مذكرات حول النشاط التبشيري في شرق الجزيرة العربية
التحرير - 19 / 5 / 2008م - 4:01 م - العدد (12)

عودة إلى المبشرين والتبشير في منطقة الخليج.. فقد نشرت (الواحة) في عددها الأول، معلومات ومذكرات حول النشاط التبشيري في شرق الجزيرة العربية. وألمحنا في ذلك العدد إلى مذكرات المبشرة التي أسمت نفسها (شريفة) ومارست مهنة التمريض كبقية العاملين في الإرسالية الأمريكية في البحرين، باعتبار الأهمية القصوى لتلك المهنة، التي لا غنى للمرضى عنها، وبالتالي يمكن التسلل عبر النشاط الإنساني في مجال الخدمات الصحية، إلى الترويج إلى عقائد المسيحية بين السكان في شرق الجزيرة العربية وغيرها.

وها نحن هنا أمام كتاب آخر، حوى ترجمات لأهم المقاطع في مذكرات المبشرين العاملين في الإرسالية الأميركية على امتداد مناطق الخليج العربي والتي تمت في مجملها في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي وبداية القرن العشرين.

الكتاب الجديد، حمل عنوان: صدمة الاحتكاك: حكايات الإرسالية الأميركية في الخليج والجزيرة العربية (1892 - 1925) وصدر عن مكتبة الساقي، لندن 1998، وهو من إعداد وترجمة الأستاذ خالد البسام.

هذه المقاطع المستلة من الكتاب هي مجمل ما ورد فيه عن الرياض والأحساء والقطيف. وهناك فقرات لم ننشرها في العدد الأول من (الواحة) وهي المتعلقة بمذكرات المبشرة (شريفة)!!

هاريسون في الأحساء عام 1919:

لا أحد يفكر في السرقة.. ابن جلوي هنا!

كانت منطقة الأحساء في الجزيرة العربية أحد الأماكن المفضلة لدى طبيب الإرسالية الاميركية بول هاريسون. وبسبب هذا التفضيل، كان يقوم بزيارتها بين فترة وأخرى. مرة للعلاج، ومرات لكتابة التقارير عنها، ومرات أخرى للتبشير غير المعلن. وفي شهر أيلول/ سبتمبر من العام 1919 قام هاريسون بزيارة إلى الأحساء، وكتب عنها يقول: "لقد انتهى الوقت الذي كانت الأحساء فيه تحكم بواسطة الأتراك. فالناس هنا أصبحوا ينظرون إلى تلك الفترة على أنها أيام مظلمة". ويضيف: وفي الحقيقة، فإنه من الصعوبة تصور الوضع الصعب للأحساء بالنسبة إلى التفكير الغربي. فالحكام الأتراك كان لديهم طموح واحد وهو إثراء أنفسهم. وفي هذا المجال، يمكن القول: إنهم نجحوا بمشقة. وبجانب الأتراك، فإن البدو الجوعى في الصحراء كانت لديهم الرغبة في ذلك أيضاً، ولكن لأسباب مختلفة. وجميعهم -البدو والأتراك- حققوا نجاحاً شاقاً، ولكن على حساب حياة الناس الفقراء في الأحساء، الذين يعيشون وسط بساتين النخيل، وفي ظل عبودية قاسية. وحتى سبع سنوات مضت، كانت هذه الحالة هي الوضع المسيطر في الأحساء. لكن خروج الأتراك ومجيء حكم آل سعود غير الوضع تماماً. ففي أيام الأتراك، كان سكان الأحساء ينهبون ويسرقون، ويقتل بعضهم بعضاً، والأغنياء يضطهدون الفقراء. وكان بدو الصحراء -الذين يعتبرون أرواحهم من ارخص الأشياء في الدنيا- يعتبرون الأحساء مصدراً رئيسياً لرزقهم، ومن الأماكن السهلة للنهب والسرقة.. وقد لاحظت التغير الكبير في الأحساء بنفسي. ففي رحلتنا الأخيرة، التي قطعنا فيها الصحراء لمدة خمسة أيام، لم يكن معنا أي حارس أو جندي، رغم أن قافلتنا كانت كبيرة نسبياً. لكنني شعرت بالتغير والأمان الكبير عندما ضرب أحد المرافقين بعصاه على حمولة أحد الجمال، التي تتكون من 40 ألف روبية قضية، وسمعنا النقود وهي تخشخش ويصطك بعضها ببعض.

