رائعة شيلي الخالدة.. ثورة الإسلام
التحرير - 19 / 5 / 2008م - 5:47 م - العدد (12)

بعد مرور أكثر من مائة وخمسين عاماً على وفاة الشاعر بيرسي بايشلي، بدأ هذا الشاعر يبرز من جديد، لا كشاعر رومانتيكي "محلق في الهواء"، ونما كمفكر ثوري سياسي واجتماعي. وتأتي قصيدته الملحمية "ثورة الإسلام" في مقدمة القصائد الرائعة التي رشحته لهذا اللقب الجديد.

أما ادعاء النقاد الإنكليز والأوروبيين بأن شيلي "الملحد" لم يكن يعرف شيئاً عن الإسلام، وأن عنوان القصيدة (ثورة الإسلام) ما كان إلا عمليّة تمويه أضافها الشاعر إلى القصيدة في آخر لحظة، في محاولة للتهرب من ملاحقة قضائية كان يمكن أن تحرك ضده بتهمة تأييد الثورة الفرنسية، وهو موضوع القصيدة الحقيقي كما يقول هؤلاء النقاد، فإن مقدمة القصيدة التي كتبها الشاعر، والكثير من مقاطع القصيدة ذاتها، تثبت أن ما ذهب إليه النقاد لا يعدو أن يكون تنكراً لحقيقة فكرية وتاريخية كانت، لو أنهم اعترفوا بها، ستحطم الصورة التي ابتدعها الغرب السياسي والديني والاستعماري للعربي والمسلم والحضارة العربية - الإسلامية والتي بدؤوا يصنعونها في أوروبا منذ ما قبل الحروب الصليبية، مروراً بحرب طرد المسلمين العرب من أسبانيا، ثم المرحلة الاستعمارية، وأخيراً مرحلة "الرهاب الإسلامي" التي ابتدعها الغرب وصدقها ثم هو يحاول الآن أن يصدرها إلى العربي ليصدقها هو الآخر، وإلى المسلم كي يتصرف على أساسها.

يسرّنا أن تستعرض في هذا الملف الخاص بعض أهم مقاطع القصيدة التي قدّم لها وترجمها لقراء (الواحة) الدكتور تيسير كاملة.

تقديم

عندما أرادت السيّدة مارغريت ثاتشر أن تحدد هوية بريطانيا الثقافية والحضارية، وهي في قمة السلطة، قررت، نكاية بالرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، أن الحضارة البريطانية هي حضارة وثقافة "يهودية - مسيحية" وليست كما أراد ميتران لأوروبا،حضارة لاتينية - رومانية، وبالتالي فرنسية.

هذا الخلاف في شأن الثقافة الأوروبية ومناهلها هو الواقع خلاف حول وجود مثل هذه الثقافة ثم هو خلاف حول مناهلها، وطبيعتها.

والواقع أن فيلسوفاً فرنسياً مثل هيبوليت تين لم يجد غضاضة، حتى في القرن التاسع عشر، في القول بأن الآنكلو - ساكسون قوم بلا ثقافة ولا حضارة، وأن الحضارة الجرمانية المعاصرة التي حاولوا الالتصاق بها بعد ثورتها الفلسفية والأدبية والموسيقية لم تقبلهم على الرغم من تقديمهم لأوراق اعتماد ممثلة في وليم شكسبير وأعماله.

ولكن مهما كان الاختلاف بخصوص وجود مثل هذه الثقافة أو عدمه، وحول مناهلها ومصادرها إن وجدت، ونظراً لمسيس الحاجة في بريطانيا إلى تحديد هوية ثقافية وتراثية، ونظراً لاشتعال الأزمة العنصرية فيها في أعقاب الأزمة الاقتصادية التي أشعلت ثاتشر النار في قشها المتخشب، بدأ معارضو ثاتشر من "الإنسانيين" و "اليساريين" وحتى المعتدلين في حزبها، يتحدثون عن مجتمع بريطاني "متعدد الثقافات".

غير أن هذا الاختلاف في وجهات النظر، على حدته، استثنى أي أثر حضاري أو ثقافي إسلامي على المجتمع البريطاني، استثناه بل أسقطه من كل حساب تاريخي (الحروب الصليبية وهجمة الاستعمار البريطاني) ومن كل حساب معاصر (الهجمة البريطانية على الإسلام بعد انهيار الاتحاد السوفيتي) وأسقط معه رائعة شيلي الخالدة "ثورة الإسلام".

لنستعرض أولاً بعض ردود الفعل "الحضارية الأوروبية" على شعر شيلي الثوري، خصوصاً قصيدته الملحمية: ثورة الإسلام. فقد اتهم، أولاً، بالإلحاد، ثم اتهم بمساندته الثورة الفرنسية مطلقاً عليها لقب "ثورة الإسلام"،وحين فشلوا في تحقيق هدفهم أسموه "الشاعر المغمور".

في الخامس من شهر أغسطس - آب عام 1822، كتبت المجلة النقديّة اللندنية "كوريير - COURIER" تقول: "شاعر اسمه شيلي، كاتب بعض الأشعار الإلحادية الكافرة باللَّه، مات غرقاً. صار اليوم يعرف ما إذا كان هناك إله لهذا الكون أم لا". وقد يكون هذا الوصف صحيحاً إذا أخذنا بعين الاعتبار شكوك شيلي، وربما رفضه لصورة الإله - الإنسان كما تراها مارغريت ثاتشر اليوم مصدر الحضارة الإنكليزية، لكن هذا الوصف لشيلي، السطحي الموغل في سطحيته، الذي يسقط شيلي من مراتب الشعراء، إنما يفسر بعض المشاكل التي تحيط بسمعة شيلي،وحياته، ورؤيته للكون، لم يكن تجاوز التاسعة والعشرين من عمره يوم مات، أضف إلى ذلك قرار والديه منع نشر أي سيرة ذاتية له، ثم قيام أرملته وزوجة ابنه فيما بعد بـ"إعادة صياغة" بعض أشعاره السياسية الثورية سعياً إلى رفع تهمة الثورية، وربما الكفر، عنه، وكذلك القيم الجنسية، غير المعهودة رغم مثاليتها المطلقة، التي بشر بها. كان لملحمته "ثورة الإسلام" أكبر الأثر في إلصاق الفكتوريين من النقاد لهاتين التهمتين به، وسنأتي على الأسباب في حينها. أما الذين أعجبوا بشعره، كل شعره، فقط اضطروا، حفاظاً على تراثه الشعري، أن يقنعوا، ولو إلى حين، بتخليد وترديد شعره الرومانتيكي والغنائي الأقل إثارة للجدل. وهكذا نجح وعاظ القرن التاسع عشر في أن ينقلوا إلينا صورة لشيلي "الغزال" والشاعر الرومانتيك الشاب والفاني بلا جدال، بدل الشاعر والمفكر الثوري والاجتماعي والثوري السياسي.

في كلية "إيتون - Eaton" التي أتم شيلي دراسته الثانوية فيها، أطلقوا عليه اسم "شيلي المجنون" وأحياناً "شيلي الملحد". وحين انتقل إلى جامعة أكسفورد لمتابعة دراسته الجامعية، نشر، مع صديقه توماس جيفرسون هوغ، كتيباً بعنوان "ضرورات الإلحاد" أدى إلى فصله من الجامعة واتساع الهوّة بينه وبين عائلته. وقد يصعب اليوم وصف مدى الذعر والهلع الذي ارتبط بكلمة "إلحاد" في القرن التاسع عشر، خصوصاً في أعقاب الثورة الفرنسية التي عجّت بأفكار سياسية خلاّقة أرهبت المؤسسة البريطانية التي أطلقت عليها وعلى كل من تعاطف مع مبادئها صفة "الملحد" كانت آراء شيلي ثورية بهذا المعنى، وبهذا المعنى، ومن هذا المنطلق، كان ينظر إلى السلطة في بلاده، وإلى المؤسسة الدينية المرتبطة بها، على أنهما مؤسستان شريرتان. كان يرفض فكرة الزواج التقليدي "المسيحي الفكتوري" لسبب وحيد هو حرمان هذا الزواج للمرأة من جميع حقوقها، ومن وجودها المستقل متمثلاً باسمها. راح يبحث، في طول الجزر البريطانية وعرضها، عن "مجتمع الأرواح المتآلفة"، فلم يجد له أثراً هناك. استمر في كتابة الشعر السياسي. هاجم الملكية والحرب والعقلية التجارية والدين كما رآها في بريطانيا: هاجم كل شيء أرادت ثاتشر فيما بعد إحياءه، ثم راح يدافع عن الجمهورية والحرية، الحرية في ممارسة كل شيء، حتى الإلحاد.

وتزوج شيلي عدة مرات، وحتى يستطيع ممارسة تعد الزوجات هرب مع زوجته الثانية إلى إيطاليا، وهناك ولد له طفله الذكر الأول الذي وصفه في قصيدته "آلاستور - ALASTOR" بالبطل المغرّب (أو المستلب)، واللطيف الشجاع والكريم، الذي يرفض خضوع "صبيّة عربية" له ثم يستسلم ويهب قلبه إلى "صبيّة ترتدي الحجاب" قبل أن يموت:

"لماذا، يا حبيبتي،
رسمَ القمرُ شحوبه بيديكِ؟
ولماذا الريحُ عضَّتْ،
بالنَّوى نهديك….؟
بالندى الراجفُ موتاً..
بالندي… عينيك"

وبعد ترحاله الطويل، استقرّ شيلي في بلدة مارلو Marlow، قريباً من نهر التايمز غرب لندن، فيها رأى الفقر والجوع والعري الذي كانت الطبقات الفقيرة تعاني منه، وكذلك المرض، ثم الدور الذي كان الدين يقوم به هناك لإقناع الجياع والمرضى بأن ذلك قدرهم. هناك بدأ يكتب رائعته الثورية "ثورة الإسلام" تمرداً على ذلك الواقع الأليم. النقاد الإنكليز، حتى الحديثون منهم، اعتبروا القصيدة مديحاً للثورة الفرنسية متخفياً بقناع شرقي!! لماذا يتخفى شيلي، وبغطاء الثورة الإسلامية؟!

القصيدة عبارة عن رسالة ثورية، البطلان فيها أخ وأخته تصل بينهما وحدة روحية وجسدية تحولهما إلى وجود واحد، وجسد واحد، وروح واحدة، تكاد تكون تجسيداً لوحدة الإله والكون ووحدة النظام الكوني. يبدو وكأنّ الطغاة في هذا الكون ينتصرون، مما يدفع البطلين إلى الإبحار إلى فردوس سياسية خيالية يسودها الإسلام. يقول النقاد:إن شيلي أطلق على قصيدته هذا الاسم هرباً من الملاحقة المتوقعة فيما لو أعطاها عنواناً يشير إلى الثورة الفرنسية. كل هذا يعني، لدى الغرب، أن الإسلام غير قادر على تفجير ثورة في الأعماق البشرية المظلومة! أو بالأحرى، أنه لا يجوز أن يكون قادراً على تفجير مثل هذه الثورة!!

نشرت "ثورة الإسلام" عام 1818. يكاد يكون من المستحيل تحديد مصادر ثقافة شيلي العربية والإسلامية. لكنها مصادر دينية وفكرية وأدبية، وحتى شعرية. في الفترة ذاتها التي كتب فيها "ثورة الإسلام" ألف قصائد عن أهرامات مصر وأبي الهول، وعبر، كما أشرنا سابقاً، عن صورة شعرية عربية الخيال والتشبيه، ثم كتب قصيدة بعنوان: "من العربية: محاكاة" قال فيها:

هذه، يا حبيبة روحي،
روحي الخافتة،
تجلس في ضيا قسماتك،
تلهث لهفة للقائك
كما الغزال، حبيبتي، للسَّاقية
والشمس تحرق ظلَّها.
* * *
أما أصيلُ جيادك،
جيادك المطهمة،
تلك التي سبقت حوافرها
أعاصير العتيّ
فقد نأت بكِ بعيداً عنيّ
لكنّ قلبي، يا حبيبة قلبي،
سيظل رفيق أسفارك
بعد أن تعبت قدماي
من كثرة الجري وراءك!
* * *
يا من سبقت الأعاصير العتيّة
ريح الجياد المطهمة
يا أسرع من موتٍ يحمله إعصار وجواد:
* * *
قلبي، هذا القلبْ،
يحضنه الفكرُ الغضُّ،
كما اليمامةُ، بجناحي حبٌّ:
هذا القلبْ:
لن ينساك في معركة
ولا الليالي الحالكة!
هذا القلبُ سيبقى لك
يرقبُ ساعة تحتاجين فيها إليه
ولن يسألك ابتسامة ولو واحدة
ثمناً لكل السعادة التي يحملها إليك..

من المهم أن نذكر هنا أن شيلي يبحث في الفكر والأسطورة العربية عن مصادر لصوره الشعرية وخياله المبدع في وقت كان رفاقه، الشعراء الرومانتيكيون، خصوصاً كيتس، وحتى شيلي نفسه أحياناً، يوقظون الأسطورة اليونانية والرومانية من سبات القرون لتكون كليلتهم ودمنتهم في وصف فكرهم السياسي الثوري.

شيلي فقط بحث عن فردوس المدينة الفاضلة في مصادر الفكر العربي والإسلامي، حتى إنه استطاع أحياناً استشفاف بعض الفوارق بينهما.

قصيدته "ثورة الإسلام" رسالة ثورية كاملة، تجدد الثورة على أبشع مظاهر التفرقة الطبقية، وحتى العنصرية، التي سادت المجتمع الإنكليزي في تلك الفترة، قمة المرحلة الاستعمارية الإمبراطورية. لا يتخفى فكر شيلي الثوري تحت قناع شرقي، كما ادعى النقاد الإنكليز، لكنه يطرح فكره الثوري، المستند إلى قيم الإسلام،كبديل للأوضاع السائدة التي كانت تلقى مباركة الكنيسة الأنغليكانية، في حين قدم شابين، فتى وشقيقته، كبطلين لملحمته تجسيداً لوحدة الجنس البشري، ذكراً وأنثى، آدم وحواء، في صراعه ضد قوى الطغيان. وهو يؤكد ذلك في مقطع كامل من "ثورة الإسلام".

يبدو "الطغاة، وكأنهم ينتصرون على قوى الخير، في بلاد القهر، فيفرد البطلان أشرعتهما ويبحران إلى "جنة سياسية" في الشرق ظهرت معالم هذه الجنة في أكثر من قصيدة كتبها شيلي في تلك الفترة (1818)، هروباً من جحيم الطغاة واستجارة بجنة محرمة على الطغاة الذين أعطاهم صور آلهة إغريقية، مثل جوبتر، وصوّر شرّهم وآثامهم على صورة طغيان يجعل من الجنس البشري "ضحية إرادته هو، حطام إرادته هو، وحيداً التراب، فيصير محلّ احتقار الأرض والترب، ويبقى مهجوراً وحدياً": هذه صورة تجسد الطغيان على صورة حكومة بريطانية قمعية طاغية أطلق عليها، تجسيداً، اسم "جريمة القتل":

رأيت القتل في دربي.. جريمة
قناعاً يرتدي.. وجه النعومة..
لكنها.. كل التجهّم..
خلفها سبُع كلاب
.. والدماءُ شرابها.. تلك الجريمة.
ثم جاء القهر والفوضى.. أخيراً
على جواد أبيض
والدمُ القاني وشاحُه..
لبس القهر شحوباً
ضمَّ حتى شفتيه
كالموت في سفر النبوءة
كالموت في سفر النبوءة.

