نحن والتغير الاجتماعي..
بين مؤثر ومتأثر
جعفر محمد العيد * - 20 / 5 / 2008م - 3:26 م - العدد (48)

﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ(1)

***

«إن التغير قانون الوجود والاستقرار موت وعدم»

(هيراغليطس)

التغيير الاجتماعي

يُعرَّف التغير الاجتماعي بأنه المظهر الديناميكي للمجتمع الإنساني والحركة اللاطردية المستمرة والمتتابعة التي تتم من خلال التفاعل الاجتماعي عبر الزمن وتعبر عن أنماط من العمليات والانتقال والتنمية والتقدم التي تتم عن طريق الاختلافات والتعديلات والدورات والتذبذبات التي تطرأ في الطبيعة والجماعات و العلاقات الاجتماعية كالسلوك الاجتماعي الذي يتمثل في العادات والأعراف والنظم واللغة خلال تتابع الزمن بحيث يمكن ملاحظتها وتقديرها.وهو - عند آخرين «كل ما طرأ على الأشكال الثقافية، والعلاقات الاجتماعية في مجتمع معين خلال فترة محددة من الزمن»(2).

وهنا تبرز، أمام الباحث مجموعة من الأسئلة تشكل الإجابة عنها مفتاحاً للفهم والتأمل في مجريات الأمور والأشياء، العالم بتيمور طرح مجموعة من هذه الأسئلة:

1- ما هو الشيء الذي يتغير؟

2- ما هو اتجاه التغيير؟

3- ما هي العوامل المؤدية للتغيير(3)؟

ما هي العوامل المؤدية الى التغير؟

كل مجتمع لديه حساسية ومقاومة تجاه أي قوة تريد تغييرعاداته التي ألفها وتمرس عليها لفترة طويلة، لكن ضغطا اجتماعيًّا زاحفاً هو الذي يدفعنا نحو التغيير، ثمة عوامل متداخلة ومترابطة بشكل يصعب علينا الفصل بينهان وهي التي تدفعنا نحو قبول وطلب التغيير، العوامل لدى(جينز برج) هي التالي:

1- الرغبات، والقرارات الواعية للأفراد متمثله في نمو نسق الأسرة الصغيرة.

2- أفعال الفرد المتأثرة بالظروف المتغيرة.

3- التغيرات والتوترات البنائية (مثل التناقض بين قوة الإنتاج وعلاقات الإنتاج).

4- المؤثرات الخارجية.

5 - الأفراد الممتازون أو المتميزون.

6- الأحداث العنيفة، وظهور أهداف مشتركة(4)

كما حدد (عبد الجليل الطاهر) بعض العوامل التي تؤدي إلى التغيير التي تختلف عن عوامل (برج) وهي: «الأزمات الاقتصادية، والتناقضات الداخلية، الثورات والانتفاضات، الحروب، الاختراعات الجديدة والتقدم العلمي»(5). لكن الدراسات الاجتماعية تذكر عواملَ أخرى، بخلاف ما ذكرتُ سابقاً، وهي:

1 - العامل الفيزيقي، أو البيئي:

يسمى هذا العامل البيئي، أو الجغرافي، ويعني تأثير البيئة، أو الطبيعة على الإنسان والمجتمع، وكيف تترك الطبيعة بصماتها على النظم الاجتماعية والثقافية، والعكس تأثير الفرد على الطبيعة خاصة بازدياد العلم والمعرفة ويسمَّى العلماء الذين يبالغون في تأكيد أهمية هذا العامل الايكولوجيين الحتميين خاصة إذا نظروا إلى هذا العامل هو المؤدي إلى التغيير فقط، ويقولون إن هناك عناصر طبيعية جغرافية يعرف أنها ذات أثر في تشكيل المجتمع، وإحداث التغيير؛ مثل تكوين التضاريس، والموقع الجغرافي، والاستراتيجي، والحرارة، والرطوبة، والموارد، والجليد، والرياح، أي كل الظواهر المرتبطة بالطبيعية.

