قراءة في كتاب
الرقص بألم على حافة من زجاج
يوسف أحمد الحسن * - 20 / 5 / 2008م - 3:57 م - العدد (48)

الكتاب: الرقص بألم على حافة من زجاج
الكاتبة: فاطمة الحويدر
دار النشر: فراديس للنشر والتوزيع
الطبعة: الأولى 2006م
الصفحات: 176 صفحة من الحجم المتوسط

يضطرك الكتاب حين قراءته إلى أن تبقى يقظاً منتبهاً من أول حرف فيه إلى آخر حرف. فهو ليس من نوع الكتب التي يقرؤها المرء حين يريد أن يستريح من عناء يوم طويل، بل من النوع الذي يستفتح بها يومه مسلحاً بحصيلة لغوية كبيرة ورغبة جامحة في القراءة. ولذلك فلا ينصح من يريد تشجيعاً في القراءة بأن يبدأ بهذا الكتاب. يمكن للبعض أن يقرأ بعض فصوله ويتمها لكنه قد يبدأ في السطر الأول، لكنه عندما يصل إلى السطر الأخير فلربما لن يتذكر شيئا من السطر الأول. وربما إن عاد وقرأ السطر الأول فقد ينسى نهاية الفصل مرة أخرى. ولا أعتبر هذا نقيصة في الكتاب أبداً فهو كتاب بحاجة إلى يقظة في الذهن أثناء قراءة بعض فصوله من أجل استيعابها.

تعتمد الكاتبة فاطمة الحويدر على الكتابة الرمزية للوصول إلى دلالات تريدها وتقصدها بعينها، لكن قد تكون لها أبعاد محلية مغرقة في المحلية أو على الأقل غامضة على الجميع إلا من له علاقة مباشرة بها. وتركز في أغلب موضوعات الكتاب على العنصر النسائي والتهميش والإقصاء اللَّذين يتعرض لهما هذا العنصر، وكذلك بعض المشكلات التي تواجه أبناء المجتمع بمختلف طبقاته وشرائحه.

وتتنوع فصول كتاب (الحويدر) بين عدة عناوين متباعدة هي عبارة عن مقالات ربما كتبت خلال فترة زمنية طويلة يجمع بينها الترميزية في الكتابة والظلم الاجتماعي الذي قد تكون قد تلمسته الكاتبة القديرة في بنات مجتمعها. ومن تلك العناوين:

إلى أمي، حقيقة مرة، انحسار الضفاف، إضاءة عتم، بحر العمر، نداء يحتضر، التجدد في التكون، خطوات في الرمال، الانسحاق، مجاهل النفس الدفينة، رؤية ساخطة، الانشطار، الوجه الآخر رحلة العمر، ظلمة إشراق، حزن الفقدان، خطاب مفتوح، التنمية الروحية، خفايا الظلال، بين عبق الأصالة، حقائق الحياة سراب، بقايا امرأة، رؤية حالمة في الخيال، الملف الأحمر، حصاة الخط، مصير قرار، كذب الحقيقة، بادرة، عندما يسقط الديجور على الديجور، المشهد الأخير، الموعد المفقود، السلام إلى أين، أعاصير داخلية، شظايا النفس، الرغبة الكبرى، شكل الحياة.

تقول الحويدر في عنوان (إلى أمي): يتحقق الابتسام من نفسه تحت المطر.. تحت رذاذ العطر المتجول في مخابئك الرحبة.. تذبل كل رياحينك أيتها الأرض الطيبة.. تخبو العاطفة بعد الاشتعال المتأمل.. تعلقين أوراقك الخضراء على أكتافك الكادحة ولا يطرب لها اللاجئون.. لا يعتنقون فيها الصراخ.. لا يلعنون الرجاء في التوسل..)

