ثقافة الكراهـية
التحرير - 20 / 5 / 2008م - 2:41 م - العدد (48)

كثيرة هي الأحداث والتطورات السياسية والاجتماعية والثقافية في المجالين العربي والإسلامي، التي تؤكد على ضرورة الإسراع في نبذ التعصب والوقوف بحزم ضد ثقافة الكراهية والإقصاء والتهميش. لأن هذه الثقافة، هي بمثابة الحاضن الأكبر والأساسي للعديد من الأزمات التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم.

كما أنها تؤسس باستمرار إلى صراعات داخلية خطيرة، ولا يمكن حماية استقرارنا السياسي والاجتماعي اليوم، إلا بنبذ ثقافة الكراهية وتفكيك جذورها التي تغذي عمليات الإقصاء والتهميش ضد المغاير حتى ولو اشترك هذا الأخير معهم في الدين والوطن.

ونظرة واحدة إلى طبيعة الأحداث والتطورات الداخلية التي تجري في العديد من البلدان الإسلامية، يجعلنا نعتقد بشكل جازم أن هذه الثقافة (ثقافة الكراهية والنبذ والإقصاء) بمتوالياتها وتأثيراتها الاجتماعية والسياسية والسلوكية، هي المسؤولة عن الكثير من الأزمات والمخاطر، وهي صانعة للعديد من التوترات والاحتقانات المجتمعية.

وإن الحاجة اليوم ماسة وضرورية، إذا أردنا الأمن والاستقرار وحماية المكتسبات، إلى تفكيك هذه الثقافة التي لا تتوانى في خلق التطرف والإرهاب والأزمات المتلاحقة على أكثر من صعيد.

فاليوم على مستوى العالم الإسلامي بأسره، لا استقرار اجتماعي وسياسي واقتصادي، إلا برفض ثقافة الاستبداد والتعصب والتشدد والتباعد ومتوالياتهما ولوازمهما المختلفة.

وفي إطار العمل على نبذ ثقافة التعصب والكراهية من فضائنا الاجتماعي، من الضروري التأكيد على النقاط التالية:

1- كسر حاجز الجهل بالآخر. ولعلنا لا نبالغ حين القول: أن الجهل بالآخر أو تصور الآخر عن بعد وبعيداً عن وسائل المعرفة الحقيقية والسليمة، هو أحد العوامل الرئيسة لظاهرة التعصب والتشدد والكراهية في الفضاء الاجتماعي.

لذلك فإن الضرورة قائمة وبشكل ملح لكسر حاجز الجهل بالآخر على مختلف الصعد والمستويات. بحيث إنه لا يعقل بأي شكل من الأشكال أن نكون جميعاً حبيسي تصورات مغلوطة وملتبسة عن بعضنا البعض.

فالاستقرار السياسي والتماسك الاجتماعي اليوم، يتطلب معرفة دقيقة وموضوعية بالآخر بعيداً عن حروب الأوراق الصفراء والمماحكات الأيدلوجية والمساجلات المذهبية، التي لا تلتزم بأدنى متطلبات الحوار والفهم المتبادل. إننا مطالبون، من مواقعنا المختلفة، بكسر حاجز الجهل عن بعضنا البعض. لأن الكثير من التوترات وحالات الجفاء والتباعد، هي من جراء جهلنا ببعضنا البعض. ويتغذى هذا الجهل باستمرار بخطابات ديماغوجية لا تمتلك إلا همَّ تأكيد هذه القطيعة، ومن أفق إلا أفق المساجلات الأيدلوجية والمذهبية العقيمة وهذا التباعد بين مكونات المجتمع والأزمة الواحدة.

ونحن هنا لا ندعو إلى إلغاء نقاط الاختلاف الطبيعية والموضوعية بين مختلف المكونات والتعبيرات. ولكننا ندعو إلى ضبط عناصر الاختلاف بالمزيد من المعرفة الموضوعية المتبادلة.

وذلك لأن الجهل المتبادل وصياغة تصورات ومواقف من الآخر بعيداً عن مقتضيات العدل والموضوعية، هو المسؤول إلى حد بعيد عن استمرار ثقافة النبذ المتبادل بين المختلفين في الدائرة الاجتماعية والوطنية الواحدة.

آن الأوان لنا جميعاً، من أجل مواجهة المخاطر والتحديات المشتركة وصيانة وحدتنا الوطنية وحماية مكتسباتنا الاجتماعية والسياسية العمل من أجل كسر حاجز الجهل الذي يغذي باستمرار ثقافة الكراهية والتطرف ضد بعضنا بعضاً.

وبون شاسع على المستويات كافة، أن نختلف على قاعدة الجهل المتبادل مما يحول هذا الاختلاف إلى مصدر للتوتر الدائم في مختلف مجالات الحياة. أو نختلف على قاعدة المعرفة المتبادلة التي تقودنا إلى المزيد من الحوار والتلاقي والفهم والتفاهم، بعيداً عن لغة التشنج أو خطابات القطيعة والنبذ والإقصاء.

