رحلة بلجريف
ترجمة تحتاج إلى ترجمة (1)
عدنان السيد محمد العوامي * - 20 / 5 / 2008م - 2:59 م - العدد (48)

توطئة

في الحلقات السابقة من هذه السلسلة تناولت عددًا من الإصدارات عن منطقة الخليج والجزيرة العربية، بعضها كُتبٌ، وبعضها خرائط، منها ما هو عربي النَّشأة، وما هو مترجم إلى العربية، وكلُّها - وإن اختلف كُتَّابها، وتباينت موضوعاتها، وتنوَّعت الجهات التي أصدرتْها - تتفق في شيء واحد؛ هو كثرة الأغلاط والأخطاء، وخصوصًا في أسماء الأعيان والبلدان، لكنَّ الكِتَاب الذي أعرضه، هنا، وعنوانه: (وسط الجزيرة العربية وشرقها، تأليف وليم جيفورد بلجريف، وترجمة صبري محمد حسن)، قد بزَّها، جميعًا، بكثرة الأخطاء، وشناعة التشويه، وفداحة التحريف والتصحيف حتى تجاوزت أسماء الأعيان والأعلام إلى الأغلاط الموضوعية، والنحوية والإملائية. صدر الكتاب عن المجلس الأعلى للثقافة بمصر، ضمن سلسلة (المشروع القومي للترجمة)، وفي ظني أن هيئة تستظل سقفًا يحمل شرف هذا الاسم؛ لا جَرَم أنها محط الأمل للمثقفين، ومناطُ الرجاء لطلاب العلم والأدب والثقافة، ويظن منها أعمالٌ ثقافية تناسب المستوى الذي ينبغي أن يكون عليه (المجلس الأعلى للثقافة)، ولاسيما أنه ينتسب لأرض الكنانة، البلد المعرق حضارةً ومجدًا، خصوصًا في الثقافة والأدب، بلد محمد عبده، وطه حسين، ونجيب محفوظ، والرافعي، والمازني، ورفاعة، والبارودي، وأقرانهم، لكنَّ هذا الكتاب - بكل أسف - جاء مخيِّباً للأمل، بما اشتمل عليه من فداحة الأخطاء، وكثرتها، إلى حدٍّ يُشعر القارئ بأنه إزاءَ شخوصٍ سديميَّة آتية من عالم خرافي مجهول، لولا نَزْرٌ منها حالفه الحظ فأفلت من التحريف، أو كاد. حتى ليغلب على الظن أن الترجمة من صنع ترجمات الحاسب الرديئة. إنه لأمر محزن أن يهبط نتاج المجالس العليا للثقافة، ومشاريعها القومية، إلى مستوى هذا الكتاب، وهو مستوى لا يُقبَل حتى من (دكاكين) الترجمة، أو (حوانيت) القرطسة، فكيف من الهيئات العليا للثقافة؟ وما يزيد الطين بلَّة أنَّ الكتاب راجعه أساتذة أكاديميون متخصصون في المضانِّ التي تناولها، كما توحي به مقدمة المترجِم.

بلجريف من هو؟

تصف الموسوعة الحرة الإلكترونية «ويكيبيديا» ويليام جيفورد بلجريف (William Gifford Palgrave) بأنه: «يُعدّ من أشهر الرحالة الذين زاروا جزيرة العرب. وُلِد في إنجلترا عام 1826م، وحصل على شهادة جامعية من جامعة أكسفورد الشهيرة، والتحق، بعد تخرجه، بالجيش البريطاني في الهند عام 1847م، وفي الهند تحوّل عن البروتستانتية إلى الكاثوليكية، فاستقال من الجيش، وقرَّر أن يكون راهبًا، وانضمَّ لجماعة يسوع. عاد إلى أوروبا، ودرس علم اللاهوت في كلية (رومانو) في إيطاليا، ثم انتقل إلى لبنان لأغراض تبشيرية عام 1857م، وبعد وقت قليل أصبح مسؤولا عن المدارس الدينية، والبعثات التبشيرية المسيحية في البلدان العربية، ومنطقة الشرق الأوسط. اندلعت حرب أهلية في لبنان عام 1860م، فغادر، بعدها، إلى بريطانيا، ومارس مهامَّه الدينية في محاضرات حول بعثاته في الشرق، ثم غادر إلى فرنسا، والتحق بالكلية (الجزويتية) بـ(نيس)، ومنها عاد نحو مناطق شمال الجزيرة العربية في بعثة تبشيرية مدعومة من الإمبراطور الفرنسي (نابليون) الثالث(1)».

وتضيف الموسوعة الثقافية الإلكترونية: «وقد بيَّن أنه يهدف، من انضمامه إلى هذه الجماعة، إلى العمل منصِّرًا بين العرب... وقد انتقده بعض الكتاب الغربيين، ومنهم الكاتب المنصِّر صمويل (زويمر)... وذهب فيلبي إلى التشكيك في بعض رحلات بلجريف المدونة في كتابه، فقال: «يدَّعي بلجريف أنه زار الخرج والأفلاج عام 1863م، إلا أنني أتحدى هذا الادعاء، ولا يسمح المجال لمناقشة هذا الأمر بالتفصيل، ولكن لذهابي إلى هذه الأماكن بنفسي أستطيع أن أقول إنني مقتنع أن بلجريف لم ير الخرج والأفلاج، بل إنه لم يصل إلى الرياض، ولا القصيم»، ولكن ذهب بعض المؤرخين إلى أن مذكراته ضاعت، فاضطر إلى أن يكتب من ذاكرته، مما جعله يقع في عدد كبير من الأخطاء، ولذا يصفه أحمد راتب حموش بقوله: «وليم جيفورد بلجريف اليهودي المتنصر على المذهب الجوزيتي، والمكلَّف بمهمات رسمية سرية من نابليون الثالث... وتبشيره بالمسيحية في لبنان، وتورطه السياسي في أحداث المنطقة، وتنكره بأسماء مستعارة... وتأليفه كتابًا حول ذلك من ذاكرته بعد أن ضاعت أوراقه، وقد انتقده، في معلوماته تلك، كثير من الرحالة الغربيين الذين وجدوا في بعض ثناياها بعدًا عن الحقيقة»(2). أما «هاري سانت جون فلبي» فقد أسهب في السخرية من ادعاءات «بلجريف» بزيارة وسط الجزيرة العربية بدءًا من القصيم، وانتهاءً بعمان(3).

الكتاب: أهمية وخطره

افتتح الدكتور راشد شناز(4) حديثه عن بلجريف وكتابه هذا، الذي تضمن أحداث رحلته، بالشكوى من الفتور الذي استقبلته به الأوساط الأكاديمية، وعدم حظوته بالإشادة التي يستحقها، وهي شكوى تبدو غريبة في الحقيقة، فهذا الكتاب طبع مرارا عديدة، عقب صدوره لأول مرة باللغة الإنجليزية عن دار مكملان وشركاه، في لندن عام 1865م، بعنوان: (قصة رحلة عام عبر وسط الجزيرة العربية وشرقها،  Personal Narrative of a Year’s Journey through Central and Eastern Arabia (1862 - 1863), Macmillan & Co, London, May, 1865، ثم أعيد طبعه للمرة الثانية في نوفمبر 1865، والثالثة في ديسمبر 1865، و(الطبعة التي اعتمدتُها هنا في المقابلة على الترجمة؛ هي الطبعة الثالثة، لندن وكمبردج 1866م)، كذلك أعيد طبعه للمرة الرابعة في 1867، ثم للمرة الخامسة في 1869، وتكرر طبعه في الأعوام 1870، 1871، 1873، 1877، 1883، 1908(5)، ومما لا شك فيه أن تكرار طباعة الكتاب على هذا النحو المتوالي يبين مدى الحفاوة التي استقبل بها الكاتب والكتاب، وهذه الحفاوة ما كان لها أن تبلغ هذا الحد لو لا أهمية الكتاب وخطره، وأما مؤلف الكتاب فيكفي أن نعلم باحتفاء بابا الفاتكيان ونابليون الثالث به لنتبين مدى الحظوة التي نالها بسبب هذا الكتاب، ناهيك عن المناصب العليا التي تسنَّمها بعد صدور الكتاب(6).

