الكتابة والقراءة في جزيرة العرب قبل الإسلام
عبدالجبار محمود السامرائي * - 20 / 5 / 2008م - 2:50 م - العدد (48)

الشائع بين كثير من الناس، أن العرب قبل الإسلام كانوا في جاهلية عمياء وضلالة، لا يقرؤون ولا يكتبون، وأن الكتابة كانت قليلة بينهم، واستدلوا على ذلك بحديث ذكر أن رسول الله محمد قاله، هو: «إنّا أمّةٌ لا نكتب ولا نحسب»(1).

لقد ذهب الكثيرون من الناس إلى أنّ العرب كانوا على أصل ولادة أمّهم، لم يتعلموا الكتابة ولا الحساب، فهم على جبلتهم الأولى، وهذا غمط لشأن العرب، وافتئات على الحقائق التاريخية، ومحاولة للنيل من حضارتهم في شبه الجزيرة، التي تشمل تهامة ونجد والحجاز والعروض واليمن.

وفي حقيقة الأمر، إن كُتاباً بيثرب كانوا يكتبون بكتاب مكة، وكان في أماكن أخرى كُتاباً يكتبون بكتابهم أيضاً، فضلاً عن انتشار الكتابة بـ «المسند» في العربية الجنوبية(2)، وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب(3).

ونحن لا نريد أن نثبت هنا أنّ العرب قاطبة كانت أمة قارئة كاتبة؛ جماعها يقرأ ويكتب، وأنها كانت ذات مدارس منتشرة في كل مكان من جزيرتهم؛ تعلّم الناس القراءة والكتابة والعلوم الشائعة في ذلك الزمان «قبل الإسلام»؛ فقول مثل هذا هراء، ولا يمكن أن يدّعيه أحد.

ثم إن شيوع القراءة والكتابة بالمعنى المفهوم عندنا، لم يكن معروفاً حتى عند أرقى الشعوب إذ ذاك، مثل اليونان والرومان والساسانيين. فسواد كلّ الأمم كان جاهلاً لا يحسن قراءة ولا كتابة، وإنما كانت القراءة والكتابة في الخاصة وفي أصحاب المواهب والقابليات، الذين تدفعهم مواهبهم ونفوسهم على التعلم والتثقف وتزعمّ الحركة الفكرية بين أبناء جنسهم.

ومن هنا، كانت كلّ الأمم أُمّيّة من حيث الأكثرية والغالبية، ولم تختلف إلا في نسبة المتعلمين والمتخصصين والمجتهدين ودرجتهم فيها. وكان العرب يتباينون في ذلك، تبايناً يختلف باختلاف أماكنهم، ولاسيما أهل البوادي وأهل الحواضر. فأهل البوادي، هم أمّيون؛ لأن طبيعة البادية لا تساعد على تعلّم القراءة والكتابة، ولا على ظهور العلوم وتطويرها فيها. غير أن هذا لا يعني أنهم كانوا أميين جميعاً، لا قارئ بينهم ولا كاتب.

فقد كان بينهم من يقرأ ويكتب؛ بدليل هذه النصوص التي ترجع إلى ما قبل الإسلام، وقد عثر عليها مبعثرة في مواضع متناثرة من البوادي، وفي أماكن نائية عن الحضارة، وهي كتابات أعراب ورعاة إبل وبقر وأغنام؛ دَوَّنوها تسجيلاً لخاطر أو للذكرى أو رسالة لمن قد يأتي بينهم؛ فيقف على أمرهم.

ومن هنا، نستطيع القول أن أعراب الجزيرة قبل الإسلام، كانوا أحسن حالاً من أعراب هذا اليوم، فقد كان فيهم الكاتب القارئ الذي يهتم بتسجيل خواطره، وبإثبات وجوده، بتدوينه هذه الكتابات، وأنّ الأمية لم تكن أمّيّة عامة جامعة، بل أمّيّة نسبية، على نحو ما نشاهده اليوم في مجتمعاتنا، من غلبة نسبة الأمية على نسبة المتعلمين والمثقفين.

