سيّدة المدائن..
قِبلة الدُّنيا وَمَركز العالَم ومرآة الجمال والجلال خصوصيّة مَكان وَ عبَقٌ فِي كلِّ زمَان
شيرين محمد شاكر علي - 20 / 5 / 2008م - 3:14 م - العدد (48)

أوّبي يا جبال مكَّة للذكـ        ـرى جلالاً وكبِّري للعيدِ
وأطلّي على حمى الكعبة الغـ     ـرَّاء إطلالة الرفيق الودودِ
وانظري للوفود من كلِّ فجٍّ       قد تلاقت كريمة بالوفودِ*

تمهيد

مكَّة المكرَّمة.. مهوى أفئدة مليار مسلم ونيّف في شتى أصقاع الأرض.. مهبط الوحي الإلهي، وموقع المسجد الحرام وكعبته المشرّفة.. مقصد ملايين الحجاج والمعتمرين والزائرين، وأقدس بقعة على وجه الأرض.

أسماء مكة:

خصَّ الله عز وجل مكّة في كتابه العزيز بكل تكريم فقال: ﴿وهو الذي كفَّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة.. الفتح: 24. وذكرها بأسماء عديدة بلغت أحد عشر اسماً(1). ومن هذه الأسماء: (بكّة) (2) و(البلد الأمين)(3). و(أم القرى)(4). و(معاد)(5).

كما أشار الله تعالى إلى مكة في مواقع أخرى بأسماء عديدة، وأقسم بها، وأعطاها مكانة لا تحظى بها أية مدينة في الدنيا. ومن أسماء مكة: الحاطمة؛ لأنها تحطِّم من استخفَّ ويستخفُّ بها(6).

أمَّا أول ذكرٍ لمكة، فقد ورد عن بطليموس، الذي عاش في القرن الثاني الميلادي؛ حيث قال عنها (مكربة) macroba. وذهب الباحثون إلى هذه المدينة ما هي إلا مكة المكرمة(7).

و شاء الله عز وجل أن تكون الكعبة المشرفة فيها، وأن يكون المسجد الحرام فيها، فكانت لهذه المشيئة آثارها ونتائجها. وفي ظاهر مكة نزل الوحي الإلهي على رسول الله ﷺ بأول سور القرآن الكريم(8). وتوالى الوحي بعد ذلك؛ حتى عُرفت بعض آيات القرآن وبعض السور بـ: المكية(9). وهي التي نزلت في مكة.

وفي أرض مكة وبطاحها كان جهاد الأوائل في مواجهة الشرك والضلال: ﴿وإذ بوّأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً وطهِّر بيتي.. الحج: 26. وفيها كان نصر الله تعالى لرسوله محمد (صلى الله عليه وسلم) وللمؤمنين يوم فتحوها في العام الثامن للهجرة ظافرين منتصرين، وإلى كعبتها المشرفة يتجه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها في صلواتهم مرات ومرات في اليوم والليلة، وبالطواف حولها يبدؤون حجَّهم، وبه ينهونه.

وثبت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قوله: «واللهِ إنكِ لخير أرض وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت»(10). وقد أحسن من قال:

يا مكةَ المجد الرفيعِ وقلعة الـ
ـأحرارِ.. نالوا في هواكِ المفخرا
و تجرَّعوا كأس العذاب فأدركوا
خلفَ العذاب من الحلاوة سكَّرا
دكّوا القيودَ على صخورِ عزيمةٍ
من روحهم حتى احتووك تحرّرا

ومن العلماء مَن ذهب إلى استحباب المجاورة بمكة المكرمة، كالإمام الشافعي رحمه الله، والإمام أحمد رحمه الله، وغيرهما.. وذلك لما يحصل فيها من ثواب لا يتحقق في غيرها.

لو لم تكن خير البقاع جميعها
ما كان بيت الله فوق ترابها

المساحة والسكان.. الموقع والحدود:

تبلغ مساحة منطقة مكة المكرمة 150 ألف كم مربع، ويصل عدد سكانها إلى حوالي مليون نسمة، وهي ثالث المدن السعودية من حيث عدد السكان، وهي مدينة تهامية تقع في الجهة الغربية من المملكة على سلسلة جبال «السروات» المحاذية للبحر الأحمر، وأهم سبل الوصول إليها من الغرب مدينة جدة، ومن الجنوب الشرقي مدينة الطائف، وإلى الشمال منها تقع المدينة المنورة(11).

