صراع البيروقراطيات في أجهزة السلطة العثمانية
في متصرفية الأحساء (1288 - 1331هـ/ 1871 - 1913م) في ضوء وثيقة عثمانية
محمد موسى القريني * - 20 / 5 / 2008م - 2:45 م - العدد (48)

كان من أبرز الأهداف الرئيسة لعصر الإصلاح والتنظيمات في الدولة العثمانية منذ النصف الثاني من القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي(1)، هو إعادة هيمنة المركز على الأجهزة في الأطراف بصورة محكمة، وكان يتم ذلك من خلال الفصل بين الأجهزة الإدارية الرئيسة في الأطراف؛ فلا توضع السلطة في يد واحدة، مما يمكن رأس كل جهاز من مراقبة الجهاز الآخر، ويخلق حالة حذر بينهم، وهكذا جرى العمل بين أجهزة المركز والأجهزة في خارجه حتى نهاية الدولة العثمانية.

وكان من نتاج عصر التنظيمات أن غذى أجهزة السلطة المركزية وخارجها بعناصر بيروقراطية جديدة سواءً كانت عسكرية أم مدنية أخذت تتخرج من المدارس الحديثة التي كان فيها التعليم وفق الأساليب والأفكار القريبة، حيث تغلغلت وتأصلت فيهم تلك الثقافة مع مرور الزمن؛ فأثرت على سلوكهم وتصرفاتهم، وانعكس ذلك على أسلوب ممارساتهم للسلطة في أجهزة الدولة المختلفة، فسار التنافس بين رموز تلك البيروقراطيات في المركز وخارجه، فلم تكن متجانسة ومنسجمة فيما بينها وخصوصاً بين البيروقراطية العسكرية والبيروقراطية المدنية.

واجه العثمانيون خلال فترة حكمهم للإحساء (1288 – 1331هـ/ 1871 – 1913م) (2)، ظهور خلافات بين رموز السلطة فيها، بعضها كان خفياً، وبعضها كان يطفو على السطح إذ كان لكل ذلك انعكاسه على الوضع القائم في المنطقة. ومن المؤكد أن ما كان يحدث في منطقة الإحساء كان يحدث أيضاً في أرجاء مختلفة من الدولة العثمانية بما فيها مركز السلطة.

ولقد واجه سعيد باشا متصرف الإحساء في مدة حكمه الثالثة (1315 – 1318هـ/ 1897 – 1900م) (3)، خلافاً مع الميرلابي عبد الحميد بك (القائد العسكري) في الإحساء (4)، الذي كان قد تلقى تعليماً جامعياً في استانبول ويمثل بذلك أنموذج بيروقراطية العسكرية المتأثرة بالفكر الغربي، في الوقت الذي كان فيه المتصرف سيد باشا قد تدرج في المناصب من خلال خبرته وممارسته الطويلة في الإدارة ويمثل بذلك أنموذجاً للبيروقراطية المدنية.

وكان من نتائج ذلك بين المسؤولين أن أخذ عبد الحميد بك في إشارة الكثير من الاعتراضات حول السلوك والممارسات الإدارية التي يقوم بها سعيد باشا.

ولدينا وثيقة عثمانية(5)، تم حصولنا عليها من أرشيف رئاسة الوزراء في استانبول (BOA Bas BakanlR Osmanli Arsivi) وهي عبارة عن مذكرة من تسع صفحات قدمها سعيد باشا متصرف الإحساء لمحمد محسن باشا والي البصرة (1318 - 1319هـ/ 1900 - 1901م)، وتمثل ردوداً من سعيد باشا على استفسارات تلقاها من السلطة المركزية بولاية البصرة حول ما أثاره عبد الحميد بك من اعتراضات واتهامات صريحة تجاه السلوك والممارسات التي يقوم بها سعيد باشا أثناء إدارته لمتصرفية الإحساء.