وحتى الرياح في الأغنية التي أهداها شيلي إلى "الريح الغربيّة" أو "ريح الصبا" تفوح منها رائحة الثورة، بقدر ما هي معطاءة سخية، ومدمرة عتية:

احملي، يا ريح، أفكاري عبر الكون
احمليها ميتة، كما الأوراق الذابلة
كرمي.. لوليد قادم جديد
تستعجلين قدومه..
وانثري، يا ريحُ، كلامي
انثريه بين أبناء البشرْ
انثريه.. كما الرماد.. كما الشررْ
من موقد نارُها لم تخمد..

مقدمة شيلي

يقول بيرسي باي شيلي في المقدمة التي تصدرت قصيدته الملحميّة "ثورة الإسلام":

"القصيدة التي أقدمها اليوم للعالم هي محاولة لا أكاد أجرؤ على توقع النجاح فيها، ولكنها محاولة قد يفشل فيها حتى أشهر الكتاب ومع ذلك لا يشعر بالعار ولا بالخجل. إنها تجربة أجريها على مزاج عقول الناس، أحاول من خلالها اكتشاف مدى استمرار وبقاء التعطش لوضع أكثر سعادة، من القيم الأخلاقية والسياسية في المجتمع الإنساني، لدى المثقفين وأصحاب القيم الرفيعة، وهي قيم ظلت حتى الآن، عواصف هوجاء تعصف بالزمن الذي نعيشه.

"لقد سعيت واجتهدت ما استطعت لكي أخلق وأمزج التجانس في اللغة الموزونة، بخليط من الخيال الطوبائي، والتحول السريع والخفي في العواطف البشرية، بل وكل العناصر التي تصنع القصيدة أساساً، من أجل أخلاقية متحررة، ليبرالية، وشاملة، وفي سبيلها، وعلى أمل أن أضيء، في صدور قرائي شعلة حماس فاضل وخير لعقائد الحرية والعدالة ومبادئها، شعلة الإيمان والأمل بالخير، بكل ما هو خير، شعلة لن يستطيع العنف ولا تشويه الحقائق، ولا التحامل أن يطفئها أبداً، في قلوب البشر إطفاءً كاملاً.

"من أجل هذا كله، ولتحقيق هذا الهدف، وقع اختياري على قصة عاطفة بشرية جيّاشة في طبيعتها الكونية المطلقة، تضفي عليها المغامرات العاطفية والرومانسيّة المثيرة تنوعاً وتعدداً، ثم إنها جذابة قريبة من القلب، تلفظ باحتقار كل الآراء والمؤسسات المصطنعة وتقترب استجابة للعواطف التي يزخر بها كل صدر إنساني وقلب بشري عادي غير معقد. لم أقم بأية محاولة للدعوة إلى دوافع محركة أخرى يمكن أن أقبلها بديلاً عن تلك التي تتحكم بالجنس البشري حالياً، وأقصد بذلك محاولة عرض مقولة جدلية أو حجة منهجية منتظمة. لم أزد عن إيقاظ العواطف والمشاعر، كي يتمكن القارئ من رؤية جمال الفضيلة الحقة الصادقة، فيندفع إلى البحث عن أجوبة لتلك التساؤلات التي قادتني إلى عقيدتي الأخلاقية والسياسية، وإلى بعض أسمى ما في الكون من فكر وقيم فكرية. وهكذا فإن القصيدة كلها، (باستثناء النشيد أو القسم الأول من القصيدة، الذي هو مجرد مقدمة تعريفية) هي قصيدة سردية تحكي أحداثاً، ولا تفرض قيماً أخلاقية ولا مواعظ. إنها متتاليات من الصور تبين نمو العقل الفردي الطامح إلى التفوق والامتياز؛ والمكرس المتفاني في حب البشرية جمعاء؛ وتبين أثر ذلك العقل في إضفاء الطهارة والنقاء على أكثر نزوات الخيال جرأة وغرابة، وعلى الفهم والإدراك، وعلى الحواس، وفي نفاذ صبره من "كل قهر واضطهاد يرتكب تحت الشمس"، وفي ميله إلى إيقاظ آمال الناس، وتنوير الجنس البشري وتحسينه، وفي الآثار السريعة لتطبيق وتحقيق ذلك الميل، وفي إيقاظ أمة هائلة من عبوديتها وانحطاطها، وخلق شعور وإحساس حقيقي بالكرامة الأخلاقية والحرية الأخلاقية عندها، وفي الإطاحة، بلا إهراق دماء، بمضطهديها والمستبدين بها، وفي الكشف عن التنوير باسم الدين الذي ضحك عليها باسمه فرضيت بالذل والخضوع، وفي سكينة الوطنية الناجحة، والتسامح الكوني، وكرم العطاء الذي يميز تآخي البشرية الصادق؛ وفي وحشية وغدر العسكر المأجورين المرتزقة، وفي شر العقاب والكراهية، وليس الهدف منهما، إذ لا يمكن أن يكون الهدف غير العطف والحنان، والرقة والشفقة، وفي خيانة الطغاة، وفي وحدة حكام العالم، وإعادة السلالات المنفية المخلوعة إلى عروشها بقوة سلاح الجيوش الأجنبية، وفي مجازر الوطنيين المخلصين وذبحهم واستئصالهم، وفي انتصار السلطة القائمة المهيمنة، وفي عواقب الاستبداد الشرعي، والحروب الأهلية، والمجاعات، والوباء والاعتقاد بالخرافات، وفي الاستئصال الكلي بل واقتلاع عواطف المحبة العائلية من جذورها ثم انقراضها، وفي قتل المدافعين عن الحرية باسم القانون، وفي الانتصار العابر للظلم والاضطهاد، ذلك الانتصار الذي لن يضمن إلا سقوط الظلم النهائي والمحتوم، وفي طبيعة الجهل والخطأ الانتقالية العابرة، وفي خلود العبقرية والفضيلة.

"تلك هي سلسلة الانحرافات التي تتحدث القصيدة عنها وتتألف منها. وإذا عجزت العواطف السامية التي أرادت لهذه القصيدة أن تتميز بها - إذا عجزت عن إثارة دافع كريم وخيّر في قارئها، وإذا فشلت في إثارة شعور جياش العطش والتعطش إلى التفوق والامتياز، وفي إثارة اهتمام هو من القوة والعمق بقدر لا يرضى معه بأن يشبّه بالرغبات والأمنيات الأقل سمواً - فلا يجوز أن يعزى الفشل إلى حالة طبيعية من انعدام الأهلية والكفاءة لحمل مشاعر إنسانية في هذه المواضيع السامية الباعثة على الحركة والحياة. إن مهمة الشاعر الأساسية هي أن يتوصل مع الآخرين وينقل إليهم المتعة والحماس الناشئين عن تلك الصور والمشاعر، اللذين يضمان، نتيجة حضورهما القوي داخل عقله ومخيلته، مصدر وحيه وإلهامه، وجائزته في نفس الوقت.

أما الجزع والهلع الذي سيطر، كالوباء المنتشر، على جميع طبقات الناس وأصنافهم خلال فترة التجاوز المفرطة التي أعقبت اندلاع الثورة الفرنسية، فقد بدأ ينحصر ليحل محله رجاحة العقل والتعقل.

"لقد توقف الناس عن الاعتقاد بأن على أجيال البشرية بأكملها أن تقنع بإرث لا أمل فيه من الجهل والبؤس، لأن أمة من أناس ظلوا إمَّعاتٍ وعبيداً على مدى قرون عديدة لم تكن قادرة على قيادة مصيرها ودفعه بحكمة الرجال الأحرار وهدوئهم بالسرعة المطلوبة، مما أدى إلى انفلات جزئي في ضوابط مسيرتها. أما القول بأن مسيرة هؤلاء الرجال وسلوكهم لم يكن ليميزها أية صفة أو خاصية أخرى سوى العنف وانعدام التفكير، فهو الحقيقة التاريخية التي تستقي الحرية منها جميع وصاياها ودروسها، في حين يكون الكذب والتلفيق أسوأ خاصية من خصائص عاهتها وتشوهها. هناك دفق عكسي في مدِّ الأمور الإنسانية وجزرها يحمل آمال الناس المحطمة إلى ملجأ أمن بعد أن تمر العاصفة وتفقد زخمها. وإنني لعلى يقين من أن هؤلاء الرجال الذين يحيون اليوم إنما نجوا من عصر من عصور اليأس.

"ربما ينظر إلى الثورة الفرنسية على أنها تعبير ومثل حي على الشعور العام السائد بين البشر المتمدنين المتحضرين مصدره قصور وعطب في (آلية) التواصل بين المعرفة الموجودة في مجتمع ما وبين التحسن، أو الإلغاء التدريجي، للمؤسسات السياسية. من الممكن أن تقوم الثورة الفرنسية على أنها حقبة إحدى أهم الأزمات التي سبّبها هذا الشعور. وإن المشاعر والعواطف المتصلة بتلك الحادثة قد امتدت واتسعت حتى ضمتها كل الصدور. وكانت أكثر الطبائع كرماً وحباً ووداً تلك التي شاركت أعظم المشاركة وأوسعها في تلك العواطف والمشاعر. لكن قدراً كهذا القدر من الخير غير المشوب كان متوقعاً، بقدر ما كان تحقيقه مستحيلاً فلو أن الثورة حققت الانتصارات في كل مجال، لكانت الخرافة وسوء الحكم فقدتا نصف ما تدعيانه من إنزال الرعب بنا وإثارة غضبنا، تماماً كالأصفاد التي يستطيع الأسير فتح أقفالها بحركة خفيفة جداً من أصابعه، كالأصفاد التي لا تسبب تآكل الروح بالصدأ والسأم. إن حالة الاشمئزاز والتقزز التي سببتها مجازر الدهماء، ثم إعادة أوضاع الطغيان والاستبداد المتتابعة المتلاحقة إلى فرنسا، كان أمراً رهيباً حقاً، شعرت برهبته ومأساويته حتى أقصى أرجاء العالم المتحضر. هل كان بإمكان هؤلاء أن يصغوا إلى صوت العقل، وأقصد "بهؤلاء" أولئك الذين كانوا يرزحون ويئنون تحت وقع كوارث الحالة الاجتماعية وقاسيها، تلك الحال التي كان من حق إنسان، بموجبها، أن ينعم بشغف الرفاهية المقززة بينما إنسان آخر يموت جوعاً لعدم توفر الخبز؟؟ وهل يستطيع من كان قبل يوم واحد فقط عبداً يداس بالأقدام والنعال أن يصبح، هكذا فجأة وبني عشية وضحاها، ذا عقلية متحررة ليبرالية، رفيعاً رقيقاً متحملاً صبوراً، ومستقل الرأي والإرادة؟ هذه هي عواقب عادات حالة اجتماعية، يولدها الإصرار والمثابرة والصمود والتصميم القاطع، والأمل الذي لا يعرف اليأس ولا التعب، والمعاناة الطويلة القاسية، وشجاعة العقيدة المترسخة الراسخة منذ القدم، والجهود المتواصلة المنتظمة التي تبذلها أجيال من رجال الفكر والتفكير، والفضيلة. هذا هو الدرس الذي تعلمنا إياه التجربة اليوم. ولكن ما أن تبدأ الآمال في تقدم الحرية الفرنسية وانتصارها بالتراجع والانتكاس، حتى يقفز الشوق الحقيقي الصادق لخير متجاوزاً حل هذه المسائل. وهكذا تحطم الكثيرون من أشد مؤيدي الخير العام إخلاصاً وتفانياً، ورقة قلب تحطموا ودمروا أخلاقياً… ودمرتهم النظرة السريعة والعابرة والجزئية التي ألقوها على الأحداث التي سارعوا إلى شجبها واستنكارها، والتي بدت وكأنا القحط والإجداب المأساوي لكل الآمال التي عشقوها. من هنا أصبح الوجوم والتنافر والبغضاء بين بني البشر من مميزات العصر الذي نعيشه، ومن خصائصه وصفاته، وسادت حالة من خيبة الأمل والإحباط لم تجد متنفساً لها إلا في المبالغة المقصودة المتعمدة في يأسها وقنوطها هي بالذات. هذا التأثير صبغ أدب المرحلة، بل لطخة، بلون يأس العقول التي تدفق منها. وهكذا أصبحت أدبيات الغيبيات[1]  وما وراء الطبيعة، والبحث والأبحاث في العلوم الأخلاقية والسياسية، لا تتعدى حدود محاولات يائسة لإحياء خرافات وأساطير فقدت بريقها وسحرها، أو حالات صوفية لتلك التي انتحلتها مالتوس[2]  وقصد منها أن يوهم مضطهدي البشرية ويوحي لهم بشعور الأمن الناتج عن شعور بالانتصار الخالد على الدهر. حتى أعمالنا الروائية والشعرية قد خيم عليها الوجوم المُعدي نفسه. لكن الجنس البشري يبدو لي وكأنه بدأ ينهض من غشيته ويفيق من غيبوبته . أظنني أدرك بل وأعي وأشعر، بتغيير، أو تغير بطيء تدرجي صامت. وانطلاقاً من اعتقادي هذا ألفت هذه القصيدة.

أنا لا أنوي الدخول في مبارزات مع أعظم شعراء عصرنا. ومع ذلك، فأنا لست على استعداد للسير على خطى أي من الذين سبقوني. لقد سعيت عامداً إلى تحاشي تقليد أي أسلوب لغوي أو شعري يخص العقول الأصلية التي أبدعته وأصبحت من صفاته وخصائصه، وقراري هو أن الأسلوب في هذه القصيدة يجب أن يكون أسلوبي أنا، أسلوبي وحدي، حتى لو ثبت أن الذي ألفته لا قيمة له ولا قيمة فيه. كما أنني لم أسمح لأي منهج يتعلق بمجرد كلمات أن يحول انتباه القارئ عن أي اهتمام قد أكون نجحت في خلقه، إلى أصالتي أنا في تخطيطي لإخضاعها وتطويقها تلبية لمقتضيات قوانين النقد وأحكامه. كل ما فعلته هو أنني ألبست أفكاري ما بدا لي أنه أوضح لغة وأكثرها لياقة ومناسبة. إن قارئاً عليماً بطبيعة العقل البشري وأعظم عطاءاته وأشهرها لا يمكن أن يخطئ في تتبع الحس الغريزي، السليقي، الذي تولده تلك الألفة والاطلاع على طبيعة العقل البشري، ذلك الحس الفاعل في انتقاء اللغة المناسبة. هناك بلا شك، ثقافة وتربية فصلت خصيصاً للشعراء، وهي ثقافة وتربية لا يستطيع الشعراء ملء دائرة طاقاتهم وإمكاناتهم وقدراتهم بدون موهبة النبوغ المتأصلة فيها وبدون حساسيتها.

