حيوية المجتمع وركوده
التحرير - 19 / 5 / 2008م - 5:48 م - العدد (12)

صحيح جداً تشبيه المجتمع بالجسم في حالاته المتناوبة، فكما ينعم الجسم بالصحة والحيوية كذلك المجتمع، وكما يعتري الجسم المرض والخمول والترهل فكذلك المجتمع.

وللصحة والمرض علامات وحالات، فإذا نظرت إلى إنسان يمتلئ حيوية ونشاطاً وحركة عرفت أن هذا الإنسان ينعم بالصحة والعافية، أما إذا لحظت عليه وقد تباطأ سيره، وكسا وجهه الاصفرار وتعرق جسمه عرفت بأن هذا الإنسان مريض.

وكذلك المجتمع، في نشاطه وحيويته أو في خموله وركوده، ولكل من هاتين الحالتين علامات أيضاً، فالمجتمع الذي تختفي من ساحته الروح الاجتماعية، وتغيب عنه المناشط المشتركة، ويسود فيه التسليم الوهمي والخرافي، فيما يشهد فيه العقل أطول فترات سباته، حيث لا مكان للإبداع، ولا حيز للتجديد، فهذا المجتمع مريض.

وعلى الضد منه، المجتمع الحيوي، الذي تعج فيه النشاطات المشتركة، وتتنافس فيه القوى والمؤسسات الاجتماعية من أجل اقتناص المبادرة للقيام بعمل اجتماعي ما، وتنعقد فيه مجالس الحوار والنقاش في مستوياته العليا، والتسلح بروح النقد، والتحرر من أسار الماضي التسليمي، وإعادة قراءة التراث سعياً وراء تجديده وتصحيحه، وثم التسلح به نحو بناء المستقبل.

إن المجتمع الراكد هو الذي يشكل خطراً على تراث الأمة وحضورها التاريخي، وليس مجتمع النشط والمشاكس الذي يحاول وعي ثقافته واختبار مسلماته للكشف عن أسباب عطالته وتأخره التاريخي، فيجب أن نبارك مجالس الحوار، ومنتديات الجدل، لأن منها تنفك عقدنا، وفيها يجري تشخيص معضلاتنا، وعبرها تنبعث نهضتنا، ومتى ما تعطل هذا النوع من المجالس والمنتديات فلنعلم جميعاً بأن الركود قد ألقى أعنته على فضائنا الثقافي، وتقعر التخلف في واقعنا الاجتماعي، وبدأنا نجترح طريقاً في التسليم والاستسلام، وتالياً نتقهقر إلى حيث الأسر الماضوي، نفتش فيه عن أمجاد ماضية، وانتصارات قديمة.

ومن علامات أمراضنا الاجتماعية ما نلاحظه أحياناً من ظواهر غريبة، نتعرض لواحدة منها هنا: فقد يستبد بالبعض شعور بالحمية والغيرة الواهية على تراث الأمة ومقدساتها، فيحمل كمامات جاهزة لأقواه الآخرين، فكلما سمع ما لا يرضى وعيه الكبير! استل كماماً وركزه على شفاه المختلف معه فكتم مصدر صوته، وكلما قرأ ما لا يرتقي إلى تخلفه الفكري! استعمل القذائف الشخصية والنفسية، ومثل هؤلاء المتغايرين الواهمين، هم الفئة التي تحول دون مرور قطار الإصلاح، وهم الجبهة المناهضة للتغيير والتجديد، شعوراً منهم بأن تكميم الأفواه وكبت الأفكار الجديدة واجب شرعي، وكأنهم وكلاء عن السماء في الأرض، أو أن ثمة تفويضاً إلهياً وهبه الخالق عز وجل لمثل أولئك.

إن الوعي الفطري المتحرر ينبهنا إلى أن رسالة الإسلام بكل معانيها ومقاصدها الكبرى، ما جاءت للحجر على العقول والأفكار، وإنما جاءت لتحدث ثورة عقلية، وما جاءت لتحجب النور عن وعي الإنسان، وإنما جاءت للوصول إلى ذرى إضاءاته، وهل يمكن تصور عبادة عبد لا يسعى جهده وراء الحق والحقيقة، وهل يمكن تصور رسالة تريد هداية العالم وهي تخشى أفكاره!

371308