وتحتوي تلك المذكرة على مقدمة وأربع عشرة مادة، كل مادة تمثل قضية لها أبعادها وتداعيها، وختمت بخلاصة، ففي المقدمة يشير سعيد باشا إلى التصرفات المضرة للدولة التي قام بها عبد الحميد بك حيث يذكر بأن عبد الحميد بك لم يتوان في الأماكن التي وجد فيها من التدخل في أمور الإدارة الحكومية وأنه جعل من الاشتغال بموظفي الإدارات الحكومية عادة سيئة، بل إنه لما كان في (المنتفق) قد شرع في عدة مداخلات، محاولاً الإضرار بموظفي الحكومة المحلية، مما أدى بأولئك الموظفين إلى رفع الشكاوي عنه، كما أنه منذ ستة أشهر قام برفع شكاوى ومداخلات أتعب من خلالها الموظفين، وكسر بذلك مهابتهم ونفوذهم وأضر بهذا الأوضاع في المنطقة. في الوقت الذي لا ينكر أحد ما للمنطقة من أهمية استراتيجية ولم يفكر القائد المذكور لا بالوضع الحساس للمنطقة ولا لأمزجه الناس وتقاليدهم المرعية.

ولعل سعيد باشا أراد من تلك المقدمة أن يحذر من المأزق الذي تمر به منطقة الخليج وأنها أمام منعطف سياسي خطير، خاصة إذا ما عرفنا بأن السياسة البريطانية في الخليج آنذاك قد قطعت مرحلة مهمة من السيطرة على جزء كبير وواسع في الشؤون الخاصة لتلك المناطق، وأخذت تعمل على ضرب القرى المحلية وذلك باختلاق شعارات ابتداءً من مكافحة تجارة الرقيق إلى مكافحة الأسلحة إلى حماية رعاياها حيث كان معظمهم من التجار الهنود (6)، في الوقت الذي لم تكن للإدارة العثمانية القدرة على الوصول إلى حلول نهاية للحد من تلك التدخلات البريطانية (7)، نتيجة لتلك الصراعات.

ويسترسل سعيد باشا في عرض البنود الأربعة عشر، على النحو التالي:

تتعلق المادة الأولى باتهام عبد الحميد بك سعيد باشا بالعمل على إعادة أمين أفندي وزير المالية في القطيف إلى منصبه الذي سبق أن أقيل منه بسبب اتهام عبد الحميد بك إياه بالاختلاس وسوء المعاملة. ويوضح سعيد باشا موقفه تجاه ذلك الاتهام فيذكر بأن أمين أفندي الذي أقيل من منصبه بغير وجه حق سبق أن أرسل إلى مركز للواء بغية إجراء التحقيقات اللازمة معه، التي تبين من نتيجتها أن المذكور برئ من التهم المسندة إليه ولم يكن هناك أي ضياع لأحوال الخزينة الجليلة وتنفيذاً للأوامر الصادرة من مقام الولاية فقد تم إعادته إلى منصبه وبخاصة أن محكمة التمييز قد برئت المذكور، وأنه إذا كانت حقيقة الوضع كذلك فإن ما تم إخباركم به كان خلافاً للحقيقة (8).

وتدور المادة الثانية حول استيلاء داود بن شنطوب اليهودي (9)، بدون وجه حق لمحل كان لنصراني توفي في مركز نجد (الإحساء) بلا وارث ويتهم عبد الحميد بك سعيد باشا بعدم أخذه أي إجراء تجاه ذلك بسبب تواطئه مع داود بن شنطوب.

ويبرر سعيد باشا موقفه من أنه بعد قيامه بالاستفسار عن الموضوع من إدارة المحاسبة في الإحساء عن المحل جاء ردهم بأن المحل مثار القضية كان مستلماً من داود اليهودي أكثر من ثلاثين سنة، وكان المحل كما ترويه الرواية ملكاً لنصراني يسمى (ألتون) وقد أشار المحاسب أنه لا يوجد أي قيد أو سجل أو أي معلومات بأن المحل قد بيع. غير أن هذا المحل تعرض للهدم وتم إصلاحه من لدن الخواجه داود وأنه اتخذه محلاً لأفراد الجيش وقد تم أخيراً رسم تخطيطه السطحي من لدن الجيش بغية اتخاذه محلاً دائماً لمكوث العساكر فيه وأنه تم تسجيل ذلك أثناء إنشاء المباني العسكرية، وبهذا تكون اعتراضات القائد العسكري لا جدوى لها (10).

أما ثالث تلك المواد فهي تتعلق باتهام عبد الحميد بك سعيد باشا بقيامه في التدخل في شؤون دوائر أجهزة السلطة في المتصرفية من خلال تعليماتها الخاصة وأفكاره الشخصية، ويبرر سعيد باشا على ذلك الاتهام بقوله «أنه بعد إجراء المذكرات اللازمة بين رئاسة مجلس التمييز وإدارة المحاسبة باللواء (المتصرفية)، اتضح بشكل لا لبس فيه أن تدخلي في الأمور أو قيامي بالتأثير عليه غير وارد (11).