2 - العامل البيولوجي:

يسمى الحتمية البيولوجية؛ لأنه يرجع التغيير إلى أسباب بعيدة عن تأثير الثقافة وتدخل الإنسان، ويعتبر أصحاب هذه المدرسة أن الوراثة (العنصر، أي العرق) هي سبب قيام مظاهرات راقية، وأخرى منحطة، وإمكانية التغيير والتقدم هي صفة العرق وعناصر بعينها، كما إنها تُورَّث ولا تكتسب من خلال الثقافة وعمليات التشبه والاحتمال الثقافي. يسمى هذا العامل البيولوجي تأثير الوراثة والانسحاب الطبيعي ثم الارتباط بين العنصر والحضارة والتغيير(6).

3- العامل السكاني:

يتلاقى العامل السكاني مع العامل الفيزيقي لأنهما يمثلان ما يسمى بالرفولوجيا الاجتماعية، التي تهتم بالجزء المادي في المجتمع والديمقراطي تهتم بالسكان والظواهر المرتبطة بهم مثل زيادة السكان ونقصانهم؛ أي معدلات المواليد، والوفَيَات، والهجرات، والعوامل المؤثرة في هذه التغيرات، ومعرفة النمو المحتمل للسكان، والنسب المختلفة للهرم السكاني؛ أي عدد الإناث إلى الذكور، أو الكبار إلى الصغار، أو العاملين للعاطلين، وكان (دوركايم) هو أول من ربط بين حجم السكان والتغيرات الاجتماعية.

4- العامل التكنولوجي:

يرى كثير من العلماء أن التكنولوجيا هي السبب الأساس وراء التغيير الاجتماعي، والتكنولوجيا مرتبطة بالإنسان منذ وجوده على هذه الأرض.

5- العامل الأيديولوجي (أو الديني):

كلنا نعلم بأن الأديان بما تحمل من قيم وآداب وسلوكات حياة متكامله لها دورها البارز في تأييد أو رفض بعض التغيرات الحديثه، ذلك يمكن قياسه حسب البعد أو القرب من تعاليم هذا الدين، والاسلام كونه ديناً عالميًّا خلق من أجل البشرية جمعاء فإنه أدَّى ويؤدِّي دوراً بارزاً في التأثير والتوجيه للأفراد ناحية معينه.

أنواع التغير الاجتماعي
:

التغييرات فسيولوجية يؤثر بعضها كل نسق اجتماعي يتغير طوال الوقت، وهذا يأتي - على الأقل - من أعضاء يتقدمون في السن، وبالتالي يمدون على قيامهم بأدوارهم، ولكن التغييرات التي ترجع إلى التقدم في السن قد لا تكون غاية في الأهمية في المدى القصير، وإنما يحدث أن تكون هناك تغيرات أخرى قصيرة المدى مستمرة دائماً.

وبِغضِّ النظر عن مثل هذا التغيير المستمر؛ فإننا غالباً مَّا نميل إلى الإشارة إلى النسق الاجتماعي على أنه ثابت نسبيًّا بمعنى أنه غير متغير، ومثل هذه الأحكام تعني إننا ننظر إلى بعض التغييرات على أنها أكثر أهمية من البعض الآخر، كما إنه لأسباب متعددة، تهمل تغيرات معينه إهمالا تامًّا، ولسوف تعرض، فيما بعد، لأنواع التغير الاجتماعي، والمضامين التي تبدو فيها أهميتها.وينبغي لنا أن نحدد مفهومنا للبناء الاجتماعي في نقطتين:

الأولى: أن البناء شيء ثابت نسبيًّا إلى نقطة أو نقاط ذات أهمية خاصة، ومثال ذلك: الأم تسلك إزاء طفلها سلوكاً يختلف من يوم لآخر، ومع ذلك تحافظ على نوع العلاقة للطفل؛ فهي تستمر في حمايته، وتوجيهه، وتشجيعه، والعناية به، وإذا تغاضينا عن الاختلافات الصغرى في الطريقة التي تقوم بها هذه الأنواع من النشاط يمكن أن نقول: إن دورها، كأم، يبقى ثابتاً تماماً، وهذا جزء من بناء العلاقة.

والأخرى: ارتباط البناء بالوظائف؛ ومثال على ذلك أنه في العائلة (وهي نسق اجتماعي ) يكون لدور الأم وظائف مثل تنشئة الأطفال، والاحتفاظ بالانسجام، والخلقيات، ومن أجل هذا نقول: إن التغير الاجتماعي عبارة عن تغير في بناء النسق الاجتماعي، أي تغير هذا الذي كان ثابتاً، أو غير متغير نسبياً.