لذلك فإننا ندعو باستمرار، ومن أجل مواجهة ثقافة التطرف والكراهية، إلى تأسيس الأطر والهياكل والقيام بالمبادرات التي تكسر حواجز الجهل المتبادل، وتضيء مساحة المعرفة المتبادلة. لأن هذا هو خيارنا من أجل نبذ الإرهاب وتفكيك موجبات الكراهية من فضائنا الاجتماعي.

ولنتذكر باستمرار قول الباري عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. (سورة آل عمران، الآيات 102- 104).

فالمعرفة المتبادلة وكسر حاجز الجهل تجاه بعضنا بعضاً، هو الذي يقف دون تحويل الاختلاف إلى عداوة، وتعدد الآراء والاجتهادات إلى ساحة للصراع والنزاعات المفتوحة، التي لا رابح منها إلا أعداء الأمة وخصومها الحاضرين والتاريخيين.

ولابد أن ندرك جميعاً على ضوء تحديات المرحلة وتطورات الراهن، أن كسر حواجز الجهل وتعميق أسباب المعرفة المتبادلة والعميقة تجاه بعضنا بعضاً، هي من الضرورات القصوى التي تمكننا من سد بعض ثغراتنا، وتمتين أواصر العلاقات الداخلية.

فالمعرفة المتبادلة والموضوعية اليوم، هي شرط الوئام الاجتماعي، وتعزيز التفاهم والتلاقي، وسبيل تنمية المشتركات وتفعيلها.

والحوار والتفاهم والتلاقي مع الآخرين، لا يلغي ضرورة الاعتزاز بالذات، ولكنه اعتزاز لا يصل إلى مستوى العصبية المذمومة، أو يكرس نظرة شوفينية واستعلائية للذات ضد الآخرين. إنه اعتزاز بالذات لا يلغي متطلبات الوحدة وشروطها النفسية والأخلاقية. لذلك جاء في الحديث الشريف: «العصبية التي يأثم عليها صاحبها، أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين، وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه، ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم».

2- إن الالتزام بالفكرة على أي نحو من الأنحاء، لا يشرع للتعصب لها، وإنما هو يدفعك ويحركك نحو التجسيد العملي لكل جوانب الفكرة ومجالاتها وآفاقها، والمغاير لنا في الالتزام والقناعات والمواقف، نعترف بوجوده، وننظم علاقاتنا معه، ونتحاور معه حول كل القضايا والأمور، من أجل أن تتراكم أسباب المعرفة، وتتوطد عوامل العلاقة. إذ قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (سورة آل عمران، الآية: 64).. وبهذه العقلية تتجذر مفاهيم حقوق الإنسان، وتتأكد قيم التسامح والتعاون والتضامن.

وفعالية الحوار تنبع من أنه يجعل كل الآراء والقناعات والمواقف في ساحة التداول لتقويمها وتمحيصها وتطويرها. ولا ريب أن لهذه العملية التداولية تأثيرات إيجابية على الصعيد المجتمعي، حيث إنها تحرك الراكد، وتسائل السائد، وتبحث في آفاق وفرص جديدة وممكنة.

والالتزام الواعي بالأفكار، لا يمنع نقدها، وإنما يؤسس ويحفز على ممارسة النقد البناء والمعرفة العميقة.

والنقد في هذا الإطار، لا يتجه إلى الدحض والنقض، وإنما لتوليد رؤى وأفكاراً وصيغ جديدة، تحرك الراكد وتستفز الساكن، وتدفع الجميع نحو المزيد من الحوار والتلاقي.

وهكذا لا يتحول النقد إلى ممارسة عشوائية، قوامها النقض والاستفزاز، وإنما هو عملية قصدية وواعية تتجه إلى اكتشاف مساحات جديدة للنظر والتفكير، وحقول مميزة للعمل والحركة، وآفاق راهنة للتطلع وبلورة الطموح.

3- تنمية القناعات والمساحات المشتركة: فالقرآن الحكيم يعلمنا أن الحوار يستهدف الانطلاق من القواسم المشتركة، ويسعى عبر آلياته وأطره إلى تنمية المساحات المشتركة والعمل على تفعيلها. ومن ثمَّ فإنه حوار لا يستهدف الإفحام والقطعية وإنما التواصل والتعايش.

لذلك، فإن الجهود الوطنية والاجتماعية، من الأهمية بمكان أن تتجه صوب تنمية المشتركات وضبط عناصر التمايز والاختلاف، والعمل على تفعيل تلك المشتركات، حتى تتوفر في الفضاء الاجتماعي حقائق ووقائع جديدة قوامها التواصل والتضامن والتعايش، وعلى ضوء هذا نصل إلى حقيقة أساس وهي أن مجابهة ثقافة الكراهية في الفضاء الاجتماعي، تتطلب كسر حاجز الجهل المتبادل وتوسيع دوائر المعرفة المتبادلة، وإطلاق مشروعات ومبادرات للحوارات المستديمة التي لا تستهدف الإفحام والمماحكة، وإنما توفير مناخ إيجابي لتطوير العلاقات الداخلية في المجتمع الواحد، والعمل على تنمية المشتركات وتفعيل عناصرها.

وذلك من أجل أن نخلق حقائق مجتمعية مضادة للقطيعة ومحفزة على التفاهم والتلاقي على قاعدة تنظيم دوائر الاختلاف وتحفيز خيارات الوحدة والوئام الاجتماعي.

232037