ويتحدث سعيد باشا في المادة الرابعة عن اتهام عبد الحميد بك إياه بتركه زمام أمور الحكومة لعبد اللطيف الحملي (12)، واليهودي داود، وإبراهيم بالغنيم (13)، ويرد على ذلك الاتهام بقوله: «إنني وبلا افتخار أقوم منذ خمسة وأربعين عاماً في خدمة الدولة ولا سيما أن تكليفي متصرفاً على نجد للمرة الثالثة قد جعلني أقف على أوضاع المنطقة عن كثب وكل إلمام ولذلك فلا حاجة لي في حقيقة الأمر لأن يكون لي أي شخص بمثابة نور ينير الطريق حتى أسير عليه، وبناء على ذلك فإن الشيخ عبد اللطيف أفندي من أعضاء مجلس اللواء وهو من أعيان الإحساء أباً عن جد كما أنه يتميز باستقامة المنهج وصاحب علم ومعرفة، وبما أنه من الناس الذين يستفاد من رأيهم ولا سيما فيما يتعلق بأمور العشائر، فلا أنكر بأنني قمت في بعض الأحيان بمناقشته في بعض الموضوعات كما هو أمر طبيعي، أما اليهودي داود، وإبراهيم بالغنيم فإنهما لم يكونا على القرار ذاته، والأخبار الواردة عنهما غير صحيحة (14).

وخامس إدعاءات عبد الحميد بك تجاه سعيد باشا هو أن الأخير أدّى دوراً بارزاً في حصول الأهالي ورجالات البادية على أسلحة جديدة وذلك عن طريق تهريبها من ميناء العقير بسبب تواطئه مع ملتزم الاحتساب اليهودي داود مقابل مبالغ من المال، الأمر الذي جعل أولئك المسلحين يتجولون في البلدة ودون أي مبالاة.

ويرد سعيد باشا على ذلك الادعاء بقوله: «إنه على الرغم من القيام بإبلاغ الأوامر السامية الواردة إلينا إلى مركز الضبطيه (الشرطة) بشأن منع إدخال الأسلحة إلى البلد وضرورة القبض على ما تم إدخالها فيه، وعدم التواني في إبلاغ هذا الأمر، فإنه وغير خاف عليكم كما تم إبلاغكم بذلك سواء في وقت إدارة سلفي أو في وقت إداراتي للبلد لا يمكن وضع الرقابة على سواحل نجد التي تمتد من الكويت إلى عمان بمسافة تقدر بمائة وعشرين ساعة، ولا يوجد على هذا الساحل موظفون، إلا في ميناء العقير والقطيف، وعلى الرغم من صعوبة إخراج الأسلحة من المنفذين السابقين، غير أن جزيرة البحرين وسواحل عمان من ممالك الدولة العلية بما أنها تعد مساحة مفتوحة للأجانب فإن ما لم يتم وضع رقابة على السواحل النجدية بشكل مستمر؛ وما لم يتم تجوال السفن الهمايونية في تلك السواحل، فإن منع المتمكنين من أهل العشائر بإدخال الأسلحة والعتاد العسكري، ومنع إدخال الأسلحة الممنوعة إلى المنطقة بشكل عام يعد من الصعوبة بمكان، وبالرغم من ذلك فقد تم الاستفسار عن ذلك من مدير العقير، وذكرت المعروضات الجوابية الواردة منهم أنهم يبذلون قصارى جهدهم في تنفيذ الأوامر السامية بمنع إدخال الأسلحة والعمل على المحافظة على الأحكام الواردة في تلك الأوامر، أما فيما يتعلق بأن أولئك المسلحين يتجولون في البلدة دون أي مبالاة وأنهم يأتون إلى مقر الحكومة مسلحين، فإنه من المعلوم أن زعماء العشائر لا يمكنهم التجول بدون أسلحة وكما هو من الأمور العادية عندهم وأن ذلك عادة جارية، وأنهم إذا قدموا إلى مقر الحكومة فإنهم يتركون أسلحتهم لدى الحراس الواقعين على مداخل البلدة أو أنهم يتركونها في مركز الأمن وأصبح ذلك عادة مرعية أيضاً من القديم، وكما هو معلوم لدى ولايتكم الجليلة فإن خشونة العشائر النجدية وبداوتها غير كاف عليكم، وبناء عليه فإن القيام بأي تصرف في حقهم وأنهم لم يعتادوا عليه سوف يجلب نفرتهم وبغضهم للحكومة. وهذا بدوره سوف يؤدي إلى نشوب وضع يؤسف عليه فيما بعد، وإنه في فترة الإدارة السابقة وكما هو مثبت في المخابرات الرسمية، قد قامت الحكومة بجمع الأسلحة الموجودة بحوزة عشيرة المناصير وأدى ذلك إلى قيام بعض أفراد تلك العشير بالهجوم على قافلة تجارية قادمة من العقير كردود فعل على تصرف الحكومة (15).