وفق هذا؛ فإن أكثر التغييرات أهمية من بين التغييرات البنائية ماله نتائج على طريقة تأدية النسق لوظائفه، وعلى الأخص من حيث بلوغه لأهدافه بكفاءة.

إذن؛ فالتغيير الاجتماعي يعني التغير في البناء الاجتماعي، وسنحاول - فيما يلي - أن نعرض للتغيرات التي نعتبرها تغيرات بنائية:

التغيير في القيم الاجتماعية:

أكثر التغيرات البنائية أهميةً؛ التغيير في المستويات الشاملة التي نطلق عليها اسم القيم، والقيم التي نعالجها، هنا، هي القيم التي تؤثر بطريقة مباشرة في مضمون الأدوار الاجتماعية، والتفاعل الاجتماعي؛ كالانتقال من النمط الإقطاعي للمجتمع إلى النمط التجاري الصناعي؛ لأن التغييرات التي تكون في هذا الانتقال لا تحدث خلال فترة من الزمان، بل تتعرض أجيالا بأكملها؛ ففي المجتمع من النمط الأول كالفرسان ورجال الدين يمثلون قمة المجتمع والقيم السائدة ترتبط بأخلاقيات هاتين الطبقتين، ولذلك فإن الوظائف الاقتصادية - على الرغم من أهميتها لضرورتها - لم تحظ بالتقدير الكبير، ولذلك كان المشتغلون بها في مرتبه أقل.

والعكس في المجتمع من النمط الثاني؛ فالإنتاج الاقتصادي يمثل المقام الأول، والاشتغال به يعتبر أمراً يفاخر به المرء، ولذلك كان القادة في هذا الميدان يحصلون على مراكز سامية.

تغيير النظام:

ونعني بتغيير النظام؛ التغيير في البناءات المحددة مثل صورة التنظيم، والأدوار، ومضمون الدور، فالتغيير من نظام تعدد الزوجات إلى نظام وحدانية الزوج والزوجة، ومن الملكية المطلقة إلى الديمقراطية، ومن النظام الذي يقوم على المشروعات الخاصة إلى الاشتراكية، أمثلة للتغيرات التي تحدث في بعض أنظمة المجتمع قليلة نسبيًّا إلا إن انتشارها بعد ذلك يؤدي إلى تغيرات مهمة في البناء الاجتماعي بأسره، مثال لذلك؛ أن الانتقال من نظام التعدد إلى الوحدانية في الزواج لم يحدث مرة واحدة بل ظهر في بعض العائلات التي لازالت تأخذ بنظام التعدد تعتبر شاذة أو منحرفة.

التغيير في مراكز الأشخـاص:

قد يحدث التغيير في أشخاص بالذات يقومون بأدوار في النسق الاجتماعي، ذلك أنه خلال فترة طويلة من الزمن يصبح مثل هذه التغيرات لا مفرَّ منها؛ لأن الناس يتقدمون في السن، ويحالون على المعاش، أو يموتون، ولعل أهمية مثل هذه التغيرات تختلف، ومع ذلك فإنه من المهم أن ندرك الأهمية الدائمة التي تكون للأشخاص الذين يشتغلون.

أثر التغير على الأوضاع الاجتماعية القرابة:

حدثت تغيرات اعترت النظام الأسري في معظم البلدان النامية، وصغر حجم الأسرة فانكمشت وظائفها، وحل الولاء للدولة محل الولاء التقليدي للأسرة، وكان يسود «غانا» نظام العائلة الممتدة ثم تغير من السعة إلى الضيق، وفي عهد (نكروما) حُرِّم نسق العائلة الممتدة، فساعد ذلك على إقامة الوحدة السياسية الوطنية، وفي الصين كانت الأسرة القروية وحدة ذات اكتفاء ذاتي، ويعيش الأقارب في منزل واحد.