كتابات حول الكتاب، أصلاً وترجمة

تطفو، أمام الباحث في الشبكة العنكبوتية، عناوين كثيرة، عن هذا الكتاب حتى قبل أن يترجم إلى العربية، ويصعب - في حال كهذه - تتبع ما احتشدت به تلك الشبكة من الكتابات حوله، لذلك سيكون حديثي مقتصرًا على ما اطلعت عليه من كتابات منشورة باللغة العربية؛ كتُبًا أو صحفًا، إلا ما تحتمه الضرورة، وأول تلك الكتابات مقال ذي حلقتين في مجلة “العرب”؛ لكاتب رمز إلى اسمه بـ: (أ. ف. خ)(7)، وهذا المقال ليس ترجمة للكتاب أو بعض منه، وإنما هو عرض لما تضمن من معلومات عن الرياض وحائل، ومثل هذا العرض اشتمل عليه فصل من كتاب (الطريق إلى الجزيرة العربية)، تأليف د. راشد شاز(8)، وأصل هذا الكتاب نشر باللغة الإنجليزية بعنوان: (In pursuit of Arabia, by Rashid Shaz)(9)، وكلا الكاتبين؛ أ. ف. خ، ود. راشد شاز اقتصرا، بتسليم تام، على عرض ما أورده بلجريف دون تدقيق أو بحث أو نقاش. أما أول ما اطلعت عليه، مباشرة، من الكتب الناقدة لبلجريف، فهو فصل من كتاب (الرحالة الغربيون في الجزيرة العربية) تأليف د. «روبن بِدْوِل Robin Bidwell»، وترجمة د. عبد الله آدم نصيف(10)، على أن أطول نقد يمكن وصفه بالعنف والشدة هو نقد «هاري سينت جون فلبي» في كتابه (قلب جزيرة العرب)(11)، وأما التراجم التي اطلعت عليها لهذا الكتاب فأولها ترجمة الدكتور محمد بن عبد الله بن زلفة، للقسم الخاص بمنطقة “سدير”، وهي منشورة في جريدة الجزيرة السعودية في أربعة أجزاء(12)، وقد أشار إلى ترجمته فصولاً أخرى لكنني لم أطلع عليها. الترجمة الأخرى هي ترجمة صبري محمد حسن هذه، وهي هدف هذا المقال.

الدكتور عبد الله بن إبراهيم العسكر، أيضًا، حظُّه ليس باليسير في تناول هذه الترجمة حيث استعرضها بجريدة الرياض، في مقال من حلقتين بعنوان: (رحلة بلجريف مُعَرّبة(13)). عبَّر الدكتور العسكر عن إعجابٍ بالغٍ ببلجريف ورحلته، ولم ينس جهد المترجم من الإطراء والثناء الحسن، ومقالي هذا لا يرمي إلى التعرض؛ لا إلى ترجمة الدكتور بن زلفة، ولا إلى مقال الدكتور العسكر، قصدًا، وإنما هو - كما يعلم القراء - امتداد لسلسلة من المقالات تُنشر في مجلة الواحة، تستهدف الأخطاء في ترجمات الكتب الأجنبية التي تناولت منطقة الخليج وشرق الجزيرة العربية، لكنَّ ما أوجب التعريج بهذه الإشارة الخاطفة لمقالتي الأخوين الفاضلين، الدكتور ابن زلفة والدكتور العسكر، أمور؛ منها - ولعله أهمها - ما توجبه الأمانة من حقٍّ لهما في التنويه بفضلهما في ما استفدته منهما من معرفة بعض ما عسر عليَّ من أسماءٍ أشرت إليها في مواضعها من المقال، ومنها حفزهما عسى أن يتفضلا -إن قُدِّر أن يطلعا على المقال- بتفسير ما لم أتمكن من حله من ألغاز الكتاب، مثل: «المعجوع، جـ1/17» وفي مكان آخر: «مجوع Magooa» وفي ثالث «Magowah»، وأنا أرجِّح أن هذه الأسماء وإن تباينت رسومها هي لمكان واحد هو قرية «مَوْقَق»(14)، لكن هذا الترجيح ظنيٌّ، وليس قطعيًّا، كذلك: «دجيديع البدوي، جـ1/121، 123، 380، وتهجيته في الأصل الإنجليزي: «Djedey»(15) الذي عرَّبه الدكتور محمد بن زلفة بـ(الجدي البدوي)، وقد يكون هذا التعريب صحيحًا، لكن الأقرب إلى الأسماء العربية المألوفة أنه: جادي، أو «اجديِّع: مصغَّرًا» ومن ألغاز الترجمة، أيضًا، «الهوشيس (Hushais)»، الذين يمثلون الأغلبية في مجلس الحرب الوهابي. الأصل جـ1/123، والترجمة جـ1/153، و«داريم»، (بطل القصيم الأوسط، الذي انتعش خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين، أي في حوالي القرن الحادي عشر الميلادي، وهو من مواليد الرس، جـ1/290 - 295، وهذا تهجيته في الأصل الإنجليزي Darim، جـ1/248)، و«وادي عفتان Aften»، في القصيم، الأصل جـ1/339، والترجمة جـ1/391، وأظنه من مخترعات بلجريف، ومدينة الحولة الترجمة جـ1/412، والحفر، الترجمة جـ1/408 في منطقة سدير، فالذي ذكرته المصادر بهذا الرسم يقع في حائل وليس في سدير(16)، وكذلك «الخجيك (Khajik)» التي تضمُّ ثكنات جيش الإمام فيصل، الأصل جـ2/110، والترجمة جـ2/128، وغيرها، مما لم أتيقن من معرفته، وكذلك استدراك ما يجدانه لدي من خطأ في تفسير بعض الأسماء، فهو أمر غير مستبعد.

ومن تلك الأمور، أيضًا، وجوب التنويه باحترام رأيهما في الكتاب وصاحبه، فهو حقٌّ ليس لأحد إنكاره عليهما، وإن كان لا يقتضي موافقتهما عليه، فاختلاف الرأي، كذلك، حق لا مرية فيه، وأود، هنا، أن أذكِّر بحكمةٍ قديمة تقول: «ما اختلف نوعٌ من الحيوان كاختلاف الإنسان»، فبقدر ما حظِيَ به الكتاب من مكانة لدى الأخوين الكريمين، وحازهُ القائمون على مشروع الترجمة من ثناء الدكتور العسكر خاصَّة، لانتخابهم رحلة بلجريف لترجمتها بحسبانها موضعَ ترحاب المتخصصين والمثقفين - في حين وقع الكتاب من سعادة الدكتور العسكر هذا الموقع الأثير؛ فإن موقعه مني موقع الاستنكار، والاستهجان، بل إنني وجدته مثيرًا للنقمة والاشمئزاز، وترجمته ليست بذات جدوى بتاتًا، بل إن صدوره - بهذا الشكل المزري - لا يشرف الجهة التي أصدرته، بل هو مسيءٌ لها.

لقد أجمل سعادة الدكتور العسكر رأيه في الكتاب بقوله: «وقد أحسن القائمون على مشروع الترجمة في انتخاب رحلة بلجريف لترجمتها، ولا إخال متخصصا أو مثقفا إلا وسيستقبل هذه الترجمة بكل ترحاب يليق بها، رغم الهنات الطفيفة التي لا يخلو منها كتاب مترجم، ناهيك أن يكون على شاكلة كتاب بلجريف الذي ينوء بتعريبه العصبة، فكيف بالفرد؟ الحلقة: 1»، وأما عن أهمية الكتاب، فيقول: «فهو ليس كتاباً في الرحلات، على غرار كتب الرحلات المعروفة، بل هو... أكثر من ذلك بكثير، فهو يحوي علوماً وثقافات ومعارف كثيرة، وهو كتاب نظر وفكر، وهو كتاب سياسة واجتماع، وكتاب أرض وناس، وكتاب دين ونقد. الحلقة: 1». «ففيه آراء صائبة، وفيه ملحوظات ذكية تتعلق بالمجتمع والسياسة والإدارة، وفيه نقد لكثير من المظاهر السائدة في جزيرة العرب في القرن التاسع عشر، ومع هذا فيعيب الكتابَ أمور كثيرة يأتي على رأسها ثلاثة أمور ما برحت ترافق الكاتب، وهي: عداوته، وكرهه الشديدان للأتراك، وأتْباعِ الدعوة الإصلاحية (الذين يدعوهم بالوهابيين)، والبدو. إن موقف بلجريف من الأول والثاني قد نجد له مبررا، وإن كان ما نجده غير مقنع، كون بلجريف يعمل جاسوسًا لدولة ترى في الدولة العثمانية عدوها الأول في المشرق العربي، وكون الدعوة الإصلاحية تجاهد بقوة لإعادة إحياء الدين الإسلامي الصحيح الذي يراه صاحب الرحلة العقبة الكأداء في وجه الحملات التبشيرية. أما موقفه العدائي من البدو فلم أجد له ما يبرره. الحلقة: 2». بدهيٌّ أنَّ المعجَبَ بشيءٍ مَّا لا يجب أن يطالب بالدليل على إعجابه؛ أما الناقد العائب فله شأنٌ آخر، إنه ملزم بتقديم أوثق الأدلة وأصدق البراهين كي يبرر ازدراءه واستهجانه، وهو ما أراني ملزمًا به للقراء الأعزاء، وسأقدمه - في موضعه بإذن الله - في يسير من النماذج لا تلتزم الحصر والاستيعاب، نظرًا لكثرة مواردها في الكتاب، ولهم، وحدهم، الحكم عليها إن كانت ومثيلاتها “هَناتٍ طفيفةً” كما يراها الدكتور العسكر.