وبسرعة، التفت إلينا قائد القافلة قائلاً: لا أحد يفكر في سرقة أي شيء الآن، منذ أن أصبح ابن جلوي حاكماً هنا.

وأكمل: لقد تضاعفت قيمة تمور النخيل ثلاث مرات أكثر مما كانت عليه أيام الأتراك، وازداد بيعها مرات كثيرة، وازدهرت تجارة البلاد ازدهاراً كبيراً.

وبجانب كلام قائد القافلة، فإن الأحساء أكثر المناطق المرشحة للازدهار، لأنها البقعة الخضراء لكل الجزيرة العربية، وكل ما تحتاج إليه هو حكومة جيدة.

وفي أحد الأيام، كنا نراقب مشهداً غير مألوف في مجلس حاكم الأحساء ابن جلوي. فقد دخل أحد البدو، وقال لابن جلوي بدون مقدمات: لقد رأيت كيساً من القهوة ملقى في الشارع قبل مجيئي إليكم.

وفي الحال رد عليه الحاكم:

- ولكن كيف عرفت أنها قهوة؟

أجاب:

- ضغطت على الكيس بإصبع رجلي الكبيرة، لكي أعرف ما فيه، فعرفت أنها قهوة.

وقال ابن جلوي:

-  جينما ترى كيساً ملقىً في الطريقن يجب عليك أن لا تضع إصبعك عليه. عليك أن تتركه وحده.

ثم قال لخادمه:

- اذهب وأحضر مرزوقاً.

وحضر الجلاد بدون أي تأخير، وحينها قال الحاكم:

- اقطعها.

ومنذ ذلك الوقت فقد البدوي إبهام رجله!

إنني ما زلت أتذكر أول مرة قابلت فيها ابن جلوي، الشخصية اللافتة للنظر. فقد سمعت عنه الكثير، وكانت مقابلتي الأولى له مثيرة، وخرجت منها مسروراً. في البداية، كان غير موافق على حضوري إلى الأحساء، وأعتقد أنه كان خائفاً مني بعض الشيء، مثلما كنت أنا أيضاً خائفاً منه. ولكن بعد ذلك، أصبحنا، أنا وهو، صديقين، وأعجبت به جداً.

ولم تجلب طريقة ابن جلوي في الحكم النظام والأمن للأحساء فقط، بل الازدهار الاقتصادي أيضاً. وقد شاهدنا ذلك عملياً.

فيوم الخميس، هو يوم سوق كبير في الأحساء. وإليه يأتي سكان جميع القرى الخارجية. ومن الواضح أن جميع رواد السوق مصممون على بيع أي شيء وشراء أي شيء أيضاً. إنه مشهد رائع وفاتن، ويصعب وجود مثل له في أي مكان بالجزيرة العربية. وعلاوة على ازدحام السوق بالناس، فهو أيضاً مليء بنوعيات مختلفة من البشر، حيث يأتي إليه مزارعو النخيل وبدو الصحراء والتجار المقيمون والمسافرون وغيرهم.

وبجانب مشاهداتنا وزيارتنا لابن جلوي كان عملنا الطبي يسير سيراً جيداً. فقد كان اختيارنا لأحد البيوت أحد أسباب النجاح. ورغم أن البيت كان صغيراً، إلا أنه كان يكفي لإقامة خمس عائلات. وقبل أن يمضي أسبوعان على إقامتنا، كان عدد المرضى يتجاوز الأربعين شخصاً. وفي أحد الأيام، قام الحاكم ابن جلوي بزيارتنا بنفسه، وأبدى إعجابه بعملنا، وبالطبع، فقد أعطت هذه الزيارة دفعة قوية لعملنا بين الناس.