وقد ورد أن جبريل - عليه السلام - أقام إبراهيم عليه السلام على حدود الحرم، وأمره أن ينصب عليه الحجارة، وكان أول من أقام أنصاب الحرم، وهي الحد الفاصل بين الحل والحرم، وبعد فتح مكة، بعث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تميم بن أسد الخزاعي، فجددها، واستمر خلفاء المسلمين وأعيانهم يجددونها(12).

مِن ذاكرة التاريخ:

- في عام الفيل(13) هجم أبرهة الحبشي بجيشه على مكة المكرمة.

- تولَّى قصي بن كلاب حكم مكة، وجعل دار الندوة التي أنشأها مركز حكمه.

- قبل مبعث الرسول (صلى الله عليه وسلم) أصاب الكعبة حريق صدع بنيانها، فحارت قريش في مسألة من يعيد الحجر الأسود إلى مكانه، فاحتكموا إلى أول من دخل عليهم، وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فاتفقوا على تحكيمه في عدالة ترويها كتب السيرة(14)

- سنة 64هـ احترقت الكعبة بسبب الحرب بين ابن الزبير الذي تحصَّن داخلها، وقائد يزيد الحصين بن النمير ـ الذي رمى الكعبة بالمنجنيق. وتكرر ذلك سنة 73 هـ على يد الحجاج.

- سنة 317هـ قطع القرامطة الطريق على الحجاج، ونهبوا الحجر الأسود من الكعبة ونقلوه إلى البحرين ثم أعادوه.

- بين سنتي 951 - 968هـ حكم الموسويون الشرفاء مكة المكرمة.

- زادت أهمية مكة مع كثرة الوافدين إليها، فكثرت أسواقها بعد أن كان سوق عكاظ أهم أسواقها.

- في 17/ 3 / 1343هـ دخل الملك عبد العزيز إلى مكة وهو محرم، وخطب في الناس الذين تجمَّعوا لاستقباله(15). ومنذ ذلك الوقت ومكة المكرمة تعيش نهضة علمية واجتماعية وثقافية واقتصادية(16).

- ومن أماكن مكة الشريفة: مولد الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ودار السيدة خديجة رضي الله عنها، ودار الأرقم، ومولد السيدة فاطمة رضي الله عنها، ومولد الإمام علي كرَّم الله وجهه، وقبر آمنة بنت وهب..

سرَّة الأرض:

لقد ثبت أن مكة المكرمة هي مركز الكرة الأرضية، وقد أثبت ذلك العالِم الدكتور حسين كمال الدين(17) أثناء دراسته لمواقيت الصلاة في العالم، فقام بالإسقاط المساحي المكي للعالم، وهو البحث عن خرائط مرسومة بطريقة خاصة تساعد على معرفة اتجاه القِبلة للصلاة في أي مكان على سطح الأرض، وعندما تمَّ توزيع حدود القارات السبع على خريطة الإسقاط، وجد أن الحدود الخارجية لجميع هذه القارات تشكل محيط دائرة واحدة مركزها عند مدينة مكة المكرمة(18).

الكعبة المشرَّفة
:

أول من بنى الكعبة المشرفة هو آدم ، وتختلف الروايات عن كيفية البناء، والكعبة المشرفة مقابلة للبيت المعمور الموجود في السماء السابعة الذي يطوف به كل يوم سبعون ألف ملك. وبعد طوفان نوح طمست معالم الأرض وبقيت قواعد الكعبة موجودة، إلى أن جاء الأمر لإبراهيم وابنه إسماعيل [عليهما السلام] ببناء الكعبة، وذلك عام 1892 قبل الميلاد. وكان عمران مكة القديم محصوراً بين الأخشبين: جبل أبي قبيس المشرف على الصفا، والجبل الأحمر الذي يشرف على جبل قعيقعان(19). قال تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي ذرع عند بيتك المحرَّم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليه إبراهيم: 37. وقد استجاب الله هذا الدعاء، فعندما نفد ما كان لدى إسماعيل ووالدته هاجر من ماء وزاد، تفجَّر ماء زمزم، ووفدت القبائل إلى ذلكم المكان(20). واهتم الناس بعد ذلك بالكعبة وكسوتها وسقاية الحاج، وقد هدمت الكعبة في العهد العثماني من أثر السيول، وتمَّ بناؤها بالشكل الحالي. ويرتفع باب الكعبة عن أرض المطاف حوالي 2.25م. والباب الموجود الآن هو هدية الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله بتكلفة زادت على 13 مليون ريال، وهو من الذهب الخالص.