منهج المؤلف وأسلوبه

وصفَتْ جريدة التايمز كتاب بلجريف، ضمن تأبينها له بعد وفاته، بأنه يعتبر من أجمل ما كتب في مجال الرحلات التي استمتع بها الناس. وعلى العكس من ذلك تمامًا، يرى الدكتور «روبن بِدْول» أن الكتاب: «من أردأ ما كتب في العهد الفكتوري... فقد جاء باقتباسات وشواهد وتلميحات لا داعي لها سوى إظهار ثقافته الواسعة...»(17)، بل وأكثر من هذا أن الكتاب: «مزعج ومتسم بالغرور...»(18)، ولعل هذا، في تقديري، أقل ما يوصف به هذا الكتاب، وشخصيًّا لا أرى غضاضة من وصفه بأنه تعيس، وممل، وجالب للكآبة والضجر، ولعل أهم بواعث الملل والسآمة؛ وقوف المؤلف الطويل على الهَنَات، والتوافه من الأمور، والإطالة المفرطة في ما لا طائل منه، ناهيك عن الاستطرادات المطوَّلة، والتشعيبات المسهبة، والتفريعات المسفَّة، المشوِّشة، التي تنسي القارئ أصل الموضوع الذي يقرؤه، ولتوثيق تلك العاهات أسوق بعض الشواهد على سبيل التمثيل لا الحصر، على إسرافه المنهك من كثرة الاستطراد، أول هذه الأمثلة نمتاحه من الجزء الأول، وتحديدًا من الفصل الذي تحدَّث فيه عن الجوف؛ فقد استغرق وصف مجلس مضيفه الذي سماه المترجم (غافل الحبوب)؛ عددًا كبيرًا من الصفحات، ففي وصف آنية القهوة، وأدواتها استنفد (10) صفحات: جـ1/68 - 77، عاد بعدها للحديث عن الجوف، وصِفة مبانيها، ومزارعها، وبعض قراها، وطبائع أهلها، وأحوالهم المعيشية، وكيفية سيطرة ابن الرشيد عليهم حتى الصفحة 90، ثم دخل في نقاش سفسطي في العقائد استغرق 4 صفحات؛ من ص: 90 إلى 93، عاد بعدها إلى ما انتهى منه من وصف عادات أهل الجوف، واستضافتهم له، (خانقًا) أنفاس قارئه بعدة صفحات أخرى، من: 94 - 97، ثم ينتقل للحديث عن فنِّ العمارة عند الشعوب، والحضارات القديمة في مصر والعراق، وفي نجد واليمن والأحساء، محوِّمًا بين تيماء وجبل شمر والعالم القديم من مصر إلى وادي الفرات، ووادي «نهر الغانج Gange» (الجانجز، حسب الترجمة)، وغابات ألمانيا، ومستنقعاتها، ومنحدرات روسيا، وهضبة منغوليا، جـ1/98 - 99، فلا تشعر - وأنت تقرأ هذا الهذر الممل - بأنك تقرأ رحلة في الجزيرة العربية، ومثل هذا يتكرر، ويطَّرد في كل ما طرقه المؤلف من المواضيع.

المثال الثاني: هو استطراداته في شرح صيغة التوحيد (لا إله إلا الله)، وما استتبعها من مقارنات، ومفاضلات بين المسيحية وحركتها، والإسلام وجموده، وبين رب المسلمين «العقيم»، ورب المسيحيين “الولود”، حتى نسب إلى الإسلام كثيرًا مما في التوراة المحرفة، كتابه «المقدس»، 12 صفحة (جـ1/418 - 429)، كل هذا وهو لا ينوي الدخول في متاهات الجدل، فما الظن به لو دخل في تلك المتاهات؟

المثال الثالث: أضاع أكثر ما لديه من الحبر في حديث لا يحتاج إلى أكثر من سطرين عند أكثر الكتاب إسهابًا، وهو عن البن اليمني، الذي يصدر من المخا إلى الإسكندرية ويافا وبيروت، كي يعاد تصديره من تلك الموانئ، وأجوده نوعان حبهما صُلب شبه شفاف يميل لونه إلى الاخضرار والاحمرار، أما الثالث الرديء، فيميل لون حَبِّه إلى الابيضاض، والنوعان الجيدان تتنخل حَبَّهما أنامل السراق الماهرة في تلك الموانئ. حكاية هذا البن التي لخصتها الكلمات التي قرأت استغرقت خمس صفحات: جـ1/484 - 488، مع أنه سبق أن أطال وعرَّض في حديث البن عندما كان في الجوف، وما يكاد القارئ يتنفس الصعداء من حديث «البن» هذا حتى يطبق على نفَسه حديث خانق آخر عن النبيذ، وعلل تحريمه، وربطها بكراهية النبي K للمسيحية التي تؤثره وتحظ عليه، فيستهلك الصفحات: 488 - 500، ومع ذلك لم ينسَ أن ينحى باللائمة على الزمن الذي لم يعطه فسحة يوفي بها الموضوع حقَّه من الدراسة والبحث.

المثال الرابع: نأخذه من الجزء الثاني من الكتاب، من حديثه بعد ارتحاله من الأغوار، (الغوار)، عند بلوغه مشارف الأحساء حيث صادف أجْلاً من الجراد، فانتهزها فرصة لهذيان استهلك صفحتين ونصف، تقريبًا، استوعب فيها الحديث عن الجراد؛ حجمه، لونه، طبائعه، مذاقه، خوفه من الجِمال، وخوف الجمال منه، وجرأة الرجال عليه، والفرق بينه وبين جراد العراق والشام، (جـ2/158 - 159)، وطبعًا لا جدوى من كل هذا (التمطيط) إلا الرغبة في التعالم، والتظاهر بالمعرفة، حتى لقد أوصله السرف في الاستطراد إلى أخطاء شنيعة سنعرض نماذج منها قريبًا.

ختام الأمثلة على رتابة أسلوب المؤلف، وتهويماته ثقيلة الظل نقتطفه من حديث بدأه عن الشعر العمودي والنبطي في الأحساء؛ استغرق ثمانيَ صفحات؛ من جـ2/183 - 190، دار فيها كل أصقاع الدنيا، تقريبًا من أجل أن يثبت للأوربيين أن تعريف «العرب» يجب أن يقصر على سكان الجزيرة العربية، وحدهم، ولا يصح أن يدخل فيهم من هم خارجها؛ كمصر والشمال الإفريقي، فهؤلاء هم «النبط»، ولا نود هنا ملاحظة المكر الخبيث في الفكر الأوروبي وابتكاراته لأساليب التفريق والتمزيق للأمة العربية والإسلامية، فبلجريف - قبل غيره - يعلم أن «النبط» عرب، وأن كل هذا الهذر الذي أرهق نفسه وقارئه فيه؛ لا أصل له، ولا مصداق فيه، وإنما أردت التدليل، فقط، على أسلوب الكاتب الممل. مثل هذا الإسراف في الهذيان كثير في الكتاب، والخطل الدال على السفه أكثر؛ حتى لقد بلغ به الحد أن زعم أنَّ العرب لا يميزون بين الجرادة والجندب (جـ 2/158 - 160)، حتى لكأن العرب قد استلفوا من غيرهم هذين الاسمين المميزين لهذين الجنسين من المخلوقات.

جُهد المترجم

يصف المترجم جهده في إنجاز هذه الترجمة فيقول: «بقي أن أقول: إن نصَّ الكتاب لم يكن سهلاً فقد استغرقَت ترجمته حوالي العام ونصف العام، رجعت خلالها إلى الكثير من المراجع والمصادر، فضلا عن الاستنارة بآراء كثير من أساتذة الجامعة الزملاء المتخصصين في الجغرافيا، وفي الإيطالية... مقدمته، جـ1/6».