والحقيقة أنه ليس هناك من ثقافة أو تربية تستطيع أن تنسب مثل هذه اللقب أو تعطي هذه التسمية لعقل خاص فاقد القدرة على الملاحظة، أو لعقل قد لا يكون خاملاً ولا فاقد القدرة على الملاحظة، ولكن قنوات الاتصال فيه بين الفكرة والتعبير مغلقة مسدودة أو مشوبة بعوائق. لست أدري ما هو مقدار حظي في الانتماء إلى الفئتين الأخيرتين من العقول. ولكني أطمح لأن أكون أفضل من ذلك. ولقد كانت ظروف تربتي وتثقيفي الصدفية ملائمة لتحقيق هذا الطموح. ألفت، منذ صباي، الجبال والبحريات والبحار وعزلة الغابات: أما الخطر والمخاطر التي تترعرع على مشارف الكوارث فقد كانت، ولا تزال، رفيقة اللعب واللهو في حياتي: لقد مشيت على جموديات "الألب"، وعشت تحت أنظار الجبل الأبيض.. وتجولت وشردت في أصقاع بعيدة نائبة..وفردت أشرعتي عبر أنهار جبّارة، ورأيت الشمس  تشرق وتغيب، والأنجم تسطع بينما أشرعتي تغالب أمواج تيار متسارع بين الجبال، أصل الليل بالنهار والنهار بالليل مبحراً فوقها. ولقد رأت عيناي مدناً، وراقبت العواطف الجياشة تعلو وتنتشر، ثم تهبط وتتبدل، رأيتها هكذا في حشود الناس، ورأت عيناي كذلك مسرح الجرائم الشنيعة المنظورة والأكثر وضوحاً، يرتكبها الطغاة، وتوقعها الحروب، ورأيت مدناً وقرى وقد تحولت إلى حطام متباعد من منازل سوداء فقدت أسطحتها، ورأيت السكان العراة يجلسون، جوعى وعطشى، على عتبات بيوتهم الخربة. وتحدثت إلى أحياء ذوي مواهب ونبوغ. أما شعر اليونان القديمة، وأما شعر روما، وإيطاليا الحديثة، وأما شعر بلادي، فقد كانت بالنسبة لي، وما تزال، كطبيعة ظاهرية، وعاطفة قوية، وفرحة غامرة. تلك هي المنابع التي استقيت منها مادة الصورة الشعرية لقصيدتي.

لقد درستُ الشعر في أوسع معانيه شمولاً. وقرأت (شعر) الشعراء،و (تاريخ) المؤرخين، و (غيبيات) الكتاب الميتافيزيكيين[3]  الذين استطعت الوصول إلى مؤلفاتهم، ومتعت عيني بمناظر الأرض الجميلة الرائعة الجبلية،وهي المصادر المشتركة لكل العناصر والمكونات التي يختص الشعراء بتجسيدها وصهرها أو تركيبها،. ومع ذلك فإن التجربة والمشاعر والعواطف التي أشير إليها لا تجعل من الرجال شعراء، وإنما تعدّهم وتهيئهم لأن يتابعوا ويقوّموا ويحكموا على أولئك الذين هم حقاً شعراء.

أما عن مدى قدرتي وتمكني من تلك الفضيلة أو الخاصية الأكثر أهمية، فضيلة أو خاصية الشعر، والقدرة على إيقاظ انفعالات وأحاسيس في الآخرين كتلك التي يجيش بها صدري، فهو أمر أقول صادقاً أني لا أعرفها ولكنه أمر أتوقع، بكل الروح الراضية والقانعة، أن يُعلمني إياه ويُعلمني به ذلك الأثر الذي سأتركه على أولئك الذين أخاطبهم الآن.

"وكما قلت من قبل، فقد تجنبت تقليد أي أسلوب معاصر. لكن لابد وأن يكون هناك شبه أو تشابه بين كتاب أي عصر من العصور، وهو تشابه لا يصدر عن إرادة شاؤوها ولا رغبة قصدوها. فهم لا يستطيعون الهروب من الخضوع لتأثيراته ومؤثرات عامة مشتركة مصدرها عدد لا حصر له من الشروط الظرفية المتداخلة المتشابكة، تخص العصر الذي يعيشون فيه، مع أن كل واحد منهم هو، وبدرجات ما، صانع ذلك الأثر والتأثير عينه الذي يسيطر عليه ويتحكم فيه. وهكذا فإن شعراء عصر بيركليس التراجيديين، والإيطاليين الذين أحيوا علوم الماضي القديم، وأصحاب الفكر الجبار من أبناء بلادنا الذين جاؤوا في أعقاب عصر الإصلاح، ومترجمي الكتاب المقدس، وشكسبير وسبنسر ومسرحيي العهد الإليزابيثي، واللورد بيكون[4] ، والعقول الأقل حرارة التي شغلت الفترة الفاصلة التي تلت: جميع هؤلاء يشبهون بعضهم البعض، ويختلفون عن بعضهم البعض في تعدد طبقاتهم وتصنيفاتهم. بناء على هذا الرأي، لا يعود ممكناً أن يطلق على "فورد" لقب "مقلد شكسبير" إلا بقدر ما يمكن أن يطلق على "شكسبير" لقب "مقلد فورد". ربما كان هناك نقاط تشابه أكثر بين هذين مما ولده التأثير العام والمحتم لعصرهما عليهما. هذا تأثير لا يستطيع الهروب منه لا أوضع "مخربش على الورق" ولا أروع أو أسمى نابغة في أي عصر من العصور: وهو تأثير لم أحاول أنا الهروب منه.

تبنيت في هذه القصيدة نظام المقاطع الشعرية السبنسرية (ستانزا Stanza) (نسبة إلى الشاعر سبنسر)، (وهي مقاطع ونظام بالغة الجمال)، ليس لأنني اعتبرها نموذجاً أرق في تجانسها وانسجامها وموسيقاها الشعرية من شعر شكسبير وملتون المرسل غير المقفى، بل لأنه ليس هناك مكان في الشعر المرسل، للبراعة المتوسطة المعتدلة: فليس أمامك، في تلك الحال، إلا النجاح (المطلق) أو الفشل (المطلق). ربما كان هذا مكمن رغبات الروح الطموحة. لكن ما استهوائي، أيضاً، كان روعة وعظمة الصوت الذي يصدر عن عقل تغذى على الأفكار الموسيقية، عن طريق ترتيب دقيق ومتناسق متجانس لمواقع التوقف في هذا الوزن الشعري. ومع ذلك ستجدون حالات فشلت فيها فشلاً تاماً في محاولتي هذه، كما ستجدون حالة واحدة أطلب من القارئ أن يعتبرها خطأ في النظم، لأنني أبقيت، دونما انتباه، بيتاً سداسي التفاعيل، في منتصف أحد المقاطع الشعرية.

غير أني، في هذا المجال وفي كل مجال آخر، قد كتبت بلا خوف. من سوء حظ هذا العصر أن كتابه، الذين لا يفكرون أبداً بالخلود، مفرطو الحساسية تجاه التقريظ واللوم المعاصرين. فهم يكتبون والخوف من مقالات النقد يملأ جوانحهم ويسكن عيونهم. لقد برز نظام النقد هذا في تلك الفترة البليدة الخاملة حين لم يكن الشعر شعراً، ولم يكن باستطاعة الفن الذي ادعى لنفسه حق تنظيم وتحديد سلطات الشعر وقوانينه وأحكامه أن يتوافق حتى مع ذاته. لا يمكن أن يكون لونغينوس (Longinus) من معاصري هومر (Homer)، ولابوليو، هوراس. ومع ذلك فإن هذا الصنف من النقد لم يحاول يوماً أن يفرض فهماً وتفهماً متكاملاً خاصاً به: وخلافاً للعلم الصحيح، راح النقد يحاول اللحاق بآراء البشر وليس استباقها، وقد يحاول، حتى الآن، رشوة بعض أعظم شعرائنا بالمديح التافه وما ذلك إلا ليفرض قيوداً عشوائية على خيالاتهم الشعرية، فيصبح شريكاً متواطئاً، وبلا وعي، في جريمة القتل اليومية لكل المواهب والنبوغ، سواء تلك المتواضعة في طموحاتها أو تلك التي لم يحالف الحظ أصحابها كما حالفها هي. لهذا سعيت لأن أكتب، كما كتب، حسب اعتقادي، هومر وشكسبير وملتون، غير آبه مطلقاً بالتوبيخ والنقد الصادر عن نقاد لا يجرؤون حتى على التصريح بأسمائهم. وإنني على يقين من أن الافتراء والتشويه لن يقلق راحتي وطمأنينتي ولو أنهما قد يثيران شفقتي. وسأكون متفهماً تماماً للصمت المعبّر الذي ستحلّى به أولئك الأعداء الحكماء الذين لا يجرؤون على الثقة بأنفسهم فيؤثرون الصمت على الكلام. سأحاول أن اقتطع من وسط الإهانة والاحتقار، والقذف واللعنات، تلك الملامات والنصائح والتحذيرات التي قد تميل إلى تصحيح ما قد تكتشفه مثل هذه التوبيخات من نقائص في مناشدتي الجادة الأولى هذه لضمير الشعب. لو أن بعض النقاد يملكون من وضوح الرؤية قدر ما يملكون من الحقد والشر وتبييت السوء والأذى، لما كان هناك أعظم من الفائدة المستخلصة من كتاباتهم المسمومة المحمومة! أما والأمر على ماهو عليه، فإني أخشى أن لدي من الخبث والمكر، والحقد، ما يكفي لأن اتسلى وأتمتع بخدعهم وحيلهم الخسيسة وتعويذاتهم العرجاء.

"أما إذا رأى الناس أن قصيدتي عديمة القيمة، فسأنحني،وعداً عليّ حقاً، أمام المحكمة التي قلدت ملتون تاج خلوده، وسأسعى، إن أنا عشت طويلاً، لأستجمع القوة والعزيمة من تلك الهزيمة التي قد تحفزني لوضع مشروع فكري موضع التنفيذ ربما لا يكون عديم القيمة. أنا لا أستطيع أن أتصور أن لوكريتيوس، حين أبدع خياله تلك القصيدة التي لم تصبح مبادئها وعقيدتها بعد أساس معرفتنا الغيبية (الميتافيزيكية)، والتي بقيت بلاغتها وطلاقتها، من ذلك الحين، مصدر انبهار الجنس البشري قد كتب وهو خائف من مثل تكل الاتهامات ووالانتقادات والتوبيخات التي قد يطلقها المتصوفة المأجورون من نبلاء روما غير الأنقياء غير الطاهرين، ومعتقدي الخرافات والشعوذات، بما قد يبدعه هو ويكتبه. كان هذا في فترة اقتيدت اليونان (جمهورية روما)  خلالها أسيرة، وألحقت آسيا بممتلكات الجمهورية، فاقتربت بسرعة من هاوية العبودية والدمار: عندها فقط وجد جمع من الأسرى السوريين المتعصبين لعبادة عشتروتهم (عتشارهم) الفاحشة الداعرة، وخلفاء سقراط وزينو الفاشلون -وجدوا هناك موطناً غير مستقر ومحفوفاً بالمخاطر روجوا فيه، باسم الأحرار، وخدموا وشجعوا على رذائل العظماء وخيلائهم. كان هؤلاء البؤساء ماهرين في الاستعطاف والتقرب، أصحاب جملة من العقائد الصوفية، سطحية ولكن معقولة وجديرة بالقبول ظاهرياً، تشجع على احتقار الفضيلة، بقدر ما يحمل أصحابها من العبودية في طبائعهم، واحتقار ذلك الإيمان بالمعجزات، البديل القاتل لكل ما هو كرم وخلق وعطاء في خيال الناس وقدرتهم على الإبداع… وهو البديل الآتي من مجتمعات الشرق المستعبدة المسترقة التي بدأت في ذلك الحين تسيطر على أمم الغرب وتتحكم فيها في عقر دارها. ترى هل هؤلاء الرجال الذي كان ينبغي على لوكر يتيوس الحكيم وسامي التفكير أن ينظر إليهم وإلى انتقاداتهم بعين الخوف المترقب؟ آخر من يتبع خطاه، وربما أحقرهم، سيرفض البقاء على قيد الحياة بهذه الشروط وفي هذه الأوضاع.

"لقد استغرقت القصيدة، التي أقدمها الآن للناس، قرابة الستة أشهر كتابة وإعداداً. لقد كرست تلك الفترة بكاملها للمهمة التي تسنمتها باندفاع وحماس لم يعرف الكلل. كما مارست نقداً متواصلاً وحثيثاً لقصيدتي بينما كانت تنمو بين يدي. كنت أتمنى أن أضعها أمام أعين الدنيا وقد أضفت عليها ذلك الكمال الذي يقال إن الجهد الطويل والعمل الدؤوب المتواصل والمراجعة والتنقيح تضفيها على القصيدة. غير أني وجدت أنني، إن كنت سأجني أي شيء من الدقة القادمة من هذا الطريق، فقد أفقدُ الكثير من الجدة وطاقة الإبداع التصويري من مخيلتي، والإبداع الأسلوبي الذي ينساب طازجاً من عقلي. ومع أن الكتابة العقلية فقط لم تستغرق أكثر من ستة أشهر، فإن الأفكار التي رتبتها بهذا الشكل لتلد القصيدة كانت تتجمع ببطء وتنتامى بالتدريج على مدى أعوام ستة قبل ذلك أيضاً.

"آمل، وكلي ثقة، أن يميز القارئ بدقة بين تلك الآراء ذات الخاصية الدرامية المتعلقة بالشخصيات التي قصد توضيحها وشرحها بواسطة تلك الآراء، وبين الآراء التي هي آرائي أنا. إن الفكرة الخاطئة والمهينة التي تصورها الناس عن "الكائن الأعظم" مثلاً، هي فكرة أقف ضدها في القصيدة، ولكن الفكرة فحسب، وليس الكائن الأعظم ذاته، هي ما أقف ضده. إن الاعتقاد الذي يحمله بعض الأشخاص المؤمنين بالخرافات والذين يظهرون على مسرح قصيدتي - هذا الاعتقاد بالإله الأعظم (المعبود الأعظم)، قدر ما هو مؤذْ جارح لكرم اللَّه ورحمته، فإنه مختلف اختلافاً شاسعاً عما أعتقده أنا. كما أنني، باقتراحي إحداث تغيير عظيم وهام أيضاً في الروح التي تحرك المؤسسات الاجتماعية للجنس البشري، قد تحاشيت كل تقرب من ومحاباة لعواطف طبيعتنا العنيفة والخبيثة الحاقدة، تلك العواطف والمشاعر التي تقف بالمرصاد وعلى أهبة الاستعداد كلما سنحت لها الفرصة لكي تمتزج ثم تنصهر في أروع إبداعات الإنسان عطاءً وفائدة. فلا مكان في قصيدتي للثأر ولا للحسد ولا للتحامل: لا مكان إلا للحب الذي يحتفى به في كل كلمة فيها وكل صورة باعتباره القانون الوحيد الذي يجب أن يحكم عالم الأخلاق والعالم الأخلاقي".