* أمَّا كسوة الكعبة فهي من الحرير الخالص، ويزينه آيات قرآنية مطرزة بخيوط فضية ملبسة بالذهب تزن 120 كيلو غراما. ويبلغ ارتفاع الكسوة 14 متراً، وعرضها 47 مترا. وتستبدل الكعبة ثوبها مرة واحدة كل عام، فيما يتم غسلها بماء زمزم وماء الورد مرتين في العام، وقد تمَّ ترميم جدار الكعبة من الخارج ترميماً شاملاً عام 1416هـ.

 ويقع الحجر الأسود في الركن الجنوبي للكعبة، ويرتفع عن الأرض متراً ونصف المتر على مسافة غير بعيدة من باب الكعبة، وهو ياقوتة من يواقيت الجنة. وفي رواية الصحيحين: «الحجر من البيت». والبيت دعامة الإسلام.

أما الركن اليماني فهو أحد أركان الكعبة المشرفة في اتجاه الجنوب الغربي، وهو يستلم ولا يقبَّل، وذكر ياقوت الحموي(21) أن ابن قتيبة قال: إن رجلاً من اليمن هو الذي بناه يُقال له: أُبيّ بن سالم.

أما مقام إبراهيم فهو الحجر الأثري الذي قام عليه إبراهيم (عليه السلام) عند بناء الكعبة لما ارتفع البناء، وهو «من جوهر الجنة»(22). وكان المقام من عهد إبراهيم لزق البيت، إلى أن أخرَّه عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) إلى المكان الذي هو فيه الآن(23). ويشرع بعد الطواف صلاة ركعتين خلف المقام. قال تعالى: ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلَّى. وجنوب هذا المقام تقع بئر زمزم(24). وماء زمزم مبارك، وهو شراب الأبرار. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ماء زمزم لما شُرب له».

أمَّا حِجْر إسماعيل (عليه السلام) فهو الحائط الواقع شمال الكعبة المشرفة على شكل نصف دائرة، ولم يثبت أن إسماعيل مدفون بالحجر. والملتزم هو مكان الالتزام من الكعبة فيما بين الحجر الأسود وباب الكعبة، وذرعه أربعة أذرع. والالتزام هو أن يضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه بين الركن والباب، ويتضرع إلى الله، اقتداءً بهدي رسول الله وأصحابه من بعده.

خامس الأركان:

قال تعالى: ﴿وأذِّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق الحج: 27. وقال: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد.. المائدة: 97.

عندما يقف الحاج أمام الكعبة فهو يشعر أنه واقف أمام رب الكعبة، وهو المكان الذي اختاره ليكون رمزاً لرسالة الإسلام والسلام. هناك تشاهد العيون المظلمة تجليات الله، وتلهج الألسن بذكر الله: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب. الرعد: 28. وفي مكة شعائر الله: ﴿إنَّ الصفا والمروة من شعائر الله. وهكذا بقية المقامات التي يتأثر بها كل زائر وهو يهتف: «لبيك اللهم لبيك..». ويتعرف إلى إخوته؛ فيجمع بين الدنيا والآخرة.

ومعنى الحج لغة: المشي على المحجة (جادة الطريق). ومدلوله الشرعي: قصد بيت الله الحرام بمكة لزيارته وأداء المناسك فيه في أشهر معلومة هي: شوال وذو القعدة وعشر أيام من ذي الحجة. والعمرة: تعمير البيت بتعظيم الشعائر، وتصح في أي يوم من السنة، وليس فيها وقوف بعرفة، ولا رمي جمار بمنى. ويجوز الجمع بين الحج والعمرة بأن ينويها ويلبي الله تعالى بهما معاً، ويسمى (قِراناً)(25).