وشخصية حاكم الأحساء ليس بها غموض. فابن جلوي يجلس في مجلسه وحيداً أعزل تماماً وبدون حرس أو حاشية.

وقد اندهشت جداً، في إحدى الليالي بمجلسه، عندما استمعت إلى جدل سريع بينه وبين أحد البدو. ففي تلك الأيام، كانت تدور حرب طاحنة بين ابن سعود وشريف مكة. وكان ابن جلوي يعاتب البدوي على موقف قبيلته من تلك الحرب. وجرت بينهما مناقشة ساخنة، حسمها ابن جلوي بعد فترة.

لقد عين ابن جلوي حاكماً للأحساء قبل سبع سنوات مضت، استطاع خلالها إقامة حكومة جيدة وقوية. لكنه، ومنذ تعيينه، لم يطلب إجازة، وإن تكن قصيرة، ولم يغادر العاصمة (عاصمة الأحساء) ولو ليوم واحد. مرة واحدة فقط غادرنا للترحيب بابن سعود، الذي جاء لزيارة الأحساء. ولكن ذلك لم يستغرق سوى خمس دقائق فقط.

هاريسون يفتتح عيادة في الرياض عام 1917:

زيارة نجد حلم انتظرناه طويلاً

لم يكن أمام الإرسالية الأميركية في البحرين، عند نهاية شهر آب/ أغسطس 1917 خيار سوى تلبية الدعوة التي وصلت من عاصمة نجد "الرياض" التي تطلب القيام ببعض الأعمال الطبية.

وقتها، كان الحلم والأمنية الغالية لأي طبيب أو مبشر في الإرسالية، الذهاب إلى نجد، وزيارة هذا المعقل الحصين. وهكذا، جاءت الدعوة لتحقيق الحلم الذي طالما انتظره الطبيب بول هاريسون. وكتب عن تحقيق هذا الحلم في مجلة الإرسالية قائلاً:

هذه الدعوة المفاجئة حقاً، جاءت نتيجة الأعمال الطبية التي قامت بها الإرسالية طوال السنوات الماضية، في مدن وقرى الأحساء، والسمعة الطيبة التي حصلت عليها نتيجة لذلك. وإضافة إلى ذلك، فقد وجدنا أنها ستكون بداية لعملنا المرجو في وسط الجزيرة العربية.

ولكل هذا، تم الاستعداد للقيام برحلة الرياض في غضون 48 ساعة فقط، على الرغم من انشغال مستشفى الإرسالية، ونقص عدد الأطباء والممرضين فيها. وهكذا تم كل شيء بسرعة، واستطعت اصطحاب أحد المساعدين معي في الرحلة.

وفي اليوم الثالث بعد وصول الدعوة، أبحرنا صباحاً فوصلنا إلى الأحساء في اليوم التالي، حيث كانت محطتنا الأولى في الطريق التي توقفنا فيها خمسة أيام.

وكان بقاؤنا في الأحساء ضرورياً للاستعداد لرحلة الرياض الطويلة، والاتفاق مع إحدى القوافل الذاهبة إلى هناك.

وعلى الرغم من طول فترة بقائنا المؤقتة في الأحساء، إلا أننا قضينا فيها أوقاتاً سارة. فالأحساء واحة جميلة، تنتشر فيها المياه الحلوة في كل مكان، حتى أنها لتفيض عن حاجات الاستهلاك وري البساتين.

وبسبب هذه المياه الحلوة، نجد أن القمح وحتى الأرز، يزرعان هناك في مناطق ليست قليلة. أما بساتين النخيل، فهي ممتدة لأميال في جميع الاتجاهات. وإلى جانب النخيل، تتوافر في أماكن كثيرة أشجار التين والرمان والمشمش والخوخ وغيرها من الفواكه. وتباع جميع هذه الفواكه والخضراوات بأسعار زهيدة. ولأن الأحساء هي مركز تجارة الرطب في الجزيرة العربية، فإن آلاف البدو يأتونها في موسم الجني.