وسادس اعتراضات عبد الحميد بك على سعيد باشا هو أن الأخير قام بإعادة خلف أفندي إلى العمل عبر لبس التمييز الذي سبق أنه أقيل من منصبه في قطر من لدن حافظ باشا والي البصرة بسبب خيانته أثناء الصراع الدائر بين السلطة العثمانية في الإحساء والشيخ قاسم آل ثاني شيخ قطر(16).

ويجيب سعيد باشا على ذلك الاعتراض بقوله: «أود الإفادة بأن خلف أفندي عُين مديراً على العديد التابعة لقضاء قطر ولعدم تشكيل الإدارة عمل بمجلس التمييز مدة ست سنوات والمذكور لم يتعرض في يوم من الأيام للمحاكمة، وإنه لم يكن حاضراً في الحادثة القطرية وهو من أرباب التقوى والصلاح ولم تبدر منه بادرة سوء في يوم من الأيام، وقد تقلد الكثير من المناصب الإدارية وهو ملم بالأنظمة والقوانين، وهذا يعني أنه لا صحة لما يعترض عليه عبد الحميد بك»(17).

والاتهامات الموجهة من عبد الحميد بك ضد سعيد باشا في المواد السابعة والثامنة تدور حول تعيين سعيد باشا أخيه حمدي أفندي في الكتابة الثانية بمجلس التمييز في الإحساء، وابنه جميل أفندي في وكالة مديرية التحريرات دون السن القانوني للعمل الوظيفي وهو عشرون سنة.

ويدافع سعيد باشا عن تلك الاتهامات بقوله: «إن سن أخي حمدي أفندي الذي كان يداوم في مكتب التحريرات بقضاء الكاظمية ملازماً، عشرون سنة، وقد تم قبوله في مجلس التمييز عام 1314هـ، براتب قدره مائة وخمسون قرشاً وبناءً على أهليته للعمل ونشاطه المتميز فقد عين في الكتابة الثانية بمجلس التمييز في عام 1315هـ براتب قدره ثلاثمائة قرش، كما تبين ذلك من رئاسة مجلس التمييز لدى الاستفسار عن وضعه.

وأما ما قيل عن ابني جميل أفندي قد عين في وكالة مديرية التحريرات وسنه حسب هويته الشخصية دون العشرين حيث تم تزوير هويته ليصبح عمره عشرين سنة، فإنه لدى قيامي بفحص هويته، لم أصادف أي أثر للتحريف أو التغيير فيها، وقد اتسم المذكور بحسن الأخلاق والتعامل الحسن والقيام بأداء عمله على خير وجه بشهادة الجميع، وقد أفاد بذلك مرجعة مدير التحريرات في رده الجوابي لما استفسرنا عن المذكور»(18).

وفي المادة التاسعة يتهم عبد الحميد بك سعيد باشا على سكوته وعدم اتخاذه أي إجراء ضد أخيه حمدي أفندي الذي قام بضرب أمين الصندوق درويش أفندي في مكتب المحاسبة، ويوضع سعيد باشا حقيقة الأمر بقوله: «إن حمدي أفندي المذكور لما دخل غرفة المحاسبة بغية أخذ قلم من كاتب المصالح الجارية موسى أفندي استهزأ به درويش أفندي، ولما سأله حمدي عن السبب قام درويش برميه بالكأس الموجود بيده مما أخذ به وقد تبين أثناء معاينته أنه يستحق إجازة لمدة خمسة عشر يوماً بناءً على تقرير طبي أعطي له، غير أن علاقة درويش بالقائد العسكري غيرت وجه الحقيقة، وأن المحكمة لم تصدر ذي قرار تجاه ذلك» (19).