والحج فرض على المستطيع مرة واحدة في العمر(26) وذلك لتنقية نفس الإنسان وتزكيتها، وهو من أفضل الأعمال.

ومن مشاعر الحج: عرفة، وهي ميدان واسع أرضه مستوية بحدود ميلين طولاً وعرضاً. وفي الحديث: «الحج عرفة». وعرفة كلها واقعة خارج حدود الحرم. أمّا الجمرات فهي الصغرى والوسطى والعقبة، وهي عبارة عن أعمدة حجرية وسط أحواض ثلاث، علامة للمكان الذي ظهر به الشيطان ورماه إبراهيم (عليه السلام). أما المزدلفة - ومعناها: الاقتراب - فموضع بين مِنى وعرفة يبيت فيه الحجاج بعد وقوفهم بعرفة، وكان ابن عمر (رضي الله عنهما) يسميها (المشعر الحرام). وجمهور العلماء قالوا: المشعر الحرام هو في وسط مزدلفة.

ومن مشاعر الحج أيضاً: (مِنى) التي تقع بين مكة ومزدلفة، يبيت بها الحجاج ليالي 9 و11 و12 من ذي الحجة لمن يتعجل، وليلة 13 لمن يتأخر، وبها مسجد الخيف، وفيها نزلت سورة النصر أثناء حجة الوداع.

جبال مكة وقلاعها:

جبل النور: ويقع في الجنوب الشرقي من مكة، وبه غار حراء الذي كان يعتكف فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قبل البعثة، وفيه تلقَّى أولى آيات التنزيل.

جبل ثور: ويقع جنوب مكة، وترتفع قِمتُّه إلى 759 متراً فوق مستوى البحر، ويضم غار ثور الذي دخله الرسول وصاحبه الصديق أثناء الهجرة.

جبل أبي قبيس: ويقع شرق الحرم، ويرتفع 372 متراً فوق مستوى سطح البحر. وفي الجنوب الغربي من الحرم يقع جبل الكعبة. وفي الناحية الغربية: جبل قعيقعان الذي يضم قلعة هندي التي بنيت عام 1221 هـ، وكذلك قلعة لعلع التي بنيت عام 1215هـ.

جبل قلعة أجياد: ويقع جنوب شرق الحرم، وترتفع قمته إلى 406 أمتار فوق مستوى البحر. ويُطلَق على الجبال الموازية لهذا الجبل اسم: جبل عمر.

التعليم في مكة المكرمة:

بقيت الكتاتيب قائمة عبر العصور التاريخية في مكة المكرمة، وواكبتها حركة التعليم في المسجد الحرام الذي غدا جامعة إسلامية كبرى؛ حيث تنعقد حلقات التعليم في فضاء الحرم وأروقته. وفي القرن السادس الهجري ظهر التعليم المدرسي في مكة، فشهد البلد الأمين أكثر من ثلاثين مدرسة. وفي أواخر العهد العثماني أُنشئت المدرسة الرشيدية، والمدرسة الصناعية، وغيرها.. وبلغ عدد حلقات العلم بالمسجد الحرام مئة وعشرين حلقة(27).

أما في العهد الهاشمي، فقد قامت أول مدرسة حكومية عربية في مكة المكرمة عام 1334هـ، ثم تتابعت المدارس.. ولمكانة الحرمين الشريفين، فقد تمتعت مكة بالتعليم المدرسي الأهلي الذي قام بجهود محبي الخير من أبناء البلاد(28).

مكة والثقافة الإسلامية
:

لقد قدَّمت مكة المكرمة للثقافة الإسلامية أساطين العلماء وأعلام المثقفين ومشاهير المفكرين في العديد من المجالات، وتستبين لنا أهمية هذا الزاد البشري من العلماء إذا طالعنا كتب التراجم والطبقات الخاصة بالمكيين، وهي كثيرة وعديدة تناولت كل العصور والأزمان، من ذلك كتاب: العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين لمؤلفه تقي الدين الفاسي، وبلغ عدد العلماء فيه الآلاف على مدى ثمان مجلدات. ومن ذلك: الدر الكمين بذيل العقد الثمين لـ: عمر بن التقي، أكمل فيه ما نقص في العقد من تراجم المكيين. والكتابان من نتاج القرن التاسع الهجري.