وعاصمة الأحساء هي مدينة "الهفوف"، وإلى جانبها تقع مدن عدة، يسكنها ما بين 30 و 40 ألف نسمة. وهناك حوالي سبعين قرية أيضاً تقع وسط بساتين الحساء. وبعض هذه القرى تعد مسكناً لبضعة آلاف من سكان الأحساء.

وعلى الرغم من أن الجو في الأحساء جميل، ويتزامن مع ليالٍ باردة جافة حتى في الصيف الحار، إلا أن المنطقة فيها بعض الحالات المحدودة من الملاريا، ولكنها تبدو أقل بكثير من الحالات الموجودة في البحرين.

وأكثر من ذلك، فقد وجدنا في أثناء جولاتنا في القطيف، أن الناس فيها ليسوا متعصبين.

وبعدما انتهت ترتيبات السفر، سافرنا بواسطة الجمال إلى الرياض. طبعاً، كانت الرحلة متعبة وطويلة، ولم ألاحظ شيئاً طوال الطريق سوى الجو الحار الذي جعل السفر شاقاً. لكن السفر في هذه البلاد، ليس صعباً دائماً. ففي الربيع، تكون الرحلات لطيفة عبر الأراضي المهجورة، الخالية من الحياة.

وفي اليوم الخامس من رحلتنا، وصلنا إلى الرياض. ومنذ اليوم الأول لإقامتنا، استطعنا افتتاح عيادة صغيرة لمعالجة الأهالي الذين راحوا يتوافدون علينا.

وعلى الرغم من انشغالي طوال الوقت بالمعالجة والتطبيب، إلا أنني استطعت سرقة بعض الوقت للتجول في هذه المدينة، التي عشنا سنوات طويلة نحلم بمشاهدتها.

والرياض، كمدينة، هي في الواقع صغيرة، وربما كانت أصغر من مدينة "العمارة" العراقية. ولكن بساتين النخيل التي تحيط بها، تعطيها بعض الجمال.

وتروى مساحات البساتين التي يعمل فيها معظم سكان المدينة تقريباً، بواسطة آبار حفرت على عمق يصل إلى 40 قدماً.

وقرب الرياض، هناك مناطق عدة خصبة أيضاً، بل يوجد هناك بعض المدن القريبة منها، تجعل الرياض نفسها تبدو مركزاً للتجمع السكاني في المنطقة كلها. وهي، على العموم، مسألة سهلت كثيراً من مهامنا الطبية، كما جعلت من إقامة مستشفى فيها موضوعاً سهلاً.

وبسبب ذلك، تبدو الأهمية الكبرى لمدينة الرياض في كونها أصبحت المركز السياسي والديني في الجزيرة العربية. فسلطة الحاكم الحالي، ابن سعود، تمتد إلى جميع أراضي وسط الجزيرة العربية. وهي سلطة تنمو باطراد أيضاً. والرياض كذلك صارت مركزاً للتعليم الإسلامي، الموجود في كل مدينة وقرية في نجد. وهكذا يأتي إلى المدينة ، كل يوم، مئات البدو من كل مكان، حيث يسكنون في بيوت الضيافة الملكية التي تتسع لـ 15 ألف شخص تقريباً.

والرياض هي أيضاً مركز الحكومة السعودية الحالية، وفيها تدار جميع أعمال القبائل البدوية المتحالفة مع ابن سعود. كما يوجد فيها آلاف من البدو المنضمين للقتال. وهناك رجال آخرون يرسلون في مهمات تعليمية إلى مناطق أخرى.

وفي الأيام الأولى من إقامتنا في الرياض، واجهتنا بعض الصعوبات في العمل الطبي، لكننا، مع الوقت والأيام، قمنا بواجبنا بأفضل ما يمكن القيام به في تلك الفترة. واجهتنا فقط حالتان صعبتان لإزالة الحصى، وحاولنا، طبعاً، بذل كل ما نستطيع، إلا أن المريضين توفيا رغم كل شيء.