الدين:

ويعتبر الدين في الصين الشيوعية عائقاً ضعيفاً أمام التيار الشيوعي، وتؤدي الأديان إلى ظهور الحركات السياسية، والأحزاب في البلدان النامية، ففي مصر كافح جمال الدين الأفغاني من أجل القيم الإسلامية، وحاول دائماً أن يدفع تلاميذه للمطالبة بحكومة أكثر حرية، وبشكل عام، فإن الدين الاسلامي من الأديان التي تحث على التغيير، ومع ذلك فالاسلام لايقبل أي تغيير خصوصاً إذا ما كان ضاراً بالجماهير الاسلامية.

العوامل السكانية:

تعتبر الأنساق السياسية في البلدان النامية نتيجة التغيرات التي طرأت على العوامل الديمقراطية سواء في الزيادة الثقافة السكانية، أو زيادة عدد الإناث عن الذكور، أو الهجرة، فقد عملت زيادة عدد السكان على تكامل الوحدة القومية في العديد من الدول النامية؛ فزيادة عدد الإناث مع نمو تعليمهم يؤدي إلى اشتراكهم في الحياة السياسية، وشغلهم الوظائف القيادية، والحكومية، وتؤدي الهجرة إلى المدينة إلى ولاء الفرد للدولة بدلا من ولائه لأسرته أو مجتمعه المحلي، وقد تؤدي الهجرة أيضاً إلى تغير الميول والاتجاهات السياسية، ففي أفريقيا تمثل نيجيريا أكبر وحدة سياسية بسبب كثافة سكانها الذين يبلغ عددهم ثمانية وأربعين مليون وتظهر وحدة “نيجريا” في بناء فيدرالي بعد أن تحطم آثار القبيلة.

وفي «مصر» ارتفعت نسبة السكان في الفترة من 1883-1897 بمقدار 43%، وكان دلالة خاصة للحركة السياسية التي قامت في مصر، التي زاد فيها عدد المصريين العاملين في حقل السياسة.

العوامل الثقافية

الحاجة الدائمة والمتنامية من قبل المجتمعات الى الدول الكبرى، يؤدى الى تأثيرات معينة من خلال الاتصال، وكشفت الكثير من الأحداث الى أن الغرب يمارس الكثير التأثير الغير المباشر على شعوب العالم الثالث وهذا مثال واضح على العوامل الثقافية.

بين التغير والتقدم الاجتماعي:

لقد فرَّق علماء الاجتماع بين التغيير، والتقدم كمصطلحين مترادفين متشابهين، وقد كان اللَّبس فيهما، قديماً، يصل إلى درجة أن إطلاق أي واحد منهما يعني المصطلح الآخر، وليس التقدم هو المصطلح الوحيد وإنما كان التطور يشاركه نفس المكانة، ولأننا لا نود التوسع في هذا المجال بأكثر من اللازم، وقد استعيرت فكرة التطور الاجتماعي مباشرة من نظريات التطور البيولوجي التي دعمت بقوة تأثير فلسفة التاريخ على علم الاجتماع، وقد استخدمت كلمة النمو مصطلحًا يشير ويستخدم للتغيير بين نوعية من المجتمعات المعاصرة هي المجتمعات الصناعية, من ناحية, وبقية المجتمعات من ناحية أخرى.

وقد تعرضت فكرة التقدم هذه إلى كثير من الانتقادات والازدراء نتيجة للمحاولات التي استهدفت جعل علم الاجتماع علماً متحرراً من الأحكام القيمية»(7)، مما دفع العالم «ويليام أوجبرن» إلى نشر كتاب «التغير الاجتماعي» في العام 1922م، ومن هنا أخذ مصطلح التغير الاجتماعي كمصطلح أكثر حيادية موقعه بين المفكرين الاجتماعيين، وهنا لا بد أن نكون حذرين في استخدام مصطلح التقدم الاجتماعي والتخلف الاجتماعي؛ فالتقدم يعني أن هذا المجتمع يسير إلى الأمام، والتخلف يتوقف مكانه. من هنا لا بد من العودة إلى نظريات التغيير الاجتماعي لمعرفة أبعاد التغيير حيث أن التغيير الاجتماعي له عدة نظريات، ولا نود أيضا الاسترسال فيها، إلا أنه لا بد من الإشارة إلى الطريق النظري في الوقت المعاصر، فقد أصبح العلماء على قناعة تامة بأن التغير الاجتماعي ظرف أو شرط عادي على خلاف ما كان سائداً في القرن التاسع عشر عن التغيير الاجتماعي، والذي كان يحمل الطبقة الثورية، التي قادها «كارل ماركس» و«ماكس فيبر» وغيرهم، وقد لخص «ويلبرت مور» Moor  Willberteالملامح الرئيسة للتغيير في المجتمع المعاصر على النحو التالي:

يحدث التغيير في أي مجتمع وأي ثقافة بوضوح واستمرار.