وبعد، وبعد هذه المقدمة النادرة في سعة اطلاع كاتبها، والفذة في قدرتها التنبؤية على استشفاف المستقبل، أليس من حقنا أن نفترض أن ما قاله شيلي، في القصيدة ومقدمتها، لا يعدو أن يكون التالي: قيم ثورة الإسلام هي قيم الحرية والمساواة والعدالة التي نادت بها الثورة الفرنسية ناقصاً كل مظاهر ومشاعر الثأر والحسد والحقد والتحامل التي رافقت الثورة الفرنسية، بل كل ثورة عرفها تاريخ البشرية، إلا ثورة الإسلام؟! وحتى لو كان العنوان هروباً من تهمة الإلحاد، فيما يتعلق بالطبيعة الإلهية (التي يكاد شيلي يصفها في قصيدته، كما يصفها القرآن الكريم، بأنها "ليس كمثلها شيء")، وهروباً من تهمة مساندة الثورة الفرنسية، أو بالأحرى قيم تلك الثورة، فإن شيلي، تلك الموسوعة الفذّة التي أخذت شكل كائن بشري شاب، لم يختر ذلك العنوان إلا لأنه وجد فيه أصدق الوصف والتعبير عن القيم الإنسانية والفضيلة التي قامت الثورة الفرنسية من أجلها لكنها شوهتها ثم تخلت عنها بعد انتصارها، مما أدى إلى عودة الطغيان والاستبداد والثأر والحقد وإهداء دم الأبرياء إلى فرنسا. إن العنوان الذي اختاره شيلي لملحمته هذه إنما هو تعبير عن معرفة واطلاع واسع على القيم الإسلامية التي رأى فيها مثيلاً مطابقاً لقيم ثورة معاصرة فقدت، بعد انتصارها، ما ظل الإسلام محتفظاً متمسكاً به حتى بعد ثلاثة عشر قرناً من انتصاره.

هذه تساؤلات ووجهات نظر لا يمكن الإجابة عليها إلا بعد قراءة واعية ممعنة لقصيدة شيلي الملحمية "ثورة الإسلام".

ملاحظة أخيرة أود أن أضيفها إلى هذه المقدمة. لقد بدأتُ مشروع ترجمة "ثورة الإسلام" على نية تقديم ترجمة للقصيدة كلها (وتقع في اثني عشر فصلاً ومئات المقاطع ملأت مائة وخمسين صفحة من القطع الكبير). ولكني بدأت أعيد التفكير بما عقدت عليه النية بعد أن وجدت أن بالإمكان تقديم ترجمة لمقاطع معينة يمكن أن تعطي صورة عن الملحمة بأكملها، خصوصاً وأن قراءة قصيدة بهذا الطول لم تعد في هذه الأيام ممكنة ولا مستساغة. لهذا اكتفيت بترجمة المقاطع الواردة على الصفحات التالية.

من ناحية أخرى، حاولت وأنا أترجم وأثناء التنقيح، أن أبقي على وتيرة اللغة الشعرية في بعض المقاطع، ولكن أمانة النقل من الإنكليزية كانت المعيار الأساسي، وحيث وجبت التضحية، خصوصاً في المقاطع السردية، لم يكن بدٌّ من تغليب صدق الترجمة على شاعريتها..

كما حاولت أن ابحث، في مراجع الأساطير، عن المعاني الرمزية لاسمي الشخصيتين الرئيسيتين في القصدية، وهما "ليون" و "ليونا"، فلم أوفق. يبدو لي،وقد أكون مخطئاً، أن شيلي قصد أن يكون الاسمان رمزين جديدين لقيم أفردها لـ"ثورة الإسلام"، أما القول بأنهما شخصيتان حقيقيتان، وليس رمزاً للمرأة، مطلق المرأة، والرجل، مطلق الرجل، بل والإنسان الإنسان، والحب المطلق، والحرية المطلقة، فهو محاولة للصق تهمة بالشاعر لا أسمح لنفسي بالخوض فيها.

وختاماً، آمل أن يأتي يوم تظهر فيه ترجمة لكامل القصيدة، يقوم بها من هو أقدر عليها مني، فرداً كان أم مؤسسة، وما قصدت بهذه الترجمة غير تقديم بداية، وفتح الطريق أمام تعريف القارئ العربي بهذا العمل الشعري الرائع.

إهداء

لا خطر على إنسان

يعرف ما الحياة

وما الموت

فليس هناك من قانون

يتجاوز تلك المعرفة

وليس قانونياً أبداً

أن يجبر إنسان

على الخضوع لأي قانون آخر

تشابمان

مقدمة القصدية

بناتُ أفكاري أعطت،

يا صديقة،

أعمال حبٍّ خالدة.

حين مرّت بشبابي

ألفُ غيمة،

لقت الكون لمرّة

ألف مرة

استيقظت روحي من غفوتها،

ذات مرّة:

كان فجراً بأيّار، نديّا

سرتُ فوق العشب،

آلاقاً غنياً،

وبكيت..

لم أكن أدري لماذا،

حتى تعالت من فصول مدرسة قريبة

أصوات أطفال صغار،

لم تكن إلا صدىً

من عالم الأحزان الآتي

عالم العتاة وأقسى الصراع

وعالم الأعداء والطغاة..

* * *

شبكت يديّ، وحولي نظرت

وبينما عيناي تسكبان على الأرض

قطرات دافئة،

على الأرض العابقة بضياء الشمس،

فلا تلتقيان بما يشد بصرهما الشارد،

صحتُ، لا خوفاً ولا وجلاً:

حكيماً، سأكون، عاقلاً، عدلا

حراً، رفيقاً، عادلاً، أمِلا..

لشدَّ ما يحزنني،

إن كانت مثل تلك القوة تكمن في،

أن أرى الأناني فينا، والقوي

طاغية مستكبراً، لا رادع له،

ولا ضمير يؤنبه..

لجمتُ دموعي، وقلبي استكان

لأنيَّ، فجأة،

صرتُ شجاعاً: يضمُّ الحنان..

صرتُ، بكلّ الفكر المتوقدْ،

أنبش، مذ تكل الساعة،

معارف من ينبوع الشعر

ذاك الممنوع.. القدسيّ..

لم يهمني أن أعرف ما يعرف الطغاةُ،

وما في علمهم، ويعلمونه.

نسجتُ من خفي معين الشعر درعاً لروحي محكماً يحميها

يحميها إذ تنطلق لإشعال نار الحرب بين البشر.

تعاظمت فيَّ القوة، وتعاظم الأمل..

تعاظمت حتى الثمل:

إلى أن طغى عليَّ عذابُ الوحدة،

كان عطشاً منه ذويت، وعذبني

حتى الثمل.. حتى الملل..

صديقتي،

يا من بقلبي البرود

حللت نبعاً في سهل عشبه رماد،

كم كنت جميلة، كم كنت هادئة،

كم كنت حرة في حكمتك:

يوم أن حطمت أصفاد الغناء،

والتقاليد القديمة،

يوم أن أصبحت حرة

كضياء بين سحابتين..

كم حاول عبد منكودٌ، وبلا جدوى،

عبد في ظلام السجن قابع،

أن يستنشق عبير تلك الحرية..

أما روحي، روحي أنا،

فقد قفزت خارجة من حزنها،

حزن عشعش فيها حتى الملل..

لا.. لن أكون وحدياً في قفار الكون هذه

لا.. لن أكون وحيداً

بعد يومي هذا..

رغم سيري بلا تعب

على دروب الأماني السامية،

لن أكون بلا رفيق على الطريق،

حين أرحل بعد اليوم..

وبعد اليوم،

لن أجول في قفار العزلة أبداً

صرتُ أعرفُ معنى القناعة الصامتة

في سطو الفقر على العدل الطيبين

وفي تجرؤ العار على البراءة يتحداها..

وحين ينضم أعز الأصدقاء

إلى الجموع الصاخبة،

ويضربون الأرض بأرجلهم..

* * *

هذه كانت لنا، بل ملكنا

ولقد وقفنا يوم خطب صامدين،

يوم خطب ههنا،

ووقفنا أمة شامخة،

لا الريحُ هزتنا، ولا أعاصير السنين

* * *

ولتوّها نزلت عليَّ سكينة وصفاءُ

بالغنيمة فانية.. نزلت عليَّ:

الأهل عادوا، والتقى والرفقاءُ

الأهل عادوا، بالغنيمة… فانية

بالمعاناة الغنيمة،

بالمعاناة النقيض لكل علم

والنقيض لقوّة العظماء..

لا.. لا يرد على الهوان بمثله

ولا السباب بمثلها

تلك النصيحة: من هوى العلماء..

 من خاصرتينا، صديقتي، يولد طفلان

كنسمتين،

يملآن بيتنا بالبسمات

فإذا أسعد الخلق نحنُ،

وفي إشراقة صبح الحياة..

 وأما المسراتُ، وأما أنت،

يا صديقه،

فأنتما والدا غنيتي هذه..

أغنيتي التي أهديها.. إليك..

 -1-
ما أن تهاوى آخر آمال فرنسا،

فرنسا الهاوية،

فرنسا التي داستها الأقدام الهاوية،

.. وكان آمالها حلم من أحلام المجد الراحل،

حلم قصير،

حتى استيقظتُ أنا، وأفقت:

أفقتُ من رؤى اليأس والقنوط:

قِسْتُ المسافة بين قمة الجرف البحري

وبين سفحه المنغطّى بالموج الغاضب،

يطوق عنقه، كالشيب،

فرأيت انبثاق فجر ذهبي.

يوقظ كل سحابة، ويدغدغ كل موجة.

كان فجراً خاطراً، وهدوء عابراً،

بعده اهتزت الأرض

وكأن انهياراً أخيراً يهز كيانها، ويحطمه.

-2-
لا تقلْ شيئاً، وانصتْ:

انصت، ثم انصت، ثم اسمع،

وتعلّم!

ستعرفُ الكثير،

ويبقى في طيّ الكتمان.. الكثير..

الكثير الذي لم يخطر على بال بشر،

والأكثر منه، طواه النسيانُ فلا يذكر..

ولم يفه به لسانُ،

فانصتْ، انصتْ إليَّ

وانصتْ لما في جرار المستقل وخوابيه

مظلمة، كالمستقبل،

وكالمستقبل دائمة الدفق، دائمة العطاء..

اعلم أنه، مذ كان الإنسان، وقوتان

تصطرعان هيمنة على مخلوقات الكون

على هذه المخلوقات الفانية..

قوتان، لهما كل القدرات الكليّة، مهيمنتان

جنيَّان توأمان: أم إلهان متعادلان..

جنيان فجّرا رحم العدم الحتمي

مذ تفجرت ينابيع الحياة والفكر.

 كان الظلامُ على فجر الأشياء

نفس الشيطان،وكان حياته:

قوّى من عزيمته،

فخلق بجناحين مبهمين.

أما روح اللَّه فقد زحفت

زحفت بين الأمم وبين البشر

فإذا كل إنسان يلعن الشيطان

يكفّره كلما مرّ، وأنّى حل.. وحيث يمرّ..

يومها، ماكان من أحد يميز أن اسميهما، تشبيها،

كانا معلقين فوق المعبد

حيث الشيطان المنتصر ملك الكُثُر

ملوكاً كانوا أم سادة أم آلهة،

وحيث الشيطان اتخذ لنفسه

صورة ملك أو إله

أو حتى .. صورة اللَّه.

 كان اسمه: "جحافل"،

موتاً ورماداً.. وزلازل،

ووباءً وطاعوناً وفقرا

وجنوناً، بل وجوعاً، وسلاسل

ووباءً بجناحين،

وكل العلل حاملة عصا السحرة..

سلسلة مسلسلة، وسلسلة بعد سلسلة

عديدة، عديدة،

عدد الأوراق يسوقها إعصار خريفي

وكان السُّمُ اسمه، واسمه الأفعى بين الأزهار

تلبس أقنعة الخير والفرح، وتخفي تحتها.. رأسها الفاني القاتل

وكان له الأسماء الأخرى:

(فبدونها لا تكتمل السابقات)

كان اسمه: خوفاً، وطغياناً، وولاء

ودين الزيف، والكراهية، وطغيان الطغاة

ينشر شباكاً مخيفة

يعلق فيها الأموات والأحياء، على حد سواء.

 في روحه عزم هؤلاء،

وهم عبيده،

إن في الجوّ أم في الضياءُ

في العقل، أم في كلام البلغاء..

في روحه عزم الطغاة وأسماء الشيطان:

فيها يقيمون، وفيها يكمنون،

وفيها كما هم يبقون:

بين القصور والقبور

في أعماق الناس، في كل العصور،

ولكنهم لا تراهمُ العُيون.

 وحين سقط الكابوسُ

في مرآة ظلام الأبنوس

يأمرهم بالنهوض، بالوقوف

احتراماً لطاغية،

أو طاعة لمدع، مشعوذ كذاب،

ظهرت أشكال شيطانه

سوداء ذوات أجنحة

من جهنم يطلقها، فتخرج،

من جهنم، حيث يحكم، من تحت تلك السموات العلى،

يطلقها لتؤدي المهام

سوداء، بعضاً من ركام..

يوم كان الكون طفلاً أمردا،

ملكه كان قوياً رغدا

ومتيناً كأساسه،

وقريباً، وقريبا

روح اللَّه تقفز:

ربما دودة ارض،وكريهة،

ربما من بطن أمواج عتية،

لا قوام لها، عتيه،

ثم تلتفُّ، كما الدود، وتهرب.

ثم (الشيطان) شيطانُ الدماء

جدد الحرب الغثاء

عندها اهتزت عروش وعروش

فإذا المستضعفون في أرض البلاد

تكبر الآمال فيهم، وبها

قدرتها، حرب الرجاء

وإذا الخوف، وشيطان الشحوب الراجف

هارباً يخرج من مكمنه

 بعدها استيقظت يونانُ

والإغرايق، والجنيُّ هب

مطهماً بحلي من ذهب

قاصداً شعراءها، حالماً، والحكماء

حتَّى حيث ينامون،

في أعمق ليل الحكماء،

وقد غمسوا قلوبهم

في أقدس شعلة، وأقدس مشكاة

أنعشتها أنفاسك، أحيتها

يا قدرة أقدس اسم في هذا الكون!

 وحين يضع الظلامُ أسلحة جديدة

في أيدي أعدائك

أصلحة تلقي شهرتها الشبيهة بالشمس

دوائر دوارة على ساحة المعركة

تلقيها ضوء ما اشدّ الحاجة إليه

ضوءُ.. كالجنة انتشر

حتى ضم ما وراء القبر.

-4-
هكذا بدأ الصراع: هكذا يبدأ:

يبدأ حين يكافح الإنسان ضد طاغية

في معارك دامية،

ويبدأ أيضاً حين، فجأة تحيا الإفكار الحرة

كما البرق الخاطف

وحين تخوض العدالة حرباً صامتة

في صدر كل فردٍ من جماهير الأرض المسحوقة

وحين يتفرق الكهنة والملوك،

تكون وجوههم قاسية، بالغة القسوة،

باسمة كانت أو عابسة.

وحين تسكن الآمال كل القلوب الطاهرة

عندها تلتقي الأفعى بالنسر،

فتهتز دعائم هذا الكون

-5-
أنت راقبت المعاركْ

يوم عدت إلى دياركْ

لم تغمر الدموع مواقدها، ولكن

قد تسمع أن أرضها قد أصبحت

مزبلة لطاغية،

يقدم لقرانه مكافأة:

ثواب سنّي العار، يقسمها بينهم:

أما الشيطان الحاكم

شيطان الماضي المنتصر

فهو اليوم في رعبٍ دائم

خائف على انتصاره الذي

ناله بعد صراع مرير،

خائفٌ، يخشى أن يُسرّع انتصاره

نهايته القريبة المحتمة..