وعلى الرغم من المطالبة الكبيرة للمرضى والأهالي لنا بالبقاء، إلا أننا توقفنا عن العمل بعد عشرين يوماً بسبب انتهاء مخزون الأدوية الطبية، ولكننا مقابل ذلك طالبنا المرضى والأهالي المحتاجين إلى العلاج بالمجيء إلى مستشفى البحرين للتداوي.

وبعد عشرين يوماً، غادرنا الرياض، بعدما حصلنا على دعوات ودية للمجيء في السنة المقبلة، ولفترة أطول.

القس بنينجس في القطيف 1918:

عيون وبساتين في كل مكان

في بداية العام 1918، رافق المبشر القس ج. بنينجس الطبيب بول هاريسون، في رحلة إلى القطيف. كان الهدف من الرحلة طبياً وتبشيرياً، كعادة رحلات الإرسالية الأميركية في منطقة الخليج.

وكتب المبشر عن رحلة القطيف في مجلة الإرسالية قائلاً:

لم أتردد لحظة واحدة في قبول دعوة الدكتور بول هاريسول، لمرافقته في زيارة القطيف، لإجراء بعض الترتيبات فيها، من أجل العمل الطبي للإرسالية الأميركية. بل إنني، في الواقع، شعرت بسعادة عظيمة لهذه الدعوة، التي ستجعلني أرى القطيف الواقعة في الجزء الشرقي من الجزيرة العربية، للمرة الأولى في حياتي.

وفي صباح أحد أيام شباط/ فبراير 1918 الدافئة، ذهبنا إلى ميناء المنامة في الموعد المحدد، وهو العاشرة صباحاً. وعندما مضى بعض الوقت، أيقنت أن السفينة ستتأخر، كالعادة. فمغادرة هذه السفن في موعدها المحدد يعتبر نوعاً من المعجزات، ولذلك فهي مشهورة بعدم دقتها إلى درجة أن المسافر عندما يركب فيها، تجده ينتظر ساعات طولاً، وأحياناً أياماً عدة.

ولكن لحسن الحظ، كان هناك استثناء لهذه القاعدة. فلم يمض وقت طويل على وجودنا في السفينة، حتى نشر البحارة الشراع، وأبحرنا في لحظات.

وطول اليوم، راحت السفينة تنطلق ببطء. وعندما أطبق الظلام علينا، لم نكن قد قطعنا أكثر من 15 ميلاً، وأصبحنا خارج أفق البحرين بصعوبة.

وعندما أصبح الوقت ظلاماً حالكاً، بالنسبة إلى قبطان السفينة، لم يستطع مواصلة السير، وبالتالي قيادة السفينة، فأعطى أوامره بإلقاء المرساة. وهكذا وجدنا أن موعد النوم قد حان، فوضعنا فرشنا مع بقية المسافرين الأربعة، واستغرقنا في النوم.

وفي الفجر استيقظنا مبكرين على صياح قائد السفينة:عبداللَّه.. عبدالله.. ولكن لم يكن هناك أحد يجيبه. وعند ذلك، صرخ بصوت عالٍ قائلاً: "عبداللَّه.. قم وصلِّ". وفي الحال، نهض البحار عبداللَّه ومعه بقية البحارة من نومهم، ثم راحوا يتوضؤون بمياه البحر الباردة، تمهيداً لتأدية الصلاة. وحيث وجدوا مكاناً يكفي لسجودهم، أدوا صلاتهم.

