الندوة الأدبية القطيفية في النجف الأشرف
عبدالعلي آل السيف * - 20 / 5 / 2008م - 3:22 م - العدد (48)

هبَّات من الانبعاث الإسلامي حمله الوافدون من خطباء المنبر الحسيني إلى القطيف منذ بزوغ العقد التاسع من القرن الرابع عشر الهجري المنصرم، على أسس بيئة علمية، وثقافية، وأدبية مزدهرة في هذه البيئة، كان المحرك - إلى جانب النقص الحاد في عدد العلماء العاملين في جميع نواحي القطيف، وكان الموجود منهم يبذل كل طاقاته لإدارة الدفة الدينية في البلاد، ويضطره ذلك إلى التنقل طوال أيام الشهر بين القرى والمدن لذلك - كان المحرك الأول لتوجُّه بعض الشباب إلى طلب العلم الديني في العراق في تلك الفترة.

كان العلامة الشيخ حسين العمران، والشيخ عيسى آل سيف - وكنت الوافد بعدهم - من أوائل مَن طَرق أبواب النجف للدراسة في 1383هـ، وتبعهم - بعد ذلك - آخرون يمثلون، الآن، هذا الكمَّ الكبير من العاملين في الوعظ، والتعليم، والإرشاد، وإقامة الجمعة والجماعة في جميع نواحي القطيف.

والعراق، والنجف خصوصاً، بنَت لنفسها - طوال سنيِّ العهد الملكي بعد ثورة العشرين وحتى فترة حكم حزب البعث الثانية 1968م - مكانة سامقة نالتها بكونها قاعدة المرجعية الشيعية الأولى، إلى جانب مدينة (قم) في إيران، لجميع المسلمين الشيعة في جميع بقاع الدنيا، ولعل الحكومة البريطانية - المستعمرة للبلاد حتى مع الملكية التي انتهت في 1958م - تركت للنجف وشيعة العراق العلم الديني وطلبه، وتعليمه في مقابل الحرمان في الشأن السياسي والحكم، غير حالات فرضتها توازنات إقليمية عراقية ترضية في بعض الأحوال، وتنفيساً على شيعة العراق من منعهم من التعامل بالسياسة في الأحوال الأخرى.

والعلم الديني أساسه علوم اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، والسنة المقدسة، فعلوم النحو والصرف والبلاغة والمعاني والبيان وفِقه اللغة والشعر وأوزانه ونقده؛ كل ذلك له، في النجف، أرض خصبة ينبت فيها ويزهر، وتطول قامته، والنثر بجميع فنونه؛ من مقالات وكتابات ودراسات وموسوعات تجد في كل مكتبة تطالعها عينك الجديد منها.

في هذه الأجواء المفعمة بالعلم والأدب دخل المهاجرون من القطيف إلى النجف، تقودهم أمانيهم للأخذ من كل ذلك ما تستطيعها قدراتهم.

إن العلامة الشيخ حسين العمران كانت له مساهمات في الشعر والنثر قبل هجرته، ومن خلال مشاركة بعض الدارسين في مسجد الهندي – وهو من أماكن الدرس والتدريس للمبتدئين العرب – وفي حلقاته تم التعرف إلى الزملاء الذين كوَّنوا معهم هذه الندوة التي عنونت بها هذه الحروف.

الأعضاء:

السيد محمد علي الخرسان:

هو الآن من مراجع التقليد في النجف الأشرف، ومتخصص في علم الرجال، وكان من زملاء كاتب السطور على مقاعد كلية الفقه.

العلامة الشيخ حسين العمران:

هو عالم متضلع في الفقه والأصول، له بحث خارج فيهما يحضر تحت منبره عدد لا بأس به من المشتغلين بالتحصيل العلمي الآن في القطيف.

كاتب هذه السطور:

تخرجت من كلية الفقه في النجف، وعدت إلى المملكة وعملت في الشؤون القانونية بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية إلى ما قبل الاستقالة.

السيد هاشم الهاشمي:

نجل المرجع الكبير، والشاعر المشهور السيد محمد جمال الهاشمي، وهو – الآن في (قم) - أحد كبار أساتذة الحوزة هناك، وكان أيضا من زملاء الكلية في النجف.