أما أهل الحواضر، فقد كان بينهم من يقرأ ويكتب،كما كان بينهم الأمّيّ، أي الجاهل بالقراءة والكتابة. كان منهم من يقرأ ويكتب القلم المسند، وكان بينهم من يقرأ ويكتب بالقلم الذي دُوِّن به القرآن الكريم؛ فصار القلم الرسمي للإسلام؛ بفضل تدوين الوحي به، كما كان بينهم من يكتب بقلم النبط، وبقلم بني إرم، وكان بينهم من يكتب ويقرأ بقلمين أو أكثر.

وكان الأحناف يكتبون ويقرؤون، وكانوا أصحاب رأي ومقالة في الدين وفي أحوال قومهم، وهم قالوا عن بعضهم مثل «ورقة بن نوفل» أنه كان «يكتب الكتاب العبراني، فيكتب بالعبرانية من الإنجيل ما شاء أن يكتب»(4).

وقد ذكر «الهمداني» أن العرب كانت «تسمي كلّ من قرأ الكتب أو كتب: صابئاً، وكانت قريش تسمي النبي أيام كان يدعو الناس بمكة ويتلو القرآن: صابئاً»(5). فالصبأة على تفسير «الهمداني» هم الكتبة وكل من قرأ الكتب، وعلى ذلك يكون الحنفاء في جملة الصباة(6).

إن العرب من الشعوب التي عرفت الكتابة ومارستها في الجزيرة العربية قبل الإسلام بزمان طويل، وقد عثر في مواضع من جزيرة العرب على كتابات دُوّنت باليونانية وبلغات أخرى. وتبيّن من دراسة النصوص، أن العرب كانوا يدوّنون قبل الإسلام بقلم ظهر في اليمن بصورة خاصة، هو القلم الذي أُطلق عليه (القلم المسند) أو (قلم حمير)، وهو قلم يباين القلم الذي نكتب به الآن. ثم تبيّن أنهم صاروا يكتبون في ميلاد المسيح بقلم آخر، أسهل وألين في الكتابة من القلم المسند؛ أخذوه من القلم النبطي المتأخر، وذلك قبيل الإسلام.

كما تبيّن أنّ النبط وعرب العراق وعرب بلاد الشام، كانوا يكتبون أمورهم بالإرمية وبالنبطية، وذلك لشيوع القلمين بين الناس، حتى بين من لم يكن من «بني إرم» ولا من «النبط»، كالعبرانين الذين كتبوا بقلم إرمي، إلى جانب القلم العبراني. ولاختلاط العرب الشماليين ببني إرمن فقد تأثروا بهم ثقافيًّا، فبان هذا الأثر في الكتابات القليلة التي وصلتنا مدوّنة بنبطية متأثرة بالعربية.

ويظهر من عثور الباحثين على كتابات مدونة بالمسند في مواضع متعددة من جزيرة العرب، ومنها سواحل الخليج العربي، أن بعضاً منها قديم، والبعض الآخر قريب من فترة ظهور الإسلام.

إن قلم المسند، كان هو القلم العربي الأصيل والأول عند العرب وقد كتب به كلّ أهل الجزيرة، غير أن التبشير بالنصرانية الذي دخل جزيرة العرب وانتشر في مختلف الأماكن؛ أدخل معه القلم الإرمي المتأخر؛ قلم الكنائس الشرقية، وأخذ ينشره بين الناس؛ لأنه قلمه المقدس الذي به كان يكتب رجال الدين. ولما كان هذا القلم أسهل في الكتابة من المسند، وجد له أشياعاً وأتباعاً بين من دخل النصرانية وبين الوثنيين أيضاً؛ لسهولته في الكتابة. غير أنه لم يتمكن -مع ذلك- من القضاء على المسند؛ إذ بقي الناس يكتبون به.

فلما جاء الإسلام، وكتب كتبة الوحي بقلم أهل مكة لنزول الوحي بينهم؛ صار قلم مكة هو القلم الرسمي للمسلمين، وحكم على المسند بالموت عندئذٍ؛ فمات ونسيه العرب، إلى أن بعثه المستشرقون، فأعادوه إلى الجود مرة أخرى، ليترجم لنا الكلمات العادية التي دونت به.

وفي أعالي الحجاز، عثر على أقلام تشبه القلم المسند شبهاً كبيراً، لذلك رأى الباحثون أنها من صلب ذلك القلم ومن فروعه، ولأنها متأخرة بالنسبة له، وقد سُمي قلم منها بـ «القلم الثمودي» نسبة إلى قوم ثمود، وسمي قلم آخر بـ «القلم اللحياني» نسبة إلى «لحيان»، وهي مملكة وشعبها من شعوب العربية الجنوبية، وعرف القلم الثالث بـ«الكتابة الصفوية» نسبة إلى أرض «الصفاة».