-6-
يوم أضاء أول دم دافق

يجري في هذه العروق

فكرة في العقول،

قفزت إلى الأمام فرنسا

فرنسا العظام

وعلى السلاسل شدّتن

ليتها حطام

سلاسل وحدت في الأسى والمهازل

أمم الأرض.. كل الأنام

-7-
كيف، يا قلبي، مشيت إلى المدينة

تلك التي، مليئة وشاسعة،

كانت مراحاً واسعاً،ومديداً

لحربٍ مقدسةٍ مديدة

-8-
كيف يا عجبي مشيت

بين أموات وموتٍ

كان يحصد كل حيٍّ

-9-
كيف يا حزني اقتسمت

بيني وبين الأشقياء

فعلاً جرينا ومشيت

دون خوف الجبناء

-10-
كما الملاك، إذا الملاك

في وكر تنين الهلاك

كيف يا موتُ هزمتُكْ

طالباً حريتي وحقيقتي،

كل الحقيقة

وتحديتك، وهزمتك

كيف تحديت السلام،

والقويّ، وقوته

والشهيد، وشهرته

-11-
وما أن ضنّ على حلمي شبابه

حتى استعدت الحزن خلا

ليكاد حزني والبكاء،

يثير فيّ الحزنا

فيثير في من يسمعه

حس الترحم والندّم.

-12-
ما أسرع تزاحم الدموع الدافئة

على المآقي والعيون

وعلى الخدود..

 

هل تتمُّ حكايتي؟

قد لا تتم: إذن فاسمعوا:

يوم حزني هذا انحسر

لم أترك، كغيري،

وحيداً ميتاً وبارداً، كما الحجر..

فالروح التي في وحدتي عشقتها

رعتني، طفلها، وحبّها الأغر

 

أما الغابة التي هزّت ذؤباتها

العواصف والأمواج

والينابيع… وسكون الليل

فكانت صوت تلك الريح،

ولقد فهمت معنى ابتسامتها القدسية

حين كان البحر الساكن

يتألق بالنجوم الساكنة

وحين عقدت الفرحة لسان السماء

فحبست أنفاسها…

على حبيبي القى ظله الفرح

والدهشة ألقت ظلها الخافت

يدٌ سندتني،

في لمستها قوة ساحرة

ونظرت في عيني عين ذات زرقة

وكأنها ضياء القمر

نظرت بحنان..

ثم نادى عليّ صوت:

"عليك الإصغاء اليوم:

روحان عظيمتان

ستعودان الآن،

وكأنهما طيرا هدوء وسكينة

حضرا من بحر الكون الهائج

ليسكبا ضياء جديدا

من جرّة الأمل الخالد:

حكاية قوة الإنسان

قصة رفض اليأس والقنوط..

فاصغ إليها.. وتعلم

هناك، قرب اليمِّ الهدّارْ،

استيقظت في جسدي الفاني

نبضات وكوامنُ ما أعزّ ذكراها،

كهذه،

وكأنها تذكارات الموتى:

لكن سرعان ما لحقت بها أخرى غيرها،

لها صور مختلفة:

صورة الكون القديم

صورة الكون الرائع العجيب

أقوال عقول وأفعالها

لن يستطيع الدهر ترويضها، ولا تغير الأحوال:

تقاليد مظلمة عتيقة

منها تنطلق أديان الزور

وعقائد الشر،

وظلالها المعتمة

تستقي من ينابيع السُّم الزؤام

-14-
ولقد سمعتُ، كما الآخرون،

قصة الحياة الإنسانية وروايتها المختلفة،

وبكيت، ذرفت دموعاً مكرهه

على مؤرخين خاملين تافهين

أرخوا عار تلك الحياة وشنارها،

وأرخوا لأمجادها..

مدافعين ولكن كاذبين كانوا

عن كل آمالها ومخاوفها

وكانوا ضحايا،

عبدوا الدمار والخراب،

أرخوا لمهانات الحياة، مآسيها

كانوا عبيداً كرهوا حتى المقت ما آلوا إليه،

ورغم كل هذا،

منحت القوة والسلطة المغرية زبانيتها

عرشاً منه يحكمون ويقضون!

أما أنا، فكان قدري،

أن يبحث شبابي، في القبر، عن رفيق

فبين هؤلاء، وأمثالهم كان القدر.

-15-
الأرض التي منها أتيت

جرداء كانت.. قاحلة

فيها تجلت.. نازلة:

المستكبرون، كما الطغاة،

معاً أحلوا بيوتاً لخيولهم

مرابطاً لنعالهم وطأ ذليلاً واجلا..

خنقت سلاسلهم فينا الأسير وأنته

لم يخجل الناس من عار الخضوع

للعنة الذل المميت:

على الشرور تنافسوا، وجميعهم

مستكبراً أم طاغية

أم عبد صُناع القيود،

والخوفُ، المغموسُ بشهوة

شهوة سلطان الطغيان

قد عقد الحلفُ المستغرب

بينهمُ، بل أغرب حلف:

البغض المتبادلُ دينُه

فكأنهما: العبيد مع الطغاة

ثعبانان أسودان، تعانقا في غبرة

وأطلقا سماً مزيجاً في طريق البشر..

-16-
أيتها الأرض،

يا بيتنا الساطع بضياء الغد

ياجبالها،

ياماءها، المعطاء.. الفيض

يا صوراً معلقة في الهواء

فوق خضرتها الرحبة الواسعة

يا حور عين صباياها

يا شمسها والسحاب،

يا خضم بحورها

يا مبدع ألوان الهوا.. فيها

يا من ألقيتم عليها ضياءكم أول مرة،

منذ غمرتم مهد الكون، ومنذ صباه

لم يمش على الأرض أحد

ليرى ويسمع،ويحسّ.. لم يمش أحد:

بل ظلام دامس قد حط، بل

وظلام دامس في كل قلب:

أما الضياءُ الذي يعرف قدره،

أما الضياء،

فلابد أن يولد من رحم الفكر النيّر

لا يعرف الخوف ولا تعرفه..

-17-
هذا العالم، هذا الكونُ الحيُّ،

موطنُ الأرواح السعيدة هذا،

كان لجنسي البشريِّ المسحوق فيه كالزنزانة..

من الأمل المغتالْ

يرث البؤس، ويرث اليأس.

فهذا كل ما اعتادوا عليه

جبلوا بقنوطهم الأمل المغتال،

فما وجدوا غير سجن، وقيود، وطغاة:

سجناً أشدّ سحقاً،

وأصفاداً أغل،

وطغاة أشد طغياناً وغيَّا

الهوّة التي أمامهم:

ما أحلك ظلمتها..

مملكة مليك لا يرحم تفغر فاها

مملكة مليك طاغية

ويأخذ كل متاعهم غصبا

ووراءهم: رعب، وإرهاب، ودهر

يتصارعان كراحلين، ويحملان

فوق الطوفان الإعصار،

ومن البرّ

جمع البؤساء

وصراخهم صم الآذان..

-18-
من بين حطام اليم

من بين ركام اليم

الحزن بنى، والذنب بنى

وكذا الحسدُ والخطيئة

وكراً لأفكارهم معتماً،

أفكار لا أرض لها، ولا وطن

بدؤوا بالأشباح

تجيء فوق وكرهم وتروح

وكر الشؤم المقروح

وضعوا في الوكر المعبودا

معبودهم،

وتعلموا، وعلموا عبادته.

قد يمقت الناس الحياة

وعلى عقبيهم ينقلبون

عائدين إلى الشرور

تلك التي منها سعوا لخلاص،

ملجأ منها مقيم في الحياة الآخرة

ولربما يتعلمون.. حبُّ إمعان النظر

في كوننا.. هذا الجميل، بلا بصر

بلا التراث البائس.

-19-
ولأنهم كانوا جميعاً يرزحون

بعبودية روح وجسد،

كانوا، طغاة وعبيد،

وضحايا بائسين،

ينحنون.. أمام سلطان أحد

خضعوا خضوعاً مطلقاً إرادته:

ما من سبب،

إلا لضعفهم المهين:

كانوا جميعاً ضعفاء

سموه أسماء كثيرة، وكبيرة

فإذا الأشياء شر كلها ورموزها

وإذا معانيها: قدر.. وإذا معانيه حجر

وإذا ترانيم النفاق

جبلت بترنيم الدماء

سرق المزيجُ من الهواء: قدسيته

اختلط النفاق بشعوذات مشعوذين بلا ورع

في مقامات الوفاء..

في متاهات المعابد

متنافر الغابات، مجهول المقاصد

-20-
قصصُ الحياة سمعتها، وكما الجميع،

بروايات عديدة،

من مآسي من شب على العار والاحتقار،

وشاب عليه،

ومن أنين جموع أضراها الجوع

ومن عويل ثكلى على وليدها وقد دنسه الوباء

ومن دماء البراءة تراق، تهرق في الثراب

ومن شحوب الشاحبين خوفاً من حرب القلوب

جمعت هذا الخليط غير المتجانس

غذاء لأفكاري الكثير الغزيرة…

-21-
عبر بقايا أيام راحلة

سرحت بعيداً عن شاطئ مهجور،

حين أضاء القمر حتى مياه البحر المساكنة،

وعلى الجزيرات المنثورة

هناك، في سماء الشمال، وبين السحب الجاثمة على الأفق

ألقت الجبال رحالها عند سهل هائل شاحب…

انتشرت حولي قبور هرمة

وأعمدة مشققة ممزقة

وأفاق بين بقايا تلك البقايا الفانية

عويل سرمدي،

عويل ريح صرصر عاتية..

-22-
لم أكن أعرف يومها

من أبدع هذه العجائب

ولا سمعتُ قصة أمجادهم.

كلما كنت أعرفه أنها كانت:

مواطن قوم من أعاظم الرجال

ونصباً لعقائد أقل غلظة وجفاء

تروي حكاياتها لمن يفهم لغتها..

أما الآن، وقد أحال ضوء القمر

المروج السندسية قفاراً في عيني

بينما النجوم المتألقة تتراقص في البحر الساكن

فقد بدأت جميعها تغرد أمامي:

كل هذه الأسفار،

أسفار السرّ الفاني..

-23-
رجل كهذا، كان، في غابر الأزمان

بل أكثر حكمة ورقة، وعظمة

حتى من الذين طبعوا شارة السلطة

على تكل القبة الممزقة.

ولقد شعرت بفيض الجدول المحمل

بعظمة الأزمان والدهور

يحمل أفكاري العائمة،

وقلبي يخفق عالياً، متسارعاً

وكأن عاصفة هاجت تحت ضوء القمر الساكن

فانطلقت روحي،

عابرة ما هو دون شعاع الحقيقة الثابت

المسلط على صخب قلقها الثائر..

-24-
قلت: حبيبتي، يا سنثيا

يا من لم تتصالحي بعد مع هذا الكون،

ولن تفعلي،

لأن السلام، وطبيعة البشر

لن يلتقيا إلا حين يرحب السلام المنزلي

بالرجل والمرأة، حرين متساويين،

وحين تحل قوة السلام هدوءها

وعرشها القدسي في قلب البشر..

فلا بدَّ من تحطيم كل عبودية.

-25-
ابتسمتُ، ولم أنطقْ

"لم تبتسم؟" قالت،

"لم تبتسم؟

مما أقول؟!

"أنا ليونا، لم أكن يوماً ضعيفة

خداي قد يشحبان مرة

ولكني، إن شئت، قادرة، معك،

ومن بني أفواج العبيد الموسومين،

إن أحل الخراب والدمار

على رؤوس الطغاة المستكبرين!

كنت في الماضي أظن

إن إدارة خدي الأيسر

لمهانة العار والاحتقار

هي أكثر استحالة، وأشدّ قسوة

من الرحيل عن هذه البقعة الأعز،

ومن تركك، يا أعز صديق ورفيق،

ومن أن أبوح بما صدري من الألم..

-26-
هل يكون المرء حرا

إن كانت المراة عبدة؟

إن حيّ صُفّدَ بالأغلال

يتفجر هذا الفضاء الرحب، بلا حدود

يتفجر غيظاً، كما يتفجر الجوّ الفاسد

لهواء قبر مسدود!

هل يجرؤ من كان وحشاً قرينة

أن يدوس على مضطهديه؟

وهل الذي قدر له

أن ينحني تحت نير الذُّل المحدود

نير العار، وما أشد وطأته،

الأثقل من كل حمل وألم..

بقادر على الدّوس على مضطهديه؟!

اعلموا أن اللعنة في ديار هؤلاء،

وبين أطفالهم،

ستلبس صورة امرأة

تلحقها جريمة أزليه

ويأتي الزيف، بعدها، والكذب

ليعيد بناء قبة دين مزيف: قبة متداعية..

-27-
تمهلوا، وانتظروا..

حلول اليوم الموعود

يوم ترحل أنت، والدموعُ في عينيّ

أقفُ، ألاحق شراعك المتنائي

يلفُّ البحر المغبر

وأبقى وحيدة بين أهل هذه الأرض البعيدة..

وسيأتي يوم توقظ فيه إرادتك

غفلة هذا الكون القلقه،

وبعدد حبّات رمال صحراء تتلهى بها عاصفة

ستنطلق الملايين، ملايينها، ملايين الصحراء العاصفة،

وستزحفُ، تزحف، تزحف

كي تلتفتَّ حولك،

يا ضياء خلاصها..

-28-
لمسة على شفتيّ، ناعمة هنيّة

ثم ينهض، ثم ينهض:

يرنو إلى السماء

ليرى إن كان مارد النجوم هوى في أعماق أليم المظلم..

ويعود إليَّ بباصرته، كي يحدثني مشجعاً:

"لا تخف. إني صديق، وبجانبك!

هيَّا ابتسم! أيا ضحية!

فأنت اليوم حر وطليق!!"

كم أسعدني سماع صوت بشري

غاب في الزنازن دهراً، وحيدا..

أعواماً بعد أعوام،وبلا رفيق!

-29-
شيخ ناسك،

ما أن قبض على المجذاف حتى هرولت

إلى الشاطئ السفينة

توقفت قرب برج من الحجر

كان كوماً خربا

غطت مداخلة العواسج،

وانتثرت على أرضه الرمال

وأندر أصداف البحر..

ثم كان الفيضُ، الطوفان الأبدي،

عبد الدهر، أم الشهور..

استلقى على جدران البرج..

البرج القائم شاهداً.. وصامداً

في وجه تحولات فنون البشر

والشاهق وسط حاضنة الطبيعة.

-30-
أمضى الناسك عُمْره

للموتى كليما،

وأي موتى؟! أصحاب الفكر سرمديّ النور

يسمونه على صفحات سرمدية

صفحات لا تعد، ولا تبور..

يتركونها خلفهم حين ينزلون

إلى العفن المجنون،

عفن أورام القبور..