والاتهام العاشر الموجه ضد سعيد باشا هو أنه امتنع عن تنفيذ الأوامر الصادرة له من السلطات العليا بالدولة بتحصيل نصف في المائة كزيادة على ما يؤخذ من ضرائب ورسوم من الأهالي في الإحساء، كما أنه أعاد تلك المبالغ للأهالي بعدما تم أخذها منهم.

وينفي سعيد باشا هذا الاتهام بقوله: «إنه بناء على معرفتي بوجوب المحافظة على حقوق الخزينة وحسن أدائها من لدن الموظفين بموجب الأوامر والأحكام السنية، فلا يتأخر في تحصيل الأحوال العامة للواء في حينه وزمانه وفي المكان الذي يتم تحصيلها فيه بموجب الموقع والموضع، ولا يتأخر في تحصيل مبلغ نصف في المائة من موقعه، وقد تم إبلاغ المعنيين بسرعة استيفاء اللازم في هذا الصدد بموجب الأوامر السنية، وقد تم استيفاء المبلغ المذكور في القطيف بالكامل غير أنه بالنظر إلى الوضع المفقر للأهالي في الإحساء وملاحقها، ونظراً للشروط التي وضعها المرحوم نافذ باشا عند استيلائه على الإحساء (20)، بعدم استيفاء أي مبلغ من الأهالي ما عدا الزكاة الشرعية، ومع أن الأهالي قدموا عريضة، إلا أن بموجب الأوامر الواردة من عندكم بضرورة الشروع في استيفاء كافة المبالغ، وقمنا فعلاً بتنفيذ الأوامر بكل جد ونشاط وبناءً على ما تم عرضه لكم فإن ما قيل عني فهو كذب ولا يمت إلى الحقيقة بصلة ويؤكد ما أقول المكاتبات التي تمت بيننا وبين بعض مديري النواحي في اللواء (21).

والقضية الحادية عشرة والثانية عشرة يتهم عبد الحميد بك فيهما سعيد باشا بمواقفه غير الإنسانية تجاه المساجين في سجن الإحساء، الذين لم يصدر في حقهم أي حكم وذلك بعدم تزويدهم بالغذاء واحتقارهم، وأيضاً مواقفه غير الإنسانية تجاه بعض الإيرانيين الذين وجدت في حوزتهم مسكوكات مزورة وتم ترقيتهم من لدن مجلس التمييز منذ سنة مع عدم صدور حكم في حقهم وأن زوجة أحدهم مفقودة، ويرد سعيد باشا على تلك الاتهامات حيث يقول: «لقد ذكرت رئاسة مجلس التمييز في التقرير الذي أعدته بناء على سؤال وجه إليها بهذا الصدد بأن المسجونين الذين لم يصدر في حقهم الحاكم لم يتعرضوا للجوع أو لأي أذى وأن المحتاجين منهم يقدم لهم الأكل اللازم بفضل جناب الخليفة وبشكل منظم، وذلك بموجب رغبة جناب الخليفة في الحصول على الأجر والمثوبة»(22).

أما بخصوص الموقوفين الإيرانيين فيذكر سعيد باشا أنه بعد السؤال عنهم من قبل رئاسة مجلس التمييز الدائرة ذات العلاقة بموضوعهم، أفادت بأن الموقوفين من طائفة القبط وأنه تم القبض عليهم نظراً لثبوت قيامهم بتزوير بعض المسكوكات الأجنبية، وأنه صدر الحكم عليهم بالسجن مدة ثلاث سنوات، أما كون زوجة أحدهم كانت مفقودة فليس لدى المجلس أي علم بالموضوع»(23).

والقضية الثالثة عشرة لها علاقة بالقضيتين السابقتين حيث يتهم فيها سعيد باشا بمواقفه غير الإنسانية تجاه أحد المساجين واسمه جاسم الذي تعرض للضرب وزوجته من قبل النائب محمد ثابت أفندي، وأن الزوجة كانت حاملاً وأنها وضعت حملها، ولديها ولدان مرميان في الشارع وفي حالة مزرية وإن سعيد باشا المتصرف لم يتخذ أي إجراء حيال هذه القضية.

