجوك عد فقد اشتقت إليك. ـ ستذكرك الأحساء رمزاً إبداعياً، وسيذكرك الأطفال عَلماً عالياً وصوتاً وأنشودة وأغرودة، وحكيما لهم. ـ وإذا كانت الأحساء قد شهدت في وداعك يوماً مهيباً وحاشداً، وودعتك بكل الدموع، وإذا كان الموت الذي لابد منه قد غيبك عنا جسداً، وصوتاً وبسمة وأداءً، وحركة، وروحاً، وحياة، فسيبقى الإرث المريخي الجميل كله الذي تركته هو العرض الذي نعزي به أنفسنا فيك. ـ رحمك الله يا أبا منذر، وغفر لك وأسكنك فسيح جناته، وألهم أهلك وأبناءك وإخوانك وأصدقاءك وكل أحبابك الكثيرين الصبر والسلوان. ** هذا هو المقطع الأول من قصيدة للراحل العزيز.. عنوانها (الطفل الأخضر).
شاعر وكاتب
323503