لهذا روحُه صارت مشعلاً، قبسا

مشكاة مجدٍ كالتي،

منها استضاءت مدنٌ، خيام

مشكاة، كروحه، أبديّة

مشكاة تضيء روحه البشريّة

وعبر مهاجر مسكونه،

في الخيام، وفي المدينة،

كان عطش للمعرفة شديد

يقود خطواته، فيقرأ ويقرأ

حتى قرأ كل ما كتبه عظام بني البشر.

-31-
غير أن العادة والتقاليد القديمة

سرعان ما تعمي الأبصار حتى في أطهر القلوب.

رأى الناسك ما ترزح تحته الشعوب

من مآسي أليمة..

لكنه اعتبر

أن القدر،

وهو الذي أتعسهم،

لمبقيهم كذلك.. حتى آخر العمر.

راح يبحث عن متعته: المعرفة

لجأ إلى هذه الزنزانة

وحين عمّ الخبر البلدان:

أن رجلاً في آرغولس

عذّب من أجل الحرية وأهين

وأن الناس وعوا، من نجديْه الموهوبين،

كل الحقيقة، أسماها

وأن حشود الناس تكبر

تنمو، تتعاظم

انتشت روح الناسك

في الجسد المتهالك،

ولم يعد يطيقُ بقاء

في خلوة سلامه القدريّ:

فانطلق إلى تلك الأرض،

الأرض التي من نارها

استقت نورها شعلة المنتصر.

حلَّ الناسك في أرض

كل قلب فيها كان درعاً

وكل لسانٍ، سيفُ حقّ.

هناك، ورغم ترديد الطغاة

لأناشيد النصر، ترانيمه

على أفئدة القبائل المبعثرة

كان اسم ليون

يدغدغ آمال الناس المكتومة.

-32-
ذوب الناسك الناس

في دموع التوبة:

أعطوه كل الحريّة:

قال خاطباً فيهم:

ها قد مضت سبعّ عجاف،

والحقيقة تستقر

في النفوس الجاهلة، بطيئة وهادئة،

فالأمل الذي ألهبها

أعطاني سلطان العزم، سلطان القرار".

ويضيف الشيخ الناسك:

"من ذكريات شبابي

وقصائد الشعراء،

ومن حكمة أقدم الحكماء،

من ذكريات شبابي

من كل ما تبدعه أفكاري المستيقظة

من أماني الطموحات الجريئة فكيم

والطموحات القوية،

استلهمتُ أقوالي لكم،

كاشفاً لعيونكم

كل الحقيقة، يا هلي!!:

من أقصى الأرض لأقصاها

كلماتي تدعو وتبشر

بعقيدة عزم البشرية

بإرادتها:

سمع كلامي الكل

وهل الناس إلا طامح متأمل

بأكثر مما قد كسبوه

وما في الماضي قد خسروه!؟؟

-33-
"خلف الأبواب الموصدة

يقرا لصغار الأفئدة

يقرا الآباء:

يقرا الآباء لطفلهم ما كنت كتبت

يقرا الآباء، ويبكون،

ما كنت كتبت.

وتفتحُ أبصار الآباءُ،

أما الفتية، والشبان، فيقسم كلهمُ قسما،

وطغاة الأرضين نيام:

يقسم الفتية والشبان

قسم الإيمان ببعضهم

عهد الإخلاص إلى الأبد..

أما الصبايا الحور،

أما الصبايا

والحب في صدورهن نار،

حتى لتكاد الحياة تذوب في محاسنهن،

فقد وجدن اليوم أملا، أكثر دفئاً، وأعظم نبلا

فإذا الصدور تخفق

كتساقط أوراق الخريف، لا تحصى ولا تعد،

في جدول جبلي دافق.

-34-
"هذه فرائض الطغاة،

طغاة المدينة المذهبة،

ترتعد لسماع الصوت الهادر في الطرقات.

زبانية الزور والنفاق

لا يجرئون حتى على كشف كذبات قلوبهم لهم،

ولكن ما أن يلتقي عند المعبد

واحدهم بالآخر، حتى تستعر قلوبهم خوفاً وهلعا:

فرغم أنهم لا ينطقون

فإنهم لا شك يدركون،

أن الحقيقة ظهرت…

يرتعد المجرمون على كراسي القضاء،

والذهب يصير قذى حتى لشمطاء ثرية

والضحك يسكن في المعابد

وتهزّ اللعنات العرش، عرش الطغاة.

-35-
"تملأ الدنيا قلوب صافيه

وفعالٌ طيبة، وأمانيّ عليّة

ويحل محل دين ملأ الأكوان ظلما وعذاباً لا يزول

دين حبٍّ لا يخاف

قانون عدل ومساواةٍ

بل وقانون السلام..

كلها تخلف ظلماً وعذابا

ودماً يهرق ظلما،

ونفاقاً كاذباً، ملأ الدنيا خرابا!!

ظلماً بارد القلب، غرابا

نسي الرحمة، وامتشق العذابا..

وما أن تسحب دواماتُ البحر إلى جرفها

كل حطام اليمّ حتى يأمر السلطان

يأمر السلطان، هذا الـ"ليون"، بشار الأمل،

يأمر الجبروتُ هذا كل روح في الورى

أن تتبعه..

كلها نسق بديع،

ما أبدعه،

حول سرّ ليون، بل قوته،

وما كان معه:

حول الرجا، حول الأم

-36-
"وإن بعد طويل انتظار، نهضت

فلن تهرق دماء،

حتى العبيد،

سيوفرون الإخوة، والذات، وكل حي!

ما أعظم قوة الكلمة:

فقد ظهرت صبية،

جميلة، جميلة،

عُلمتْ منذ الصغر

أن ترى قضاءها، كلَّ القدر

في نير طاغية.. بشر!

ظهرت لتنبئ جنسها: أن للحقيقة حكمها

ولحرية الإنسان حكم.. لا قدر:

بالقول: "هيَّا! يا نساء!

من أجلكن، من أجلكن: تبقى الحياة!

أنقذنها! من أجلكنْ!

هيَّا.. وأنقذن حياتي!"

-37-
علَّمتْ جنسَ النساء

المساواة حقيقة

وقوانين صديقه..

بل قوانين السماء!

كم عانين من مرّ الأذى

ومرارته،

بينما يجمعن أحلى المجتنى

من ثمار طيبة

قد يدانيها بشر..

حُرّة أيديهن حره

حرةٌ، الآن، حرة

بينما الظلم المسلح

يلبسُ الرعب المصفح

خائفاً، رعباً رجيفاً،

رغم أقسى قوته،

من حسنها، نظراتها،

وجمالها في فطرته..

تلتفت آلاف النساء بقربها

إن عذارى نابهات

أمهات،

أو مرضعات..

وجمالها.. ما أروعه!

 

أما الفتية والعشاق

فيجددون أيمان الوفاء

تلك التي حنثوا بها

أيام كانوا يتبعون

دين النفاق..

وأما القلوب فقد عادت إلى وحدتها

بعدما أضنى الفراقُ عُراها!

-38-
"حرس الطاغية يقاوم.

أولئك هم قساة، غلاظ، بل وحوش

وأقسى من كل الوحوش

حين تعطش لدماء الأبرياء،

لا يخافون، يقفون صامدين

وسط السهل المتماوج بالجيوش:

قوتهم، منذ طفولتهم، قتل ودمار،

خيرهم الشر. ومن أجل الشر،

ما أبغضهُ،

طرحت إرادتهم أغلالاً تأكل قلبهم،

وحشود السهل تطوقهم،

تنهال بكل الحب البشري عليهم!

إعتاقهم صار عقيدة

من فكر يحمل كل العند

منه يحاول هذا الحشد

إعتاقهم،

من فكر لابد مدمرهم،

بل فانيهم!!

الحشدُ يحاول إنقاذا

لوحوش لا ترعى الحب

بالحب البشري يحاول

بجميع الحب.

-39-
"إذا الدماءُ أهدرت

وإذا النفوس أزهقت

فما ذلك إلاّ انتقال

من نير للقهر إلى آخر:

من العبودية إلى الجبن..

فما أذلّ السقطة، ما أذلها:

هيَّا إذن!

ارفع صوتك القدسي

صبَّ على الأشرار الحب الكامن في هاتين العينين،

حيث تجسد الروح راحتها..

انهض! يا أخي وصديقي..

ووداعاً!"

وأنهى الناسك كلماته

فوجدتني انهض، خفيفاً

من على المرج السندسي

كما يستيقظ الواحد منا

من أحلام خافتة النور..

ثم ألقيت البصر على أعماق البحرية الساكنة

-40-
هناك على رابية، أقصاها، صعدت

وفوق منخفض جليدي، وقفت،

القمر الداني يغمر الجبال الآسيوية

منتشراً عبر السهل، وعبر المدينة

ومضارب الخيام تحته:

وبنوره وضيائه طوق المحيط الليلي المتألق

والمشاعل المنثورة كالنجوم

في سماء قمريّة

توهجت بالضياء،

واشتعلت نار بين الخيام المنثورة

وكأنها ينابيع لهبٍ تتفجر.

-41-
وغفا الجميع غفوا، ناموا

إلاّ الساهرون بسلاحهم، يترقبون

والهمسات المتصاعدة من ذلك الحشد الهائل

تحيل الصمت صمتاً أكثر عمقاً..

ما أعظم الفكر البشري الذي ولد في تلك الليلة!

كم من القلوب المقنعة

بما لا يمكن اختراقه

تنبض في ظل الليل وتخفق،

وأي صراع يحتدم سراً في أعماقه..

بين الشر والخير،

تتقاذفه العواطف المتقلبة المختلطة!

أي صراع يحتدم في ذلك الحشد الصامت،

أي حرب تلك التي ما توقفت يوماً.. أبداً!!

-42-
وانتصرت قوة الخير

فتجولتُ، تغمرني السعادة

عبر امتداد الخيام، وفيها

وعبر الملايين الصامتين،

ينامون نوم البراءة..

رحل من صحراء السماء القمر

لكن صباح الشرق

بدأ يرسل شعاعه عبر عيون الفجر

رأيت فتى ينثني، بسلاحه، فوق رمحه

طأطأ الرأس فصحتُ: صديقي!!

فإذا الآمالُ المشتركة

إدراكٌ في عقول الأحرار، مشترك

-43-
جلست قربه،

وضياء الصبح يزحفُ هادئاً عبر السماء

حدثته عن تلك الآمال الأبدية،

حدثته عن قمة الرجاء،

شغلتنا بالكلام حتى أعتمتْ شهبُ السماء

كنت أشعر أن صوته كان يسبح

يسبحُ، يسبحُ، يسبح

كغارق في ذكريات..

ذكريات أفكار تغرقُ بالدمع

حتى عيون البكاء..

وأخيراً، ما أن بدا نور الصباح

يملأ الهواء

حتى التفت إليَّ وصاح:

"أنت، يا هذا، هنا!؟"

-44-
وجلجل صوتٌ يأمر،

أن أجلبوا لي الطاغية!

وأتوا بمن كان يقضي

ليسمع حكم القضاء فيه!

فتردد مدوية،

صيحة تقول: الدم بالدم، وبالنفس نفس مثلها!

صحية جاءت من تلك الأرض

التي غمست جرائمه بالعار ترابها،

وأضافت: هلا يُثار لدم عثمان!؟

والذين من ألم العبودية يتلوون:

ألن ينتزعوا طعم الثأر وخيراته!؟

من أرض لا ترضى بالثأر؟!

أيموتون بجريمتهم،

ودمُ الطاغية المتعفن

يتدفق حراً وطليقا

في أوردته..

لا والحق، فانهضوا!

وللعدالة الإنسانية قدموا..

قربانها المختار!!

-45-
صحتُ فيهم سائلاً متسائلاً:

"عمّ تبحثون؟ وماذا تريدون؟ ومم تخافون؟!

أتريدون هدر دم عثمان؟

إن كان هذا مرادكم،

فلا تخافوا بعد الآن

من هذا المسكين المنبوذ؟!

إن كانت قلوبكم بالحب تزخر

حب الحريه،

بالحب الصادق،

فها هي السماء تغمرنا جميعاً بالضياء..

أنقى ضوء من أطهر سماء..

ومن أجل الأرض، وعبر الأرض،

الأرض الأم، الأم الحب

تفيض علينا بسماتها العذبة

علينا جميعاً، بلا استثناء،

من أجلنا كلنا: خلوا سبيله!

أطلقوا يديه، أعطوه حريته!

حتى تنتصر أسمى القيم

في طبيعة البشر،

وتفوز بمولود جيد يأتيها من تلك البسمات!

-46-
"وما الذي تدعونه العدالة؟

هل فيكم من لم يتمنّ يوماً، سرا،

أن يصيب آخركم أذى؟

أطاهرون أنتم، أنقياء، وكلُّكم؟؟!

من كان منكم يسمع هذا ولا يرتعد،

فليتقدم1

أيهينون ويقتلون لو كانوا كذلك؟!

أيملؤون عيونهم بغضب الكذاب الناهق؟

إذن، وآسفاه! فهم ليسوا الأنقياء!!

وإنَّ إرادة الخير والفضيلة،

تلك الإرادة المطهرة النقيةّ

لترى أن العدالة:

هي نور الحب، وليس الثأر ولا الإرهاب

ولا الإرغام، ولا القهر.."

-47-
"هادئة كغروب الشمس،

مسرعة قويّة،

كأشبال النسور،

جميلة فتيّة،

تضمين شعاع الصبح بيديك،

كي تسبحي فيه، وتحت قدميك

يتلوّى دين الزور والجنون

وتقاليد جهنم، والقنوط الفاني.

اسمعي!

ها هي الأرض تسمع النذير،

نذير صوتك، سامياً قدسيّا

ها هي تجمعت أرواحها المحررة،

كي تراك، تتحسسك، تلمسك، تعرفك

ها هي قلوبها تخفق لسماع صوتك

وكأنها عشرة آلاف سحابه،

تطير، حين تطير،

على جنح ريح مديدة، واحدة!

أيتها الحكمة!!

ها هم أطفالك الذين لا يقهرون

لتحيتك ينهضون،

وفي أيديهم تلك الأقدارُ التي صفدوها،

وإرادتهم،

وما شحذوها إلاَّ لإعلاء مجد مسارك

-48-
"يا روحُ واسعة عميقة،

عمق الليل والسماء!

يا أم الكلّ، وروح الكلّ،

كل من أعطى نور الحياة، وجمال الوجود،

ما أروع اعتلاءك عرش القلوب البشرية!

عرش سلطانك السرمدي،

يا عظيمة مهيبة، يا قوية!

مهيبة، مهيبة،

كما كنت في أحلامك الشعواء:

شعواء شابوا وذابوا بعدما رأوا ظلك.

والآن، يرى الملايين بقربك،

صواعقك داخلهم تحترق:

الله أنت، أم الطبيعة،

أم أنت الحبّ،

أم أنت الفزح،

أم أنت العطفُ والحنانُ…!

وحتى الدموعُ الحزينة إذ تنقلب ابتساماتٍ متبادلة

فهي كنز يهبط فينا، يحلّ بيننا

أما التفاخرُ، وأما البغض

وأما الصلف، وأما الثأر،

وأما الأنانية

فقد ضربها القحط والنوى،

صارت قفراً خاوية، -

لقد أقسمت أممٌ مائه

أن تحلّ بأرضها حباً وعطفاً وحناناً وسلام

بين الخيرين والأحرار من بين الأنام!