بعد انتهاء الصلاة، تم رفع شراع السفينة. ومرة أخرى، كانت الرياح خفيفة. لكنها كانت أفضل من اليوم السابق، ولذلك، استطعنا الوصول إلى دارين في حوالي الثالثة بعد الظهر. ولأن وجهتنا الأصلية كانت القطيف، التي تبعد  ثلاثة أميال من دارين، كان لزاماً علينا الانتظار لبعض الوقت في دارين. وهناك وجدنا فترة الانتظار فرصة للذهاب إلى الساحل -خصوصاً بعد الجزر- للسلام على الشيخ جاسم، شيخ دارين. وقد استقبلنا الشيخ جاسم بودية، وجلسنا معه بعض الوقت. والشيخ جاسم هو نفسه الذي رفض السماح للدكتور هاريسون بالدخول إلى دارين، قبل سنوات، عندما طلب ذلك للمرة الأولى، لكنه استضاف الدكتور هاريسون وزوجته لمدة ستة أسابيع في الصيف الماضي، حين استطاع هاريسون معالجة الكثير من الغواصين، الذين يعلمون في صيد اللؤلؤ.

وبعد نصف ساعة تقريباً، عدنا مرة أخرى إلى السفينة التي أبحرت حتى وصلت إلى القطيف، خلال ساعة واحدة، كانت الأحوال الجوية خلالها مملوءة بنسمات منعشة جداً.

وقد كانت مياه البحر المواجهة للقطيف قليلة العمق، وكان الجزر في الساحل يصل، أحياناً، إلى مسافة تقدر بربع ميل في بعض الأماكن. ولذلك، فإن القوارب، عند الجزر المرتفع، كانت لا تستطيع الوصول إلى أقرب من مئة قدم.

وبينما غامر الدكتور هاريسون بخوض الساحل، فضلت أنا انتظار قارب صغير ليأخذني إلى اليابسة.

ولكن بعد نصف ساعة تقريباً، أصبحت المسافة الباقية من دون مياه، ولذلك كان عليّ نزع حذائي وجواربي وأمشي على الأقدام.

وقد وجدت المشي على هذه الأرضية أمراً سهلاً، خلاف ما توقعت، ولكن عندما تسحب قدمك من الأرض الرطبة، وتمشي بها إلى أرض الساحل الرملية، فتلك حكاية أخرى.

في أي حال، وصلنا على القطيف عند غروب الشمس تقريباً. وقدم الأمير ترحيباً ودياً حاراً للدكتور هاريسون ولي أيضاً، على الرغم من أنه عرف أنني قس مسيحي.

وأكثر من الترحيب، قام الأمير بمتابعة ترتيبات سكننا هناك في فترة قصيرة جداً. وبعد انصراف الأمير، قررنا أخذ قسط من الراحة.

لكننا أصبنا بالإحباط بعض الشيء بالنسبة إلى السكن. فقد كان مدخل البيت قذراً، كما أن أقساماً كبيرة منه كانت عبارة عن خرائب، ترجع إلى أيام غابرة، وكانت بعض الجدران السليمة تشير إلى أن ذلك المبنى كانت له قصص طويلة تستحق أن تروى.

وعلى الرغم من هذا الإحباط، وجدنا أن القطيف منطقة جميلة، عندما قمنا بأولى الجولات في شوارعها وأحيائها وضواحيها. فهذه المنطقة تدين بوجودها إلى العد الضخم من العيون المنتشرة في كل مكان، فهي تبلغ، كما يقول البعض، أكثر من مئتي عين، تروي بساتين النخيل الموجودة في كل مكان.

وبعض هذه العيون كبيرة الحجم حتى أنها تصب في أربعين جدولاً كبيراً، طوال الوقت. ولذلك فإن هذه العيون تروي جميع الأراضي المحتاجة إلى المياه.

وبساتين النخيل تنتشر هناك على طول الشاطئ (15 ميلاً تقريباً). وتتناثر ما بين البساتين قرى متنوعة الحجوم. وبسبب هذه الوفرة من النخيل، فقد كانت (المنطقة) حتى وقت قريب، جنة عدن، بالنسبة إلى البدو الجياع في الصحراء، الذين كانوا لا يتعبون أبداً من عمليات النهب والسلب في أراضيها، قبل مجيء ابن سعود إل المنطقة. وفي بعض الأوقات، وأثناء موسم التمور خصوصاً، كان البدو يحاصرون بعض القرى لمدة شهر تقريباً حصاراً تاماً، ويقومون (البدو) خلال فترة الحصار بجني محصول التمور بأنفسهم، ويهربون بعد الانتهاء من ذلك. وقد عرفنا الكثير من هذه القصص من الجرحى، الذي يصابون أثناء غارات البدو عليهم، ويأتون إلى مستشفى البحرين للعلاج.