وفي ظل الحكومة السعودية الرشيدة تعيش مكة نهضة علمية شاملة، بما هيأ الله من علماء متخصصين من أبنائها ومن الوافدين(29).

وقد كان لمكة المكرمة ولفقهائها فضل كبير وأثر بارز على النهضة العلمية في كثير من البلاد الإسلامية(30). وللهِ درُّ القائل:

أمَّ القرى أنتِ الرؤوم على المدى
وجميعنا بحماكِ دوماً يحتمي
قلبُ الوجودِ بمكَّة وضميرُه
إنْ يسلما فالكون حقاً يسلمِ

اقتراحات لتفعيل الدور الثقافي:

إننا لا نرى أن يقتصر دور مكة المكرمة على الإشعاع الثقافي بمعناه التقليدي، وإنما نتمنى أن تغدو مكة المكرمة مركز ثقافة إسلامية على مدى الزمان والمكان وعلى مستوى العالم، وإذا كان من حق المدن الإسلامية الأخرى أن تكون هي أيضاً مراكز ثقافية، فذلك لا يعني التعامل مع مكة وفق المصطلح العابر.

ويمكن أن نذكر بعض المقترحات للمساهمة بها في تفعيل الدور الثقافي المتألق الذي ينبغي أن تنهض به هذه المدينة المشرَّفة(31):

1- إنشاء كرسي في جامعة أم القرى لمادة بإشراف علماء ومفكرين ومجتهدين من الدول الإسلامية.

2- إنشاء جمعية إسلامية خاصة برعاية حقوق الإنسان، وترقية الاجتهاد في هذا المجال، خاصة وأن (حلف الفضول) بدأ في مكة وأكَّد عليه الإسلام.

3- إصدار مجلة أو دورية تتخصص حول المعطيات الحضارية الإسلامية، وبلغات عالمية حية، وذلك من أجل الارتقاء بالأدب الإسلامي بمساهمة النقَّاد والمتخصصين في الأدب.

أخيراً.. نفحة قلب:

أيتها المكرَّمة! ما أروع الحديث عنك.. وما أرق الكلمات التي تنبعث من قلب لتتجه إليك واضحة.. اللون لديك لا يحيط به الزمان على سعة الزمان.. قوس قزح الحياة هي اللحظات في تلكم الرحاب المضاءة.. منارة الدرب وروعة الألق هي هذه المشرّفة.. دونها تبدو ساعات النهار زائفة.. تبدو دون ملامح من صفاء.. أيتها الساكنة بين الجوانح وفي الأفئدة الحالمة.. الكلمات عنك رقيٌّ بالحضارة.. سموٌّ بالإنسان.. قِمَّةٌ أنت ومعراج للروح إلى حيث الهدأ والسكن وفق معطيات الرؤى التي يسكنها صدق الحناجر. وبحسب ابن بطوطة(32): إن الله طبع القلوب على النزوع إلى تلكم المشاهد المنيفة، والمثول بمعاهدها الشريفة، وجعل حبها متمكناً في القلوب، فلا يحلها أحد إلا وأخذت بمجامع قلبه، ولا يفارقها إلا آسفاً لفراقها، متولهاً لبعاده عنها.

يا مكة البيت الحرام وكعبة
والماء يشفي من يروم بزمزم
فلأنت قلب نابض في عالم
فيك الهدى من هدي خير معلم
في الغار كان نزول أول آية
فحراء غار نوره كالأنجم
أم القرى ! أنت الرؤوم على المدى
أم الدنا، نبع الهدى، ري ظمي(33)

كم من الناس يرى الموت عياناً دونها، فإذا جمع الله بها شمله، تلقّاها مستبشراً؛ كأنه لم يكابد نصباً ولا محنة.

على جبين مكة قبلات المحبين، وفي جوفها زجل المسبحين، وفي عينيها آية للسائلين.. مكة أمّ الخلفاء الراشدين، مكة بلد العابدين، وميدان المجاهدين، وعرين الفاتحين، وجامع الموحِّدين، ومدرسة الحكّام العادلين.