-49-
"يا أعرق الأشياء

يا عدل السماء

يا مساواة الإله

بين أبناء البشر!

ما هما، الحكمة والحبُّ، إلاَّ من عبيدك،

وملائكة قوّتك

تهيل حولك كنوزاً من خلايا الفكر،

فكر البشر:

ومن الكواكب والنجوم، ومن اليمّ المتلاطم

من آخر قلب حي

ما تزال تهزك نبضاته، وتخفق فيك!

الأقوياء سعوا، وسعى الحكماء

لساعة اللقاء معك،

أنت يا من نزلت نوراً فيّاضا

على الأرض الواسعة، أرضك أنت،

وكأنك نبع امتزجت بكل العطر أنفاسه،

وتمزج كل العطر في عطر واحد:

تعالي إلى دروب الناس!

ها هي الأرض تفتح صدرها،

ويلتقي كل الأطفال، أطفالها،

هنا في ربى أمجادك،

لينهلوا من شذى بسماتك،

ويقبلوا أقدامك!!

-50-
"تحن، يا إخوتي، أحرار

ما السهولُ وما الجبال،

شواطئ البحر الأشيب،

وما الغابات والينابيع…

وما النوافير والأغصان

إلا مساكن لأسعد ساكنيك:

رجل وامرأة،

ينعتقان من عبوديتهما المشتركة،

وينهلان، حرين بلا حدود

من حبّ لا يعرف الحدود

عزاء ومستراحاً من عذابهما!

فرغم كل شيء،

لابد أن نبكي، لأننا بشر.. إنسان:

أهدأ غدٍ لليل عاصفة هوجاء

زخاتها: ارقُ دمع الشفقة والحنان

وسحابها: ابتساماتُ من ماتوا

كما الأطفال،

بلا خوف ولا آمال،

ودعاؤها: أفراح ترتع في قلوب متحدة!

أهدأ غدٍ لليل عاصفة هوجاء

هو الآن سلطان الزمن:

أما فجر الفكر،

ذلك الفجر المولود على جنح طير،

فسيضيء، قريباً، رحب الفضاء،

كإشراقة شمس،

ويضمُّ هذا الكون القفر إلى صدره المتألق،

حضنا يغمره النور.

-51-
"ونصيبهم فيها السلام،

والطهارة والبراءة..

لا تلوثها السموم، وليس فيها

سوى جنات رمّان وتين،

والبرتقال، وفاكهة

ومما يشتهون،

والتمر، والعنب الشراب،

عصيره خمر ملعون..

عصيره خمر.. قد تقتل، قد تصرعُ فان!

وسنابل قمح تنضجها أرض، وسلال

وجداول ماء ما أصفاه

يسيل رقيقاً فوق شفاه.."

-52-
القدماء في قبورهم

خيرين كانوا وعظماء:

والأنقياء الأبرياء

والأحرار والأبطال، والحكماء.. والشعراء

يرحلون تاركين وراءهم

شواهد عظمتهم لتزين هذا الكون،

كي تستر عريه:

ونحن نموت، كما ماتوا،

غير أنهم يخلفون وراءهم الأمل:

كلُّ الأمل، وكل الحب، والحقيقة والحرية..

فإذا روحهم الجبارة

ترسم أشكال القانون والقيم

لعصور آتية.. باقية

-53-
من أقصى الأرض، ممالكها

انصبّ عبيدُ الأرض

بالأصفاد مقيدين،

بالأصفاد الجمعية،

يرسلهم مستبدٌ طاغية

بأمر من خائن: توج ملكاً..

وكزئير النار تحيط لظاها وعول البر

في السهوب المحرقة،

وهناك في الجنوب،

حيث طوقت جيوش ملوك الحلف

صفوف الفولاذ واللهب:

اهتزت القارة وارتعدت،

وكأن قدرها الدمار..

اهتزت، واهتز البحر

تحت وطأة أساطيلهم،وضجيجها.

-54-
من كل أقاصي الأرض أتوا

من كل الأمم، أتوا..

أفواجاً من أشياء بلا قلوب

لكنها على الأرض تدب:

أتوا.. جاؤوا..

جاء الذين يدعونهم العبيد.. رجالاً..

جاؤوا خاضعين.. طائعين..

جاؤوا كالأنعام يخرجها راع

من الحظيرة إلى المسلخ..

كالنعاج، حمراء تغمرها الدماء..

ملوكهم قادوهم، دفعوهم ظلماً وبغياً بينهم

حركوهم من أوطانهم، (فرنجه)

وملايين آخرين..

يغفون على أجنحة النسمات الهنديّة،

وآخرين أرسلهم ملوك القطب

ورمالُ إيدوميا

ملؤها كذبٌ ونفاق

ما أخصبهم بها

الشرُّ الذي آلف بينهم

كان غطاء طبائعهم:

وحشُ الصحراء لم يعد يلهث خوفاً،

من أن يصرع سهمُه الآسيويُّ ابنه الأمهر

بأمر من ابنه الأوروبي،

وابنه الأمهر راع، يجلس فوق صخرة آمناً..

بدل الخوف راحت بسمات الفرح تملأ محياه،

تفيض عليه رأفة الوحشيّ وعطفه

وهكذا راح العبيد، العبيد المناكيد،

يحرضون بعضهم على ارتكاب الآثام

ارتالاً، وإثماً بعد إثم.

-55-
ثم نادى الطاغية:

"المجد لكم، والتبر لكم،

كل المجد وكل التبر..

فانطلقوا!!"

اندفعوا نحو السهل، وعبر البر

هدرت أصوات زئير الشر

هزّ الأرض الخياله،

ومدافعهم مزقت الدرب،

وانهالت أفواج الجند مشاة

وانهالت ارتالاً أرتالا..

غبار حوافر أحصنة غطى الأطلال

وسرابُ تلال، أقصاها، أخفى الأطلال

خمسة أيام بلياليها.. قضوها في قطع السهل..

وبسادس يوم رأوا النهر الدموي،

نهراً ودماء

يخترق مدينة مقصدهم،

وبسابع يوم:

جمد ندى مذبحة: خثرات دماء:

وساد سلام

سلام الدمّ

وسلام اليوم..

-56-
وساد سلام:

سلام حقول الصحراء،

وسلام قرى،

قد ساد سلام

بين وحوش.. بين وحوش

على شفتيها خثراتُ الدم

وبين الأموات بلا رأس،

وبلا قلب، وبلا أعين

وبلا إبهام!

وبلا رأس، وبلا قدم، وبلا أجسام!!

وساد سلام..

سلامٌ في الطرق البكماء

طرقات الصمت، صمت الطرقات

وساد سلام..

لم تقطعه غيرُ الصيحات،

بين الفينة والأخرى،

صيحات ضحايا أكلتهم نيران قدر،

زرعت شفاههم بالصمت

وشحوب الموت.

بدوا وكأنّ الرعب

حتى من عزّ الأهل

يخترق الأعماق،

مخافة أن ربَّ لسان

قد يفضخ خوفاً لم يفضخ..!!

ويسود سلام

سلامٌ في قصر طغاة،

طاغية الموت،

حيث الحشدُ المنتصرُ

يحتفل بساعات النصر:

نشوة سكر وصخب،

وأغاني نصر وجلب!

-57-
وتمرُّ الأيام تباعا

والشمس زناد،

فوق الأرض الموشومة

بغثاء الموت:

تأتي، كالنار، من الشرق،

تقدح زند خريف القيظ،

تتضح سنبلة، أو حبة قمح

بلهيب القيح

بلهيب مد مساء الحقل

بحريق دام..

دام، ودام، ولم يرحل

حتى الغيم العابرُ، حرقته،

قتلته، فمات:

أما الريحُ العطشانة

أما الجوّ،

فبلل حلقه بالقطرات

من بعض ندىً كان، وما كان

وتصاعدت الأبخرة العفنة

من حثث الموت،

من جثث الموت المنثور فوق الصحراء..

تصاعدتِ الأبخرة سريعة،

لم ترها عين..

لا عين الميت تشاهدها، لا عين الحي.

الجثث المنثور بقيت

من غير كفن،

من غير الدفن،

وبخارُ قذاها يتصاعد

يلفظه الأنف،

يعمي العينين!

-58-
هناك، بعيداً

بين المنارات المديدة

هوت جوارحُ حبشية:

هوت تخفق بجناحيها، متنائية عن سماء مثيلتها

تملأ الأجواء..

أذهلت الناس، أخافتهم

هي نذر الشؤم

للآتي من بعد اليوم:

 

ضرب الهلعُ جموعهمُ،

الرعبُ القاتل مسكنها،

في قلبهم، في كل القلب.

خروا، سجدوا، هاموا، فروا

كجليد لا صوت له، أخرس!

وكفكر الشر، بلا همس،

ينتشر سريعاً، وبرمشة عين

ينهال سريعاً، ينهمر

كبريق الرعد المتهاوي

بعد شرار البرق

-59-
وتُدوّي في الأرض مجاعة:

فإذا الأقوات وإن ذلت

بالذهب التبر تعدُّ، تزان

وإذا بالكيد يموتُ: كذا

قبل إله.. من صنعه

 

لم يقترب "جوعُ" من قصر الملك

بل مرَّ قربه… باحترام!

لكنّ الطاعون رمى ظله

فوق القصر، ومن فيه..

قد يبتسم الجوع لمن يأتيه

بطعام غث يلتهمه،

والشكر الكاذب مضغتُهُ:

كأجير ملك،

والكلب الحارس لعروشه!!

أما الطاعون المستشري

فيسيرُ، يسيرُ، يسير، يسير

أميالاً.. ومدى لا يحصى

وكأنه ذئبٌ ذو جنحين

يتعالى عن كل الأقذار

تلك، فتاتاتٍ الأغراب،

وفريسة غربان ولت

!!

-60-
صاحوا: يا رب!

نحن نعلم أن استكبارنا في السرّ قد حقرك،

وفي الجهر بك استخف.. وبعبادتك..

وهزأ اسمك، يا رب!

لقد شعرنا بالأمان

في ظل سلطان الإنسان،

فتحدينا سلطانك،

وها نحن، يا رب،

ننحني، خوفاً ورهبة وخجلاً، في حضرتك، أمامك!

ها نحن وتراب الأرض، وطينها: أهل وأقارب..

فارحمنا، يا مالك السماء، مجيب المطالب،

وأغثنا يا سامع الدعاء!

كم قاسينا، وكان قصاصاً عادلاً:

كم عانينا من شهرة صارت ظلاماً معتما..

فارحم، يا رب، خطايانا

قبل أن يغلب اليأس والموتُ والقنوط

عبادك التائبين!

-61-
"أنت، يا ملك المجد، وحدك السلطانُ

يا صاحب القوة والجبروت:

يا من قلت: كونوا!.. فكانوا

يا من لا رادّ لمشيئتك،

من ذا الذي لا يرهبه غضبُك

إذ ترسل على الطغاة الظالمين

حجارة من سجيل انتقامك!

أو طوفاناً لا أرض تبلع ماءه

ولا تقلع عنه سماءُ إلا بإذنك!

يا علي، يا عظيم، يا رحيم!

كن، مرة أخرى، رحيماً غافراً:

ألم نطعن بسيوفنا أعداءك

ألم نجعل الأرض محراباً لعبادتك،

والسماء معبداً يذكر فيه اسمك؟!

والقرابين ماء الكافرين بجبروتك؟

ألم نطمر بتراب الأرض قلوبا

نأت عن قدسي أسفارك؟!

-62-
ألم تنزل على هذه المدينة الكافرة

ملائكة انتقامك؟

استدعها الآن، يا رب!

فها نحن، عبادك الأذلاء،

نركع، طائعين، طمعاً برحمتك

ونقسم يميناً أبدياًن والعهد هو الروحُ فينا،

فاقبل يميننا، واشهد علينا:

إن أنت نجيتنا من جهنمك،

دار جحيم الشياطين،

لنقتلنَّ بالنار، وأبطأ العذاب

آخر من سخروا باسمك،

واستهانوا بالقوانين القدس

تلك التي أتى بها أنبياؤك!"

-63-
وهكذا، بشفاه قاحلة،

وأيادٍ راجفة هازلة،

عبدوا صورة في قلوبهم،

معتمة، هائلة:

أفزعها الظل الذي قد يخفي ضياء العقول النيرة السائلة:

سقطت عليهم سهام الطاعون الفتاك،

حادة، مسرعة، قاسية قاتلة.

نظر بعضهم إلى بعض سائلاً، مشدوهاً مذعوراً جافلا،

وبدأت بينهم حكايا الجدل اليائس، سجالاً:

كل يتحدث، مفتوناً، عن معجزةٍ

عن أفعال إلهٍ من صنع الرّاوي، وخياله!

-64-
هذا حكيم الروح، هورامازدا

وهذا يسوع..

وهذا محمد، ثم موسى، ثم بوذا وزرادشت

وهذا براهمه، وهذا: فهْ

وخليط من الأسماء غريب، وأسماء غريبة

لم تلتق من قبل، ولم يعرف بعضها بعضاً:

كلهم نهضوا وقاموا

وكأنهم كلمة سر، أو رموز، أو شعار

لهم واحد وحيد:

كلهم ينذر، كلهم يمضي سلاحه:

كلهم يعلو بصوته، كلهم قال صراحة:

"ربي هو اللَّه وحده، لا رباً سواه!"

وتكاد مذابحُ تستيقظ:

لولا صوتُ يقتحم الأرواح،

صوت يأتي من تحت عمامة:

وكأنه ثلج قطبيَّ.

-65-
راهباً كان، إسبانيّا،

وكان الصوت صوته:

كان شديد العزم والطمع

قاد الغرب المتحالف

بكلام ألهبه الإيمان والكبرياء:

قاد الغرب المتحالف

في حرب ضد الكفار،

ليبيد الكفر، كذا، والكفارا،

كان ضيفاً مثقلاً وثقيلا

حتى على أعزّ الأصدقاء،

عشعش في صدره الحقد والحسد

توأمين أفعيين في عش واحدٍ، وعميق،

عش متلو، كره سوى دينه،

كل الأديان،

ونذر ألا يشفي غليل خوفه من السماء

إلاّ بالثأر

من كل بني البشر!!

-66-
أكرهُ ما كان يكرهُهُ

كان نور الحكمة الشفاف

وضياء الفكر الحر:

فلربما، إن أضاء ولو مرة واحدة،

اخترق ضياءُ النور الليل،

حتى حيث معبوده انتصب.

فكم من قلب، في قاصي أوربا ودانيها،

كان يتلهف لسماع خبر انهيار الدين الأزيف،

والطغيان،

وانهيار الطاغية..

وكم من ضحية ذاوية،

قضى، من أجل الحقيقة، قدرُها

أن تتقاسم زنزانة الطاغية،

زنازين المجرم القاتل،

أو يروا، واليأس الغاضب يحدوهم،

الكهنة يجرجرون أطفالهم عبيداً لأطفال الكهنة!

-67-
في أوروبا، لم يجرؤ

على قتل الكفار

بالفولاذ ولا بالنار..

فضحت رغبته المفضوحة

أدوات التعذيب.. القانونية..

عقد الهدنة مع من كان

يحتقر كفارته،

والتضحية..