أما القلم المسند، فقد عرف علماء العربية عنه أنه خط أهل اليمن القديم، وأنه خط حمير، وأن قوماً من أهل اليمن بقوا أمداً يكتبون به، ويقرؤون نصوصه. وعرّفوه بأنه خط مخالف لخطنا هذا، كانوا يكتبونه أيام ملكهم(7).

ومن الأدلة على معرفة عرب اليمن للكتابة والقراءة قبل الإسلام؛ الأوامر والقوانين التي دونّها ملوكهم وأعلنوها للناس، بوصفها في المحلات العامة وفي الأماكن البارزة.

إن تدوين تلك الكتابات ووضع الحجارة الفخمة المكتوبة للإعلان، دليل على أن في الناس قوماً يقرؤون ويكتبون ويفهمون، وأن الحكومات إنما أمرت بتدوينها لإعلام الناس بمحتوياتها للعمل بها، كما تفعل الحكومات في الوقت الحاضر عند إصدارها أمراً أو قانوناً؛ بإذاعته عبر الوسائل المعروفة على الناس(8).

وكان غُلمان اليمن يتعلمون الكتابة والقراءة، ويرددون قراءة ما يكتبون ويقرؤون، وقد أُشير إلى ذلك في شعر «لبيد»، قال:

فنعاف صارة فالقنان كأنها
زُبُرٌ يرجعها وليدٌ يمانِ
متعوّد لحنٌ يعيد بكفهِ
قلماً على عُسب، ذبلنَ وبانِ(9)

يظهر من ذلك أن أهل اليمن، حتى غلمانهم، كانوا يكتبون، ويردد الأطفال الكتب، لحفظها ولتعلمها، على نحو ما يفعلون في الكتاتيب(10).

وذكر أهل الأخبار أن قوماً من أهل يثرب من الأوس والخزرج، كانوا يكتبون ويقرؤون عند ظهور الإسلام، ذكروا فيهم: سعد بن زرارة، والمنذر بن عمرو، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وكان يكتب بالكتابات العربية والعبرية والسريانية، ورافع بن مالك، وأسيد بن حُضير، ومعن بن عدي البلوي، وأبو عبس بن كثير، وأوس بن خولى، وبشير بن سعيد، وسعد بن عبادة، والربيع بن زياد العبسي، وعبد الرحمن بن جبر، وعبدالله بن أُبي، وسعد بن الربيع؛ وقد أرجعوا أصل علم هؤلاء إلى قوم من يهود يثرب، مارسوا تعليم الصبيان القراءة والكتابة، دعوهم (بني ماسكة)(11).

وإن صحّت هذه الرواية يظهر أن يهود يثرب كانوا يكتبون بالعربية أيضاً، وأنهم كانوا يعلمونها للعرب، وقد تعرض البلاذري لهذا الموضوع فقال: (كان الكُتاب من الأوس والخزرج قليلاً، وكان بعض اليهود قد علم كتاب العربية، وكان تعلمه الصبيان بالمدينة في الزمن الأول، فجاء الإسلام، وفي الأوس والخزرج عدّة يكتبون)(12).

ويظهر أن يهود يثرب، وربما بقية يهود، مثل يهود خيبر وتيماء وفدك ووادي القرى، كانوا يكتبون بقلمهم، كما كانوا يكتبون بالعربية. ويظهر من استعمال «البلاذري» جملة: «وكان بعض اليهود قد علم الكتابة العربية، وكان تعلمه الصبيان بالمدينة في الزمن الأول»؛ أن يهود يثرب كانوا يكتبون بالعربية، كما كان يكتب بها صبيان المدينة، وكانوا يعلمون الكتابة لصبيان يثرب في مدارسهم. وفي هذا الخبر وأمثاله -كما يقول الدكتور جواد علي- دلالة على أن الكتابة كانت معروفة بين أهل يثرب قبل الإسلام، وأنها كانت قديمة فيهم؛ ولهذا فلا معنى لزعم من زعم أنها انتشرت بيثرب في الإسلام، وأن الكتابة كانت قليلة -بها قبل هذا العهد- وقصد أهل الأخبار بجملة «وكان بعض اليهود قد علم كتاب العربية»؛ الكتابة بالخط العربي الشمالي، لا بالقلم المسند.