ويوضح سعيد باشا ملابسات القضية بقوله: إنه نظراً لتعلق الموضوع بمجلس التمييز تم مساءلتهم عن ذلك وأعد تقريراً عن الموضوع ندرجها فيما يلي، وكما هو معلوم لدى ولايتكم فإن جاسم المذكور قد قام في ليلة من الليالي مع أحد العساكر المجهولين بالتسلل إلى منزل النائب المذكور وإن خادم النائب قد شعر بهما فقاما بطعن الخادم بالخنجر عدة مرات، وتم القبض على جاسم وحكم عليه بالسجن مدة سنة أما ما قيل من أن زوجته تعرضت للضرب، فلا أصل لهذا، وجعل المسؤولية في هذا الموضوع على جناب النائب بموجب الشكاوى المرفوعة إلى جناب ولايتكم ما هو إلا فكر فاسد من تلك الأفكار التي ينشرها القائد العسكري (عبد الحميد بك) الذي قام بتحضير لجنة المحكمة حيث أخذ القائد زوجة جاسم إلى منزله وجعلها تكتب شكوى وترفعها وبأنها تعرضت للضرب بمعرفة الطبيب المقدم مصطفى أفندي الذي كتب تقريراً بأن الضرب قد يؤثر على الجنين، غير أنه أثناء المعاينة ذكر الطبيب زهير أفندي الذي كان يعاين المرأة مع الطبيب مصطفى أفندي أنه لا أثر للضرب في جسم المرأة، ولم يوقع على التقرير المذكور، الأمر الذي تم معاقبته من قبل عبد الحميد بك بسجنه خمسة عشر يوماً، ومنع من ممارسة عمله، بل إن القائد عبد الحميد قد رتب مع الطبيب مصطفى دواءً مسموماً للمرأة حتى تسقط جنينها، وجميع الدلائل الثابتة تدين وبلا شك القائد المذكور في هذه القضية»(24).

والقضية الرابعة عشرة يتهم فيها سعيد باشا بتقاعسه وعدم اتخاذه أي إجراءات ضد ما قام به الشيخ قاسم آل ثاني شيخ قطر من هجوم وسلب ونهب لقبيلة بني هاجر وكذا قيامه بمناورات عسكرية قرب مركز لدار نجد (الإحساء).

ويرد سعيد باشا على هذا الاتهام بقوله: «إن المحضر الذي أعد بهذا الصدد في 17 نيسان 1316 وهي برقم(8) قد تضمنت الأسباب التي أدت بمقدم قاسم آل ثاني مع مقاتليه إلى مركز اللواء بغية تأديب عشيرة الحسرة وتجدون بقية صورة الخطاب إلى قاسم آل ثاني والرد الذي رد به على خطابي ولهذا فلا حاجة إلى تقديم ما جاء فيه من جدير كما أود الإفادة بأننا ألزمنا قاسم آل ثاني بالتراجع عما كان ينوي القيام به ويعود إلى مقره وذلك بكل حكمة وبدون أي إراقة دماء كما حدث في عهد سلفي السابق وبهذا لم تقع أي مشكلة أو أن يكون هناك أي وضع مؤسف، غير أن المؤسف حقيقة هو نشر مثل هذه الأكاذيب، وبناء على ذلك فإنني أكتفي بتحويل تقدير ذلك إلى جنابكم، وتجدون في طيه صور التحقيقات والمعروضات التي وردت من مديري المناطق بغية الإطلاع عليها»(25).

ويختتم سعيد باشا مذكرته بقوله: «وكما يتضح من التفصيل الذي قدمته بعاليه لجنابكم فإن أخلاق القائد المذكور معلومة لدى الجميع، وقد ضاق منه الموظفون ذرعاً حيث يقوم بين الحين والآخر برفع شكاوى عنهم والإدلاء بتصريحات كاذبة وإنه يهدد بذلك الموظفين وهو يقوم في كل عمل من الأعمال باستخدام أسلوب القسوة والبطش ويريد كل شيء يرغب فيه وقد أدى ذلك إلى توقف العمل والوضع بسببه وصل إلى حد غير محتمل، وإن القائد المذكور لم يتوان في أي لحظة في القيام بتصرفات من شأنها إسقاط مكانة الحكومة لدى العامة، وكما هو معلوم لدى جنابكم فإن وضع لواء نجد (الإحساء) الحساس ولا سيما في كونها محاطة ببلدان مثل الرياض (26)، وإنه مجاور لبعض العشائر البدوية التي هي لا تقع تحت الإدارة الحكومية، ومع كل هذا فقد عملت بقدر ما أوتيت من جهد خلال متصرفي ومن خلال التدابير الحسنة المتخذة في هذا الصدد، الأمر الذي أدى بأن لا يقع أي تصرف سيئ أو شيء مغاير لمرضاة جناب الخليفة، وإن غرضي من عرض هذا الأمر لا لإظهار لياقتي وأهليتي، وإنما إخباراً عن الوضع، وقد وفقني الله سبحانه حتى الآن بحسن المزاج في الأماكن التي وجدت فيها، ولم يقع بين وبين القواد العسكريين الذين قدموا إلى هنا أي خلاف في يوم من الأيام، ومع أني أقوم بتيسير أمور البلد بموجب الأوامر السامية، إلا أن القائد المذكور لم يتأخر في القيام برفع الشكاوى عليّ شخصياً أو بالوساطة، وهذا الأمر مما تعود عليه المذكور، وإن اتخاذ اللازم بموجب ما تم عرضه بعاليه منوط لجناب ولايتكم والأمر والعرفان لحضرة من له اللطف والإحسان»(27).