عندما نعود للكتاب المترجَم لا نجد فيه أية إشارة لأي مرجع أو مصدر مما أشار إليه المترجم، باستثناء عرفانه لبعض الأساتذة الذين راجعوا الترجمة، أما الحلَّة التي تجلَّت بها الترجمة فأوضح سماتها كثرة الأخطاء وفداحتها، نحوًا وصرفًا وإملاءً، وأما أسماء الأعلام؛ من أماكن، وشخصيات، وقبائل، وجماعات، فلا يمكن أن يتقن وصف سوءاتها حتى أمهر الكتاب السينمائيين، بل حتى الأحداث والوقائع نالت نصيبها من التشويه والتحريف، مما يعطي القارئ الحق في السؤال عن ماهية المراجع والمصادر التي اعتمد عليها المترجم في تلك الأسماء لكي يلتمس له العذر عن أخطائه فيها، ويلقي بتبعاتها على تلك المصادر والمراجع، ولاسيما عند النظر إلى ما قاله عن الدقة المتناهية التي تميز بها المؤلف في كتابة الأسماء، فهو بهذا الخصوص يقول: «وفيما يتعلق بالأسماء، لم يترك المؤلف مجالاً لأي اجتهاد وبخاصة فيما يتعلق بأسماء الأماكن في وسط الجزيرة العربية، فقد كان يدون الأسماء تدوينًا صوتيًّا حسب سماعه لها... مقدمة المترجم، جـ1/7»، فكيف يكون الأمر لو لم يكن الأصل المترجَم بهذه الدقة والوضوح؟ وأما أن الجهد الذي بذله شاق، فهو لا شك كذلك، وهو جهد يستحق أن يستقبل بالتقدير، والإعجاب، والأسف أيضًا على إضاعته في غير محله، ناهيك عن أن ما يقاس به التوفيق والنجاح في أي عمل ليس مقدار الجهد والمشقة والتعب وحسب، وإنما هو الإتقان والتميز. لقد بذل السيد المترجم جُهدًا مماثلاً، وربما أكبر، في ترجمة رحلة “تشارلز داوتي” المعنونة بـ (ترحال في صحراء الجزيرة)، وصدَر عن المجلس الأعلى للثقافة بمصر، وهو المجلس، نفسه، الذي صدرت عنه ترجمة كتاب بلجريف هذا، ولقد حظي السيد المترجم بالثناء، والاستحسان على ترجمته لرحلة «داوتي» تلك، من باحث متخصص في تاريخ الجزيرة العربية، هو الأستاذ «تركي القدَّاح العتيبي» ضمن استعراض الكتاب في باب «المراجعات» بمجلة مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض(19)، وفي تقديري أن هذا الثناء الرقيق، أوجبته دواعي المجاملة، ومقتضيات الاحترام والأدب، وهو لطف وتسامح من الأستاذ العتيبي يحمد له، ولكنه لن يغير من الحقيقة، وهي أنَّه؛ العتيبي، أحصى على المترجم كمًّا هائلاً من الأخطاء في أسماء الأعلام استوعب جدولا عدد صفحاته خمسٌ من صفحات المجلة، وبـ (البنط) الصغير، مع أنَّ هذا الجدول لم يشمل الأخطاء في إدخال أداة التعريف على غير المعرف من الأعلام، وحذفها مما يجب إدخالها عليه، فإذا كانت هذه حال الأخطاء في أسماء الأعلام، وهي أهم ما في كتب الرحلات، فما الجدوى من الترجمة إذن؟ صحيح إن الخلُق يفرض الخطاب المهذب المتسامح، لكن ما ذا عن احترام العلم والمعرفة، والثقافة، وما تتطلبه من الإجادة والإتقان، وتحري الدقة، وهو ما تفتقر إليه ترجمة الأستاذ صبري محمد حسن لرحلة بلجريف؟ فالذي يظهر من هذه الترجمة أن الأستاذ المترجم لم يكلف نفسه الرجوع إلى أي مرجع أدبي أو جغرافي، وإلا لما وجدناه يخطئ حتى في ترجمة أسماء مواضع مشهورة، مثل جبل (أجا Aja)؛ خصوصًا وأن المؤلف يورد اسمه مقرونًا بجبل (سلمى)، في الأغلب الأعم، ولا أظن أن موضعًا حظي بصيت وشهرة طائرين في تراث العرب الأدبي كـ(جبلي أجا وسلمى)، وخصوصًا في الشعر.

الاستشارات والمستشارون

يقول المترجم الفاضل - في مقدمته ص: 6، 7 - أنه استنار بآراء كثير من زملائه أساتذة الجامعة المتخصصين في الجغرافيا، وفي اللغة الإيطالية، واليونانية، واللاتينية، واللغات القديمة بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وكذلك في العلوم الإسلامية، وفي هذا إشارة واضحة إلى أن السيد المترجم أستاذ جامعي، وإن لم يصرح هو بذلك، وقد ذكر اثنين من زملائه في الجامعة بالاسم، وهما الدكتور سلامة محمد سليمان، والدكتور حلمي عبد المنعم، وكيل كلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف، والأخير تولَّى قراءة مخطوطة ترجمة المجلد الأول، وأعدَّ الهوامش الخاصة بالرد على المؤلف في القضايا الشرعية، وبهذا العرفان بالجميل لأولئك الدكاترة صيَّرهم شركاء له في ما وقع في الترجمة من أخطاء لا تغتفر للمتعلمين العاديين، بَلْهَ الأساتذة المتخصصين، ولاسيما في الشؤون الشرعية الإسلامية، إذ كيف نتصور من هؤلاء الخبراء بالعقائد، والتاريخ والآداب، واللغات القديمة والحديثة هذا الجهل التام بقبائل وأعلام عربية مشهورة، ومدن معروفة، حتى تعدى الأمر إلى فِرق إسلامية كبيرة، وشهيرة كـ(الإباضية)، على ما هو معروف من دورها المشهور في التاريخ الإسلامي، ثم هي، اليوم، تشكل غالبية سكان عمان تقريبًا، وشأنها وعديدها في الشمال الإفريقي لا يستهان بهما، ومع ذلك يترجمها إلى (البياضية)(20) أينما وردت في الكتاب، ومثل الإباضية؛ الحركة القرمطية التي يترجمها إلى (القرموطية)، وصاحبها القرمطي، يترجمه إلى (القرموطي)، مع أن القرامطة لا يقلون عن الإباضية شهرة مدوية في التاريخ الإسلامي، ويشبه أمر تينك الفرقتين أمر (النبط)، أو (الأنباط)، هؤلاء ترجمهم إلى (النبَّاط جـ2/183)، وهم قبائل عربية بدوية مترحلة، استقرت في جنوب فلسطين منذ القرن 4 ق، م(21)، ومثل هؤلاء، أيضًا، (البانيان)، وهم تجار هنود اشتهروا بهذا الاسم في بلدان الخليج، ترجمهم إلى “البنيانيين»، جـ2/251. «البانيان banain، وأيضًا، Banyan: كلمة گوجراتية، أو سنسكريتية، وهي - في الأصل - اسم موضوع لشجرة تعرف بشجرة المعابد، أو التينة المقدسة، Bo tree، أو Pipal، وتعرف أيضًا بـتينة البنغال (Ficus benghalensis، وبالفرنسية indica، واسمها العلمي religiosa Ficus. وفي هذا الاسم ملمح ديني (Religion) كما هو واضح، زعموا أن «بوذا» أدرك في ظلها مرحلة التنوير الكامل، ومن هنا اتُخِذت رمزًا له. ومن هنا، أيضًا، جاء تقديسها لدى البوذيين، ثم تُوسِّع في الاسم فأطلق على فئة من التجار النباتيين الهنود، للمفرد والجمع، ويظن أن إطلاق هذه التسمية عليهم كان بسبب أنهم كانوا يعرضون بضائعهم تحت هذه الشجرة متخذين منها غطاء واقيًا، بسبب شدة كثافة الظل الذي تكونه أغصانها الكثيرة، أو - ولعله الأصوب أنهم «بانيا» BANYA بدون «نون»، وهي من السنسكريتية BANIJAYA، أي التجارة، وعرفت بها طبقة من المرابين أو التجار الهنود(22).

أيضًا (اللخميون)، ويعرفون بالمناذرة(23)، ترجمهم إلى «اللخميط»، جـ 1/147، ونصيب المدن والشخصيات والقبائل ليس بأحسن من الفرق والطوائف، وتكفي عينة واحدة لبلدة سوف يرى القارئ أنها من البلدات المشهورة جدًّا، ومع ذلك فقد جاءت ترجمتها بهذه الصورة: «هذا المنخفض المتعرج الطويل يمتد في الأصل من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي أو ما يشابه ذلك، ويعبر نصف الصحراء الشمالية على شكل سلَّم طويل تقع رأسه بالقرب من «البصرة في الحوران» Howran على بعد مسافة قصيرة من دمشق، بينما ترتكز قاعدة السلَّم على الجوف. جـ1/38»، فيا سبحان الله! لم يكن السيد المترجم واهمًا حين قال بأن المؤلف لم يترك مجالاً للاجتهاد في ما يتعلق بالأسماء، فها هو في تمام الوضوح، فالبلدة التي عناها هي في «حوران»، وزيادة في الإيضاح أشار إلى قربها من دمشق، ولا أحد يجهل أن دمشق هي حاضرة الشام قديمًا، وعاصمة الجمهورية العربية السورية في الوقت الحاضر، فأين هذه البلدة من البصرة، قصبة الجنوب العراقي؟ إن المؤلف يعني «بُصرى»، وهي بلدة في محافظة حوران، بسوريا، وقد كان لها في التاريخ مجد باذخ، تدل عليه أثارها الهلنستية، احتلها الأنباط في القرن الأول ق، م، وكانت عاصمة الإقليم العربي في أيام «ترايانس» 106م، وفي التاريخ الإسلامي هي أول مدينة شامية افتتحها العرب على يد خالد بن الوليد، سنة (632م)(24). فهل يعقل ألا يميز هؤلاء الأساتذة الأفاضل بينها وبين البصرة؟ لكم تمنيت لو تأمل الإخوة المراجعون الصورة التي رسم بها بلجريف اسم «بصرى Bosra» والصورة الأخرى التي رسم بها اسم البصرة Basrah، ولاسيما حين يوردها مقرونة بجارتها الزبير Zobeyr.