ويظهر أن اليهود قد تعلموا الخط العربي من عرب العراق وبلاد الشام، وهذا يدلّ على أن المسند كان قد طُورد في جزيرة العرب قبل الإسلام، وأن سلطانه كان قد تقلص كثيراً خارج العربية الجنوبية، قبل نزل الوحي على الرسول ؛ فأخذ ينافس المسند فيها، ولاسيما في المناطق التي تركزت فيها النصرانية وتحكمت في أهلها؛ فأخذ النصارى يقاومون ذلك القلم؛ لأنه قلم الوثنية، ويعلمون أولاد النصارى القلم العربي الشمالي؛ لأنه قلمهم الذي كانوا يعلمون به في كنائس العرب في دومة الجندل والعراق وبلاد الشام(13).

أما أهل مكة، فقد تعلموا الكتابة في عهد غير بعيد عن الإسلام، كانوا يكتبون بالمسند، القلم الذي كتب به أكثر جزيرة العرب قبل الإسلام، فقد ذكر الإخباريون أن أهل مكة كانوا يجدون بين الحين والحين كتابات مدونة بالمسند في مقبرة مكة القديمة، وفي مواضع أخرى منها، وأن عثور الناس على هذه الكتابات بالمسند أو بأقلام مشتقة منه، ولا يعقل عدم استعمال أهل الحجاز لهذا القلم، وقد وجد أنه والأقلام المشتقة منه قد كونت قلم أهل هذه البلاد قبل الإسلام(14).

لقد أطلق العرب على الذي يكتب بالعربية ويحسن العوم والرمي، وقيل الحساب أيضاً والجلد «الشجاعة» وقول الشعر وأصحاب الشرف والنسب: «الكلمة»، وجمع بعض أهل الأخبار إلى ذلك: استواء القامة وكمال الإنسان(15). ومن هؤلاء الكلمة: سعد ين عبادة بن دليم، سيد الخزرج، وهو من أسرة غنية تطعم الفقراء، ولها أطم يأوي إليه الفقراء للأكل. ولما نزل النبي يثرب، كانت جفنة «سعد» تدور معه، وكان يعشي كل ليلة أهل العَّنعة(16).

ومن الكملة أيضاً: الربيع بن زياد العبسي، وكان هو وأخوته يحملون هذه الصفة، ورافع بن مالك، وأسيد بن حضير، وعبدالله بن أُبي، وأوس بن خولىَّ، وسويد بن الصامت، وحضير الكتائب(17).

ويظهر من النظر إلى قائمة أسماء من وصفوا بـ«الكملة»، أن الكتابة والرماية والعوم، لم تكن الشروط الأساسية الكافية، لكي يُعدّ الإنسان كاملاً؛ فقد توفرت هذه الشروط في أُناس آخرين، لم يدخلوا مع ذلك في الكملة، وإنما هنالك أشياء أخرى، فضلاً عن الأمور المذكورة، هي الشرف وكمال الجسم والعقل والامتناع عن الهجو في الكلام، والتحلي بالحكمة والفطنة واللب وقول الشعر المحكم الحكيم(18).

أما الكُتّاب العرب قبل الإسلام فهم: عبد الرحمن بن جبير، أبو عبس الأنصاري، كان يكتب بالعربية ومات سنة 34هـ. وكان «المنذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة بن لوذان الخزرجبي» أحد السبعين الذين بايعوا رسول الله وأحد النقباء الاثني عشر، وكان قبل الإسلام يكتب بالعربية. وكان «قيس بن نشبة» عمّ الشاعر «العباس بن مرداس السلمي» أو ابن عمه من الكتبة. وفي جملة من كان يكتب ويقرأ من أهل مكة «حرب بن أمية»، قيل أنه هو الذي أدخل الكتابة بين قريش، وهو أبو «أبي سفيان بن حرب»، فهو جدّ «معاوية بن أبي سفيان».