ذلك أن الإسلام،

سليل الأصل الواحد،

قد يقضي، رغم كرهه له،

وبدلاً منه ومن أجله،

على أعدائه،

أعداء أشدّ فتكاً وخطرا..

ألا ترون.. كان يخاف اللَّه، كما قال، ولكن

كرهُ الإنسان، البغض الحاسد للإنسان

كان حاجة في قلبه لا تهدأ،

لا يطويها النسيان!

-68-
فصاح بين الأنام: "سلاما! سلام!

يوم نموتُ، سيأتي الحشر:

عندها يعرفُ القيامُ

إله من هو اللَّه، ربُّ الأنام!

وتجازى، وتكافأ

كل نفس عن أخطاء عقيدتها:

ستجازى.. بعذاب أبدي!

أما اليوم،

فتعمُّ الأرض نقمة دنيوية،

لأن قوماً كفره

حقروا من نعبُدهُ،

وبه كفروا..

هم عدو ماكرٌ،

جنى لكم هذا الجزاء المرعبا..

فإذا عروش ملوككم

وعمادها قول اليقين بدينكم

تكاد تهوي فوقكم!!"

-69-
"أيقضي على هذا الوبا

هذا الإله؟

إن بكينا، وركعنا للصلاة؟!

حتى من تحت العرش، أتى الطاعون،

عرض من؟ من رحمتُه،

خفقت من وطأته!

يمشي على الأرض منزلاً حكم القضا

في قتل أعداء الإله!

ومن أكون؟ وأنتمُ؟

حتى يحول بيننا وبين زبانيته،

أو يغلق أبواب الموت

قبل التهامها الاثنين اللذين هزّا مُلْكَه

مُلْكَهُ الآمن،

بادعاءات دنيويّة،

وتعاويذ من صنع البشر!

"إرضاء اللَّه،

ليذهب عنا الطاعون،

ارحقوا ليونا وليون،

على حطب النار الكفاره

شدوا وثاقهما بالحديد المحمي على ناره

وإذ ينفقان، نصلي للإله

أن تهدأ ثائرة السماء

بعد هذا القربان، هذي الأضحية".

 

وهنا سكت، وصمت القوم

بينما صدى صوته يتهاوى بينهم ويموت.

على التراب، تراب الأرض، ركع

مردداً لعنات الكبرياء الخرساء

كبريائه،

بينما العارُ والخجلُ،

والخوفُ والوجل،

تقصم ظهر الجيوش

-70-
اندفع الكهانُ بين الحشد

يسعون لوضع الحد لهذا المد

من هجيانه..

هيجانٌ أوقدوهُ بأيديهم

بالأكاذيب حرضوا عليه:

قالوا: ربُهم ينتظر ليرى

أعداءه في الورى

يُقتلون، يُفنون، يُعذبون،  يُحرقون ويُدْمون!

وإلى أن يؤخذ بالثأر

تحتاج أفاعي النار لأرواح بشرية

وسرعان ما أججت نار

ملأت أفواه مئات الإخوان

عبر المدينة القدسيّة

حمل الناس إليها مسرعين،

أقرباء.. كافرين

إرضاءً للَّه، وتخفيفاً لغضبته!!

وبينما الأهل يحترقون، والأقرباء،

ركع القوم يصلون..

ركعوا على ركب خاشعة راجفة..

ركبٍ، آمله، واجلة، خائفة!

-71-
يُحكى أن أماً، يومها،

جرَّت إلى النيران أطفالاً ثلاثة،

نيرانُ تشوي في المآقي العيون،

جرت إلى النيران أطفالاً ثلاثة،

ثم ضجَّ الضحك فيها،

ثم ماتت!!

 

أيضاً يحكى أن رجالاً سفّاحين

أكلوا الموتى الكفار،

أكلوهم، كالشياطين..

أكلوا لحم الأهل المرحوقين!

المشويين!

وبينما هم في غيّهم ماضون،

رأوا على أرض السماء ملاكاً

يسير على صفحتها المرئيّه،

وكانت هي!

 

ويحكى كذلك أن واحداً أحد

اقترب من نار تلك الليلة،

بلا خوف ولا فزع،

ثم صاح: كفى! بلغ السيلُ الزبى

كفوا عن هذا، واقتلوني!

إنني أنا هو، فاقتلوني.."

فاحرقوهما معاً بنهم وسخريه

قلدت نار جهنّم!

وتوافدت في الليل سرايا

من صبايا.. وصبايا

أجمل ما فيهنَّ هدوء الحالمات

وكأن في الحجر.. الحياة..

وضياء الأحلام منهنَّ الرداء!

 

قرب نارٍ تتلاشى

بعد وجباتٍ سخيّة

من حطام الأقرباء

ولحوم بشريّه،

استقلين، ورحن يغنّين

أغنية خفيضة ناعمة

كانت كلماتها صلاة أبديّة:

كلمة واحدة وحيدة: هي الحريّة

 

ويحكى أيضاً أن البعض قبلوا

بأنين كأنين الحب، كالحب ذاته،

أقدامهنَّ الرخامية:

ثم ماتوا، ثم متن،

وابتسامات السعادة تملا

ملامحهنَّ القدسيّة،

ابتسامات تلاشت، غرقت

في هدوء وسكون أبيضين.

-72-
من المحتشدين هناك

انضم كثيرون إلى الرقصة الغربية..

خائفي العطف، وجلي الحنان.

وكان صمتُ يأسٍ طويل

حين تهادي آخر صدى من صيحاتٍ رهيبة

من درب بعيدة،

وكأنه النزعُ الأخير،

عند عرش الطاغية..

وإمام العرش، طوال الليل

جلس شيوخ،

شيوخ الطاغية الطاعنون،

وعيونهم مسمرة على أمل تحجرّ..

وفجأة وقف أمام الطاعنين

غريب واحد، ووحيد

-73-
حدّق الكهانُ فيه،

حدقت مقلُ الظلام..

حدق العظماء فيه

من جبابرة الصدام

غلبتهم خلجات حيره

كان قفطان الناسك يخفي وجهه:

وما أن تكلم حتى أسرت نبراته أفئدة الناظرين،

أسرتهم نبراته قبل معانيها،

مخلصاً، كان، كريماً.. هادئاً ومهيبا

وكأن الصوت آتٍ من معين

لا يعرف الرعب، ولا الكره، ولا خوف المنايا

أذهل العقول

وما أن راح يلقي خطبته،

بنبرة بطيئة، وهادئة

حتى حلّ في كل قلب كارهٍ حاسد

حزن لم يكن مألوفاً

كانت ريحاً، نسماتٍ، تهدئ من روع الروح:

-74-
" يا أمراء الأرض

ها أنكم تجلسون مأخوذين خائفين،

وسط دماءٍ وخرابٍ من صنع اليد:

أيديكم، يا أهل الأرض!

سمعا صوت الأبواق، أبواق الحرب، وحربكم

قفزاً من نوم مستغرق!

والرعبُ الأسود والإرهاب:

لصراعاتكم ردا بنعم، ألف نعم!

وجعلتموني عدوَّكم،

ليتني أستطيع،

من أجلكم،

أن أعتق أعدائي، أعتى الأعداء، أعزَّهم!

ليتني أقدر أن أعتق كل عدو

من كل الألم وكلّ الخوف!

لكنَّ الشرّ

له ظلَّ، ظلّ يلقيه ولا يخبو

فلابد للتباغض أن يرعى،

كالأبوين،

أحفاداً تأتي في الآتي من ذي الأيام،

أحفاداً، بل أبناء، من صنع الحقد!

-75-
في محنتكم تتضرعون إلى السماء

طلباً للعون،

وأسفاه، يا أقوياء، يا حُكماء

يا من لو تجرأتم لما

رضيتم بأقلَّ ما تملكون من سلطان..

يا من تخشون الأكاذيب التي

أبدعتها قلوبكم أسراراً ومعجزات

تعمون فيها بصائر عبيدكم!!

وانظروا بفكركم هذا الأجوف..

فإذا هو قربانٌ، أضحية

خاوية، فارغة قاسية

قدموها اليوم هدية

على مذبح معبود لكم تافهٍ عقيم

نسجتموه نسيجاً من خوف وحقد

أتتكم به، لكم، وعليكم،

رغباتٌ تفاهة عقيمة

-76-
"يا من تسعون إلى السعادة!

تباً لكم يوم خاب سعيكم والأملُ،

لن تجدوها في الذهب

ولا في متاع الرخاء ولا الرخاء

ولا في الصيت ضارب السماء

ولا في الجبروت المحسود..

هذا ما صرتم إليه، يا عبيدُ، طائعين

لأعتق أعراف الأقدمين..

يا من صرتم لها أمة وخليلة وجاريه..

حتى قلوبكم بعتموها لها..

ثم تبحثون عن السلام..

وتتمنون، حين تموتون،

ألا تكون أحلامكم شريرة؟!

يوم تموتون،

يصير كل فانٍ إلى برود،

بلا شعور، طعم الدود

وإن شيء، ولو شيء واحد، بقي

فلن يكون سوى الفرح، وسوى الحب

لأنهما، أو هكذا يبدوان،

هما الخالدان.

-77-
"إياكم والخوف من الآتي

لا تخافوهُ

وإياكم والبكاء على الماضي

لا تبكوه!

اصغوا اليوم إليَّ،

فتصيرون أماجد،

وتصيرون، عن ثقة، عظاما

هلاّ في تراب الأرض ألقيتم رموز مآسيكم:

أرجو أن الملوك، والذهب المصكوك

وفولاذ السيف المصقول!؟

هلاّ ناديتم في أممكم

والأقوام التي منها أتيتم:

أن الفقر وأن الجوع

والوباء والمرض،

والرعب والبغض

إنما تتدفق من رحم العبودية،

وأن البشر أحرار، أحرار، أحرار

وأن عار الملوك، وزيف العقيدة

يغيبان، يغيبان، يذوبان

في شمس الحرية؟!

-78-
"لن أبكي من أجلكم،

فذلك لن يجديكم نفعا

ولن يُغيِّر ما بكم:

الشيب والهرم والعتيق لكم صفات

أقداركم أنتم اخترتموها،

ذكركم في التاريخ: سفر من دماء

يتعلم منه الناس في يوم أكثر إشراقاً ودفئا

كل الحقيقة، كلها..

يومها تكونون في رحم التراب!!

أما اليوم، فهذا يوم نصركم:

وأنا صديق لليون

سأقدمه لثأركم طعما

خذوه غنيمة أخرى، وسهلة

واسمعوا الآن، واصغوا! أنصتوا:

فسأملأ بالرعب قلوبكم!!

-79-
"هناك قوم، عظيم شبابهم

وهناك، ما وراء بحر الغرب، أرض

تعبد فيها الحريّة

بأبسط الطقوس،

ويعبد فيها الحق، والحقيقة

فيها تربعت مليكة،

رضعت من ثدي أم ماجدة،

تربعت مليكة،

منذ هوت أثينا العلية،

تربعت بين الأمم، لكن حزينه،

يكيل لها الظلم والاضطهاد

وحوش تتوالد ذاتيا..

مليكة تلتفت إلى طفلها

تنشدُ إسعافه:

فيفيض حليب الجبروت،

ويفيض حليب الحكمة في أوجه.

-80-
"أرض هي كالنسر،

صغاره ترضع من شعاع الشمس وقت المد

وعرفه الذهبي يسبح بلا حراك

فوق العاصفة،

وعند إشراقة الشمس، يتلألأ في ضيائها،

بينما الأرض يغمرها الظلام.

يا أعظم الأمم!

ليكن اسمك وشهرتك

مرثاة المجد على قبر أوروبا القتيلة غراً!

ستصيرين كالرمال،

تكبرين، كالصباح، سريعا،

ولابد لليل حينها، أن ينطوي،

أما الأرض، وأما ملايينها،

فسينامون في ظلك، فيئك،

يا أعظم الأمم!

-81-
"يُبنى بيت في الصحراء،

للحرية،

وتكون الموهبة قوية

والعبقرية،

تبني نصباً للإنسان

تحت سماء أزليه.

هناك يحتشدُ الآلاف

من كل صنف، كل مكان..

آلاف طردوا من أوطان،

أوطان خراب، وديار يباب،

طردهم أرباب من بشر مختالين

طردوهم من غضبٍ أو من خوفْ..

أما أنا، فغنيمتي

من أجلها أصلي،

أن تحمل سثنا إلى هناك!

أما الاسم، فيذهلكم:

هو أمريكا!

دعوني الآن

أكشف عن سر ليون!

-82-
قال الملك:

"أليس كفراً يا ناس أن نحنث بالأيمان

قدس القداس؟"

فيرد الكاهن الإسباني:

"بل كان كفراً أن نوصنه

هيا! هيا يا عبيد!

واربطوها بالحديد!!

فعذابها العادلُ محرم عليَّ:

يوم الحساب، سأقف أمام عرش السماء الذهبي

وأصيح بأعلى صوتي:

أنا الذي كشفت لكم كافراً، كافرة

لولاي كانت تمتعت بلحظات فرح أخرى..

فالمجد لي واحدي..

-83-
بلا حراك،

مسترخياً فوق البحيرة

رأيت جبالها والثلج

يتألق فوق شواهق القمم

ورأيتها ترفع قممها

ورأيت كل جزيرة متلألئة

وفي الوسط لمحتُ معبد الروح

كشهاب معلق في سماء واحدة خاوية

وعلى أنغام صوت صدر من  هناك

اقترب القارب المسحور،

وكأنه القمر السريع يطوق هذه الأرض المجيدة

اقترب القارب شيئاً فشيئاً..

حتى وجد ملجأه هناك!!

[1]  الحاشية لشيلي أيضاً: يقول: ينبغي عليّ أن استثني هنا المؤلف الذي وضعه السير و. درموند وأعطاه عنوان "مسائل أكاديمية" وهو كتاب يقدم نقداً ميتافيزيكياً بالغ الدقة والقوّة.
[2]  هذه الحاشية كتبها شيلي أيضاً: ويقول فيها: من المظاهر الرائعة والبارزة، لعودة الحياة إلى آمال الشعوب، أن مالتوس خصص في الطبعات الأخيرة من كتابه، حيزاً غير محدود للقيود والضوابط الأخلاقية التي يجب أن تقيد مبدأ "علم" السكان. هذا الاستثناء، أو الامتياز، يرد على كل الاستنتاجات التي خلص إليها الدارسون لمبادئه وعقيدته، التي رأوا فيها إساءة وإعاقة للتطور البشري، وقد حول هذا الاستثناء كتاب مالتوس "مقالة في (علم) السكان" إلى مجرد تعليق يوضح ويبرهن على استحالة الرد على "العدالة السياسية" أو دحضها.
[3]  قد يكون هناك، بهذا المعنى، قدرة على الكمال في الأعمال النثرية، على الرغم من الاستثناء الذي يقره المدافعون عن تطور الإنسان الدائم نحو الأفضل، والقائل بأن القدرة على الكمال، أو الكمال ذاته، تعبير لا يمكن تطبيقه وإطلاقه إلا على العلم (العلوم التجريبية) فحسب. (شيلي).
[4]  الشاعر جون ملتون فقط يقف وحيداً شامخاً، لا مثيل له، في العصر الذي أضاء هو ظلماته.
323500