وتقول في عنوان (الوجه الآخر): عندما نكبوا على وجوهنا بقوة ساحقة أو عندما تصفعنا الحقائق على حين غرة بعنف شديد في غفلة منا فتوقظنا من سبات عميق تعمدنا الإبحار فيه أو في ضعف لجئنا إليه.. أو حتى عندما يعيق طموحنا المتطلع شيء ما بغيض أو يحاصر نور بصرنا المستشف جدار شاهق كبير.. فولاذي الصمت والظلام.. أو حتى عندما نصدم بواقع مر يقلب الموازين بداخلنا هكذا فجأة.. عندها يتغير وجه العالم تماماً.. ينقلب إلى نقيضه فينطفئ كل شيء جميل من حولنا وكل ما له معنى.. فتذوب الأحلام وتتلاشى الأماني هكذا فجأة..)

أما في (حقائق الحياة سراب) فتقول الحويدر: عندما تخون الذاكرة الفكر وترفض الاعتراف.. يقرر الإصرار أن يبحث دائماً عن أي شيء في اللاشيء.. وأن يقتل هذا السأم وذاك الضيق وأن تبحر الإرادة في عالم من الوحدة دون رفيق).. وفي نهايته تقول: «ضيق هذا الفكر ومحدود وقصير ذلك العمر البشري.. مكدود.. وكبير وشاسع هو المجهول.. وكل شيء لا يشغل إلا حيزا ضئيلا في هذا الكون العظيم.. سر عجيب في كل شيء ولغز غريب هو كل شيء».

وتحت عنوان (بقايا امرأة) جاء في الكتاب: «بصعوبة بالغة أسكتت آلامها وعذاباتها وقهرها بداخلها ريثما رحل عنها غاصبها ثم بكت بعد ذلك من أعماقها المكلومة بدل الدموع دم.. واصل صاحب البيت وابنه التناوب على نهش جسدها الأسير لديهما كالوحوش المفترسة دون أن تملك حق الرفض أو الشكوى، كل ذلك كان يحدث دون علم صاحبة المنزل بما يجري خلف ظهرها..،..،.. فأحست مع مرور الأيام بعوارض الحمل».

وفي (عندما يسقط الديجور على الديجور) تقول صاحبة كتاب: «الرقص بألم على حافة من زجاج): أتبصر فيك يا دنيا فلا أبصر شيئا..!؟ فكل ما فيك وكل ما تحتويه ويحتويك أحجية.. أسترة.. أسرار واهمة.. أو هكذا يبدو ويشعر.. سراب متيقن.. حقيقة مبهمة.. عدم يتخفى ويظهر.. لغز يتجلى وينزوي.. حيرى كأنها تتكشف لكنها تعود تتوارى وتستتر..».

وفي عنوان (الرغبة الكبرى) تقول الكاتبة: الحزن زوبعة الكيان من أعماق الشرايين والليل بطوفانه المظلم يجثم على الوجع في الأحلام الخائفة.. يملأ العمر بذراته الجوفاء المجهولة.. تتناثر عتمته الحالكة في الخفاء فتغسل الحيرة الجسد النطفيء في الفراش.. تتكدس بقايا سوداء.. زاحفة ببطء على الروح المنزوية في الأعماق.. معتصرة الدماء حتى التخثر.. لتظل تسيل رغوة الضياء للحلم.. للأمل لذاك الوعد الكبير.. زبداً صافياً في صدر موجة تركض هاربة إلى وسط البحر.. في عمق الأزل في الفناء فينحسر الطوفان في فم الأفق الواسع.. منسلاً منه المد والجزر.

وفي (شكل الحياة) تقول: «لم الحياة لا تكون بشكل آخر.. مماثل.. مشابه مغاير.. والعمر عديدة أبعاده.. مباعد.. معاود مغادر.. فيه الرؤى واضحة أكيدة.. مختلفة حقائقها.. متنوعة عديدة.. يخالطها نور بديع في الإشراق ويعانقها ضياء وحيد في الإغداق..».

كتاب جميل في ستة وثلاثين موضوعاً متنوعاً يكشف بعض الجوانب الخفية من مجتمعنا المحلي وبعض المجتمعات الشرقية، وأشكال المعاناة التي يعانيها الإنسان بشكل عام والجنس اللطيف بشكل خاص.

نائب مدير التحرير
203305