وقيل: إن الذي حمل الكتابة إلى قريش بمكة هو «أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة»، فهو ناشر الكتابة بين أهل مكة. وذهب «ابن قتيبة» إلى أن «بشر بن عبد الملك العبادي» علّم «أبا سفيان بن أمية» و«أبا قيس بن عبد مناف بن زهرة» الكتاب، فعلّما أهل مكة.

وقيل: إن أول العرب الذي كتب بالعربية «حرب بن أمية بن عبد شمس» تعلّم من أهل الحيرة، وتعلّم أهل الحيرة من أهل الأنبار. ولو أخذنا برأي من قال إن: «حرب بن أمية» أو «سفيان بن أمية» هما أول من علّم أهل مكة الكتابة؛ نكون قد جعلنا بني أمية أول من أدخل القلم إلى مكة، بفضل تعليم «بشر بن عبد الملك العبادي» لهم هذا القلم، ومنهم انتشر بين أهل مكة في عهدٍ غير بعيد عن أيام النبي .

وذكر أنّ في جملة من كان يكتب قبل الإسلام «عمرو بن عمرو بن عدس». وذكر «ابن النديم» في «الفهرست» أن «أسيد بن أبي العيص» كان من كُتّاب العرب، وذكر أنه كان في خزانة المأمون كتاب بخط «عبد المطلب بن هاشم» في جلد أدم، فيه ذكر حق عبد المطلب من أهل مكة على فلان بن فلان الحميري، وكان الخط شبه خط النساء.

وكان «حنظلة بن أبي سفيان» ممن يحسن الكتابة والقراءة بمكة، فقد ورد أنه كتب من مكة إلى والده «أبي سفيان»، وكان إذ ذاك مع العباس بن عبد المطلب بنجران، يخبره خبر الرسول .

وكان «بغيض بن عامر بن هاشم» من كُتّاب قريش قبل الإسلام، وهو الذي كتب الصحيفة على بني هاشم. وورد أن «أبا الروم بن عبد شرحبيل» واسمه «منصور بن عكرمة» هو الذي كتب الصحيفة.

وكان «نافع بن ظريب بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف بن قصي» القرشي ممن يكتب، وكذلك «حاطب بن أبي بلتعة»(19).

وورد أن عدداً من الشعراء قبل الإسلام كانوا يكتبون ويقرؤون، وكان منهم من إذا نظم شعراً دوّنه ثم ظل يعمل في إصلاحه وتنقيحه وتحكيك ما نظمه إلى أن يرضى عنه؛ فينشده الناس.

وممن كان يكتب ويقرأ «سويد بن الصامت الأوسي»، صاحب «مجلة لقمان»، و«الزبرقان بن بدر»(20)، و«كعب بن مالك الأنصاري»، و«كعب بن زهير»، و«الربيع بن زياد العبسي»، وكان هو وإخوته من الكملة، وقد كتب إلى «النعمان بن المنذر» شعراً يعتذر إليه فيه(21).

ومن الشعراء الذين كانوا يكتبون ويقرؤون وعلى ثقافة وعلم: «لبيد» الذي كان حادّ الذكاء، وربما كان يدوّن شعره ويحفظه عنده. يقول:

وجلا السيولُ عن الطلول كأنها

زُبر تجدّ متونها أقلامها(22).

إنّ وصف لبيد مثل هذه الطلول لا يمكن أن يقال إلاّ من رجل له علم بالكتابة، وحذق ودراية. وفي البيت الآتي يقول أيضاً:

فمدافع الرّيان عُرّي رسمها

خلقاً كما ضمن الوحي سِلامها

وفي هذا البيت إشارة إلى الكتابة، فالوحي هو الكتابة، والسِّلام الحجارة، أي كان ما بقي من رسمها بعد أن عريت، مثل ما يبقى من الكتابة في الأحجار(23).

ويؤخذ من ذلك أن الحجارة كانت مادة من مواد الكتابة عند عرب الجزيرة قبل الإسلام(24).