الشيخ عبد الزهراء الطائي:

وآخر لقائي به في نهاية 1393هـ، يوم تركي النجف، وعودتي إلى لقطيف، وكان شاعرا عصاميًّا يعمل - إلى جانب طلب العلم - في حياكة (المشالح)، وهي مهنة ورثها من أسرته، وإن كنت أظنه فات في تصفيات الشباب في عهد حكم البعث.

وكان يحضر هذه الندوة أحياناً السيد عبد الرزاق المقرم - استشهد على أيدي حكومة البعث - وابن خاله محمد رضا القاموسي، وهو شاعر مجيد قابلته قبل 2003م، وهي الوحيدة منذ افترقنا، وكان يعيش في بغداد متخفِّيًا، محطَّما بعد أن فقد أولاده وأحِبَّته أثناء حكم حزب البعث، وقد يزور ندوتنا آخرون قد منعتني السنون من تذكرهم.

موضوعات الندوة وأوقات انعقادها

كنا نعقد الندوة في مكان سكني حيث كنت ضيفاً على عمي الشيخ أحمد آل سيف (رحمه الله)، وأشاركه مسكنه، وكنت أصغرَهم سنًّا، وأضعفَهم عودا، وأقلَّهم ثقافةً، وكان العدد الأول صدر في 16/10/1384هـ (وهو عبارة عن كُرَّاس يضم مشاركات شعرية ونثرية للمجتمعين)، وكانت الجلسة أسبوعية، وكنا نحرر المواد باليد، وبالكربون ننسخ نسخة لكل واحد منا، واستمرت هذه الندوة حتى 14/12/1484 هـ.

في الأعداد تجد القصيدة الدينية في شعر العلامة العمران، والقصيدة الوجدانية والوطنية في شعر الهاشمي، والمراثي في شعر الطائي، كما تجد النثر في المقالات والبحوث، وهي في سنِّنا، ونحن - إن لم يكن أغلبنا - على أعتاب المراهقة في بعض ما كان يعنينا نحن مؤسسي هذه الندوة، أو بعض ما يشغل المبتدئين من أمثالنا.

أمثلة من المشاركات الشعرية:

قصيدة (إلى الخلود) للسيد هاشم الهاشمي ومطلعها:

سيري على اسم الله، سيري

فلأنت أحرى بالمسير

قصة شعرية للهاشمي أيضاً وعنوانها (المجد والكسول) ومطلعها:

بزغ الفجر بالسما

فجلا ظلمة السحر

يتهادى كأنه

مدمن بالسنا سكِر

* * *

في ضجيج الهزار في جرسه الصا

خب قد ضج وقعه بالوجود

وللعمران قصيدة (توَثَّبي)، نظمها بمناسبة فتوى المرجع الكبير السيد محسن الحكيم في الشيوعية بأنها كفر والحاد مطلعها:

توثبي في سبيل العز فاقتحمي

كُلَّ الصعاب ولا تبقي على صنم

وللطائي مساهمة بعنوان (مِزهر التاريخ) مطلعها:

مِزهَرَ التاريخ قد فقت الربابا

فاسكب اللحن فقد جئنا سِغابا

حديث الناس - وقتها - كان المد اليساري في الوطن العربي، وكان المحرك لكثير من الشعراء، وللعمران قصيدة بعنوان (واقعنا المشجي) مطلعها:

دنيا العقيدة في جو من الصخب

تطغى عليه أعاصير من الشغب

ومن نماذج الرثاء للهاشمي قصيدة (الرؤى الضائعة) ومطلعها:

ربيع غاب عن نظر العيون

وحُرٌّ ثَمَّ أمسى في سجون

أمثلة من المشاركات النثرية:

عناوين من مساهمات العمران:

(الندوات وفعالياتها في المجتمع) (الإمام الصادق والعلم الحديث) (الإسلام والاكتشافات).

عناوين من مساهمات الطائي:

(كيف تكون أديباً)، (الإسلام وتربية الناشئة)، (التعاون الاجتماعي في الإسلام)

عناوين من مشاركتي:

(الظلم)، (الإمام الصادق )، (الزكاة والمجتمع).

أما الهاشمي؛ فمساهماته بعضها كان تحت عنوان (طريق إلى الحياة).

هذه لمحات عن تلك الندوة التي كنا قد شاركنا في تأسيسها في المهجر، وتوقفت بعودتنا إلى أرض الوطن.

باحث وأديب
322890