ولقد بلغ الأمر مداه حين «عجن» المؤلف الحركة القرمطية بحركة مسيلمة، ثم بحادثة الردة معًا، من غير أن يعلق أحد لا المترجم، ولا أيٌّ ممن راجع الترجمة بشيء، وأنا هنا مقتبس شيئًا من تخليطات المؤلف تلك كي نرى كيف جازت على هذه النخبة من الأساتذة: «وإدراكًا من خالد بن الوليد أيضًا للنقص الذي طرأ على مقاتليه عرض الدخول في مفاوضات، وقَبِل النجديون هذا العرض قبولاً ينطوي على عدم المبالاة شكلاً، وليس موضوعًا، وقالوا، إن ما فقدوه لِحدِّ تلك الساعة ليس سوى الجزء الأصغر من قوتهم، وأنهم على استعداد أن يخسروا الكثير قبل أن يستسلموا، واختصارًا لكل هذه الروايات طلب أهل نجد ضمان حياتهم وحريتهم، وضمانًا للتحرر والحكم الذاتي مقابل شرط واحد فقط من ناحيتهم هم، وهو اعتناق الإسلام؛ ولم يدْرِ خالد هو وجيشه كيف أضاع أو ضحى بهذه الغنيمة السهلة، إلى أن جعل العهد الذي قطعه أهل نجد على أنفسهم مسألة الاستيلاء على الرياض أمرًا بعيد المنال، وعلى كل حال فقد أصابت هذا المذهب القرموطي (كذا) ضربة قاتلة، أصبح الإسلام على أثرها الدين الرسمي في البلاد، وهاجرت البقية الباقية من أتباع هذا المذهب القديم من تلقاء نفسها إلى كل من الأحساء والبصرة التي أرْسَوا فيها مع الساخطين الآخرين على نظام الحكم، أُسُسَ الطائفة القرموطية وأصبح اسم مسيلمة يرتبط بالخزي والعار والازدراء، وأطلق على الوادي الذي يحمل اسمه، اسم وادي حنيفة، ومع ذلك فإن التعاطف الوطني، غالبًا ما يؤدي إلى التخفيف من حدة الكراهية المذهبية، ويذكر أهل الرياض مرارًا إن زعيمهم المنكوب (مسيلمة) كان رقيق القلب إلى حد الندم، وقد قال أحد المتعصبين، ذات يوم، وعلى مسمع مني: كان محمد ومسيلمة نبيين، ولكن نجم محمد كان مبشرًا بالخير. جـ1/442 - 443»، فكيف مرَّ هذا على جمع من أساتذة أفاضل فيهم وكيل كليَّة متخصصة في شؤون الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف، فسكتوا عن “خبص” مسيلمة بالمرتدين، والمتردين، ومعهم مسيلمة، بالقرامطة، وهؤلاء جميعًا بحنيفة القبيلة العربية التي أعطت اسمها للوادي؟

ليس بالوسع أن نتصور هذا أبدًا، إلا أن يكون المترجم، عفا الله عنه، عرض على هؤلاء الأساتذة نقاطًا معينة قبل الترجمة، للحصول منهم على رأي أو معلومة، أو أنه لم يعرض لهم إلا نتفًا محدودة من الترجمة، وليس الترجمة كاملة، وإلا فهل من المقبول أو المعقول أن تمرَّ كل هذه الأغلاط دون أن تحظى منهم بأية ملاحظة أو تعليق؟ بل إنك واجد في بعض ما علق عليه الدكتور حلمي عبد المنعم إخفاقًا في ما فاز فيه المؤلف بكل أسف، ومن الأمثلة على ذلك أورد المقتبس التالي من قول بلجريف: «وروى لي مغيث، على عهدة الموروث القادري، كيف أن أحمد الغزالي أحد أبناء طوس الشهيرِين في بلاد فارس (لعل القارئ المثقف يعرف أن هذا الرجل مؤلف كتاب «لباب الإحياء» وأن صيته قد ذاع في العام 1180 الميلادي). جـ2/264». ذَيَّل الدكتور حلمي عبد المنعم معلقًا، على قول بلجريف هذا، بما نصه: «إن اسم الكتاب الذي اشتهر به أبو حامد محمد الغزالي هو إحياء علوم الدين، وقد توفي عام 505 هجرية. د. حلمي عبد المنعم». وبهذا التعليق سجل الدكتور هدفًا سهلاً على نفسه لصالح بلجريف، فهو ليس بصدد أبي حامد الغزالي، ولا كتابه (إحْياء علوم الدين)، وإنما هو يتحدث عن أخيه أحمد، وكتابِه (لباب الإحْياء)، وهو مختصر لكتاب (إحياء علوم الدين) في مجلد واحد، وأحمد هذا هو أبو الفتوح، أحمد بن محمد بن أحمد الطوسي الغزالي، أخو أبي حامد الغزالي(25). ولقد سنحت الفرصة للدكتور حلمي كي يبين غلط بلجريف حيث نسب الشعر الذي أورده؛ إلى أحمد الغزالي، وهو -في الحقيقة- لأخيه أبي حامد، كما سنرى عندما نتعرض لترجمة الأشعار التي تضمنها الكتاب، ولكن للأسف فإن الدكتور علَّق تعليقًا آخر جاء بمثابة تضييع لضربة الجزاء (Penalty)، التي ارتكبها بلجريف بنسبة الشعر إلى أحمد الغزالي، وهذا هو تعليق الدكتور بالنص: «أنا أشكك في نسبة هذا الكلام الذي سماه المؤلف بالقصيدة، أشك في نسبته إلى الغزالي، لأن الغزالي كان موسوعة علمية، وكان متقنًا للعربية، فكيف يقول هذا الكلام الذي يهبط إلى مستوى العامة أو أقل - د. حلمي عبد المنعم. جـ2/265»، وأحسب أن الأستاذ الدكتور لو تمعَّن قليلاً، أو رجع لبعض مصادر التراث الأدبي قبل أن يدلي بهذا التعليق، لما تورط به، فأولاً: القصيدة لأبي حامد الغزالي، لا مراء في ذلك، وهي في ديوانه، وعدتها ستة وعشرون بيتًا، وسنوردها بتمامها، مع التوثيق، عند عرض الأشعار، بإذن الله، وقد أخطأ بلجريف في نسبتها لأخيه أحمد (أبي الفتوح)، وثانيًا: أين التنافي بين أن يكون أبو حامد «موسوعة علمية، ومتقنًا للعربية»، وأن يكون له شعر ضعيف؟ أم إن الدكتور لم يخطر بباله أنَّ ضعف الشعر نتيجة حتمية لسقم الترجمة؟ ثم ألا نميز بين شعر الشعراء وشعر العلماء والفلاسفة؟ والأهم من هذا كله هو أن هذه القصيدة من الشعر العامي، وأضيف إلى علم من لا يعلم من القراء الأفاضل أن أغلب معاني هذه القصيدة - ولاسيما الفكرة المحورية فيها - مسروق من قصيدة للحلاج، كما سنرى لاحقًا(26).