لا يمكن عزل التغيرات من حيث الزمان أو المكان؛ لأنها تحدث في سلسلة متعاقبة ومتصلة الحلقات أكثر من حدوثها على شكل أزمات وقتية تتبعها مراحل إعادة البناء كما إن النتائج التي تترتب عليها تميل إلى أن تسود الإقليم كله، بل والعالم بأسره في نهاية الأمر.

التغيرات المعاصرة يمكن أن تحدث في أي وقت، ويمكن أن تنتشر نتائجها، وتؤثر في أي وقت وهي لذلك ذات أساس مزدوج(8).

ويضيف الدكتور غيث مواصلاً تلخيص ما أورده مور Moor: حجم التغيرات المعاصرة سواء كانت مخططة أو تمثل نتائج ترتبت على التجديدات الحديثة أكبر بكثير من التغي رات التي كانت تحدث قبل، ويزداد الآن نطاق التكنولوجيا المادية، والإستراتجيات الاجتماعية، ويتسع، مفضياً إلى نتائج وآثار تراكمية.

يؤثر الحدوث المادي للتغير تأثيراً كبيراً وواسعاً على التجربة الفردية، والجوانب الوظيفية للمجتمعات في العالم الحديث، ومعنى ذلك أنه ليس هناك جانب واحد من الحياة عند توقع حدوث التغير فيه(9). من هنا فإننا نصل إلى نتيجة مفادها أن التغير لابد أن يحدث، وأنه يطال جميع نطاقات وأنظمة المجتمع، وسيكون واسع التأثير لكن السؤال الكبير الذي نطرحه هو:هل التغير مشكلة اجتماعية؟ أو انحراف عن الطريق؟ ثم هل كل تغير يعتبر تقدماً للمجتمع؟

ما هي مؤثرات التغيير على تقدم المجتمع؟

وللإجابة عن السؤال الأول أقول: إن هناك من يعتبر التغير انحرافاً عن الطريق لأن نظرتهم أن أيَّ شيء غير معتاد يعتبر انحرافاً، وهناك من المجتمعات من يرى أن التغير انحراف؛ خصوصاً إذا كان هذا التغير فجائيًّا، وسريعاً؛ كالتغيرات التي تجري على الصعيد الأُسَري، خصوصاً بعد التغيرات الصناعية والاقتصادية السريعة التي تجري في الدول النامية.

بعض الاجتماعيين يتبادل الرؤية مع المجتمع، ويصنف التغيير ضمن الانحراف الاجتماعي Saciolpevince  بمعناه العام، وهؤلاء هم الأغلب أصحاب المدرسة الوظيفية البنائية؛ فهم يرون أن التغير قد يُحدِث خللاً وظيفيًّا أو معوقاً وظيفيًّا يضر بالنظام أو السلوك المنظم.

إن فكرة الأنومي Anomie، أو اللامعيارية، أو التفكك والتفسخ الاجتماعي عند دوركايم وبعده روبرت ميرتون R. Merton قد توضح كيف يمكن أن يفهم التغير الاجتماعي بهذا المفهوم لكنها عند ميتشل Duncan Mitchell تعني «أنماط العلاقات الاجتماعية التي تحقق السعادة والرخاء والطمأنينة للإنسان، وسعادته ورخاؤه يتحققان عندما يكون السلوك البشري منسجماً مع المقاييس التي يضعها ويسير عليها المجتمع خصوصاً عندما تشكل المقاييس نظاماً متكاملاً من الصراعات والتناقضات»(10) وللإجابة عن هذه الإشكال أقول:

1- إننا نسلم بأن التغير لا بد أن يحمل في طياته التناقضات، ويوقع الصراع بين القديم والجديد؛ أي بين قيم قديمة تكاد تندثر وقيم جديدة بعد لم تترسخ، وهذا ما يوقع الناس في تناقض في أيهما يتبعون قد يكون الإنسان غير سعيدٍ للوهلة الأولى عندما ننظر إليه، ولكن الله قد أعطى الإنسان مميزات؛ وهي الصبر، والتحمل، والتعلم من الأخطاء، وتحدي الصعوبات التي تقف أمامه، وتجعله أكثر تصميماً على تحقيق الهدف، وأن قُربه من الهدف يجعله أكثر سعادة مع أنه لا يستطيع أن يغير جلده بالكامل، إلا أنه سوف يأخذ الجديد، ويتمسك ببعض القديم ليوازن سلوكه.

2- إن التوافق مع السائد والمألوف، والتطابق مع الجماعي أو النمطية، وعقلية القطيع ليست دائماً إيجابية، فالأنبياء والمصلحون والرواد في البداية كانوا خارجين عن القيم والسلوكيات السائدة والمتوارثة، والصحيح أنه ليس كل ما وجده الإنسان بحكم العادة أو فعل السابقين صحيح لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكما يعبر القرآن الكريم ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون.

لقد كانت الجاهلية موجودة بعباداتها وتقاليدها، وجاء الإسلام يحمل الصورة الحديثة ليغير المجتمع بلطف نحو الأحسن والأفضل، وكان كبير المنيرين الرسول الأعظم الذي هو وحي يوحى مدرب العالمية.

3- إن أي نظام له ضحايا سواء كان قديماً أو حديثاً؛ فالإقطاع الذي كان سائداً كان سيِّئاً، وكان الناس متمسكين به مع وجود الضحايا اليومية له من الفقراء والمعدمين والمسخرين لمصالح الإقطاعيين, لذلك فإن أي نظام جديد لا بد أن يصبح له ضحايا، والحل ليس التوقف عن التغيير بل بتقليل الخسائر.

إن الضريبة التي دفعها المجتمع الأوربي لا شك إنها باهظة الثمن في التغيير، ولكن هل بقاؤهم تحت هيمنة الكنيسة كان أفضل؟ الواقع يقول إن الناس تحمست للتغير من دون أن تعرف مبرراته؛ لأنهم وجدوا أن أي تغيير - مهما كان نوعه - فهو أفضل من الحاضر المعيش.

نخلص من هذا الكلام إلى أن التغيير هو مفتاح لتقدم المجتمع؛ فإذا كان المجتمع يسير على طراز قديم، ويرغب في تجديده؛ فإن ذلك يعني أنها الخطوة الأولى نحو التقدم مع الأخذ بعين الاعتبار أن التغيير يصيب النسق الاجتماعي بالخلل - كما يدعي أصحاب المدرسة الوظيفية البنائية - نتيجة لعدم قدرة الناس على الموازنة بين القديم والحديث، والحل في هذه المسالة ليس ترك التغيير، بل التخطيط له والتقليل من الخسائر.

(1) سورة الرعد آية (13 ) قرآن كريم.

(2) د. حسين عبد الحميد ، التغير الاجتماعي والتنمية السياسية، المكتب الجامعي، الإسكندرية، 1988، ص: 45.

(3) د. حيدر إبراهيم، التغير الاجتماعي والتنمية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1982، ص: 25.

(4) د. حيدر إبراهيم، المصدر ص: 25.

(5) نفس المصدر، ص: 30 - 36.

(6) علم الاجتماع الكتاب المدرسي للصف الثالث علوم شرعية ، وزارة التربية والتعليم 1428هـ الرياض.

(7) د. محمد عاطف غيث، قاموس علم الاجتماع، دار المعرفة الجامعية الإسكندرية 1995، ص: 415.

(8) نفس المصدر، ص:414 .

(9) نفسه، ص:415.

(10) د. حيدر إبراهيم، مرجع ســـابق، ص: 178، على الرغم من أنني لم أجد ذلك عند البروفسور داينكن ميتشل عند تعريفه للتغير الاجتماعي، وربما يكون ذلك راجعًا لقدم الطبعة راجع “دينكن ميتشل، معجم علم الاجتماع، ترجمة إحسان محمد الحسن، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الثانية، مارس، 1986م.
عضو هيئة التحرير
307188