ولكن العقوبة القاسية التي فرضها ابن سعود، عند بداية حكمه للمنطقة، جعلت مسألة غارات النهب والسلب وحصار القرى، مجازفة غير مأمونة، حتى بالنسبة إلى البدو، المشهورين بالقوة والذكاء. بل أن هذه الغارات توقفت تماماً بفضل ابن سعود.

وبسبب ذلك، استطاع أهالي القطيف التنفس، الآن بحرية أكثر، بل إن الكثيرين منهم أصبحوا يبنون بيوتهم خارج سورها العالي المشهور، ذي البوابات الثلاث.

وفي إحدى جولاتنا، رأينا أن هناك مناظر جميلة جداً داخل بساتين النخيل، حيث يمكن مشاهدة جداول المياه الجارية من ينابيع قريبة. وفي وسط النخيل تنمو أشجار فاكهة متنوعة، وخضراوات. ومقابل كل عين كبيرة يوجد، عادة، مسجد صغير، وهو دلالة على قدسية المكان وضرورة الماء للحياة.

وفي اليوم الثالث من إقامتنا، ذهبنا لزيارة جزيرة تاروت، التي تبعد حوالي ميلين عن شمال شرق القطيف. وتتصل، عند انخفاض الماء في حالة الجزر،باليابسة عن طريق مخاضة، يبلغ طولها نصف ميل، شمال كوت القطيف. لذلك، كان من الممكن، بالنسبة إلينا، الذهاب إليها، مستخدمين الحمير، عند الجزر.

في تاروت، أعجبنا إعجاباً خاصاً بقلعة ضخمة مدمرة، تقع قرب ينبوع كبير. وهذه القلعة، التي بنيت قبل مئات السنين، لا تستخدم منذ زمن، ولكن برجها العالي، الذي صعدنا إليه، أمكننا من مشاهدة مناظر جذابة للبساتين المحيطة، وللقطيف عامة.

وبجانب الجولات، قام الدكتور هاريسون بمعالجة الكثير من المرضى، الذين احتشدوا حول بيتنا لأوقات طويلة. لكن بقاءنا أطول من الفترة المقررة، وهي عشرة أيام، لم يكن ممكناً لأسباب كثيرة.

وهكذا غادرنا القطيف، في الساعة العاشرة مساء، على متن مركب، كان يحمل رزماً من سعف النخيل. وعندما جلسنا في المركب، واجهتنا بعض الصعوبات المضحكة أحياناً.

في البداية، وجدنا أن العشرين مسافراً في المركب، قد احتلوا جميع الأماكن، ولذلك، كان علينا وضع فرشنا فوق رزم سعف النخيل، لننام حتى الصباح. ولكن الذي حدث، أننا قضينا ليلة متعبة جداً، بسبب سعف النخيل التي اخترقت فرشنا الرقيقة وبدت كأنها أشواك في ظهورنا طوال الليل.

في الصباح كانت الرياح مواتية، ولذلك مضى المركب بسرعة، وكنا نأمل في الوصول إلى البحرين عند غروب الشمس على الأقل، ولكن الرياح خفت فجأة، الأمر الذي جعلنا نقضي الليل مرة أخرى فوق السعف الشائكة، وتحت زخات المطر، التي تساقطت مرتين خلال الليل. لكن، عند الفجر، صارت السماء صافية والرياح مواتية. لذلك تمكنا من الوصول إلى الشاطئ البحريني عند الساعة العاشرة صباحاً تقريباً.

239674