الترجمة ودقتها

لا أجد حرجًا في إدخال هذه الترجمة في باب الطرائف الأدبية، سواء في التاريخ، أم العقائد، والأدب، والجغرافيا، واللغات، ونظرًا لكبر حجم الكتاب فإنني أعد القارئ بالمزيد قبل أن نصل إلى جدول الأخطاء في أسماء البلدان، وإذا كانت المنهجية تقتضي أن نعطي القارئ وصفًا للترجمة وأسلوبها ودقتها، فإن الإنصاف يقتضي أن نعطي الفرصة للترجمة نفسها كي تعطي لنفسها الوصف الذي تختار، وترسم للقارئ التصور الذي يطلب، فلا شك أنها الأقدر على التقويم والتقدير من أي شخص خارج عنها، لذا سأترك الحديث للنصوص وحدها مع بعض التعليقات التوضيحية إن لزم الأمر، ولنبدأ بهذا النص: «ويبدو أن هذه القبائل المسيحية، بقيت على دينها، عندما تقاوم غزو القوات الأموية، ومعروف أن عشيرة بدر Bedr التي تنتمي إليها (سلالة أجاع Aja الشرقية)، كانت كلها مسيحية عن بكرة أبيها. جـ1/148». فمن هي سلالة «أجاع» هذه؟ لنأخذ أصل النص المترجم في لغته الأصلية، ونقرأ: «The clan of Bedr to whom belonged the easterly range of Aja, was entirely chrestian». الأصل جـ1/ 119. أرأيت؟! سلسلة جبال أجا الشرقية تحولت في الترجمة إلى «سلالة أجاع الشرقية»، وفي ما يتصل بالتاريخ الإسلامي وشخصياته يأتي الحديث عن شخصية وهبها المترجم اسمًا رائعًا لن تصادف أروع منه في الأسماء العربية، إلا في هذه الترجمة. لنقرأ: «وبناءً على ذلك فقد لجأ إلى الأحساء كل أتباع مسيلمة التي تم نفيهم، كما لجأت إليها أيضًا كل قوات أبو النعامات القطري المدحورة، كما لجأ إليها أيضًا جنود شبيب أبو الذُّوقحاك، كما لجأت إليها أيضًا فلول معجزات وقلعة عطا الخرسانى الذي اشتهر بالمقنَّع أو إن شئت فقل النبي المقنَّع. كما لجأ إلى الأحساء أيضًا أناس كثيرون لهم أيضًا عقائد ومصائر مماثلة، ومعروف أن كل جماعة من هذه الجماعات التي توالى وصولها إلى الأحساء كانت تحمل المزيد من العداء للإسلام بصفة عامة، وكراهية البدو أمرُّ للعقيدة المحمدية والحكم المحمدي. جـ2/166»، هذه الفقرة هي تعريب للفقرة التالية في النص الإنجليزي:

«IN Hasa Accordingly, the exiled disciples of Moseylemah, the broken troops of Aboo- Na’àmat- el-Kataree, the soldiers of the heroic Shebeeb-aboo-ed-dohàk, the scattered survivors of the Podigoies and castle of ata- el- khorassànee (more famous by his title of Mokannaa’, or the “veild” proohet ) - all these, and many others of analogous belief and fortunes, took secure refuge, while each successive band brought with it fresh enmity to Islam, and bitterer hatred against the Mahometan system and rule» جـ2/143.

هل بقي شك في أننا، في هذه الترجمة، أمام أسماء سديمية؟ حقيقة لا أحب التعليق بشيء على الترجمة، فهي، كما قلت، تتحدث عن نفسها بصدق؛ خصوصًا في ترجمتها لصيغة: «scattered survivors of the Prodigies and castle of ata -el- khorassànee» بمثل هذه الترجمة: «فلول معجزات وقلعة عطا الخرساني»، بدلاً من: (فلول العباقرة الناجون)، وأما «البدو» فلا أدري كيف حشروا من دون أن يرد لهم ذكر في الأصل، كما ترى، وعلى كل حال فإن الإحساس بحق القارئ، وواجب احترامه يحتم عليَّ ألا أتركه متحيرِّا مع «أبو الذوقحاك» هذا، لذا فلا بد أن أبين أنه هو أبو الضحاك، شبيب بن يزيد بن نعيم الشيباني الخارجي؛ خرج على عبد الملك بن مروان، وله وقائع معلومة مع الحجاج بن يوسف الثقفي، والي الأمويين على العراق(27)، ومن الطرائف المتداولة بين الأدباء بيت من الشعر تضمن ذكره فصار لغزًا لغويًّا يمتحن به الأدباء قوَّة عارضة أقرانهم في النحو، وهو من قصيدة لأحد الشراة اسمه عتبان بن أصيلة، يزعمون أن عبد الملك بن مروان هدر دمه بسبب ذلك البيت، وهو:

فمنَّا سُويدٌ والبطين وقَعنب

ومنَّا أمير المؤمنين شبيب

فلما أحضِر بين يديه صرخ به: «أتزعم أن للمؤمنين أميرًا غيري يا عدو الله؟» ثم قرأ البيت برفع (أمير)، فقال عتبان: «من بلغك الشعر ألحن فيه، إنما هو بنصب (أمير)، فخلاَّ سبيله». ويعرف أهل اللغة؛ أن نصب «أمير» تحيلها نداءً بدل الخبر، أي (يا أمير المؤمنين). ومعذرة عن هذه الخرجة، فقد أوجبتها شهرة شبيب هذا.

ولهذا الخارجي قرين وردت كنيته في الفقرة السالفة هكذا: (Aboo- Na’àmat-el-Kataree) صيرته الترجمة: (أبو النعامات القطري)، وأما اسمه فقد أورده المؤلف بهذه الصورة: (Dja’oonat-el- Kataree. جـ2/145)، وفي الترجمة (جاعونات القطري. جـ2/168)، هذه الكنية والاسم هما لشاعر خارجي ذائع الصيت، ولا أظن القارئ يحتاج لمن يدله عليه، لكنني آثرت إرجاء الكشف عنه - لمن لم يفطن له من القراء - إلى حين الحديث عن الشعر، فقد أورد المؤلف له شعرًا مأثورًا، وسنلم به. ومما طاله التشويه، كذلك، قبيلة (مدحج) Madhej، حيث صارت (مضج)، والسواحل صارت (صواحيل)، ووائل تحوَّل إلى (وعيل)، وقُصَي (Kosey) حرف إلى (قصيع)، وأما الشنفرى (Shanfara)، فحتى شهرته وزعامته للشعراء الصعاليك لم تشفعا له أو تحمِياه من أن يُحوَّل إلى (الشنفراع)، إلى غير ذلك من أخطاء فادحة تجاوزت أسماء الأعيان، والبلدان حتى شملت الأسماء العربية الشائعة المتداولة إلى يوم الناس هذا؛ مثل (سالم Salem جـ 1/41) ترجم إلى (سليم)، بل تعدى الأمر إلى الإملاء، والنحو، والأسلوب البنائيِّ، إلى كثير مما سوف نقابله في القادم من السطور، ويبدو أن هذا الكتاب خليق بهذه الترجمة، إذ لم يكن ينقصه إلا هي «لتكمل الناقص»، كما يقول المثل الشعبي، فليت شعري ما الذي أغرى السيد المترجم بهذا الكتاب حتى يجهد نفسه في ترجمته بهذه الصورة البائسة، والتساؤل، أيضًا، يتجه إلى المجلس الأعلى للثقافة بمصر عن دافع إضافة هذا الكتاب الرديء إلى قائمة الكتب التي أنجز ترجمتها ضمن مشروعه القومي الرائد؟ وأنا، هنا، أعني «مجلسًا أعلى للثقافة» في أكبر وأعرق قلاع الثقافة العربية والحضارة الإسلامية وحصونها، وهي مصر العزيزة.

أجاعت أجا وشومرت شمر، وقلحطت قلهات

عنوان هذه المقالة يقول: (ترجمة تحتاج إلى ترجمة)، وأكرر ما قلته سابقًا من أن الترجمة هيأت لنا عالمًا سديميًّا لا يمكننا الوصول إليه (إلا بسلطان)، وبرهان هذا العالم عنوان هذه الفقرة، فالذي أقطع به أن ياقوتًا الحموي والبكري، وأبا علي الهجري، والمقدسي، والسكوني، والهمداني، ومن لفَّ لفهم من الجغرافيين والسمعاني، وابن عنبة وأضرابهما من النسابين لن يهتدوا لـ(أجاع)، ولا لـ(شومر)، و«(قلحاط) التي تنطق “قلحوط”، أيضًا»، ولو استعانوا بالقطا الكدري، وهداهد النبي سليمان (C) كلها، وأصارح القارئ الكريم بأنني لولا أن تكرم المترجم الفاضل بكتابة اسم «أجاع» بالحروف الإنجليزية هكذا: Aja، لما عرفت المقصود منه. «أجأ»، وغالبًا ما يرِد مقترنًا بجبل آخر اسمه سلمى - من أشهر الجبال في الجزيرة العربية، وقد أكثر الشعراء من ذكرهما، فهلم بنا إلى شيء مما قالوه في هذا الجبل، على سبيل الترويح، في هذه الرحلة الشاقة المضنية، فمن ذلك قول العديل بن الفرخ العجلي(28):

فلو كنتُ في سلمى أجا وشعابها

لكان لحجّاجٍ عليّ دليلُ

وقول مهيار الديلمي(29):

حتى يَرى سلمَى هَوَى

وأجـــــــــــأً تحــــــــوَّلا

وقول قبيصة بن جابر الجرميِّ(30):

لنا الحصنان من أجأٍ وسلمى

وشرقياهما غــــير انتحــالِ

وقول بشار بن برد(31):

كَأَنَّ جَناباوَيهِ مِن خَمِسِ الوَغى

شَمامٌ وَسَلمى أَو أَجاً وَكَواكِبُه

وقول زيد الخيل(32):

جلبنا الخيل من أجإٍ وسلمى

تخبّ نزائعاً خبب الذّئاب

هذا بعض ما قيل في الجبلين مقترنين، أما «جبل أجأ» منفردًا فمجيئه في الشعر أكثر، فمنه قول امرئ القيس(33):