فيها ومنها شع نور الهداية، وانطلقت الكلمة الطيبة تجوب آفاق المعمورة، إنها كامنة في كل كلمة أثارتها الشعائر والمشاعر، وكل ناظر إليها يأسره تاريخها المجيد وعطاؤها المديد.. إنها ملهمة الكتَّاب والمثقفين(34). وما من متحدث استدعاها إلا كانت عاطفة الحب والتوله والتمجيد والإشادة مادة حديثة، وما أحوجنا إلى تقصي سلطانها على أرباب الكلمة.

هوامش ومراجع:
(*) من قصيدة للشاعر حسين عرب.

1- انظر: أسماء مكة في القرآن - مقال بقلم: حسن محمد - مجلة الحج والعمرة - جمادى الأولى 1423 هـ - ص (54 - 55).

2 - في قوله تعالى: ﴿إن أول بيت وُضع للناس للذي ببكة مباركاً.. آل عمران: 96.

3 - في قوله تعالى: ﴿وهذا البلد الأمين التين: 3.

4- في قوله تعالى: ﴿وتنذر أم القرى ومن حولها الأنعام. وقوله: ﴿ولتنذر أم القرى الشورى.

5- في قوله تعالى: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادُّك إلى معاد القصص.

6- و لا يخفى أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمّى، وقد قيل:

وما كثرة الأسماء إلا لفضلها

حباها به الرحمن من أجل كعبةِ

7- وض الله: (35 / 1398).

8- و هو بداية سورة العلق: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق...

9- عدد السور المكية هي: 86 سورة.

10- رواه الإمام أحمد والترمذي عن أبي سلَمة، وهو حديث صحيح.

11- يُنظَر: كتابات إسلامية من مكة المكرمة - دراسة وتحقيق: سعد الراشد - ط (2) الرياض 1416 هـ - مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية.

12- موقع: Makkawi.com.

13- و هو نفسه العام 571 للميلاد الذي وُلد فيه رسول الله ﷺ.

14- انظر قصة إعادة الحجر إلى مكانه في كتب السيرة المعتمدة.

15- أمين أسعد - الجزء الثاني / 166.

16- نقلاً عن نشرة إعلامية صادرة عن وزارة الإعلام السعودية عام 1411 هـ، وانظر أيضاً: نشرة من ست صفحات صادرة عن وزارة التربية والتعليم عن تاريخ مكة، بإشراف إدارة التطوير التربوي.

17- و هو أستاذ الفلك في جامعات القاهرة والملك سعود.

18- الكعبة المشرفة سرَّة الأرض - تأليف: د. أحمد السيد - دار القلم بالقاهرة 1999 م.

19- راجع: أخبار مكة: محمد الأزرقي - تحقيق: رشدي الصالح - ط (2) مطابع دار الثقافة بمكة 1978 م.

20- الشريقي 1969 / 10.

21- في كتابه المعروف: معجم البلدان.

22- رواه الفاكهي بإسناد حسن، عن ابن عباس رضي الله عنهما.

23- فتح الباري لابن حجر: (8 / 169).

24- للاستزادة، راجع كتاب: زمزم لمؤلفه: محمد عبد الرحيم - دار الحكمة بدمشق 1996 م - الطبعة الأولى.

25- يُراجع: الكتب المعتمدة حول فريضة الحج.

26- لقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت...

27- تاريخ مكة - أحمد السباعي - ط (7) مطبوعات نادي مكة 1994.

28- مجلة المعرفة - العدد 69 - ذو الحجة 1424هـ.

29- راجع التاريخ القويم لمكة - محمد الكردي - ط (1) مطبعة النهضة الحديثة بمكة.

30- مجلة العالمية - محمد بلاسي - العدد 171 - جمادى الآخرة 1425هـ.

31- انظر: مكة المكرمة مدينة تَندُّ عن التصنيف - مجلة الحج - جمادى الآخرة 1424 - ص 60 وما بعدها.

32- رحلة ابن بطوطة - الجزء الثاني - الصفحة 98.

33- من قصيدة (أم القرى) للشاعر عبد الغني أحمد المنشورة في مجلة الخفجي - شوال 1425هـ.

34 - مكة في عيون الأدباء - د. حسين هويمل - صحيفة الجزيرة - 10/ 1 / 2006 م.
323531