ولعله يستنتج مما أوردناه في مذكرة سعيد باشا متصرف الإحساء من أن الخلافات كانت تدور بين الحين والآخر بين ممثلي السلطة في متصرفية الإحساء لعدم وجود انسجام فيما بينهم، وكثيراً ما تكون دوافعها شخصية بحتة وتكاد تكون مرتبطة بمصالح شخصية وبعيدة عن مصلحة الدولة ومصلحة الرعية، ولعل ذلك يعطي صورة عن الإدارة العثمانية العاجزة، الأمر الذي أثر سلباً على وضع المنطقة العام السياسي والاقتصادي والاجتماعي وولد خيبة أمل لدى الأهالي في الحكم العثماني.

(1) لمزيد من التحصيل حول عصر الإصلاح والتنظيمات في الدولة العثمانية يمكن الرجوع إلى: الدستور، الجزء الأول، ترجمة نوفل نعمه نوفل، المطبعة الأولية، بيروت، 1301هـ، ص 2 – 4.
وأيضاً:
kamal. H. Karpat (The Transformation of the Ottoman state 1789 – 1908) Interntional Journal of Middle East Studies 3/1972. P.P. 243 – 249.
وأيضاً:
Stan fond, Shaw, History of The Ottoman Empire and Modre Turkey, Cambridge University Press, Cambridge, 1977, PP 95 – 105.
(2) انظر: محمد موسى القريني، الإدارة العثمانية في متصرفية الإحساء (1288 – 1331هـ/ 1871 – 1913م)، إدارة الملك عبد العزيز، الرياض 1426هـ، ص 74 – 106.
(3) نود أن نشير هنا إلى أن سعيد باشا اختير متصرفاً للإحساء ثلاث مرات الأولى (1295 – 1296هـ/ 1879 – 1880ن)، والثانية (1298 – 1302هـ/ 1881 – 1885م)، والثالثة (1315 – 1318هـ/ 1897 – 1900م).
ولمزيد من التفصيل انظر:
Sicili Ahval Defteri 26/ 123 – 124.
أرشيف رئاسة الوزراء، استانبول، سجل الأحوال 260/ 123 – 124.
(4) وتشير هنا إلى أنه كان على رأس القوة العسكرية في الإحساء أثناء الوجود العثماني (القومتدان) القائد العسكري ويحمل رتبته ميرالاي (عقيد) وهي رتبة أعلى من القائم (عميد)، وكان القومتدان يسند إليه في كثير من الأحيان مهام المتصرف في المتصرفية أثناء غيابه بل أن بعضهم كان له من القوة ما يقوم بتيسير شؤون المتصرفية على الرغم من وجود المتصرف نفسه وبخاصة في عهد السلطات عبد الحميد الثاني (1293 – 1327هـ/ 1876 – 1909م)، وذلك عندما أسند مهمة الإشراف على الأملاك الشخصية في أرجاء الدولة العثمانية إلى القيادة العسكرية.
انظر: التشكيلة الإدارية في تناسق لعام 1320، ص 339 – 340.
وأيضاً:
Ali, Shad, Seyhatlerim, Istntul 1330 P. 16.
(5) أرشيف رئاسة الوزراء، استانبول، شورى دولة، 2184/6، BOA, SD 2184/6
رسالة من سعيد باشا متصرف الإحساء إلي وإلى البصرة مؤرخه في 19 ربيع أول 1318هـ.
وأيضاً:
Al- Bertine Hwicdeh, The sanniya Lands of Sultan bdul ltamaid In Irg, Arabic and Islamic Studies, 1965, PP. 326 – 336.
(6) وأيضاً:
(IOT) R/15/1/27.
(IOT) R/15/1/28.
(7) انظر: أرشيف رئاسة الوزراء في استانبول: إدارة عسكرية 1324، BOA, Iastri, 1324.
وأيضاً: أرشيف رئاسة الوزراء، استانبول، أوراق يلدز المتنوعة، 298/ 93، BOA, Ymtv 298/ 93