أَبَتْ أَجَأٌ أَن تُسلِمَ العامَ جارَها

فَمَن شاءَ فَليَنهَض لَها مِن مُقاتِلِ

وقول لبيد بن أبي ربيعة(34):

كَأَركانِ سَلمى إِذ بَدَت وَكَأَنَّها

ذُرى أَجَإٍ إِذ لاحَ فيها مُواسِلُ

وقول جرير(35):

أَعَنّاباً تُجاوِرُ حينَ أَجنَت

نَخيلُ أَجاً وَأَعنُزُهُ الربابا

وقول كثير عزة(36):

وَلَو نَزَلَت مِثلَ الَّذي نَزَلَت بِهِ

تَرَكنَ المُذَرّى مِن أَجا يَتَصَدَّعا

أجأ - وفي اللهجة بكسر أوله، وتسهيل الهمزة في آخره(37)- جبل مشهور في حائل، وهو أحد جبلي طي. أما قلحاط أو قلحوط فالصواب: (قلهات)، وهي مدينة وميناء تقع في المنطقة الشرقية بولاية جعلان، بني بو علي، وهي من أقدم المدن والموانئ في سلطنة عمان(38). تبقى قبيلة شمَّر التي يترجمها إلى (شومر) فهذه يكفيها شهرة انتشارها في طول الكتاب وعرضه حتى كادت تستغرقه كله، تمامًا كانتشارها في شرق وشمال الجزيرة من الأحساء والقطيف حتى العراق والشام فضلاً عن مركزها الرئيس في حائل.

أعجب العجائب في هذه الترجمة أن يكون مؤلفها - على ما سنرى من جهله بالكثير من المواضيع التي طرقها - أكثر علمًا وإحاطة من المترجم، وممن استعان بهم من الأساتذة المتخصصين في كثير من المضانِّ والأحوال، وأنا لن أثقل على القارئ بالإكثار من الشواهد في هذا الباب، وسأكتفي بمقتبسين اثنين فقط، أولهما: «كان يعيش في معقل الدرعيَّة هذا، سعود ولد عبد العزيز ولد سعود الكبير أول مؤسس لمنطقة الدرعية، والمنحدر من عشيرة عنيزة، ليست عنيزة سوريا بالطبع، ولكنها فرع من ربيعة الفريسي Rabee’aà’l- feres من خلال أسد Asad، وأقرب الأقارب إلى كلٍّ من وعيل وتغلب. جـ1/432». ما وقع في ترجمة هذه الفقرة من الأخطاء، يقينًا، لا يخفى على فطنة القارئ، فهو لا يجهل أنَّ العشيرة التي سماها المترجم (عشيرة عنيزة)، هي (قبيلة عَنَزة)، و(ربيعة الفريسي) هي (ربيعة الفرس)، و(وعيل) هو (وائل)، لكن ينبغي الاعتراف بأن بلجريف أثبت، هنا، أنه يعلم ما لا يعلمه المترجم أو من استعان بهم من زملائه الدكاترة، ففي حين يذكر المؤلف تسلسل نسب (عَنَزة) بصورة دقيقة وصحيحة، نرى المترجم يخطئ في ترجمة الأسماء هذا الخطأ الفادح، وعلى كل حال فعُنيزة بلد معروف في القصيم في وسط جزيرة العرب، أما التي عناها بلجريف فهي قبيلة (عَنَزة)، وهي تنتسب إلى أسَد بن «ربيعةِ الفَرَس» بن نِزَار بن مَعدّ بن عَدْنان(39)، وربيعة هذا أضيف إلى الفرس لكثرة خيله، وهذا أمر مشهور، وأما من ترجمه إلى «وعيل» فهو: وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن مَعدٍّ بن عدنان.

المقتبس الثاني هو قول المؤلف: «وإذا كانت منطقة القصيم هي المنطقة الوحيدة في وسط الجزيرة العربية، التي لها اسم راسخ في الحضارة والثروة، فهي أيضًا نقطة بداية ومسرح لكثير من الحروب، أو إن شئت فقل، إنها هي الوحيدة التي شهدت حشودًا عسكرية للجيوش بأعداد كبيرة، في هذه المنطقة من جنوب القصيم. حدد لي رفاقي في القافلة الأماكن التي كان يمارس فيها «كليب وعيل» هواية الصيد (القنص)، غابة الجديدة New Forest (؟) التي أدت إلى نشوب حرب البسوس التي قضت على أعداد كبيرة من عشيرتي تغلب وبكر. جـ1/280 - 281».

«كليب وعيل»، هكذا مَرَّة واحدة - كما يعبِّر الأخوة المصريون عند استغرابهم من قول أو رأي غريب - بل وحتى اقتران اسم «كليب وعيل» هذا بقبيلتي بكر وتغلب، وحرب البسوس التي نشبت بينهما لم يُنَبِّه أحدًا من السادة المراجعين؟ يقينًا إنهم سوف يجدون أبواب العذر لدى القراء مشرعة أمامهم لو انَّ هذا الاسم من الأسماء الغامضة، أو النادرة، لكن ما عسانا نقول وهو من أكثر الأسماء شهرةً؟ ومن ذا الذي يجهل «كليب وائل»، وقصة حربه الشهيرة (حرب البسوس)، مع تغلِب؟ إنَّ حرب البسوس قل أن يخلو من ذكرها مصدر من مصادر التراث، لكن الإلماع إليها لا يخلو من فائدة.

وعيل هذا صوابه: وائل، وأما تلقيبه بكليب فمن اتخاذه «جروَ كلبٍ» كان يضعُه في المرعى، فحيثما سُمِع نباحه فهو حمى لوائل، لا يحق لغيره أن يُرعيَ إبلَه فيه، وكان قد حمى مرعى من أرض العالية في أنف الربيع، فلم يكن يرعاه أحد غيره إلا إبل جساس لمصاهرة بينهما، وكانت «بسوس بنت منقذ التميمية»، خالة جسَّاس بن مرة بن ذهل الشيباني، لها جار من جُرم يقال له سعد بن شمس، وكانت له ناقة تسمى «سراب»، فخرجت سراب، ناقة الجرمي، في إبل جسَّاس ترعى في حمى كليب، ونظر إليها كليب فأنكرها، فرماها بسهم، فاختل ضرعها، فولت حتى بركت بفناء صاحبها وضرعها يشخب دمًا ولبناً، فلما نظر إليها الجرمي صرخ واذلاه! فخرجت البسوس ونظرت إلى الناقة، فلما رأت ما بها ضربت يدها على رأسها ونادت: واذُلاَّه! ثم أنشأت تقول:

لعمرك لو أصبحت في دار منقذ

لما ضيم سعد وهو جار لأبياتي

ولكنني أصبحت في دار غربة

متى يَعْدُ فيها الذئب يَعْدُ على شاتي

فيا سعد لا تُغْرَرْ بنفسك وارتحل

فإنك في قوم عن الجار أمواتِ

ودونك أذوادي فإنِّيَ عنهم

لَراحلة لا يُفقدوني بُنَيَّاتي

فلما سمع جساس قولها سكَّنها وقال: أيتها المرأة، ليُقتَلُنَّ غداً جمل هو أعظم عَقراً من ناقة جارك. ولم يزل جساس يتربص بكليب حتى ظفر به فقتله، فكان هذا سبب نشوب الحرب الشهيرة بين القبيلتين(40).

(1) انظر: http://ar.wikipedia.org

(2) الموسوعة الثقافية بموقع وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد السعودية: http://alaminbar islam.com

(3) قلب جزيرة العرب، هاري سانت جون فيلبي، ترجمة د. صلاح علي محجوب، مراجعة د. فهد بن عبد الله السماري، ود. محمد الخضيري، ود. عبد الله المنيف. وأ. عبد الرحمن الشقير، نشر مكتبة العبيكان، الرياض، الطبعة الأولى، 1423هـ 2002م، جـ2/168 - 220.

(4) الطريق إلى الجزيرة العربية، د، راشد شناز، الدار العربية للموسوعات، بيروت، ط1، 1427هـ، 2007م، ص: 103.

(5) PERSONAL NARRATIVE OF A YEARS JOURNEY THROUGH CENTRAL AND EASTERN ARABIA (1862-63) , BY WILLIAM GIFFORD PALGRAVE, MACMILLAN AND CO., LIMITED, ST. MARTIN’S STREET, LONDON, 1908.

(6) الرحالة الغربيون في الجزيرة العربية، روبن بِدْوِل، ترجمة د. عبد الله آدم نصيف، جامعة الملك سعود، الرياض، 1409هـ، 1989م، ص: 74.