وصفوة القول: أن عرب الجزيرة قبل الإسلام لم يكونوا أُميين، لا يحسنون كتابة وقراءة كلّهم، بدليل أنهم تركوا آلاف الكتابات باللهجات العربية الجنوبية وبالثمودية واللحيانية والصفوية. وأما ما نسب إلى رسول الله من حديث: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نقرأ ولا نحسب» فإنه حديث مدسوس، فللأمية معنى آخر غير المعنى اللفظي المتداول، الذي يعني الجهل بالكتابة والقراءة. فقد ذكر «الفراء»، وهو من علماء العربية المعروفين، إن الأميين هم العرب الذين لم يكن لهم كتاب(25)، ويراد بالكتاب التوراة والإنجيل، ولذلك نعت اليهود والنصارى في القرآن بـ«أهل الكتاب»، وأن لفظة «الأميين» الواردة في القرآن الكريم تعني الوثنيين ممن لم يكن لهم كتاب. أما أميّة رسول الله فقد زالت بعد نزل القرآن.

(1) الزبيدي: (تاج العروس)، مادة «أمم».
(2) العربية الجنوبية: اصطلح المستشرقون على رجع اللغات التي ظهرت في جزيرة العرب إلى أصلين: أصل شمالي، يقال للغات التي تعود إليه: اللغات أو اللغة العربية الشمالية، وأصل جنوبي، يقال للغات التي ترجع إليه: اللغات أو اللغة العربية الجنوبية. وهذا التقسيم التقليدي للهجات العرب إنما خطر ببال المستشرقين من النظرية العربية الإسلامية التي ترجع العرب إلى أصلين: أصل عدناني وأصل قحطاني. ونظراً إلى عثورهم على كتابات عربية جنوبية تختلف في لفتها وفي خطها عن العربية القرآنية؛ رسخ في أذهانهم هذا التقسيم، وقسّموا لغات العرب إلى مجموعتين؛ لسهولة البحث حين النظر في اللغات واللهجات.
(الدكتور جواد علي: (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام)، دار العلم للملايين، بيروت، مكتبة النهضة، بغداد، ط2، 1978م، ج8، ص673.
(3) الدكتور جواد علي: المرجع نفسه، ص92.
(4) أبو الفرج الأصفهاني: (كتاب الأغاني)، دار الكتب المصرية، القاهرة 1930م ، ج8، ص678.
(5) الهمداني: (كتاب الإكليل)، تحقيق محمد بن علي الأكوع الحوالي، القاهرة، 1963، مطبعة السنة المحمدية، المكتبة اليمنية، ج1، ص44.
(6) الدكتور جواد علي: مرجع سبق ذكره، ص107 - 108.
(7) المرجع نفسه، ص152 - 154، ج2، 244.
(8) المرجع نفسه، ج8، ص133.
(9) شرح (ديوان لبيد بن ربيعة العامري): تحقيق الدكتور إحسان عباس، طبعة الكويت، 1962، ص138.
(والزُّبُر: الكتُبُ، يقول لبيد: كأن تلك المنازل كتب يرددها وليد يماني، أي غلام يماني؛ لأن الكتاب فيهم، لأنهم أهل ريف.
(متعوذ لذلك: فهمٌ. لحِنٌ: بمعنى فهم يعيد بكفه قلماً، يكتب في العسب والبان. وكانوا يكتبون في العسب والبان والعرعر).
المرجع نفسه.
(10) الدكتور علي: مرجع سبق ذكره، ج8، ص138.
(11) القلقشندي: (صبح الأعشى)، المطبعة الأميرية ودار الكتب المصرية، 13 - 1922، ج3، ص15.
(12) البلاذري: (فتوح البلدان)، المكتبة التجارية، ص459.
(13) الدكتور جواد علي: مرجع سبق ذكره، ص 114 - 115.
(14) المرجع نفسه، ص 142 - 143.
(15) الأغاني، دار الكتب المصرية، ج3، ص25.
(16) ابن سعد: (الطبقات الكبرى)، مطبعة بريل ليدن 1324هـ فما بعد، ج3، ص613.
(17) البلاذري: مصدر سبق ذكره، ص459 وما بعدها.. ابن سعد: مصدر سبق ذكره، ج3، ص542.
(18) الدكتور جواد علي: مرجع سبق ذكره، ص116.
(19) المرجع نفسه، ص 117 - 119.
(20) كتاب الأغاني، ج2، ص180.
(21) المصدر نفسه، ج16، ص22.
(22) شرح ديوان لبيد، ص229. طبعة الكويت.
(23) المرجع نفسه، ص297.
(24) الدكتور جواد علي: مرجع سبق ذكره، ص 139 - 140.
باحث في شؤون الخليج العربي - العراق
323559