(8) أرشيف رئاسة الوزراء، استانبول، شورى دولة، 2184/6، ص 1، BOA, 2184/6- Lef 1
(9) ونشير هنا إلى أن داود بن شنطوب كان ملتزماً أميناً للصندوق متصرف الإحساء وملتزماً للاحتساب لميناء العقير 1298 – 1318هـ/ 1879 – 1900م.
انظر: أرشيف رئاسة الوزراء، استانبول، شورى دولة، 2170/11. BOA, SD, 217/11
وأيضاً التشكيلة الإدارية في ولاية البصرة عام 1309هـ، ص 349 – 352.
(10) أرشيف رئاسة الوزراء، استانبول، شورى دولة، 2184/6، ص 2. BOA, 2184/6- Lef 2
(11) المصدر السابق.
(12) عبد اللطيف الحملي وأسرته من الأسر المعروفة في الإحساء وذات المكانة المرموقة في الجاه والمال وأفرادها من كبار الملاك ولهم مكانة اجتماعية حتى يومنا هذا. أحد أعضاء مجلس إدارة اللواء (المتصرفية).
انظر: محمد موسى القريني، النضاب في مواقف رموز السلطة العثمانية في لواء نجد والإحساء، مجلة الدرعية، ذو الحجة 1424هـ - ربيع أول 1425هـ/ فبراير – مايو 2004م، السادسة والسابعة، العددان، الرابع والخامس والعشرون، الرياض، ص 210.
(13) إبراهيم بالغنيم هو من أسرة بالغنيم المعروفة المشهودة بالتجارة وبخاصة تجارة البشوت التي اشتهرت بها منطقة الإحساء وتحظى هذه الأسرة اليوم بمكانة اجتماعية مرموقة وأفرادها تقلدوا مناصب عدة ومهمة في المملكة العربية السعودية، انظر: محمد موسى القريني، المجع السابق، ص 211.
(14) أرشيف رئاسة الوزراء، استانبول، شورى دولة 2184/6، ص 2 BOA, 2184/6- Lef 2
(15) أرشيف رئاسة الوزراء، استانبول، شورى دولة 2184/6، ص 2 – 3. BOA, 2184/6- Lef 2 - 3
(16) لمزيد من التفصيل حول أحداث قطر يمكن الرجوع إلى أرشيف رئاسة الوزراء، استانبول، إدارتها يلدز الأساسية 250/14/126/8.
BOA, YEE, 250/14/126/8.
وأيضاً: أرشيف رئاسة الوزراء، استانبول، أوراق ليذ المتنوعة 31/31، BOA, Y. MTV 31/31.
(17) أرشيف رئاسة الوزراء، استانبول، شورى دولة 2184/6، ص 4. BOA, SD, 2184/6 Lef 4
(18) المصدر السابق ونفس الصفحة.
(19) المصدر نفسه.
(20) نافذ باشا قائد الحملة العسكرية العثمانية التي سيرت من بغداد للاستيلاء على الإحساء 1288هـ/ 1871م وهو أول متصرف للإحساء بعد التشكيل الإداري للمنطقة من قبل والي بغداد مدحت باشا، لمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع إلى محمد موسى القريني، الإدارة العثمانية، مرجع سبق ذكره، ص 89 – 98، ص 133.
(21) أرشيف رئاسة الوزراء، استانبول، شورى دولة 2184/6، ص 5. BOA, SD 2184/6- Lef 5
(22) المصدر السابق.
(23) المصدر نفسه.
(24) المصدر نفسه، ص 6.
(25) المصدر السابق، ص 7، 8.
كما نود أن نشير إلى أننا لم نتحصل على تلك المرفقات التي ذكرها سعيد باشا.
(26) وهنا نشير إلى أن سعيد باشا إنما أراد من الإشارة إلى الرياض هنا يريد تحذير السلطة المركزية من الملك عبد العزيز وتحركاته في المنطقة آنذاك.
(27) أرشيف رئاسة الوزراء، استانبول، شورى دولة، 2184/6، ص 8، 9.
أستاذ مساعد بكلية المعلمين بالأحساء
323558