(7) الأولى، نشرت بالعدد: 11، السنة 1، ص: 982 - 990، بعنوان: (الرياض قبل مئة عام - في نظر رحالة إنجليزي)، والثانية بعنوان: (رحالة غربي يتحدث عن مدينة حايل من قبل مئة عام)، نشرت بالعدد: 12، السنة 1، ص: 1112 - 1135.

(8) الدار العربية للموسوعات، بيروت، ط 1، 1427هـ، 2007.

(9) New Dilhi: milli publication, 2003.

(10) الرحالة الغربيون في الجزيرة العربية، سبق ذكره.

(11) قلب جزيرة العرب، جزءان، مر ذكره.

(12) جريدة الجزيرة السعودية، في أربعة فصول، الأول والثاني منها بعنوان: (الرحالة بلجريف في سدير) بالعددين: 10252، الاثنين 26, رجب 1421هـ، و10253، الثلاثاء، 27, رجب 1421هـ، والثالث بعنوان: (رحلات بلجريف في سدير) في العدد: 10288، الثلاثاء، 2, رمضان 1421 هـ، والرابع بعنوان: (رحلات بلجريف إلى سدير): 10298، الجمعة، 12 رمضان1421هـ، وجميعها في الطبعة الأولى من الجريدة.

(13) جريدة الرياض؛ في حلقتين؛ الأولى بالعدد: (12385)، وتاريخ 22/5/2002، 10/3/ 1423هـ، والثانية بالعدد (12399)، وتاريخ 5/6/2002م، 24/3/1423هـ.

(14) الموسوعة الجغرافية للأماكن بالمملكة العربية السعودية، إعداد الجمعية الجغرافية السعودية، نشر وزارة التعليم العالي، قرص مدمج: CD، نقلاً عن المعجم الجغرافي للبلاد السعودية، معجم مختصر، تأليف الشيخ حمد الجاسر.

(15) Narrative of a Year’s Journey through Central and Eastern Arabia (1862-1863), Macmillan & Co, London, & Cambridge, 1866، 3rd addition, Vol. 1, pp: 95.

(16) الموسوعة الجغرافية للأماكن. مرجع سبق ذكره، نقلاً عن المعجم الجغرافي للبلاد السعودية، شمال المملكة، تأليف الشيخ حمد الجاسر.

(17) نفسه، ص: 75.

(18) الرحالة الغربيون في الجزيرة العربية، مرجع سبق ذكره، ص: 74.

(19) المجلد الثالث عشر، العدد الثاني، (رجب - ذو الحجة 1428هـ، يوليو - ديسمبر - 2007م).

(20) الإباضية: فرقة نسبت إلى عبد الله بن إباض، وتقابل الأزارقة، والصفرية، قاموا بثورات عديدة منذ العهد الراشدي، واشتد نشاطهم ضد الأمويين، ومن أهم ثوراتهم ثورة عبد الله بن يحيى 129هـ 747م، بسطوا نفوذهم على اليمن وحضرموت، وثاروا على السفاح في عمان سنة 133هـ، 751م. انتشر فكرهم الديني في شمال إفريقيا، خصوصًا بين البربر. أسسوا الدولة الرستمية في المغرب سنة 144- 296 هـ/761 - 908م. راجع هذه المادة في (المنجد في الأعلام)، دار الشرق، بيروت، الطبعة الحادية عشرة، بدون تاريخ، وللمزيد راجع على شبكة الأنترنت: ويكيبيديا، الموسوعة الإلكترونية الحرة.

(21) النبط، أو الأنباط: قبائل عربية بدوية مترحلة، ظهرت أول مرة في التاريخ عندما صدت هجمات القائد السلوقي أنتيغوس 312 ق، م، استوطنت جنوب فلسطين منذ القرن 4 ق، م، واتخذت البتراء، مدينة الأدوميين، عاصمة لها، اشتهر من ملوكها الحارث 1، و2، 3، وعبيدة 1. قضى عليها الإمبراطور ترايانس 106 ميلادية. تنتمي حضارتها إلى الفترة الهلنستية. راجع: المنجد في الأعلام، مرجع سبق ذكره، ص: 706.

(22) راجع: موسوعة المورد. منير بعلبكي. دار العلم للملايين. ط 1، بيروت، 1980. جـ 2/97. وقاموس Thorndike Barnhart high school dictionary 5th edition, - لم يذكر الناشر ولا المطبعة ولا التاريخ، وانظر أيضًا: , New Webster’ Dictionary of the English Language. Deluxe Encyclopedic Edition. Belair, & Encyclopedia Britannica 99 CD and Encarta Encyclopedia 2002 CD.

(23) اللخميون (بنو لخم)، أو المناذرة، قبيلة عربية يمنية، نزح بعضها إلى شمال جزيرة العرب، وسورية وفلسطين، أسست الدولة اللخمية في الحيرة، تواصلت الحروب بينها وبين الغساسنة، اعتنقت المسيحية ولكنها تحالفت مع الإمبراطورية الفارسية، آخر ملوكها النعمان الثالث (602م)، انتقلت إلى الإسلام بعد الفتح العربي. راجع: المنجد في الأعلام، مرجع سابق، ص: 612.

(24) المنجد في الأعلام، مرجع سابق، ص: 134.

(25) للوقوف على مصادر ترجمته، راجع معجم المؤلفين، عمر رضا كحالة، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لم يذكر رقم الطبعة ولا تاريخ الطبع، جـ2/147.

(26) ديوان الحلاَّج، حسين بن منصور بن محمي البيضاوي، صنعه وأصلحه أبو طريف، كامل مصطفى الشيبي، الطبعة الثانية، منشورات دار الجمل، بيروت، 1997م، ص: 108.

(27) وفَيَات الأعيان، ابن خلكان، أحمد بن محمد بن أبي بكر، تحقيق إحسان عباس، دار صادر بيروت، لم يذكر رقم الطبعة ولا تاريخها، جـ2/454.

(28) الكامل في اللغة والأدب، محمد بن يزيد المبرِّد، كتب هوامشه نعيم زرزور، وتغاريد بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1407هـ 1987م، مجـ1 جـ2/406.

(29) ديوان مهيار الديلمي، سلسلة روائع التراث العربي، دار الكتب المصرية، القاهرة، الطبعة الأولى، بدون تاريخ، مجـ2/ جـ2/146.

(30) التذكرة السعدية في الأشعار العربية، محمد بن عبد الرحمن بن عبد المجيد العبيدي، تحقيق الدكتور عبد الله الجبوري، الدار العربية للكتاب، ليبيا - تونس، 1981م، ص: 90.

(31) ديوان بشار بن برد، تقديم وشرح وتكميل محمد الطاهر بن عاشور، علق عليه ووقف على طبعه محمد رفعت فتح الله، ومحمد شوقي أمين، نشر وطبع لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1269هـ 1950م، لم يذكر رقم الطبعة، جـ 1/320.

(32) الكامل في اللغة والأدب، مرجع سابق، مجـ1 جـ2/406.

(33) ديوان امرئ القيس، سلسلة ذخائر العرب، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة، بدون تاريخ، ص: 95.

(34) ديوان لبيد بن أبي ربيعة العامري، دار صادر، بيروت، لم يذكر رقم الطبعة ولا تاريخها، ص: 135.

(35) شرح ديوان جرير، تأليف محمد إسماعيل بن عبد الله الصاوي، مضافًا إليه تفسيرات محمد بن حبيب، سلسلة “من التراث العربي”، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، 1353هـ، لم يذكر رقم الطبعة، جـ1/63.

(36) ديوان كثير عزة، شرحه عدنان زكي درويش، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى، 1994م، ص:152.

(37) انظر: الموسوعة الجغرافية للأماكن بالمملكة العربية السعودية، مرجع سابق، نقلاً عن المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية - شمال المملكة، للشيخ حمد الجاسر.

(38) قلهات: ميناء في سلطنة عمان كانت في القرن الثالث عشر الميلادي الميناء التجاري الرئيسي الرابط مابين الداخل والخارج، واشتهرت - كما وصفها ابن بَطُّوطة في القرن الرابع عشر - بأنها مركز تصدير الخيول، ومنها يتم استيراد البهارات، ومن الآثار التاريخية المتبقية في (قلهات) ضريح (بيبي مريم) المزخرف من الداخل، ويعتبر هذا الموقع من المواقع الأثرية المهمة. أنظر على الأنترنت، موقع وزارة الأعلام بسلطنة عمان، الرابط:

http://www.omanet.om/arabic/tourism/tourism25.asp?cat=tour&subcat=tou2

(39) انظر: الاشتقاق لابن دريد، الموسوعة الشعرية، الإصدار الثالث، لعام 2003م، إعداد المجمع الثقافي، الإمارات العربية، قرص مدمج. CD.

(40) انظر: مجمع الأمثال، أبو الفضل، أحمد بن إبراهيم الميداني النيسابوري، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار المعرفة، بيروت، لم تذكر رقم الطبعة ولا تاريخها، ص: 374 وما بعدها.
مدير التحرير
323562